المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌غرة صفر - 1320ه - مجلة المنار - جـ ٥

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (5)

- ‌غرة محرم - 1320ه

- ‌فاتحة السنة الخامسة

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الكتاب الموعود بنشره

- ‌علم تلامذة العرب وبلاغتهم

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌حرية الجرائد والشعور العام بالفضيلة في مصر

- ‌16 محرم - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌القرآن والكتب المنزلة

- ‌الاجتماع الثاني - الداء أو الفتور العام

- ‌التعليم الذي ترتقي به الأمة

- ‌مقدمتنا لكتاب أسرار البلاغة

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌غرة صفر - 1320ه

- ‌لا وثنية في الإسلام

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌الإسلام في إنكلترا

- ‌(إلى الأغنياء)

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الحريق في ميت غمر

- ‌16 صفر - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع الثالثالداءأو: الفتور العام

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌قوانين التعليم الرسمي والجمعية العمومية

- ‌شهادة مفتي الديار المصريةلكتاب أسرار البلاغة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ربيع الأول - 1320ه

- ‌آثار محمد علي في مصر

- ‌أميل القرن التاسع عشر [*]

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 ربيع الأول - 1320ه

- ‌شروط الواقفينوعدم التعبد بكلام غير المعصومين

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع الرابع لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌أأحياها محمد علي وأماتها خلفه

- ‌مصاب عظيم بوفاة عالم حكيم

- ‌غرة ربيع الثاني - 1320ه

- ‌إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر

- ‌الملائكة والنواميس الطبيعية

- ‌أميل القرن التاسع عشر [*]

- ‌الاحتفال السنوي بمدرسة الجمعية الخيريةوخطبة المفتي

- ‌تتمة سيرة الكواكبي

- ‌16 ربيع الثاني - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌فرنسا والإسلام

- ‌نموذج من كتاب دلائل الإعجازللإمام عبد القاهر الجرجاني

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة جمادى الأول - 1320ه

- ‌الزواج وشبان مصر وشوابُّها

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 جمادى الأولى - 1320ه

- ‌الأزهر والأزهريون - وفاضل هندي

- ‌أفكوهة أدبية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌قصص (روايات) مجلة الهلال

- ‌مسيح الهند

- ‌غرة جمادى الآخر - 1320ه

- ‌الاضطهاد في النصرانية والإسلام

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌إيمان المسلمين وأعمالهم

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 جمادى الآخرة - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مثال من أمثلة تسامح الإسلاموضيق صدر المسيحية

- ‌ الأخبار والآراء

- ‌غرة رجب - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الإسلام اليومأو الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام

- ‌الاجتماع السادس لجمعية أم القرى

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الإسلام والدولة البريطانية

- ‌مثال من أمثلة طفولية الأمة

- ‌محادثة بينصاحب جريدة الحاضرة ورئيس تحرير جريدة فرنسوية

- ‌مثال من أمثلة تعصب النصرانية على العلم

- ‌سخافة بشائر السلام في الجاهلية والإسلام

- ‌16 رجب - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الوفاق الإسلامي الإنكليزي

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الاحتفال بافتتاح مدرسة بني مزار

- ‌تتمة سيرة السنوسي

- ‌مشروع مجلة الجامعة الاقتصادي

- ‌غرة شعبان - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الأزهر والأزهريون، وفاضل هندي

- ‌رسالة الكسائي في لحن العوام

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 شعبان - 1320ه

- ‌المستقبل للإسلام

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة رمضان - 1320ه

- ‌أيصومون ولا يصلون وهم مؤمنون

- ‌الأخبار والآراء

- ‌(كيف يكون المستقبل للمسلمين)

- ‌16 رمضان - 1320ه

- ‌مسير الأنام.. ومصير الإسلام

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع السابع لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مقدمة كتاب الإسلام والنصرانية

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 شوال - 1320ه

- ‌رأيٌ في علم الكلام، وطريقةٌ في إثبات الوحي

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌الاجتماع الثامن لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌التقريظ

- ‌إعجاز أحمديأو سخافة جديدة لمسيح الهند

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ذو القعدة - 1320ه

- ‌الإسلام دين العقل

- ‌الاجتماع التاسع لجمعية أم القرىويتبعه الاجتماع 10 و 11

- ‌أحوال العالم الإسلامي

- ‌16 ذو القعدة - 1320ه

- ‌رد الشبهات عن الإسلام

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مسألة الشيخ محمد شاكر

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ذو الحجة - 1320ه

- ‌مسألة النساء

- ‌إحياء الإسلام لمدينة اليونان والرومان والمصريين

- ‌لاحقة سجل جمعية أم القرى

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌التقريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 ذو الحجة - 1320ه

- ‌رأيٌ في إصلاح المسلمينأو رأيان

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌وصية بطرس الأكبر قيصر روسيا

- ‌التقريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌خاتمة السنة الخامسة للمنار

الفصل: ‌غرة صفر - 1320ه

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌فاتحة السنة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على سيدنا

محمد وآله وصحبه وسلم.

وبعد، فقد تم للمنار أربع سنين ودخل بهذا الجزء في السنة الخامسة. ولم ينس

القراء أن فواتح السنين الخالية وخواتمها كانت تكتب بمداد الصبر والتبرُّم، على

صحائف الأمل والتعلل، لِمَا لقيناه من معارضة أنصار الجهل، ومناهضة الذين

ألفوا الذل، وما تحملناه من مناصبة الظالمين، ومغاضبة المقلدين، مع العناء

الكبير، وقلة العون والنصير.

ولو كان هذا المنار مُنْشأ لأجل الكسب، وابتغاء الرزق، لقوّضته أنواء

المناوأة والمناكدة، ودكته رياح المماكرة والمكايدة. ولو قصد به التوسل إلى

الوظائف والمناصب، والتوصل إلى الرتب والرواتب، لنال منها ما أراد، أو نالت

منه ما تريد. ولو كان الغرض منه الرياء والفخر ، وحسن السمعة والذكر ، لتلاعبت

به الأهواء ، وعبثت به أيدي الزعماء والرؤساء ، فأمالته عن الطريقة ، وصرفته عن

طلب الحقيقة. كلا والله ما كان شيء من ذلك ولن يكون {إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلاحَ مَا

اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88) .

صرحت في فاتحة السنة الأولى بأنني كنت في هذا العمل بين يأس ورجاء

يحركني الباعثان ، ويتنازعني العاملان ، وفي خاتمتها بأن غوغاء الناس سلقونا

بألسنة حداد ، ورمونا بسهام الانتقاد ، ولم تكن السنة الثانية بأمثل من الأولى ، ولا

بأقل بلاءً وأكثر قبولاً. وقلت في فاتحة السنة الثالثة: إن المنار قد انتشرت تعاليمه.

ولم أقل: إنه زاد هو انتشارًا. وقلت: إن الكُتَّاب والخطباء قد تداولوا مسائله. ولم

أقل: إنهم كانوا أعوانًا له وأنصارًا ، بل صرحت بأنهم كانوا (بين مخطّئ

ومصيّب ومنتقد ومجيب ، وهكذا يكون الأمر في أوله وستتجلى الحقيقة للناس إن

شاء الله عن قريب) . وكتبت في فاتحة السنة الرابعة أنه قد نما النمو الطبيعي المقدر

له من أول نشأته (أي: التدريجي البطيء) ولقي صاحبه من الألاقي بعض ما لقي

الذين تصدوا للإصلاح من قبله، وصبر كما صبروا {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249) نعم إننا كنا نمزج هذه الشكوى بشكر العلماء ، والاعتراف بفضل

الفضلاء، الذين تقبلوا المنار بأحسن القبول، ورأوه من بواعث إحياء الأمل

وحصول المأمول، مع الإيماء إلى قلتهم، والتبرم من عدم نجدتهم.

هذا مجمل تاريخ المنار من أول نشأته إلى سنته الرابعة التي كان آخرها

خيرًا من أولها وخاتمتها أفضل من فاتحتها، ولم ينس القراء أننا اعترفنا فيها

بتضاعف قراء المنار، وكونه صار موضع الثقة في جميع الأقطار.

ونزيد تحدثًا بالنعمة فنقول: لقد خشعت بفضل الله تعالى أصوات المشاغبين،

وأعرض الناس عن جهل المعارضين، فخنست شياطين الوساوس، وطاشت سهام

أرباب الدسائس، وصار لنا من مستحسني العمل في السر، من يدعو إليه في الجهر،

ومن المتبرمين منه، من يناضل دونه ويدافع عنه، فلنا أن نقول الآن تحدثاً بالنعمة:

إننا انتقلنا من مقام الصبر إلى مقام الشكر.

فأما الصبر: فلا بد للداعي إلى الحق من الاعتصام به ولذلك قرن الله تعالى

التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن فوائد الصبر الظفر وحسن الجزاء قال

تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 96)

وقال عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا

يُوقِنُونَ} (السجدة: 24) بل وعد سبحانه أهل الصبر، بمضاعفة الجزاء

والأجر، فقال:{أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} (القصص: 54) .

وأما الشكر: فقد وعد الله تعالى صاحبه بالمزيد من النعمة والأمن من العذاب

فقال عز شأنه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7) وقال جل ثناؤه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ

شَاكِراً عَلِيماً} (النساء: 147) فنسأله تعالى أن يوفقنا للشكر على الآلاء (ما وفقنا

للصبر على البلاء) فإن الشكر مقام عزيز؛ لأن من شأن الإنسان أن تُبطره النعمة

ويشغله الغرور بها عن الشكر عليها، ولذلك قال تعالى:{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (سبأ: 13) .

الشكر هو: معرفة النعمة للمنعم تعالى والثناء عليها وصرفها في إقامة

سننه وموافقة حكمته وموجبات محبته، ومَنْ شَكَرَ اللهَ شَكَرَ مَنْ أحسن العمل مِن

عباده، فقد روى أحمد وأبو داود وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله

تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يشكر الله من لا يشكر

الناس) لهذا نشكر لأولئك الأفاضل الذين انتدبوا للدعوة إلى المنار والسعي في نشره

عملهم، ونعرف لهم فضلهم، ونشكر أيضًا للمشتركين الكرام الذين يؤدون الحقوق

في أوقاتها وفاءهم، ونعترف بالسبق بالفضل، لقوم سبقوا بالبذل؛ فأدوا قيمة

الاشتراك عن السنة الخامسة قبل دخولها حتى إننا لم نقبل ذلك من بعضهم إلا بعد الإلحاح منهم والإصرار.

