المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام - مجلة «الثقافة» السورية - جـ ٩

[خليل مردم بك]

الفصل: ‌صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام

‌صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام

تابع لما قبله

للأستاذ وصفي زكريا

قال القلقشندي: وقد تشعب آل فضل شعباً كثيرة منهم آل عيسى وآل فرج وآل سميط وآل مسلم وآل علي وينضاف إليهم قبائل كثيرة كبني كلب وبعض بني كلاب وآل بشار وخالد حمص وغيرهم. وأسعد بيت في آل فضل آل عيسى وقد صاروا بيوتاً: بيت مهنا بن عيسى وبيت فضل بن عيسى وبيت حارث بن عيسى وأولاد محمد بن عيسى (الذي عثرت على قبره في شمال سلمية) وأولاد حديثة بن عيسى. قال ابن فضل الله العمري: وهؤلاء آل عيسى في وقتنا هم ملوك البر فيما بعد واقترب بمشارف الشام والعراق وبرية نجد وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب. وأما الإمرة عليهم فقد جرت العادة أن يكون لهم أمير كبير منهم يولى عن الأبواب السلطانية ويكتب له تقليد شريف بذلك ويلبس تشريفاً أطلس أسوة بالنواب إن كان حاضراً أو يجهز إليه إن كان غائباً ويكون لكل طائفة منهم كبير قائم مقام أمير عليهم وتصدر إليه المكاتبات من الأبواب الشريفة إلا أنه لا يكتب له تقليد ولا مرسوم.

ولم يصرح لأحد منهم بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل أبي بكر أخي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر منهم ماتع بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة. ولما توفي ماتع سنة 630 ولي عليهم بعده ابنه مهنا وحضر مع المظفر قطز قتال جيش التتر سنة 658 في عين جالوت (غور بيسان) فأجازه قطز بسلمية نزعها من الملك المنصور بن الملك المظفر صاحب حماة وأقطعها له (أبو الفداء ج3 ص214) ثم ولى الملك الظاهر بيبرس ابنه عيسى ووفر له الإقطاعات على حفظ السابلة.

قلت وعيسى هذا على ما ذكره ابن إياس في تاريخه (ج1 ص102) هو الذي جاء بالإمام أحمد العباسي بعد حادثة هولاكو في بغداد وكان مختبئاً عند أناس من قبيلته وأوصله إلى مصر إلى الملك الظاهر بيبرس وشهد هو وقومه انه من نسل العباسيين فبويع له بالخلافة واستمرت هذه الخلافة فيه وأعقابه إلى أن استخلصها منهم السلطان سليم العثماني سنة 923 وقضى عليهم. وذكر ابن تغرى بردى في المنهل الصافي أن الأمير شرف الدين

ص: 33

عيسى بن مهنا أمير آل فضل كان ملك العرب في وقته وكان له منزلة عظيمة عند الملك الظاهر بيبرس ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون بحيث ضاعف حرمته وإقطاعه وملكه مدينة تدمر بعقد البيع والشراء وأورد عنه ثمنها لبيت المال ليأمن غائلة ذلك. وكان عيسى كريم الأخلاق حسن الجوار مكفوف الشر لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه وعنده ديانة وصدق لهجة لا يسلك مسالك العرب في النهب وغيره وكان به نفع للمسلمين، منها أنه كان يكف العدو عن حلب ومعاملتها ومنها في وقعة الملك المنصور قلاوون مع التتار بحمص سنة 680 فأنه جاء وقت الوقعة واعترض التتار من خلفهم فتمت هزيمة التتار به. وكانت البلاد في زمنه في غاية الأمن إلى أن توفي سنة 683 اه -. وذكر حيدر الشهابي في تاريخه (ص450) أن عيسى بن مهنا وسماه ملك العرب اشترك بهذه المعركة مع أولاد عمه (يعني آل مرا الذين تقدم ذكرهم) وأبلى لياء حسناً وأيد هذا القول أبو الفداء أيضاً مما يدل على أنه كان له الفضل في تلك النصرة التي كادت تميل على المسلمين لولاه ولولا ثبات الملك قلاوون. ولعل عيسى هذا هو الذي قال عنه كاتب جلبي في جغرافيته أنه كان في هذه المعركة حاملاً ريشة على رأسه فلقب بأبي ريشة وبقي هذا اللقب إلى يومنا، وإنه هو الذي نال من ذلك الملك عطاءً عظيماً فاشترى به عبيداً ومماليك اعتقوا بعد حين ودعوا بالموالي وبقيت أعقابهم إلى يومنا ملتفة حول هؤلاء الأمراء آل أبي ريشة وانضم إليهم بعد عدد غير يسير من شذاذ الأعراب اندحروا في لفيفهم وحلفهم فصارت من مجموعهم قبيلة الموالي التي سوف نبحث عنها.

