الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الديمقراطية الحديثة في أمريكا
بقلم الأستاذ شاكر العاص
إن مدلول الديمقراطية آخذ بالتبدل والانحراف وهذا مما يزيد بحثها أبهاماً وتعقيداً وخصوصاً أنها تعني في الأصل أشياء كثيرة متنوعة. فالمبادئ العامة التي أقرتها والنظام الذي وضع خصيصاً لإبرازها لحيز العمل والتطبيق هي موضع بحث ونقد شديد. وقد اتخذت النتائج التي حدثت بعد تطبيقها خلال قرن ونصف معياراً للتمييز بين الجيد والخبيث فيها. ولم يقف بحث الديمقراطية وقد وضعت على مائدة التشريح عند هذا الحد بل تناول الأسس والنظريات الفلسفية التي قامت عليها حتى الآن. وقد ظهرت هذه الأسس بعد البحث بالية وهي التي لم يخامر الشك بها صدور الباحثين حتى عهد قريب وإنها غير قادرة على حمل البناء القائم عليها.
الديمقراطية في الواقع نسيج حاكه التطور الاقتصادي والتوازن الجديد الناتج عنه بين مختلف القوى الاجتماعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فهي من وجهتها الفعلية تحقق شيئين الرأسمالية الطليقة والحكم الشعبي. ولتحقيقهما أقرت الديمقراطية المبادئ العامة المعروفة: الحرية والمساواة وصيانة الحياة والملكية وحرية المقاولات. وجعلتها دليلاً ينقاد إليه المشرعون ومن ينتهي إليهم الأمر. وأحدث النظام التمثيلي ليتسنى للشعب ممارسة السلطة التي وضعت فيه.
الحملات القائمة اليوم على الديمقراطية شديدة سواء في أوروبا أو في أمريكا ولكنها في الأولى أكثر شدة وعنفاً. ولكن هذه الحملات غير موحدة القيادة مختلفة في الغاية. فهي في الواقع هجمات على مواطن معينة في الديمقراطية يستهدف بها المهاجمون ما يحسبونه موطن ضعف فيها. ويقوم بهذه الحملات من لا يدينون بالديمقراطية بمعناها العام وهو أن الشعب مقر السلطات. أو الذين لا يقبلون بعض مبادئها العامة كصيانة الملكية وحرية المقاولات. ويطعن هؤلاء بالناحية الاقتصادية من الديمقراطية والنظام الرأسمالي الذي تحميه. فهم يرون أن الرأسمالية الطليقة سخرت المبادئ والأنظمة الديمقراطية لتحقيق أغراضها ومآربها وإنها تعمل عملها التخريبي في المجتمع تحت ظل القانون وحماية الدولة. والقائمون بهذه الحملة هم ما يطلق عليهم أجمالاً اسم الاشتراكيين في أوروبا على
اختلاف صبغاتهم وغاياتهم ويسمونهم راديكاليين في أمريكا. وأمضى سلاح يستعمله هؤلاء هو الماركسية الصحيحة أو المحرفة أو النظريات التي تقرب منها وأهم ما تتصف به حركتهم إذا استثنينا الشيوعيين هو تمسكها بالشكل الديمقراطي السياسي أي التصويت العام والبرلمان.
أما الذين يحاربون فكرة الديمقراطية ولا يرونها صالحة لحياة الشعوب فهم فئات خلقتها ظروف ما بعد الحرب يمثلها الآن الفاشستية الايطالية والاشتراكية الوطنية الألمانية وقد نشأت هذه الجماعات منذ تكونها نشوءاً ثورياً أي أنها تؤمن بالعمل المباشر ولا تتقيد بالقوانين والأنظمة العامة إلا حينما ترى فيها معيناً على تحقيق أهدافها. وحملتها على الديمقراطية شديدة جداً كما هو معروف. لا تقر فائدة التمثيل الحاضر بل ترميه بالفساد والانقياد لتحقيق المطامع والغايات الشخصية وتتهمه بالعجز عن حسن إدارة الشؤون العامة وخصوصاً عن القضاء على الماركسية الرهيبة التي تهدد حقاً كيان النظام الاجتماعي الحاضر. وسلاح هذه الحملة بعض المبادئ الفكرية كالقومية وإقرار مبدأ التمييز بين الأجناس وبين الطبقات. وبالرغم من كون هذه الحركة فكرية فهي لا تهمل الناحية الاقتصادية في برامجها وأعمالها وتصرح بمحاربة الرأسمالية الطليقة ولكنها في الواقع تحتفظ بجوهرها وهو صيانة الملكية الشخصية كما تحتفظ بمبدأ حرية المقاولات وأن كانت ترمي لتنظيمه.