ونرجو من سائر المشتركين الفضلاء أن يبادروا إلى حسن الأداء، فإنه من

يُشكَر له، خير ممن يُصْبَرُ عليه، ونحمد الله تعالى أن أكثر قراء المنار، من

المصطفين الأخيار فمنهم العلماء الفضلاء، والأمراء والوزراء، والقضاة

المقسطون، والمحامون البارعون، ونظار المدارس وأساتذتها، والأذكياء النابغون

من تلامذتها، وذوو الشهامة من الضباط المصريين، ونعِد الجميع بأننا سنبذل

الجهد في زيادة الفوائد، وتحرير المسائل، والبحث عن أقرب الوسائل لنهضة

المسلمين، ومنفعة جميع الشرقيين، بل نرجوا أن يكون عملنا خدمة للناس أجمعين.

ونسأل الله أن يحفظنا من عثرة القلم، وزلة القدم، وأن يلهمنا السداد،

ويوفقنا للصواب، وأن ينصر سلطاننا، وينير برهاننا، ويحقق آمالنا، ويحسن

مآلنا، فهو نعم المولى ونعم النصير، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

...

...

...

... صاحب المنار ومحرره

...

...

...

...

محمد رشيدرضا

_________

ص: 1

الكاتب: محمد رشيد رضا

القضاء في الإسلام

النبذة الثانية

(ننشر في هذا الباب ما يعرف به المسلمون أصل مدنيتهم

ومنشأ سعادتهم التي ذهبت بتركه)

وجوب نصب القاضي:

(الحديث)[1] قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من

الأرض إلا أمّروا عليهم أحدهم) وفي رواية: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا

عليهم أحدهم) استدل العلماء بهذا الحديث على أن نصب الأمير الذي يسوس الناس

والقاضي الذي يحكم بينهم واجب شرعًا؛ لأن هذا أولى بالوجوب من تأمير

المسافرين - وإن كانوا أقل الجمع - واحدًا منهم عليهم، والعلة ظاهرة والعمل عليها

من أول الإسلام. وفي الحديث إرشاد إلى أن الأمة هي التي تولي الأمراء والحكام

كما تقدم شرحه في باب الأحاديث الواردة في الأمراء من المجلد الرابع.

موانع القضاء أو شروطه:

تقدم في الأحاديث السبعة التي أوردناها في النبذة الأولى ما يدل على أن

الضعيف لا يكون قاضيًا وبيَّنَّا أنواع الضعف، وأن الجاهل لا يكون قاضيًا. كما

يؤخذ من حديث قاضي الجنة وقاضيي النار وغيره. وأن الجائر لا يكون قاضيًا، وأن

المرأة لا تكون قاضية، وخالف في هذا الشرط الحنفية، ولو كان المخالف من علماء

هذا العصر لحكم بكفره أكثر المسلمين، ورموه بمصانعة الأجانب وتقليد الأوربيين،

وكذلك الصبي لا يكون قاضيًا، ونقل بعضهم الإجماع على هذا، ويستدل له بما

اسُتدِلَّ به على منع قضاء المرأة، وفي هذه الموانع أحاديث أخرى نورد بعضها [2] :

قال صلى الله عليه وسلم: (استعيذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان)

والقضاء ضرب من الإمارة ولا نعرف في الناس من تُوَلِّي الصبيان القضاء،

ولكنهم يولونهم الإمارة والسلطنة بالوراثة، وقد قلد المسلمون الأوربيين في هذه

الوارثة.

فأما أولئك فإنهم آمنون من مضرة ولاية الصبي؛ لأن حكوماتهم مقيدة بقوانين،

ووزراء مسؤلين ومنفذين، وإنما الحاكم العام، (كالملك ورئيس الجمهورية)

لأجل الوحدة في مصدر الأحكام، وهو لا يستبد دونهم بنقض ولا إبرام.

وأما بلاد الشرق فلقد تأصل فيها الاستبداد ورسخت عروقه، واعتادت أممها

عليه، وضعفت عن مقاومته، فلو قضت شئون السياسة وتقلب الحوادث على بعضها

بوضع قانون يجعل أحكامها مقيدة بالقوانين التي تغل أيدي الأمراء والسلاطين،

لَمَا وُجد مِن الأمة كافل يضمن تنفيذ القانون ولا استبد الحاكم الأكبر كيف شاء أو

يجد قوة أجنبية تأخذ على يده وتوقفه عند حده.

ولهذا المعنى كانت تولية الصبي الملك خطرًا في الشرق، ومثله المرأة. وأما

رأس السبعين في الحديث فقالوا: إنه إنباء بما وقع في عشر السبعين من الفتن،

كقتل سيدنا الحسين عليه السلام والرضوان ووقعة الحرة وغير ذلك.

عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس

ملكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)[3] والنظر في

هذا الحديث الشريف من وجهين:

أحدهما: كونه خبرًا.

وثانيهما: كونه حكما شرعيًّا؛ لأنه يتضمن بمعناه النهي عن تولية النساء الأمور

العامة كالخلافة والقضاء.

أما الأول فهو مبني على العادة التي كانت متبعة في الشرق بل في العالم كله

وهي أن الأمر والنهي والتصرف السياسي والقضائي بأيدي الملوك والأمراء، ولا

شك أن هذه الوظائف لا يصح أن تسند إلى النساء؛ لأنهن أضعف رأيًا لاسيما في

محافل الرجال وما يتعلق بأعمالهم، وأقل جلدًا وثباتا وأميل مع الهوى؛ لرقة قلوبهن

وسرعة انفعالهن، ولأنهن إن يشتغلن بذلك يضعفن عن وظيفتهن الطبيعية وهى

تربية الأولاد وتدبير المنزل.

فإذا كان في المرأة استعداد لأنْ تُجاري الرجل وتكون مثله في كل شيء كما

يزعم بعض الأوربيين فهذا الاستعداد لما يتحقق فعلاً مع العناية بتربية النساء في أوربا فلا يعترض به على حديث قيل في شأن الفرس من ثلاثة عشر قرنًا، ولا

ينبغي السعي في تحقيقه بتربية المرأة كما يتربى الرجل تماما؛ لأن هذا يضر النوع

الإنساني من وجوه أهمها تربية الأولاد، فإن المُرَبِّي يجب أن يكون بينه وبين

المُرَبَّى تقارب وتناسب في السجايا والأخلاق والأفكار والرغائب؛ ليسهل الائتلاف

والامتزاج معه والتقليد له والأخذ عنه بالطبع لا بالتكلف. والمرأة وسط بين

الأطفال وبين الرجال فهي التي تربي البنات كل التربية وتربي الصبية التربية

الأولى التي تعدهم للأخذ عن الرجال والاقتداء بهم. وإذا اشتغل الرجل بتربية

الأطفال، فإنه يعامل الذكران والإناث معاملة الرجال، وفي ذلك خروج بالبنات عن

سنة الفطرة، وذهاب بالصبيان مع الفطرة.

وأما الثاني - وهو كون الحديث حكمًا شرعيًّا بمنع ولاية النساء - فهو من

جهةٍ مناسبٌ لاستعداد النساء ولوظيفتهن الفطرية، ومن جهة أخرى مناسب لما كانت

عليه حالة الأمم في ذلك العصر ولا حاجة لإباحته في عصر آخر بل فيه الضرر

المذكور في الوجه الأول وهو التعدي على وظيفة النساء الطبيعية.

ولا يعترض بحال أوربا وكون الدولة الإنكليزية أفلحت في عهد الملكة فيكتوريا

فلاحًا ما رأت هي ولا غيرها من الدول مثله؛ لأن فرقًا بين أمم أوربا والأمة

الإسلامية، وهو أن المَلك فيهم ليس له من الوظائف مثل ما للخليفة عند المسلمين،

فإن الخليفة هو الإمام الديني الذي يصلي بالناس ويخطب فهم ويؤمهم في حجهم عند

حضوره الحج وكل الأئمة والخطباء في البلاد الإسلامية وكل القضاة والمفتين نوابه

ووكلاؤه فهو الذي يقلدهم هذا المنصب بشرط الكفاءة، وإليه يرجعون في مسائل

الخلاف ليفصل فيها، ومن شروط الكفاءة أن يكون القاضي والمفتي في مرتبة

الأئمة المجتهدين في الدين ومعرفة مصلحة المسلمين. ولا يعرف هذا إلا من هو أهله.

وإن فَرَضْنا أن في استعداد المرأة الوصول إلى هذه المرتبة، وأنه لا ضرر في

هذا على النوع الإنساني، فهناك مانع آخر من إمامتها وهو: أنها تكون في طور لا

تصح فيه صلاتها بنفسها؛ فكيف تكون إمامًا لغيرها؟ ولا يقال: تستنيب؛ لأن من

ليس له الحق بشيء لا يصح أن يستنيب فيه؛ إذ النائب يؤدي وظيفة المنيب، ولا

وظيفة له هنا - هذا بعض ما يقال في المنع من الجهة الدينية المحضة، وثَمَّ موانع

أخرى من الجهة الدنيوية وهي كون الخليفة مدير السياسة والحروب ومتولي النظر

في المصالح الداخلية والخارجية، ولذلك اشترطوا أن يكون شجاعاً فإن قيل: إن

الإسلام شرع المشاورة في الأمور وجعلها فرضًا لازمًا ومنع الخليفة أن يستبد في

أمر بنفسه، وهذا عين ما عليه الأوربيون في تقييد الملوك بالمجالس النيابية. قلنا:

نعم هذا صحيح، ولكن الإسلام أوجب على الخليفة أن يكون عاملاً بالمشاورة لا أن

يكون آلة تجري الأُمور باسمه بدون شعور. والكلام في هذا المقال كثير وفيما

ذكرناه غناء للصبر.

ومن موانع القضاء عند الجماهير الرق وحكي عن العترة أنه يصح أن يكون

العبد قاضيًا، وكأنهم أخذوا بظاهر الحديث وهو:[4] قال صلى الله عليه وسلم:

(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وفي رواية:

(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله) قال القسطلاني في

شرح البخاري: معناه: إن استعمله الإمام الأعظم على القوم، لا أن العبد الحبشي هو

الإمام الأعظم؛ فإن الأئمة من قريش. اهـ، أو المراد به الإمام الأعظم على سبيل

الفرض والتقدير وهو مبالغة في الأمر بطاعته، والنهي عن شقاقه ومخالفته. اهـ أي:

ليس المراد به ظاهره فإن العبد إذا ولي الخلافة لا يطاع بل يخلع ويعزل: قال

الخطابي: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود. وقال الحافظ في الفتح: ونقل ابن

بطال عن المهلب قال: قوله: (اسمعوا وأطيعوا) لا يوجب أن يكون المستعمِل للعبد

إلا إمام قرشي لما تقدم من أن الإمامة لا تكون إلا في قريش وقد أجمع الأمة على أنها

لا تكون في العبيد ويحتمل أن يكون سماه عبداً باعتبار ما كان قبل العتق. اهـ

والحاصل أن شروط القضاء في الشرع سبعة، كما قال في الأحكام

السلطانية: الرجولية، والحرية، والإسلام، والعدالة، والاجتهاد في العلم، والعقل،

وسلامة الحواس. وجوّز مالك قضاء الأعمى كما جوز شهادته.