ولما توفي عيسى في سنة 683 دفن في جبانة الشيخ فرج شمالي سلمية قبل ابنه محمد على ما جاء في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج6 ص22) وكان عيسى أعقب عدة أولاد أخصهم مهنا وفضل وسليمان وحارث وموسى ومحمد. ولى الملك المنصور قلاوون منهم مهنا في الإمارة فلقب بحسام الدين وصار كبير آل عيسى النازلين في براري سلمية وحماة وتدمر بل أمير البادية طراً.

قال ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار يصف آل عيسى وصفاً نقتطف بعضه لنستدل على ما كانت عليه حالتهم في تلك العصور: هؤلاء آل عيسى في وقتنا هم ملوك البر ما بعد واقترب، قد ضربوا على الأرض نطاقاً وتفرقوا فجاجاً تقارعوا على قرى

ص: 34

الضيفان وسارعوا إلى تقريب الجفان حفظوا البر من كل جهاته وحرسوه من سائر مواقعه وآفاته، ولهم سجايا مالكية وعطايا برمكية ووهائب حاتمية وصوارم تنسحب بذيلها الرقاب ومكارم يحتبس على أثرها السحاب. لا يخلو ناديهم من سيد ومسود ووافد آمل وصارخ ملهوف وهارب مستجير ولا ينطفئ لهم نار قرى، يسرح عدد الرمل لهم أبل وشاة، تطل منهم على بيوت قد بنيت بأعلى الربى وبلغت السحاب وعقد عليها الخبا قد اتخذت من الشعر الأسود وتبطنت بالديباج ودبجت بالعسجد وفرشت بالمفارش الرومية والقطائف الكرخية ونضدت بها الوسائد وشدت أطنابها وأرخيت سجفها وتزايد ظرفها وشرعت أبوابها إلى الهواء ورفعت عمدها وقرر وتدها وطلعت البدور في كلتها ورتعت الظباء في مشارق أهلها. . . الخ

وقد ردد أبو الفداء وابن الوردي وحيدر الشهابي في تواريخهم ما كان للأمير مهنا بن عيسى بن مهنا في أواخر القرن السابع وأوائل الثامن من المكانة لدى سلاطين مصر ونوابهم في الشام - وذلك يؤيد مؤلف مسالك الأبصار - وذكروا تداخله في بعض أمور الدولة وعدوا وثباته وغاراته والخراب والدمار الذين أتى بهما أولاده وأولاد أخوته وأعقابهم مما أدى لدثور سلمية وأعمال حماة والمعرة وحلب وكان له أثر كبير في تاريخ القرنين المذكورين وما بعدهما رأيت أن انقله من مختلف الصحائف ليكون عبرة وذكرى.

ذكر المؤرخون في حوادث سنة 692 إن الملك الأشرف خليل بن قلاوون لما توجه من دمشق إلى حمص أضاف الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام بلياليها ثم أن السلطان بداله أن يقبض عليه وعلى أخويه محمد وفضل فقبض عليهم وأرسلهم معتقلين إلى قلعة الجبل في مصر وولى الأمير علي بن حديثة عوضاً عن مهنا. ولم يذكروا سبب هذا الاعتقال ولعله كان لازدياد عتو مهنا في ذلك الحين. ثم قالوا في حوادث سنة 694: لما جلس الملك العادل زين الدين كتبغا أفرج عن المذكورين وعاد مهنا إلى سلمية - وكان مقره في قرية تل اعدا - واخلد إلى السكينة وحسنت سيرته فسمت منزلته لدى الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي عاد إلى السلطنة سنة 698 للمرة الثانية وأصبح مهنا ممن يتوسل به في الملمات. شفع في سنة 707 بنابغة الإصلاح الديني تقي الدين أحمد بن تيمية وقد كان مسجوناً في مصر في الجب بقي في غياهبه نحو ستة أشهر ولم يجد مريدوه طريقة لإنقاذه