إن مهاجمة الأنظمة الديمقراطية ضعيفة في الوقت الحاضر في أمريكا ولكن هناك نقمة تكاد تكون عامة على بعض الأصول الإدارية وعلى زمرة السياسيين أجمالاً. فالسياسة والسياسيون موضع ازدراء واحتقار كالاحتيال والمحتالين. وهذا الحادث يكاد أن يكون أمريكياً بحتاً ولا تصعب معرفة أسبابه على من عرف شيئاً عن حياة الأمريكيين العامة. فالواقع أنهم أخفقوا أخفاقاً شديداً في ممارسة الحكم والسياسة والإدارة. فلم يستفيدوا من ذلك شيئاً من أمهم انكلترا حيث بلغت هذه الصناعة الأوج في الإتقان والدقة وتفوق الأمريكيون تفوقاً لا يجارى في ممارسة الأعمال الصناعية والمالية على وجه عام. وقد خلق نجاحهم هذا ثقة في نفوسهم لا يوازيها غير ثقة الانكليز الناتجة عن نجاحهم في صناعة الحكم والدولة. إن نجاح رجال الأعمال في أمريكا ترك أثراً عميقاً في الديمقراطية الأمريكية إذ
تكيفت لتسهل النجاح في هذا المنحى. وسار الشعب وراء ملوك المال بلا تحفظ ولا تردد مندهشاً بما أحرزوه من ثروات هائلة مؤمناً بكفاءتهم ومقدرتهم الخارقة. لم يباشر هؤلاء الملوك الحكم بأنفسهم بل اكتفوا بشراء رجال السياسة وتسخيرهم فيما يريدون فاتقوا بذلك سخط الشعب واحتفظوا بإعجابه وتكريمه. وحرص رجال السياسة على ما اكتسبوه من سلطة وعملوا على توطيدها وأساءوا للشعب يحميهم جيش من المرتزقة والأتباع. أن تسلط رجال السياسة واستفحال شرهم دهراً طويلاً دون أن يحرك الشعب ساكناً ضدهم لغز يصعب علينا فهمه. ولكن الغرائب غير مستغربة في أمريكا. فشعبها النشيط منصرف لأعماله لا يعبأ بالسياسة ولا يعيرها اهتماماً. أما ملوك المال فلم يروا فائدة كبرى بالضرب على أيدي المسيئين وقد صرح أحد قادتهم في نيويورك بأن شراء هؤلاء الإماقيين أو دفع جزية لهم لاتقاء شرهم هو أقل ما ينبغي أن ينفق من المال لطردهم والقضاء عليهم.
إن هذه النقمة على رجال السياسة امتدت منذ عهد غير بعيد حتى أحاطت بملوك المال. ولكنها تتعلق من حيث الهدف بالفروع والتطبيق ولا تلمس الأصول والمبادئ العامة. أما الحملة الحقيقية فتستهدف النظام الاقتصادي المتقمص في ثوب الديمقراطية وترى هذا النظام لم يعد متفقاً مع روح الديمقراطية وجوهرها وأن الظروف التي وضعت فيها المبادئ العامة المشتقة من فكرة الديمقراطية قد تبدلت تبدلاً كلياً وإنه لابد من إعادة النظر في تلك المبادئ لتغييرها أو تفسيرها تفسيراً جديداً يلتئم مع ظروف المعيشة الحاضرة. فالأمريكي يشعر اليوم أن حقه في العمل والكسب لأجل العيش أهم من حقه في التصويت والعامل الأمريكي اكتشف بعد غفلة طويلة أن الحقوق الممنوحة له في الدستور لم تفده دائماً في تحسين أحواله وأن أكثرها سلاح يستخدم ضده ولذا أصبح مرتاباً بتلك الحقوق.
إن القادة من المحافظين على الديمقراطية شديدو الانتباه لحاجات الشعب التي نشأت من تبدل ظروف الحياة والعيش. ينظرون بعين الاعتبار للتوازن الجديد بين القوى الاجتماعية الحاضرة وهو بعيدون عن التعصب والتمسك بالتقاليد لذاتها شديدو الحرص على التطور والتكيف. لا يجهلون أن العامل الاقتصادي قد اكتسب أهمية في الحياة الحاضرة لم تكن له في زمن من الأزمنة. وأدركوا أنه لابد من تبديل مضمون الديمقراطية لصونها من مخاطر الهجمات الموجهة إليها سواء من اليمين أو الشمال. ورأوا أن الإصرار على المحافظة على
مبادئ لم تعد صالحة لتسيير حياة الأفراد في السبيل المرضية لاشك منته باضمحلال الديمقراطية واندثارها. ولذا تسير الديمقراطية الأمريكية في طريق التضامنية
إن هذا التبدل في مضمون الديمقراطية والانحراف عن مبادئها العامة المقررة والسير بها في سبيل جديد ليس هو كل ما يحدث حولها ويرمي لإصلاح شأنها وجعلها صالحة للقيام بمهمتها الرئيسية. بل هناك بحث ودرس عميق يتعلق بوظيفتها يرمي لإيجاد أفضل شكل ممكن تستطيع به الديمقراطية تأدية تلك المهمة. ولإيفاء هذه الناحية حقها من البحث ينبغي أن ننظر للديمقراطية من ناحية جديدة وأن نحلل مضمونها على مستوى أعمق من الأول فلا نقف عند مظهرها السياسي والاقتصادي كما مر معنا.