***

آثار السلف عبرة للخلف

عدل عمر:

روى ابن عبد الحكم عن أنس أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن

الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم. قال: عذت معاذًا. قال:

سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن

الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم ابنه معه، فقدم، فقال عمر:

أين المصري؟ خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط، وعمر يقول: اضرب

ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه فما أقلع

عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال للمصري: ضع السوط على صلعة عمرو.

فقال: يا أمير المؤمنين! إنما ابنه الذي ضربني، وقد استقدت منه. فقال عمر

لعمرو: مُذْ كم تعبدتم الناسَ وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا! قال: يا أمير المؤمنين

لم أعلم ولم يأتني.

وروى عبد الرزاق في الجامع والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر قال:

شرب أخي عبد الرحمن وشرب معه أبو سروعة عتبة بن الحارث وهما بمصر في

خلافة عمر فسكرا فلما أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر فقالا:

طهّرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه (يظهر من هذه الكلمة أنهما لم يكونا

يقصدان السكر ولم يعرفا ما هو الشراب) قال عبد الله: فذكر لي أخي أنه سكر،

فقلت: ادخل الدار أطهّرك ولم أشعر أنهما قد أتيا عَمْرًا فأخبرني أخي أنه أخبر

الأمير بذلك فقلت: لا تحلق اليوم على رءوس الناس ادخل الدار أحلقك. وكانوا إذ

ذاك يحلقون مع الحد فدخلا الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهم عمرو

فسمع بذلك عمر وكتب إلى عمرو أن ابعث إليَّ بعبد الرحمن على قتب ففعل ذلك،

فلما قدم على عمر جلده وعاقبه لمكانه منه ثم أرسله فلبث شهرًا صحيحًا ثم أصابه قدره فمات فيحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر ولم يمت من جلد عمرو.

وروى هذا الأثر ابن سعد في الطبقات مطولاً، ذكر فيه مجيء عبد الرحمن

إلى مصر ونزوله في أقصاها وأن عَمْرًا خشي أن يزوره أو يهدي إليه شيئاً فيعلم

أبوه عمر بذلك فيعاقبه؛ لأنه كان كتب إليه (إياك أن يقدم عليك أحد من أهل بيتي

فتَحْبُوه بأمر لا تصنعه بغيره) حتى جاءه هو ورفيقه أبو سرعة منكسرَيْنِ يطلبان

إقامة الحد عليهما. وفيه أن عمر لما علم أن عَمْرًا أقام الحد على ولده في بيته

وحلقه في بيته ظن أنها خصوصية اختص بها ولده، فكتب إليه يوبخه ويهدده بالعزل

ويطلب عبد الرحمن. وأن عَمْرًا اعتذر له بأن يحد كل مسلم وذمِّيٍّ في بيته.

اهـ ملخصًا من كتاب كنز العمال، في سنن الأقوال والأفعال.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو، والرواية الثانية: أخرجها أبو داود عن أبي سعيد. وأخرج نحوهما البزار بسند صحيح عن عمر بن الخطاب.

(2)

رواه أحمد عن أبي هريرة.

(3)

رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي.

(4)

رواه أحمد والبخاري عن أنس والرواية الثانية لمسلم عن أم الحصين.

ص: 11

الكاتب: محمد رشيد رضا

(الدرس 32)

عصمة الأنبياء عليهم السلام

(المسألة 79) حقيقة العصمة هي في اللغة: المنع، وقال الجرجاني

في التعريفات: (العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها) أي إن

المعصوم من الشيء يجد في نفسه قدرة عليه ويشعر بزاجر منها يحول دون

الوقوع فيه.

فالعصمة وازع نفسي راسخ في النفس وهي في الأنبياء فطرية، وقد يكون

لغيرهم بحسن التربية من ملكة الفضيلة ما يربأ بنفوسهم عن موافقة الفجور والدنايا.

ويسمي علماؤنا هذا المعنى حفظًا؛ للتفرقة، وإنما يكون هذا بالتربية الفاضلة بين

الفضلاء مع مساعدة الوراثة واعتدال المزاج. وقد ينكر الذين ابتلوا باقتراف الكبائر

هذا المعنى أن يكون لغير الأنبياء، ويسلمون به للأنبياء تقليدًا. ولهم العذر فإنه أمر

لا يعرفه إلا من ذاقه وقليل ما هم.

***

(م 80) العصمة في التبليغ.

جاء في المواقف أن أهل الملل والشرائع قد أجمعوا على عصمة الأنبياء

عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن

الله تعالى. وإن عاقلاً لا يجمع بين الإيمان والوحي والنبوة وبين تجويز كذب النبي

على الله تعالى فيما يبلغ عنه، فإن كان هذا جائزًا؛ فأي ثقة بالوحي؟!

وكيف يميز المكلف بين ما هو عن الله وما عن غير الله والمبلغ غير موثوق

بصدقه؟ !

ولقد أبعد القاضي - أحد أئمة الأشعرية - في قوله بجواز صدور الكذب منهم

سهوًا. وهو قول مردود لا يعوِّل عليه أحد. والدليل على هذا النوع من العصمة

هو عين الدليل على النبوة من الآيات العلمية أو الكونية.

***

(م 81) العصمة من الكفر.

أجمع المسلمون من جميع الفرق على عصمتهم من الكفر قبل النبوة وبعدها

وليس هنا شبهة لأحد فنتوسع فيه.

***

(م 82) العصمة من كبائر الذنوب

قال في المواقف وشرحه: (أما الكبائر)، أي: صدورها عنهم عمدًا (فمنعه

الجمهور) من المحققين والأئمة، ولم يخالف فيه إلا الحشوية، (والأكثر) من

المانعين (على امتناعه سمعًا) قال القاضي والمحققون من الأشاعرة: إن العصمة

فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلاً إذ لا دلالة للمعجزة عليه فامتناع الكبائر عنهم سمعًا

مستفاد من السمع وإجماع الأمة قبل ظهور المخالفين في ذلك. (وقالت المعتزلة بناء

على أصولهم الفاسدة في التحسين والتقبيح العقليين ووجوب رعاية الصلاح

والأصلح) (يمتنع ذلك عقلاً) ؛ لأن صدور الكبائر عنهم عمدًا يوجب سقوط

هيبتهم من القلوب وانحطاط رتبتهم في أعين الناس فيؤدي إلى النفرة عنهم وعدم

الانقياد لهم. ويلزم منه إفساد الخلائق وترك استصلاحهم وهو خلاف مقتضى

العقل والحكمة. (وأما) صدورها عنهم (سهوًا) وعلى سبيل الخطأ في التأويل

(فجوزه الأكثرون) والمختار خلافه. اهـ

ولم يذكر ناقلي الإجماع ولا كيف وقع هذا الإجماع، وما أراه إلا الإجماع

السكوتي. وعجيب من سادتنا الأشاعرة كيف ينقضون الأدلة العقلية على عصمة

الأنبياء لأجل مخالفة المعتزلة ولو بالتكلّف؟

إذ استلزام دليلهم للتحسين والتقبيح بالمعنى النافي لاختيار الله تعالى

ممنوع كما سنبينه.

ثم إنهم جوّزوا وقوع الكبائرمنهم سهوًا وتأويلاً كما ترى. وذكر السيد أن

المختار خلاف ما عليه الأكثرون. وقد جزم المتأخرون بهذا في عقائدهم، ولا

شك أن المتأخرين أشد تعظيمًا بالقول للأنبياء والصلحاء وكذلك في الاعتقاد

التخيلي دون البرهاني. على أنهم في هذه المسألة أقرب إلى الصواب من

المتقدمين.

***

(م 83) العصمة من الصغائر:

قال في المواقف: (وأما الصغائر عمدًا فجوزه الجمهور إلا الجبائي، وأما

سهوًا فهو جائز اتفاقًا إلا الصغائر الحسية كسرقة حبة أو لقمة. وقال الجاحظ:

يجوز بشرط أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه وقد تبعه فيه كثير من المتأخرين وله نقول)

قال الشارح: (أي نحن الأشاعرة) .

***

(م 84) العصمة قبل النبوة:

قال في المواقف بعد إيراد ما ذكر كله: (هذا كله بعد الوحي وأما قبله

فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة؛ إذ لا دلالة للمعجزة عليه ولا حكم

للعقل. وقال أكثر المعتزلة: تمتنع الكبيرة وإن تاب منها؛ لأنه يوجب النفرة،

وهي تمنع عن اتباعه، فتفوت مصلحة البعثة. ومنهم من منع عما ينفر مطلقًا كعهر

الأمهات والفجور في الآباء والصغائر الحسية دون غيرها. وقالت الروافض: لا

يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة قبل الوحي، فكيف بعد الوحي؟) اهـ.

وقول الروافض هذا هو الذي اعتمده المتأخرون من أهل السنة، بل منع

بعضهم وقوع المكروه منهم إلا على سبيل التشريع.

***

(م 85) رَأْيُنا [1] : إنما ذكرنا هذا الاختلاف في العصمة ليعرف من يطلع

عليه من دعاة النصارى ومجادليهم أن المسلمين لم يتكلفوا القول بعصمة الأنبياء

تكلفًا لإثبات قدرتهم على إنجاء الناس من العذاب في اليوم الآخر كما يزعمون، وإنما

يتبعون في ذلك - كغيره - ما يظهر لهم من الأدلة العقلية والسمعية أي: أدلة الوحي

وإنما نقلنا عبارة كتاب المواقف الذي هو أعظم كتب الكلام عندنا لئلا يظن قليل

الاطلاع من المسلمين أن الأقوال التي أوردناها في الخلاف هي أقوال شاذة أو مسندة

لغير أصحابها سهوًا أو جهلاً لا سيما اعتماد متأخري أهل السنة قول الرافضة.

والذي نراه أنه يصح الاستدلال بالعقل على عصمة الأنبياء عليهم السلام، ولا

يستلزم ذلك القول بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين ولا سلب الاختيار عن الله تعالى.