ص: 35

غلا بالتوسل لمهنا بن عيسى فجاء وشفع به وأخرجه. وكان مهنا صديق أبي الفداء قبل أن يصير ملكاً، حضر سنة 709 لما تولى اسندمر على حماة ونزلها لم يرض مهنا بتوليته فسافر إلى مصر وطلب من الملك الناصر نصب أبي الفداء على حماة فأجابه ونقل اسندمر إلى حلب وعين أبي الفداء ملكاً على حماة فعادت المملكة بتعينه إلى البيت التقوى الأيوبي.

على أن طبع البداوة عاد يوحي إلى مهنا بإقلاق الراحة والمكانة اللتين ظل ينعم بهما خمس عشرة سنة. فقد قيل في سنة 711 أن قراسنقر كبير الأمراء في حلب قصد مهنا وكان على مسيرة يومين من حلب يستنصره على الملك الناصر زاعماً أنه يريد البطش به. فركب مهنا - وما كان أغناه عن ذلك - فيمن أطاعه من أهله واستنفر من الغرب نحو خمسة وعشرين ألفاً وقصدوا حلب واحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها واستخلصوا منها مال قراسنقر ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك، فسير عليهما الملك عسكراً فخاماً عن لقائه إلى جهة الفرات.

وعن أبي الفداء: وفي سنة 712 قوي استيحاش مهنا لما اعتمد من مساعدة قراسنقر ولغير ذلك من الأمور وكاتب خربندا ملك التتار ثم أخذ منه أقطاعاً في العراق في مدينة الحلة وغيرها واستمر أقطاعه من السلطان بالشام وهو مدينة سرمين وغيرها على حاله وعامله السلطان بالتجاوز ولم يؤاخذه بما بدا منه وحلف على ذلك مراراً فلم يرجع عما هو عليه وجعل مهنا ابنه سليمان منقطعاً إلى خدمة خربندا ومتردداً إليه واستمر ابنه الثاني موسى في صداقة السلطان ومتردداً إلى الخدمة واستمر مهنا على ذلك يأخذ الإقطاعين بالشام والعراق ويصل من الفريقين وخلعهما وأنعامهما وهو مقيم بالبرية ينتقل إلى شط الفرات من منازله لا يروح إلى أحد الفئتين وهذا أمر لم يعهد مثله ولا جرى نظيره فإن كلاً من الطائفتين لو أطلعوا على أحد منهم أنه يكتب إلى الطائفة الأخرى سطراً قتلوه بساعته ولا يمهلونه ساعة ووافق مهنا على ذلك سعادة خارقة اه -. (أي أراد أبو الفداء أن يقول عن مهنا بلسان أهل زمتنا أنه كان يلعب على الحبلين شأن بعض أبناء جلدته من أمراء البادية الذين أدركنا عملهم هذا في الحرب العامة وما بعدها). وفي سنة 715 أغار سليمان بن مهنا بجماعة من التتار والعرب على التراكمين والعرب النازلين قرب تدمر ونهبهم ووصل في إغارته إلى قرب البيضاء بين القريتين وتدمر وعاد بما غنمه إلى الشرق. ثم قال: وفي

ص: 36

سنة 720 تقدمت مراسيم السلطان بقطع أخباز (لعلها رواتب مقننة) آل عيسى وطردهم بسبب سوء صنيعهم فقطعت أخبازهم ورحلوا عن بلاد سلمية وساروا إلى جهات عانة والحديثة على شاطئ الفرات فلحقهم جيش السلطان فهربوا إلى وراء الكبيسات وأقام السلطان موضع مهنا أحد أبناء أعمامه محمد بن أبي بكر من آل علي. وفي سنة 721 عدى مهنا بن عيسى الفرات وتوجه إلى أبي سعيد ملك التتار مستنصراً به على المسلمين وأخذ معه تقدمة برسم التتار سبعمائة بعير وسبعين فرساً وعدة من الفهود وفي سنة 724 وصل الأمير فضل بن عيسى أخو مهنا إلى مصر داخلاً ومستشفعاً فرضي عنه السلطان وأقره على أمرة العرب موضع محمد بن أبي بكر. وفي تلك السنة نزل الأمير مهنا في ظاهر سلمية عند تل اعدا وكان له ما يزيد على عشر سنين لم ينزل بأهله هناك وكان الأمر والنهي إليه في العرب وخبز الإمرة لأخيه فضل. وفي سنة 726 أمر السلطان بطرد مهنا وعربه وأمرني بإرسال عسكر إلى الرحبة لحفظ زرعها من المذكورين فجردت إليها أخي بدر الدين ومحموداً ابن أخي واسنبغا مملوكي فساروا إليها وأقاموا بها ثم عادوا اه -.