الديمقراطية في الأصل نظرة جديدة في الحياة والإنسان وطريقة مستحدثة لجعل علاقات الإنسان بأمثاله أكبر نفعاً وأعم فائدة لجميع الذين يساهمون في تلك العلاقات فقوامها إكبار شأن الفرد واعتباره غاية لذاته. ولذا منحته حقوقاً متنوعة ليتمكن من تنمية مواهبه وإرضاء رغباته ولم تكلفه للحصول عليها نزاعاً وعراكاً مع بيئته. نشأت الديمقراطية وترعرعت في جو الحكم المطلق والاستبداد الشامل فكانت رد فعل وثورة على الكرامة المهانة والحقوق المهضومة. فهي تشبه في منشئها الاشتراكية الحديثة التي خلقت في صفوف العمال في أوربا في القرن التاسع عشر بكونها رد فعل وثورة على النظم والأوضاع القائمة.
واستلزم ظفر الديمقراطية وضع نظام جديد يستطيع به الشعب ممارسة السلطة التي انتزعها. وقد أحدث النظام التمثيلي عامة والبرلماني خاصة لتحقيق هذه الغاية. وما هذا النظام التمثيلي كما هو معروف الآن إلا شكل من الأشكال التي يمكن أن يتخذها الحكم الديمقراطي. فليس هو بالشكل الوحيد ولعله ليس أفضلها. يرى المحدثون من أنصار الديمقراطية أن إخفاقها في تحقيق غاياتها العليا وهي توزيع أكبر مقدار من السعادة على أكبر عدد من الناس خلال أطول مدة من الزمن نتج بالدرجة الأولى عن عيوب ملازمة لهذا النظام الذي وضع لتخفيفها وإبرازها لحيز العمل. فإيفاد ممثلين لممارسة الحكم لا يرجعون لرأي الشعب إلا فيما ندر من الأحوال (وهذا في بعض الممالك فقط) لا يقول فيها أكثر من نعم أو لا لا يدل على ممارسة الشعب للحكم ممارسة فعلية كما يريد أنصار
الديمقراطية الصحيحة. ورأيهم أن النظام الديمقراطي في شكله الحاضر قائم على خطأ في إدراك وظيفة الديمقراطية الأصلية. ويرون أن هذا الخطأ منبعث من تسرب فكرة التضاعف القديمة التي اعتنقها الإنسان دهراً طويلاً ففرق الباطن عن الظاهر والروح عن الجسد والغاية عن الواسطة والنظري عن العملي والخ. والخطأ في النظام الحاضر يظهر لهم في التفريق بين الغاية الشيئية والعمل لإدراكها. فالأنموذج المتبع في هذا النظام الحاضر هو أن يضع الخبراء الغايات والأهداف ثم تؤخذ موافقة الشعب عليها.
يعترض المحدثون على هذه الطريقة في مرحلتها الأولى والثانية وقولهم في ذلك أن الغايات والأهداف التي يحددها الخبراء ليست في الواقع أكثر من غايات الخبراء أنفسهم فهي إذن غريبة عن الأفراد الذين وضعت لأجلهم والذين يطلب إليهم العمل لتحقيقها. أما موافقة الشعب على ما أقر الخبراء فلا تعني أنه أخذ على نفسه التقيد بما وافق عليه. لأن هذه الموافقة تحصل في المستوى الفكري بينما التنفيذ والعمل يقعان في مستوى العادة.
إن هذه الانتقادات الموجهة لشكل الديمقراطي لإصلاحه لم تكن ممكنة بالأمس لعدم توفر الشروط ولضيق نطاق المعرفة، فهي كما يظهر للقارئ مستندة للسكلجة الحديثة وللفلسفة البراغمية ولتقدم وسائط الاتصال والنقل (الراديو والطيارة) تقدماً لم يحلم به أحد قبل جيل واحد.
فالسكلجة الحديثة تشير إلى أن المثل العليا لا أثر لها في حياة الأفراد اليومية إلا بمقدار ما يفهمونها ويحيطون بها. وإن الأفراد لا ينفذون بغير استعمال العنت والشدة خطة مرسومة إلا بقدر اشتراكهم في وضعها واتصالها بحياتهم العادية وأن كل رأي أو وجهة نظر مهما كان مصدرها لا تترك أثراً في حياة الفرد الخاصة إلا بمقدار مامحصها بذاته وأحاط بما يترتب عليها بنفسه. وإن المثل الأعلى لا يكتسب تأثيراً وقوة إلا على نسبة تطبيقه في حالات وأوضاع متنوعة.
وتتفق تلك الانتقادات المستنبطة من السكلجة الحديثة مع وجهة نظر البراغمية في تفسير الديمقراطية وتحديد مرماها وبما أن النتائج التي توصلت إليها السكلجة قائمة على درس الحياة كما يعيشها الأفراد تكون مهمة المحدثين تحويل الأنظمة الديمقراطية لجعل هذه نسخة طبق الأصل عن الحياة كما أدركها العالم. هل يوفقون لاكتشاف الطرق الناجعة لتحقيق
ذلك؟ هذا موضع والدرس الآن والجهود المنصرفة في هذا السبيل عظيمة. والنتائج التي وصل إليها الدرس تحمل على التفاؤل والاطمئنان.
شاكر العاص