وكذلك يستنبط من كثير من الآيات القرآنية ما يدل على نزاهتهم وكونهم قدوة في

الخير والفضائل، ولكن ليس فيها نص صريح على العصمة من الذنوب مطلقًا؛

ولذلك قال صاحب المواقف بعد إيراد تلك الآيات: إنها ليست بالقوية فيما هو محل

النزاع وهو الكبيرة سهوًا والصغيرة عمدًا. وفي الكتاب والسنة إسناد الذنوب إلى

بعض الأنبياء عليهم السلام، وما جاز على بعضهم جاز على الآخرين. والعلماء

يؤوِّلون ذلك. وقصارى هذا كله وجوب الاعتماد على الدليل العقلي والتوفيق بينه

وبين ما ورد من إسناد الذنوب إليهم، فاطلب ذلك من الدرس الآتي.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

راجع النبذة 11من شبهات المسيحيين وحجج المسلمين في عصمة الأنبياء والخلاص (ص816م4) .

ص: 18

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الأسئلة والأجوبة

(س1) محمد توفيق أفندي حمزة بالفشن (المنيا) : هل يوجد حديث

صحيح بأن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها وأن منه قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ

الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: 162) نرجو الرد على ذلك لإزالة الشبهة.

(ج) لم يرد في هذا المعنى حديث صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولكن

الزنادقة الذين حاولوا العبث بدين الإسلام كما كان يفعل أمثالهم في الأديان الأخرى

لما عجزوا عن زيادة حرف في القرآن أو نقص حرف منه؛ لحفظه في الصدور

والصحف أرادوا أن يشككوا بعض المسلمين فيه بشيء يضعونه عن لسان الصحابة

الكرام فزعم بعضهم أن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان

فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: (لا تغيروها فإن العرب ستغيّرها، أو قال:

ستقرأها بألسنتها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه

الحروف) .

وفي لفظ آخر: (أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب

بألسنتها. ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد هذا) ، ولما تصدى

المحدثون رضي الله عنهم لنقد الحديث والأثر من جهة الرواية التي راج في سوقها

الطيب والخبيث تبين لهم في هذا الأثر ثلاث علل: الانقطاع، والضعف

والاضطراب؛ فهو لا يعوّل عليه لو كان في الحث على فضائل الأعمال فكيف يلتفت

إليه في موضوع هو أصل الدين الأصيل وركنه الركين؟ ومن يدري إن كان

الساقط من سنده مجوسي أو دهري أو إسرائيلي؟ على أن الكلمة التي نسبت إلى

عثمان تدل على أن اللحن في الرسم، وأنه لم يكن مما يشتبه في قراءته؛ لأنه لا

يحتمل في النطق وجهًا آخر، كرسم الصلاة والزكاة والحياة بالواو مثلاً (الصلوة

الحيوة) . ولكن الموسوسين حملوا ذلك على كلمات قليلة جاءت في المصحف على

خلاف القواعد النحوية التي وضعها الناس لكلام العرب وتحكَّمُون بها عليهم، ومن

ذلك الآية التي أشار إليها السائل وهي قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ

وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ

الزَّكَاةَ} (النساء: 162) وإنني لأعجب من دخيل في لغة قوم يتحكم عليهم في

شيء يخترعه هو ويجعله أصلاً لها، وأعجب من هذا أن يكون هذا التحكم على

أصح شيء في اللسان فإن الذين يؤولون ما ورد عن بعض سفهاء الأعراب من

الشعر المخالف للقواعد أو يكتفون بأنه صحيح - لأنه هكذا سُمع - يتوقفون في بعض

الكلم من القرآن إذا رأوا أنها على خلاف القياس.

على أن علماء العربية خرجوا تلك الكلمات على ما يوافق قواعدهم من وجوه

مذكورة في كتب التفسير وكتب النحو لا محل لها هنا. وسنفصل القول في مسألة

جمع القرآن في دروس الآمالي الدينية بما يشفي الصدور إن شاء الله تعالى.

***

(س2) أحمد أفندي الألفي في أبي كبير (شرقية) : ما أقرب الطرق

لمعرفة أحكام العبادات من الكتاب والسنة؟

(ج) الكتاب العزيز لم يفصل القول في صور العبادات، وإنما بين روح

العبادات والمقصود منها، وفيه كيفية الوضوء وذكر الركوع والسجود من أعمال

الصلاة. والسنة بينت صورها وأذكارها. وأصحاب الكتب الستة التي هي أصح

كتب الحديث إنما ألفوا كتبهم لمعرفة الدين منها، فجامع البخاري هو مذهبه الذي

يعتمد عليه في فهم الدين وقد قال بعض العلماء: إن سنن أبي داود كافية فيما

يشترط للاجتهاد من علم السنة.

ويوجد كتاب يسمى (منتقى الأخبار) جمع فيه صاحبه أحاديث الأحكام من

الكتب الستة ومن مسند الإمام أحمد، وقد شرحه الإمام الشوكاني وأورد في شرحه خلاف جمع أئمة المسلمين المشهورين من الصحابة والتابعين مع بيان الترجيح في

الاستدلال.

واسم الشرح (نيل الأوطار) ، فهو أجمع كتاب في أحكام الدين من السنة

وهدي سلف الأمة لمن هو أهل للفهم. والأحاديث الشريفة أسهل فهمًا من كلام

العلماء، ولكن لا يستغنى عن هدايتهم في معرفة ما يحتج به وما يختلف مع غيره.

***

(س3) ومنه: هل يفيد حفظ القرآن في اكتساب ملكة البلاغة كغيره من الكلام البليغ؟

(ج) لعل سبب السؤال توهم أن القرآن في علو أسلوبه وإعجازه لا يمكن

أن يحتذي بلاغته مَنْ لا يطمع أن يبلغ غايته. والصواب أن لحفظ القرآن مع

فهمه أبلغ التأثير في ارتقاء ملكة البلاغة العربية، ولقد ارتقى به كلام العرب

أنفسهم فكان كلامهم في المنظوم والمنثور بعد الإسلام أعلى منه قبله. فالقرآن أنفع

الكلام في ارتقاء اللغة كما أنه أنفعه في إصلاح الأرواح وتهذيب النفوس وإكمال

العقول. ولا يستلزم نفعه في ارتقاء البلاغة إمكان التسلق إلى درجته، والجري إلى

غايته، وإن لنا لعودة إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى.

***

(س4) ع. ا. ر. في الإسكندرية: لا يخفى ما رسخ في أوهام العوام من

مسألة كرامات الأولياء والخروج في فهم حقيقتها عن الحد الذي نبهت عليه شريعتنا

السمحة، وبثغرنا واحد من هؤلاء الدجالين الجهلاء المنتحلين لأنفسهم على الغيب،

وله سبحة طويلة ينظر فيها عند سؤاله من العامة فيخبرهم بما يحصل لهم في غد

من الحوادث فيصدقونه، والمنتبهون منهم إن سألوا بعض العلماء عن ذلك جوزوه

بدعوى أنه كرامة من غير توضيح ما هي الكرامة ومن يكرم الله بها من عباده

المتقين غير الدجالين الذين هم عن صلاتهم ساهون.

ولما كان للإسلام والمسلمين صوًى و (منار) كمنار الطريق الذي

يتخذونه نبراسًا لهم ودليلاً إن هم تاهوا في بيداء الحيرة وقبور الضلال، فقد أرسلت

بهذه السور إليكم ملتمسًا من بحر علمكم وواسع حكمتكم أن توضحوا بعدد المنار المقبل

(وإن كان سبق توضيح) : هل ورد في الشرع ما يجيز لأحد من الناس التهجم على

غيب علم الله الذي ستره عن عباده وإخبار الناس بما يصيبهم من خير أو شر؟ فإن

ضل أو استشعر من الخبط والخلط قال: (السبحة تايهة السبحة تايهة) فالمرجو أن

توضحوا لنا ذلك بمناركم المنير وتزيلوا هذه الغيوم المتلبدة على العقول.

(ج) لم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يدل على جواز

هذه الدعوى لأحد، بل ورد ما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام قد أمروا بأن

يتنصلوا منها: {قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ

إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: 50) ، {قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ

أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ

يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 188) ، {قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ

إِلَاّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النمل: 65) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

واستشكل بعضهم نفي علم الغيب عن النبي مع أنه أخبر بكثير منه، وأحسن جواب

أجابوه ما تؤيده الآيات كقوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إليَّ} (الأنعام:

50) فنقول فيما أخبر به من ذلك كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى *

إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3-4) وأما المنفي فهو ما يتعلق بمصالح

الدنيا وما يكون من أمر الناس فيها واستشهدوا له بالحديث الصحيح الوارد في

تأبير النخل وقوله لما خرج خلاف ما قاله عليه السلام: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)

وفي رواية لمسلم: (إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإن كان من أمر

دينكم فإلي) فالحديث يدل على أن الله تعالى لم يعط الأنبياء معرفة الغيب في

مصالح الناس في دنياهم، وإنما جعل علم الدنيا كسبيًّا يعلمه الناس بالبحث والجد.

أما هؤلاء الدجالون من أصحاب السبح ونحوهم فلا تزال بضاعتهم تروج ما

دام هذا الجهل فاشيًا في جميع طبقات الأمة، ولا ينفع في الجاهل المُقَلِد الأعمى دليل

ولا برهان. وراجعوا مقالات (كرامات الأولياء) في ص401 و417 و 449

و481 و 545 من مجلد المنار الثاني.

_________

ص: 21

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الكتاب الموعود بنشره

(بسم الله الرحمن الرحيم)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل المخلوقين

وعلى آله وأصحابه أنصار دينه الأولين وعلى أتباعهم في مسالكهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فأقول: لما كان عهدنا هذا - وهو أوائل القرن الرابع عشر- عهدًا

عم فيه الخلل والضعف جميعَ المسلمين، وكان من سنة الله في خلقه أن جعل لكل

شيء سببًا، فلا بد لهذا الخلل الطارئ والضعف النازل من أسباب ظاهرية غير سر

القدر الخفي عن البشر فدعت الحمية بعض أفاضل العلماء والسراة والكتاب

السياسيين للبحث عن أسباب ذلك والتنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة

الإسلامية فأخذوا ينشرون آراءهم في ذلك في بعض الجرائد الإسلامية

الهندية والمصرية والسورية والتاتارية. وقد اطلعت على كثير من مقالاتهم

الغراء في هذا الموضوع الجليل واتبعت أثرهم بنشر ما لاح لي في جل هذا المشكل العظيم.