قلت وبقيت هذه الحالة القلقة نحو عشر سنوات، ومن الغريب أن أبي الفداء لم يف خلالها بالواجب نحو من كان سبب ملكيته فلم يتوسط بإصلاح ذات البين وإزالة هذا الضيم عن صديقه مهنا إلى أن قام بذلك بعد مماته في سنة 732 ابنه الملك الأفضل محمد، فإنه ذهب ونصح الأمير مهنا وأخذه معه إلى السلطان فرضي عنه وأعاد أمرته إليه ورجع إلى أهله. قال ابن خلدون: وذكر لي بعض أمراء الكبراء بمصر فيمن أدرك وفادة منها أول حدث بها إنه تجافى في هذه الوفادة قبول شيء من السلطان حتى إنه ساق عنده النياق الحلوبة والخيل العراب وإنه لم يغش باب أحد من أرباب الدولة ولا سأل منهم شيئاً من حاجته ثم رجع إلى أحيائه اه -.

قلت: وبعد أن زالت وحشة مهنا وأطمأن قضى ثلاث سنوات طيبة في شيخوخته أميراً على البادية كلها يكرم كلما ذهب إلى مصر إلى أن مات في سنة 735. قال ابن الوردي في تاريخه: وحزن عليه وأقاموا مأتماً بليغاً ولبسوا السواد أناف على ثمانين وله معروف من ذلك مارستان جيد بسرمين. وقد أعقب مهنا ستة أولاد: موسى وسليمان وأحمد وفياض وجبار وقناره كما أن أخيه فضل أعقب ثلاثة: سيف وعيسى ومعيقل.

ص: 37

ويظهر أن الإمارة انتقلت بعد مهنا إلى ابنه موسى الذي غزا العرب والتركمان في ضواحي تدمر ومات فيها سنة 742 فانتقلت الإمرة إلى أخيه سليمان وكان ظالماً صادر أهل سرمين وربط بعض النساء في الزناجير وهجم عبيدة على المخدرات فأغاثهم الله وسط الشدة فعزل في سنة 744 وولى مكانه ابن عمه سيف بن فضل. ويظهر أنه كان لكل من أولاد مهنا خبز أي راتب مقنن يقطع عند حدوث سبب كما جرى لفياض بن مهنا فصار هذا يقطع الطرق وينهب. وفي سنة 746 عزل سيف عن إمارة العرب ووليها ابن عمه أحمد بن مهنا وعفى عن أخيه فياض وأعيد خبزه إليه ولكن استعيد من أيدي هؤلاء الأعراب من الإقطاعات والملك شيء كثير وجعل خاصاً لبيت المال. ويطهر أن أبناء مهنا بن عيسى وأبناء أخيه فضل بعد أن نالوا تلك الخسارة ولم يبق بأيديهم سوى أسم الإمارة صاروا يتقاتلون عليها ويخربون في طريقهم، قال ابن الوردي: وفي سنة 748 قطعت الطرق وأخيفت السبل بسبب الفتنة بين العرب لخروج أمرة العرب عن أحمد بن مهنا إلى سيف بن فضل. فقد اقتتل سيف وأبناء عمه أحمد وفياض في جمع عظيم قرب سلمية فانكسر سيف ونهبت جماله وماله ونجا بعد اللتيا والتي في عشرين فارساً وجرى على بلد المعرة وحماة وغيرهما في هذه السنة من هؤلاء الأعراب من النهب وقطع الطريق ورعى الكروم والزرع والقطن والمقاتي ما لا يوصف اه -. قلت وهذه الكوائن هي التي قضت على براري حماة والمعرة وأدت لخرابها ودثور سلمية معها لاسيما وقد أعقب تلك الفتن الطاعون الجارف الذي فتك إذ ذاك في دمشق وحماة وحلب فأخلى الدور وأقفر القرى من أهلها.