ثم بدا لي أن أسعى في توسيع هذا المسعى بعقد جمعية من سراة الإسلام في

مهد الهداية - أعني مكة المكرمة - فعقدت العزيمة متوكلاً على الله تعالى على إجراء

سياحة مباركة بزيارة أمهات البلاد العربية؛ لاستطلاع الأفكار وتهيئة الاجتماع في

موسم أداء فريضة الحج، فخرجت من وطني أحد مدن الفرات في أوائل محرم سنة

ست عشرة وثلاثمائة وألف وكلي ألسن تنشد:

دراك فمن يدنف لعمري يدفن

وما نافع نوح متى قيل قد فني

دراك فإن الدين قد زال عزه

وكان عزيزًا قبل ذا غير هين

فكان له أهل يوفون حقه

بهدي وتلقين وحسن تلقن

إلام وأهل العلم أحلاس بيتهم

أما صار فرضًا رأب هذا التوهن

هلموا إلى (أم القرى) وتآمروا

ولا تقنطوا من روح رب مهيمن

فإن الذي شادته الأسياف قبلكم

هو اليوم لا يحتاج إلا الألسن

فسلكت الطريق البحري من إسكندرون معرجًا على بيروت فدمشق ثم يافا

فالقدس، ثم جئت الإسكندرية فمصر، ثم من السويس يممت الحديدة فصنعاء فصُعُدًا

إلى البصرة ومنها رجعت إلى حائل إلى المدينة على مُنوِّرِها أفضل الصلاة والسلام

إلى مكة المكرمة، فوصلتها في أوائل ذي القعدة، فوجدت أكثر الذين أجابوا الدعوة

ممن كنت اجتمعت بهم من أفاضل البلاد الكبيرة المذكورة وسراتها قد سبقوني

بموافاتها، وما انتصف الشهر - وهو موعد التلاقي - إلا وقدم الباقون ما عدا

الأديب البيروتي الذي حرمنا القدر ملاقاته لسبب أنبأنا عنه فعذرناه.

وفي أثناء انتظارنا منتصف الشهر سعيت مع بعض الإخوان الوافدين في

تحري وتخيّر اثني عشر عضوًا أيضًا لأجل إضافتهم للجمعية، وهم من مراكش

وتونس والقسطنطينية وبغجة سراي وتفليس وتبريز وكابل وكشغر وقازان

وبكين ودهلي وكلكتة وليفربول.

وإذ كنت المباشر لهذه الدعوة بادرت واتخذت لي دارًا في حي متطرف في مكة

لعقد الاجتماعات بصورة خفية، ومع ذلك استأجرتها باسم بواب داغستاني روسي؛

لتكون مصونة من التعرض رعاية للاحتياط. وقد انعقد من منتصف الشهر إلى سلخه

اثنا عشر اجتماعًا غير اجتماع الوداع جرت فيها مذكرات مهمة صار ضبطها

وتسجيلها بكمال الدقة كما سيعلم من مطالعة هذا السجل المتضمن كيفية الاجتماعات مع جميع المفاوضات والمقررات غير ما آثرت الجمعية كتمه كما سيشار إليه.

***

الاجتماع الأول

يوم الإثنين الخامس عشر ذي القعدة سنة 1316

في اليوم المذكور انتظمت الجمعية للمرة الأولى وأعضاؤها اثنان وعشرون

فاضلاً كلهم يحسنون العربية، فبعد أن عَرَّفت كلاًّ منهم بباقي إخوانه وتعارفوا

بالوجوه بادرتهم بتوزيع اثنين وعشرين قائمة - كن مهيئات قبلاً - مطبوعات بمطبعة

(الجلاتين) التي استعرتها من تاجر هندي في مكة لأجل طبع هذه القائمة وأمثالها

من أوراق الجمعية، محررًا في نسخ القائمة مختصر تراجم إخوان الجمعية جميعهم

ببيان الاسم والنسبة والمذهب والمزية المخصوصة، وموضحًا فيها أيضًا مفتاح

الرموز التي يحتاج الإخوان لاستعمالها.

وأعضاء الجمعية هم: السيد الفراتي، الفاضل الشامي، البليغ القدسي، الكامل

الإسكندري، العلامة المصري، المحدث اليمني، الحافظ البصري، العالم النجدي،

المحقق المدني، الأستاذ المكي، الحكيم التونسي، المرشد الفاسي، السعيد

الإنكليزي، الموالي الرومي، الرياضي الكردي،المجتهد التبريزي، العارف

التاتاري، الخطيب الفازاني، المدقق التركي، الفقيه الأفغاني، الصاحب الهندي

الشيخ السندي، الإمام الصيني. ثم بادرت الإخوان جاهرًا بكلمة شعار الأخوة التي

يعرفونها مني من قبل وهي (لا نعبد إلا الله) مسترعيًا سمعهم وخاطبتهم بقولي:

من كان منكم يعاهد الله تعالى على الجهاد في إعلاء كلمة الله والأمانة لإخوان

التوحيد أعضاء هذه الجمعية المباركة فليجهر بقوله: (عليّ عهد الله بالجهاد والأمانة) ،

ومن كان لا يطيق العهد فليعتزلنا وما جال نظري فيهم إلا وسارع الذي عن يميني إلى

عقد العهد ثم الذي يليه ثم الذي يليه إلى آخرهم.

ثم التمست منهم أن ينتخبوا أحدهم رئيسًا يدير الجمعية ومذكراتها وآخر كاتبًا

يضبط المفاوضات ويسجل المقررات، فأجابني العلامة المصري أن معرفة الإخوان

بعضهم بعضًا جديدة العهد وأنك أشملهم معرفة بهم، فأنا أترك الانتخاب لك. وما أتم

رأيه هذا إلا وأجمع الكل على ذلك، فحينئذ أعلنت لهم أن أتخير للرئاسة الأستاذ المكي

وأتخير نفسي لخدمة الكتابة تفاديًا من إتعاب غيري في الخدمة التي يمكنني

القيام بها، واستأذنت الأفاضل الأعجام منهم بنوع من التصرف في تحرير بعض

ألفاظهم، فأظهر الجميع الرضا والتصويب. وصرح الأستاذ بالقبول مع الامتنان

من حسن ظنهم به واستولى على الجمعية السكون ترقبًا لما يقول الرئيس.

أما (الأستاذ الرئيس) فقطَّب جبينه مستجمعًا فكره ثم استهل فقال: الحمد لله

عالم السر والنجوى، الذي جمعنا على توحيده ودينه وأمرنا بالتعاون على التقوى،

والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا) ،

وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله انتصارًا لدينه لم يشغلهم عن إعزاز

الدين شاغل، وكان أمرهم شورى بينهم يسعى بذمتهم أدناهم، اللهم {إِيَّاكَ نَعْبُد} (الفاتحة: 5) لا نخضع لغيرك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) لا ننتظر نفعًا

من سواك ولا نخشى ضرًّا {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} (الفاتحة: 6) الذي لا

خفيات ولا ثنيات فيه {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: 7) بنعمة الهداية

إلى التوحيد {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: 7) بما أشركوا {وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: 7) بعد ما اهتدوا، سبحانك ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من

أمرنا رشدًا.

وبعد: فيا أيها السادة الكرام، كل منا يعلم سبب اجتماعنا هذا من مفاوضات

أخينا السيد الفراتي الذي أجبنا دعوته لهذه الجمعية شاكرين سعيه. ولذلك لا أرى

لزومًا للبحث عن السبب، كما لا أجد حاجة لتنشيط همتكم، وتأجيج نار حميتكم؛

لأننا كلنا في هذا العناء سواء، ولكن أذكركم بخلاصة تاريخ هذه المسألة فأقول: إن

مسألة تقهقر الإسلام بنت ألف عام أو أكثر، وما حفظ عز هذا الدين المبين كل هذه

القرون المتوالية إلا متانة الأساس مع انحطاط سائر الأمم عن المسلمين في كل

الشؤون إلى أن فاقتنا بعض الأمم في العلوم والفنون المنورة للمدارك فَرَقَت قوتها

فنشرت نفوذها على أكثر البلاد والعباد من المسلمين وغيرهم ولم يزل المسلمون في

سُباتهم إلى أن استولى عليهم الشلل على كل أطراف جسم الممالك الإسلامية وقرب

الخطر من القلب - أعني: (جزيرة العرب) - فتنبهت أفكار من رزقهم الله بصيرة

بالعواقب، ووفقهم لنيل أجر المجاهدين فهبوا ينشرون المواعظ والتذكرة والمباحث

المنذرة، فكثر المتنبهون، وتحركت الخواطر لكنها حركة متحيرة الوُجهة ضائعة القوة، فعسى الله أن يرشد جمعيتنا للتوصل إلى توحيد هذه الوجهة وجمع هذه القوة.

وبتدقيق النظر في النشريات والمقالات التي جادت بها أقلام الفضلاء في هذا

الموضوع نرى كلها دائرة على أربعة مقاصد ابتدائية:

(الأول) منها بيان الحالة الحاضرة ووصف أعراضها بوصف عام وصفًا

بديعًا يفيد التأثر ويدعو إلى التدبر، على أن ذلك لا يلبث إلا عشية أو ضحاها.

(والثاني) بيان أن سبب الخلل النازل هو الجهل الشامل، بيان إجمال

وتلميح، مع أن المقام يقتضي عدم الاحتشام من التفصيل والتشريح.

(والثالث) إنذار الأمة بسوء العاقبة المحدقة بها إنذارًا هائلاً تطير منه

النفوس مع أن الحال الواقع لا تغني فيه النذر.

(والرابع) توجيه اللوم والتبعة على الأمراء أو العلماء أو على الأمة كلها

لتقاعدهم عن استعمال قوة الاتفاق على النهضة، مع أن الاتفاق وهم متشاكسون

متعذر لا متعسر.

فهذه المقاصد القولية قد استوفت حقها من أنواع بدائع الأساليب، وآنَ أوان

استثمارها وذلك لا يتم إذا لم يشخص المرض أو الأمراض المشتركة تشخيصًا دقيقًا

سياسيًا، فالبحث أولاً عن مراكز المرض ثم جراثيمه ليتعين بعد ذلك الدواء الشافي

الأسهل وجودًا والأضمن نتيجة، وبالتنقيب ثانيًا عن تدبير إدخاله في جسم الأمة

بحكمة تصرع العناد والوهم، وتتغلب على مقاومة أعضاء الذوق والشم.

ثم أظنكم أيها السادة تستحسنون الاكتتام الذي اختاره أكثر هؤلاء الكتاب

الأفاضل؛ لأن لذلك محسنات بل موجبات شتَّى ينبغي أن تستعملها جمعيتنا أيضًا

فلنحرص كلنا على الاكتتام؛ لأن من موجباته التزام كل منا المشرب العمري، أعني

القول الصريح في النصيحة للدين بدون رياء ولا استحياء ولا مراعاة ذوق عامة أو

عتاة؛ لأن حياء المريض مهلكة، وكتم الأمر المستفيض سخافة، والدين النصيحة،

ولا حياء في الدين.

ومن موجبات الاكتتام أيضًا أن كل ما يتخالج الفكر في موضوع مسألتنا

معروف عند الأكثرين ولكن بصورة مشتتة، والناس فيه على أقسام: فصنف العلماء

إما جبناء يهابون الخوض فيه، وإما مراءون مداجون يأبون أن تخالف أقوالهم

أحوالهم، وباقي الناس يأنفون أن يذعنوا لنصح ناصح صادع غير معصوم، ولذلك

كان القول من غير معرفة القائل أرعى للسمع وأقرب للقبول والقناعة وأدعى

للإجماع.

ثم أظنكم أيها الإخوان تستصوبون أن نترك جانبًا اختلاف المذاهب التي نحن

متبعوها تقليدًا، فلا نعرف مآخذ كثير من أحكامها، وأن نعتمد ما نعلم من

الكتاب وصحيح السنة وثابت الإجماع؛ وذلك لكيلا نتفرق في الآراء، وليكون ما

نقرره مقبولاً عند جميع أهل القبلة؛ إذ إن مذهب السلف هو الأصل الذي لا يرد، ولا

تستنكف الأمة أن ترجع إليه وتجتمع عليه في بعض أمهات المسائل؛ لأن في ذلك

التساوي بين المذاهب، فلا يثقل على أحد نبذ تقليد أحد الأئمة في مسألة تخالف

المتبادر من نص الكتاب العزيز أو تباين صريح السنة الثابتة في مدونات الصدر

الأول.

ولا يكبرن هذا الرأي على البعض منكم فما هو برأي حادث بين المسلمين. بل

جميع أهل جزيرة العرب ما عدا أخلاط الحرمين على هذا الرأي، ولا يخفى عليكم

أن أهل الجزيرة وهم من سبعة ملايين إلى ثمانية كلهم من المسلمين السلفيين عقيدة

الحنابلة ، أو الزيدية أو الشافعية مذهبًا وقد نشأ الدين فيهم وبلغتهم فهم أهله وحملته

وحافظوه وحماته وقلما خالطوا الأغيار أو وجدت فيهم دواعي الغرباء والتفنن في

الدين لأجل الفخار ولا يعظمن على البعض منكم أيضًا أنه كيف يسوغ لأحدنا أن

يثق بفهمه وتحقيقه مع بعد العهد ويترك تقليد من يعرف أنه أفضل منه وأجمع عملاً

وأكثر إحاطة واحتياطًا. ولا أظن أن فينا من ليس في نفسه إشكال عظيم لوجود

اختلافات واضطرابات مهمة بينهم ما بين نفي وإثبات حتى في كثير من الأمور

التعبدية الفعلية التي مأخذها المشاهدة المتكررة ألوف مرات مثل: هل كان النبي

عليه الصلاة والسلام ثم جمهور أصحابه عليهم الرضوان يصلون وِتر العشاء

بتسليمة أم بتسليمتين، وهل كانوا يقنتون في الوتر أم في الصبح، وهل كان

المؤتمون يقرؤون أم ينصتون، وهل كانوا يرفعون الأيدي عند تكبيرات الانتقال أم

لا يرفعون، وهل يعقدون الأيدي أم يرسلونها. فإذا كان الأئمة والعلماء الأقدمون

هذا شأنهم في التباين والتخالف في تحقيق كيفية عبادة فعلية هي عماد الدين، أعنى:

الصلاة التي هي من المشهودات المتكررات وتؤدى بالجموع والجماهير؛ فكيف

يكون شأنهم في الأحكام التي تستند إلى قول أو فعل أو سكوت صدر عن النبي

صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات فقط ورواها فرد أو أفراد.

فعلى هذا لا أرى من مانع أن نترك النقول المتخالفة خصوصًا منها المتعلق

بالبعض القليل من الأصول ونجتمع على الرجوع إلى ما نفهمه من النصوص أو ما

يتحقق عندنا حسب طاقتنا أنه جرى عليه السلف، وبذلك تتحد وجهتنا ويتسنى لنا

الاتفاق على تقرير ما نقرره، ويقوى الأمل في قبول الأمة منا ما ندعوها إليه.

وإني أسلفكم أيها السادات أنه يبقى أن لا يهولنا ما ينبسط في جمعيتنا من تفاقم

أسباب الضعف والفتور كيلا نيأس من رَوح الله، وأن لا نتوهم الإصابة في قول من

قال: إننا أمة ميتة فلا ترجى حياتنا، كما لا إصابة في قول من قال: إذا نزل

الضعف في دولة أو أمة لا يرتفع. فهذه الرومان واليونان والأمريكان والطليان

واليابان وغيرها كلها أمم أمثالنا استرجعت نشأتها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم

الأدبية للحياة السياسية.

بل ليس بيننا ولا سيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية المعاصرة

فرق سوى في العلم والأخلاق العالية على أن مدة حضانة العلم عشرون عامًا فقط

ومدة حضانة الأخلاق أربعون سنة، فعلينا أن نثق بعناية الله الذي لا يعبد سواه

وبهذا الدين المبين الذي نشر لواء عزه على العالمين ولم يزل بالنظر لوضعه الإلهي

دينًا حنيفًا متينًا محكمًا مكينًا لا يفصله ولا يقاربه دين من الأديان في الحكمة والنظام

ورسوخ البنيان، ثم أيقنوا أيها الإخوان أن الأمر ميسور، وأن ظواهر الأسباب

ودلائل الأقدار مبشرة بأن الزمان قد استدار ونشأ في الإسلام أنجاب أحرار وحكماء

أبرار يعد واحدهم بألف وجمعهم بألف ألف، فقوة جمعية منتظمة من هؤلاء النبلاء

كافية لأن تخرق طبل حزب الشيطان وتسترعي، سمع الأمة مهما كانت في رقاد

عميق وتقودها إلى النشاط، وإن كانت في فتور مستحكم عتيق.

على أن محض انعقاد جمعيتنا هذه لمن أعظم تلك المبشرات خصوصًا إذا وفقها

الله تعالى بعنايته لتأسيس جمعية قانونية منتظمة؛ لأن الجمعيات المنتظمة يتسنى لها

الثبات على مشروعها عمرًا طويلا يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد وتأتي بأعمالها

كلها بعزائم صادقة لا يفسدها التردد، وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد الله مع

الجماعة، وهذا هو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب وهذا هو

سر نشأة الأمم الغربية وهذا سر النجاح في كل الأعمال المهمة لأن سنة الله في خلقه

أن كل أمر كليًّا كان أو جزئيًّا لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين مع أهميته، وأن كل

أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمرًا مما إذا حصل

بمزيد قوة في زمان قصير، وكلنا يعلم أن مسألتنا أعظم من أن يفي بها عمر إنسان

ينقطع أو مسلك سلطان لا يطرد شأو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعًا وتغور

سريعًا.

وإذا تفكرنا أن مبدأ أعظم الأعداد اثنان؛ فكذلك مبدأ الجمعيات شخصان ثم

تتزايد حتى تكمل وتتقلب أشكالاً حتى ترسخ، فعلى هذا لا يبعد أن يتم لنا انعقاد

جمعية منتظمة تنعقد الآمال بناصيتها. ولا ينبغي الاسترسال مع الوهم إلى أن

الجمعيات معرضة في شرقنا لتيار السياسة فلا تعيش طويلاً، ولا سيما إذا كانت

فقيرة ولم تكن كغالب (الأكاديميات) ؛ أي: المجامع العلمية تحت حماية رسمية بل

الأليق بالحكمة والحزم الإقدام والثبات وتوقع الخير إلى أن يتم المطلوب.

هذا وإن شرقنا مشرق العظائم، والزمان أبو العجائب وما على الله بعزيز أن

يتم لنا انتظام جمعية يكون لها صوت جهوري إذا نادى مؤذنها: (حي على الفلاح) في

رأس الرجاء يبلغ أقصى الصين صداه.

ومن المأمول أن تكون الحكومات الإسلامية راضية بهذه الجمعية حلمية لها

ولو بعد حين؛ لأن وظيفتها الأساسية أن تنهض بالأمة من وهدة الجهالة، وترقى

بها في معارج المعارف متباعدة عن كل صبغة سياسية، وسنعود لبحث الجمعية

فيما بعد.

ولنبدأ الآن بتشخيص داء الفتور المستولي على الأمة تشخيصًا سياسيًّا مدققًا

فأرجوكم أيها السادات أن يعمل كل منكم فكره الثاقب فيما هو سبب الفتور ليبين

رأيه وما يفتح الله به عليه في اجتماعاتنا التي نواليها كل يوم ما عدا يومي الثلاثاء

والجمعة من بعد طلوع الشمس بقراءة ضبط المذكرات التي جرت في الاجتماع

السابق ثم نشرع بالمفاوضات، وإني أختم اجتماعنا اليوم ببرنامج المسائل الأساسية

التي تدور عليها جمعيتنا وينبغي لكل منا أن يفتكر فيها ويدرسها وهي عشر مسائل:

(1)

موضع الداء (2) أعراض الداء (3) جراثيم الداء (4) ما هو

الداء (5) ما هي وسائل استعمال الداء (6) ما هي الإسلامية (7) كيف يكون

التدين بالإسلامية (8) ما هو الشرك الخفي (9) كيف تقاوم البدع (10) تحرير

قانون لتأسيس جمعية تعليمية.

ولما انتهى خطاب الرئيس وانتهت الجلسة قال السيد الفراتي: أرى أن يقيد

كل منا هذه المسائل العشر في جانب من ورقة التراجم لأجل التذكرة ففعلوا. ثم

دعاهم إلى الطعام فأجابوا، وكان حديثهم على المائدة استقصاء أخبار المهتدين في

ليفربول من السعيد الإنكليزي. وبعد أن طعموا عرض عليهم الشاي والقهوة

والشراب المثلوج فاختار كلٌّ ما أَلِفَ وأحب، ثم انصرفوا أزواجًا وفُرادى مجيبين

دعوة خير الدعاة؛ إذ كان قد دنا وقت الصلاة.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 26

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌علم تلامذة العرب وبلاغتهم

جاء في أمالي أبي علي القالي ما نصه: حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا

أبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانذاني، عن التوزي، عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان لرجل من مقاول حمير ابنان يقال لأحدهما عمرو،

وللآخر ربيعة، وكانا قد برعا في الأدب والعلم، فلما بلغ الشيخ أقصى عمره

وأشفى على الفناء دعاهما ليبلو عقولهما ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا قال

لعمرو وكان الأكبر: أخبرني عن أحب الرجال إليك، وأكرمهم عليك. قال: السيد

الجواد، القليل الأنداد، الماجد الأجداد، الراسي الأوتاد، الرفيع العماد، العظيم

الرماد، الكثير الحُساد، الباسل الذواد، الصادر الوراد. قال: ما تقول يا

ربيعة؟ قال: ما أحسن ما وصف، وغيره أحب إلي منه. قال: ومن يكون بعد

هذا؟ قال: السيد الكريم، المناع للحريم، المفضال الحليم، القمقام [1] الزعيم، الذي

إن هم فعل، وإن سئل بذل.