قال في صبح الأعشى (ج4 ص207) وبقي أحمد بن مهنا بن عيسى حتى توفي في سنة 747 في سلطنة الناصر حسن بن محمد بن قلاوون المرة الأولى، وولي مكانه أخوه فياض فبقي حتى مات سنة 760 وولى مكانه أخوه جبار (وفي إحدى طبعات ابن خلدون حيار) من جهة الناصر حسن في سلطنته الثانية، ثم حصلت منه نفرة في سنة 765 وأقام على ذلك سنتين إلى أن تكلم بسببه مع السلطان نائب حماة يومئذ فأعيد إلى أمارته ثم حصل منه نفرة ثانية سنة 770 في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين فولي مكانه ابن عمه زامل بن موسى بن عيسى فكانت بينهم حروب قتل في بعضها قشتمر المنصوري نائب حلب.

ص: 38

فصرفه الأشرف وولى مكانه ابن عمه معيقل بن فضل بن عيسى ثم بعث معيقل في سنة 771 يستأمن لجبار (أو لحيار) المتقدم ذكره من السلطان الملك الأشرف فأمنه، ووفد جبار على السلطان في سنة 775 فرضي عنه وأعاده إلى أمرته فبقي حتى توفي سنة 777، فولي مكانه أخوه قناره وبقي حتى مات سنة 781 فولى مكانه معيقل بن فضل بن عيسى وزامل بن موسى بن عيسى المتقدم ذكرهما شريكين في الإمارة، ثم عزلا في سنتهما وولي مكانهما محمد بن جبار بن مهنا وهو نعير، ثم وقعت منه نفرة في الدولة الظاهرية برقوق فولى مكانه بعض آل زامل ثم أعيد نعير المذكور وهو باق على ذلك إلى الآن اه - قلت ويظهر من كلام آخر للقلقشندي أضربت عن نقله ومن كلام غيره من المؤرخين الذين نوهوا بأخبار نعير أي محمد بن جبار بن مهنا المذكور أن الإمرة بقيت في أعقابه دون غيرهم من أعقاب أخوته آل مهنا وأبناء أعمامه آل عيسى بل آل فضل كلهم فخمل ذكر هؤلاء وضاع اسمهم تدريجياً وخلفه اسم أولاد جبار أو آل جبار ردحاً من الزمن إلى أن ظهر اسم أولاد أبي ريشة أو غلب كما هي العادة عند أهل البادية تتغير أسماؤهم في كل قرن أو قرنين تبعاً للسائد عليها.

ولمحمد بن جبار هذا ترجمة في (المنهل الصافي) لابن تغرى بردى ننقلها عن (تاريخ حلب لراغب الطباخ ج4) قال: محمد بن جبار بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن ماتع بن حديثة شمس الدين أمير فضل بالشام ويعرف بنعير ولي الإمرة بعد أبيه ودخل القاهرة مع يلبغا الناصري ولما عاد الظاهر برقوق من الكرك رافق نعير منطاشاً حلب في الفتنة الشهيرة وكان معه لما حاصر حلب، ثم أرسل نعير نائب حلب إذ ذاك كمشبغا في الصلح وسلمه منطاش، ثم غضب الظاهر برقوق على نعير وطرده من البلاد فأغار نعير على بني عمه الذين قرروا بعده وطردهم. فلما مات برقوق أعيد نعير إلى أمرته، ثم كان ممن استنجد به دميرداش لما قدم اللنكية (التتار) فحضر بطائفة من العرب فلما علم أنه لا طاقة له برح إلى الشرق فلما برح التتار رجع نعير إلى سلمية، ثم كان ممن حاصر دميرداش بحلب ثم جرت بينه وبين حكم نائب حلب وقعة فانكسر نعير ونهب وجيء به إلى حلب فقتل في شوال سنة 808 وقد نيف على السبعين وكان شجاعاً جواداً مهيباً إلا أنه كثير الغدر والفساد وبموته انكسرت شوكة آل مهنا وكان الظاهر خدعه ووعده حتى تسلم

ص: 39

منطاش وغدر به ولم يف له الظاهر بما وعده بل جعل ذلك ذنباً عليه وولى بعده ابنه معجل ذكره شيخنا في أنبائه وهو في المقريزي مطول.

يتبع

وصفي زكريا

ص: 40