قال: أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك. قال: البرم اللئيم [2] ،

المستخذي الخصيم [3] ، المبطان النهيم [4] العيي البكيم [5] ، الذي إن سئل منع،

وإن هُدِّد خضع، وإن طلب جشع [6] . قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره

أبغض إلي منه. قال: ومن هو؟ قال: النموم الكذوب، الفاحش الغضوب،

الرغيب عند الطعام [7]، الجبان عند الصِّدام. قال: أخبرني يا عمرو، أي النساء

أحب إليك؟ قال: الهركولة اللفاء [8] ، الممكورة الجيداء [9] ، التي يشفي السقيم

كلامها، ويبرئ الوصب إلمامها [10] ، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها

صبرت، وإن استعتبتها أعتبت [11] ، الفاترة الطرف، الطفلة الكف [12] ، العميمة

الردف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعت فأحسن وغيرها أحب إلي منها. قال:

ومن هي؟ قال: الفتانة العينين، الأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرداح

الوركين [13] ، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام، الجماء العظام،

الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللثام.

قال: فأي النساء أبغض إليك يا عمرو؟ قال: القتاتة [14] الكذوب، الظاهرة

العيوب، الطوافة الهبوب [15] ، العبسة القطوب، السبابة الوثوب، التي إن ائتمنها

زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته.

قال: ما تقول ياربيعة؟ قال: بئس والله المرأة ذكر وغيرها أبغض إلي منها.

قال: وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه؟ قال: السليطة اللسان، المؤذية

للجيران، الناطقة بالبهتان، التي وجهها عابس، وزوجها من خيرها آيس، التي

إن عاتبها زوجها وترته [16]، وإن ناطقها انتهرته. قال ربيعة: وغيرها أبغض إلي

منها. قال ومن هي؟ قال: التي شقي صاحبها، وخزي خاطبها، وافتتضح أقاربها،

قال: ومن صاحبها، قال صاحبها مثلها في خصالها كلها، لا تصلح إلا له ولا يصلح

إلا لها، قال: فصفه لى؟ قال: الكفور غير الشكور، اللئيم الفخور، العبوس الكالح،

الحرون الجامح، الراضي بالهوان، المختال المنان، الضعيف الجنان، الجعد

البنان [17] ، القؤول غير الفعول، الملوم غير الوصول، الذي لا يرع عن المحارم،

ولا يرتدع عن المظالم. قال: فأخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند

الشدائد، إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت

العريق [18] ، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب، ويلحق إذا طلب. قال: نعم

الفرس والله نعت فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إليَّ منه. قال: وما هو؟ قال

الحصان الجواد، السَّلس القياد، الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا

جرى، قال فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح، النكول

الأنوح [19] الصؤول الضعيف، الملول العفيف، الذي إن جاريته سبقته، وإن

طالبته أدركته، قال: فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إليَّ منه، قال وما هو؟

قال: البطيء الثقيل، الحرون الكليل، الذي إن ضربته قمص [20] ، وإن دنوت منه

شمس، يدركه الطالب، ويقطع بالصاحب، قال ربيعة: وغيره أبغض إليّ منه،

قال: وما هو؟ قال: الجموح الخبوط [21] ، الركوض الخروط [22] ، الشموس

الضروط، القطوف [23] في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب - لعلها

بالصاحب -. ولا ينجو من الطالب.

قال: أخبرني يا عمرو أي العيش ألذ؟ قال: عيش في كرامة، ونعيم

وسلامة، واغتباق مدامة. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: ونعم العيش والله وصف

وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: عيش في أمن ونعيم، وعز وغنى عميم،

في ظل نجاح، وسلامة مساء وصباح، وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال:

غنى دائم، وعيش سالم، وظل ناعم.

قال: فما أحب السيوف إليك يا عمرو؟ قال: الصقيل الحسام، الناثر

المجذام، الماضي السطام [24] ، المرهف الصمصام، الذي إذا هززته لم يكب،

وإذا ضربت به لم ينب.

قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعم السيف نعت وغيره أحب إلي منه. قال:

وما هو؟ قال: الحسام القاطع، ذو الرونق اللامع، الظمآن الجائع، الذي إذا

هززته هتك، وإذا ضربت به بتك، قال: فما أبغض السيوف إليك يا عمرو؟ قال:

القطار الكهام الذي إذا ضُرِبَ به لم يقطع، وإن ذبح به لم ينخع [27] . قال: ما تقول

يا ربيعة؟ قال: بئس السيف والله ذكر، وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟

قال: الطبع الددان [28] ، المعضد [29] المهان.

قال: فأخبرني يا عمرو أي الرماح أحب إليك عند المراس، إذا اعتكر

البأس، واشتجر الدعاس [30] ؟ قال: أحبها إلي المارن المثقف [31] ، المقوم

المخطف [32] ، الذي إذا هززته لم يتعطف، وإذا طعنت به لم يتقصف. قال: ما

تقول يا ربيعة؟ قال: نعم الرمح نعت وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال:

الذابل العسال، المقوم النسال [33] ، الماضي إذا هززته، النافذ إذا همزته [34] .

قال: فأخبرني يا عمرو عن أبغض الرماح إليك. قال: الأعصل [35] عند الطعان،

المثلم السنان، الذي إذا هززته انعطف، وإذا طعنت به انقصف. قال: ما تقول يا

ربيعة؟ قال: بئس الرمح ذكر وغيره أبغض إلي منه. قال: ما هو؟ قال:

الضعيف المهز. اليابس الكز [36] . الذي إذا أكرهته انحطم، وإذا طعنت به انقصم.

قال: انصرفا، الآن طاب لي الموت اهـ.

فهل نجد في تلامذتنا أو شيوخنا من يلم بمثل هذه المعاني أو يحسن مثل هذا

الوصف؟ ! أنى ولا لغة لنا ولا علم إلا بلغة حية مرتقية فليرجع القارئ إلى ما جاء

في نبذة التفسير من الحكم بأننا أجهل الجاهلية الأولى.

_________

(1)

القمقام من أسماء البحر ويطلق عليه السيد الكريم، ويطلق أيضا على الدنيء أخذًا من قمقم فلان ما على المائدة كتقممه واقتمه إذا تتبعه وأتى عليه.

(2)

البرم بالتحريك ثمر العضاة، وهو لا ينتفع به فيطلقونه على الرجل لا خير فيه، والبرم أيضا من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو جدير بالاستعمال.

(3)

استخذى - خضع وذل وأقبح بالمستخذي كثير الخصومة.

(4)

المبطان كبير البطن من كثرة الأكل، والنهيم والنهم: الشره.

(5)

العيي العاجز عن الإفصاح بالقول، والبكيم: الأبكم.

(6)

الجشع: الحرص على الأكل وغيره.

(7)

في الأساس: رجل رغيب واسع الجوف أكول.

(8)

الهركولة: الحسنة الجسم والخلق والمشية والجارية الضخمة الأوراك، واللفاء مؤنث الألف وهى الضخمة الفخذين.

(9)

الممكورة - المطوية الخلق والجيداء الطويلة الحسنة.

(10)

الوصب المريض، والإلمام: الزيارة.

(11)

أي: إن استرضيتها أرضت.

(12)

الطفلة: الناعمة.

(13)

الثقيلتهما.

(14)

النمامة.

(15)

يصفها بكثرة الطواف كالريح ويحسن من المرأة أن تقر في بيتها.

(16)

الوتر: الثأر، ووتره: أصابه بالوتر أو ظلم فيه، ووتره عمله أو حقه نقصه إياه.

(17)

البخيل المنقبض الكف.

(18)

الكفيت: السريع، والعريق: ما له عرق في الكرم أو اللؤم.

(19)

نكل عن الشيء نكص ولم يقدم أو هم بالشيء وهاب إتيانه، وأنح أنحًا وأنوحًا زجر من ثقل مرض أو بهر نفس والأنوح أيضًا البخيل ويتنحنح إذا سئل.

(20)

قمص الفرس ونحوه استن أي: رفع يديه معًا ووضعهما معًا.

(21)

الذي يخبط الأرض برجله.

(22)

الجموح يجتذب الرسن من ممسكه.

(23)

الذي يسيء السير ويبطئ.

(24)

الحد.

(25)

قطع.

(26)

الفطار ما فيه تشقق فلا يقطع، والكهام: الكليل لا يمضي.

(27)

نخع الذبيحة: جاز بالذبح إلى النخاع وذلك أقصاه.

(28)

الطبع: الصدىء، والددان: الكهام.

(29)

الذي يهان بعضد الشجر، أي: قطعه.

(30)

الدعاس: الطعان، واشتجروا: اختلفوا، وتشاجروا بالرماح تطاعنوا.

(31)

اللين المقوم.

(32)

لا أعرف وصفًا للرمح من حرف خطف، ومن معانيه المناسبة استلبه بسرعة.

(33)

السريع والعسال: اللين المتحرك.

(34)

دفعته طاعنًا.

(35)

الأعوج الملتوي.

(36)

اليابس.

ص: 33

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الهدايا والتقاريظ

(سلم الارتقاء لمعرفة دروس الأشياء)

مجموعة كتب علمية في التاريخ الطبيعي وحفظ الصحة والتدبير المنزلي

والأِشياء (الطبيعيات) . شرع في تأليفها الفاضل محمد أفندي أمين من موظفي

الإدارة بنظارة الأشغال العمومية. وقد صدر الجزء الأول منها وفيه 36 درسًا في

مباحث التاريخ الطبيعي العمومية مع شيء من التفصيل في الإنسان.

والغرض الأول من هذا الكتاب تسهيل فهم هذه العلوم على تلامذة المدارس

فإنهم يتعلمونها باللغة الأجنبية في أثناء تعلم اللغة فيعسر عليهم فهمها

كما يعسر عليهم فهم الكتب العربية المؤلفة فيها؛ لأنها لم توضع للمبتدئين. وقد تكرم

المؤلف الفاضل بإهداء باكورة عمله إلينا. ورغب إلينا أن ندله على غلطه ليصلحه

في طبعة ثانية ولكن بعض الأصدقاء أخذ الكتاب منا ليطلع عليه ويعيده بعد يوم أو

يومين فعرض ما أوجب تأخير إرجاعه زمنًا طويلاً، ولذلك لم نتمكن من مطالعته،

ولكننا تصفحنا قليلاً منه فألفيناه في غاية السهولة، فنتمنى أن يقبل عليه مع التلامذة

نبهاء المجاورين في الأزهر الذين سألونا عن كتاب في هذا الفن يسهل عليهم

فهمه من غير أستاذ. وأسلوب كتابة الكتاب أسلوب الجرائد السيارة وفيها من

الانتقاد ما نود أن نذاكر المؤلف فيه مشافهة. وفي آخر الكتاب عدة رسوم،

وثمنه خمسة قروش فقط.

***

(الإحاطة في أخبار غرناطة)

تاريخ عظيم لأديب الأندلس الشهير الوزير محمد لسان الدين بن الخطيب.

عثرت عليه شركة طبع الكتب العربية فاختارت طبعه، وقد صدر الجزء الأول منه

مطبوعًا طبعًا متقنًا. وهو مبتدأ بكلام عام في تلك العاصمة كوضعها، وفتحها،

ونزول العرب الشاميين بها، وما آل إليه حال سكانها الأولين معهم، وحال ما يتصل

بها وينسب إلى كُورتها، ووصف سورها، ونحو ذلك، وسائر الكتاب في تراجم من

نشأ فيها من رجال السيف والقلم من الرجال والنساء.

ولا شك أن كل قارئ بالعربية يتشوق إلى معرفة تاريخ الأندلس التي كانت

أكبر فخر للعرب في العلم والمدنية وكل محب للأدب يتلذذ بقراءة كتابة لسان الدين

بن الخطيب البليغة وكفى بهذين تشويقًا وترغيبًا، ولكننا أسفنا لما رأيناه في الكتاب

من الغلط والتحريف كأكثر المطبوعات الجديدة، وإنما نبهنا على هذا؛ لأن هذه

الشركة أقدر على ضبط كتبها من الأفراد الذين يتجرون بطبع الكتب. ولعل عذرها

في هذا الجزء أنه لم يوجد منه إلا نسخة واحدة، وثمنه 15 قرشًا وصفحاته 375.

***

(الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف

بين المسلمين في آرائهم)

تصنيف العلامة عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي الأندلسي الشهير،

واسم الكتاب يدل على سمو موضوعه، وهو على اختصاره قد جمع من الفوائد في

بابه ما لم تجمعه الأسفار الكبيرة، ولا شك أنه من أنفع الكتب التي ألفها سلفنا. وقد

طبعه واعتنى بضبطه وتصحيحه وشرح أبياته وتفسير غريبه أخونا الفاضل الشيخ

أحمد عمر المحمصاني الأزهري بمراجعة إمام اللغة في هذا العصر الأستاذ الشيخ

محمد محمود الشنقيطي الشهير. فنحث جميع الذين يعولون على رأينا في اختيار

الكتب النافعة على قراءته، ثمنه ثلاثة قروش ولو لم أظفر به إلا بثلاثة دنانير لبذلتها

مرتاحًا وسنعود إلى الاقتباس منه بعد.

***

(مرشد مأموري الضبطية القضائية. ضبط الوقائع الجنائية)

لقد أحسن صنعًا الفاضل محمد بك صبري عضو النيابة بمحكمة الزقازيق

بتأليف رسالة سهلة العبارة في كيفية ضبط الوقائع الجنائية ليستعين بها العمد

ومأمورو الضبطية فيما يعهد إليهم من هذا العمل العظيم الذي يتعلق بحفظ الدماء

والأعراض، وأكثر العمد والمأمورين جهلاء بالطرق التي تتبع في ذلك، ويصعب

عليهم الاستمداد من كتب القوانين، فسهل لهم هذا المؤلف ذلك، فعسى أن يقبلوا عليه

ويحيطوا بما فيه. وهو مطبوع طبعًا حسنًا بمطبعة الشعب، ويطلب من مكتبة

الشعب ومن حضرة مؤلفه

***

(المصور)

جريدة أسبوعية سياسية أدبية مصورة بالألوان أنشأها حديثًا أحد الكتاب

المشهورين بآثارهم القلمية في المؤلفات العصرية والجرائد اليومية الفاضل

خليل أفندي زينية. وقيمة الاشتراك فيها خمسون قرشًا أميريًّا في السنة، وهي

جديرة بالرواج.

***

(الرأي العام)

جريدة مشهورة في مصر يمتاز صاحبها البارع إسكندر أفندي شلهوب بأسلوب

في كتابة الجرائد يجذب القارئ إلى المطالعة فإذا أخذ جريدته قرأها كلها بلذة، وإن

كان من لا يقرأون من الجرائد إلا ما يحبون موضوعه. وقد كانت احتجبت ثم أسفرت

فعسى أن تظل مسفرة دائمًا.

_________

ص: 36

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌حرية الجرائد والشعور العام بالفضيلة في مصر

أكبر النعم التي مُنحتَها مصر في عهد الاحتلال الأمن العام وحرية المطبوعات.

ومن العجائب أن المتمتعين بهذه الحرية يشكون في هذه الأيام منها، ويطلب

بعضهم أن تقيد الحكومة هذه الحرية المطلقة كمن يطلب احتكار الهواء الذي يحيا به

الناس ليعطوا منه بقدر ما يراه المحتكر لازمًا لحياتهم. هذا ما يظهر بادئ الرأي

من الذين يردون على طالبي التقييد، على أنه لم يطلبه أحد ونحن نذكر الحقيقة مع

بيان السبب.

كثرت الجرائد الأسبوعية في مصر، وأكثر أهلها ليسوا من أهل الصحافة فلا

استعداد عندهم لجعلها حاجة من حاجات البلاد؛ ولذلك أشرعوا لهم طريقًا جديدًا

وهو التنديد أو التعريض بمساوئ الأشخاص وقد وجدوا في هذا الطريق لماجًا

وعوارض يرضون بها قومهم، فمن الناس من يفتدي عرضه منهم بقليل من المال أو

العروض، ومنهم من يغريهم بذم عدو له بأجر معلوم، وقد أطمعتهم معاملة هؤلاء

السفهاء بالعظماء والفضلاء فلم يسلم منهم صنف من الأصناف، وقد أكثروا في هاتين

السنتين من الخوض (بالمعية السنية

) والإرجاف بأعمالها.

هذا كله، والرأي العام ساكت عنهم، فما الذي أقام عليهم القيامة في هذه الأيام

وأفاض التبرم والشكوى على جميع الألسنة والأقلام؟ الجواب عن هذا السؤال

يعرفه كل من يقرأ الجرائد المصرية وإنما نذكره صريحًا؛ لأنه من المبشرات

بدخولنا في الحياة الاجتماعية بعد أن كانت حياتنا فردية أحادية، وليكون مسجلاً في

تاريخ مصر الأدبي.

وهو أن جريدة (حمارة منيتي) الهزلية التي تكتب غالبًا باللغة العامية المصرية

قد طعنت من عهد قريب بفضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية فهاج

الرأي العام في مصر للطعن بهذا الإمام العظيم، وذهب الأستاذ الأكبر شيخ الجامع

الأزهر بنفسه إلى محكمة مصر الكبرى وطلب من رئيس النيابة فيها محاكمة صاحب

جريدة الحمار بعد أن طلب مقابلة النائب العمومي فقيل له أنه مسافر. وتقدمت

المحاضر العمومية من العلماء وطلاب الأزهر ومن الأهالي في القاهرة ومن بعض

البلاد في خارجها يطلبون محاكمته. وانطلقت أقلام الكتاب والشعراء في ذم صاحب

الحمارة وأجمعت الجرائد على ذمه وانبرى بعض الكتاب لإحصاء عيوب جريدته منذ

أنشئت، وذكروا منها إهانة القرآن وإفساد الآداب وإفساد اللغة والطعن بالسلطان

والأمير وغير ذلك. وقد قال بعض الأدباء: إن بعض هذه الذنوب أكبر عقوبة من

الطعن بمفتي الديار المصرية فلماذا سكت الناس عنها إلى الآن؟

وقد ذكر صاحب الحمارة نفسه هذا المعنى في مقدمة العدد الأول من السنة

الخامسة ونصه: (قل لي بحقك ما الذي جناه صاحب الحمارة اليوم حتى قامت

عليه هذه القيامة، وما هي بالله تلك الخطيئة التي ارتكبها واستحق عليها الملام،

واتجهت إليه أسنة الأقلام. وانصبت عليه كل هذه السهام؟ فلم يبق في أرض

مصر جريدة ولا مجلة ولا قصيدة إلا وقد حملت عليه، بعد أن كانت في العادة

تحمل منه لا عليه، ولا يبقى شاعر، ولا كاتب واعر، إلا وحرك في ذكراه شفتيه،

كأنهم يريدون ابتلاعه بكل ما لديه) إلخ.

هذا هو السبب في تألم الرأي العام من إطلاق المطبوعات، وما من شيء في

هذا الوجود إلا وله سيئات وحسنات، وهو دليل على أن الأمة المصرية قد دب

فيها الشعور بشئون الحياة الاجتماعية، وصار الرأي العام يعرف لذي الفضل فضله.

ولذا طالب بعض أعضاء الجمعية العمومية الرغبة إلى الحكومة بالاتفاق مع وكلاء

الدول لوضع قانون عام عادل لفوضوية المطبوعات ليأمن كل إنسان على عرضه.

واستحسن رأيه هذا بعض أصحاب الصحف الكبيرة وعده الآخرون وسيلة لتقييد

حرية الصحافة والمطبوعات فأنكروه، ولا يزالون يتناقشون فيه وهم متفقون على أن

حرية الطباعة والصحافة حسناتها أكثر من سيئاتها بأضعاف مضاعفة.

وإذا رجعنا إلى مثلنا الأول نقول: إن هذه الحرية كالهواء الذي هو شرط

للحياة فإذا مر في بعض الأيام على جيفة فحمل إلينا ريحها أو هب شديدًا فأثار الغبار

في وجوهنا فلا شك أننا نبادر إلى ذمه والشكوى منه، ولكننا لا نطلب انقطاعه وإنما

نطلب منع الجيف من طريقه وإزالة الغبار برش الأرض بالماء فلا خلاف إذن بين

الناس في وجوب بقاء هذه الحرية.

أما إزالة هذه الجيف فأمثل طرقها تصدي النيابة العمومية لمحاكمة أصحابها،

فيجب عليها أن تحاكم كل من ينتهك حرمات الآداب وينال من أعراض الناس، وإن

لم يطلب ذلك ممن يطعن فيه. إن لم تقم النيابة بهذه الخدمة للأمة فيجب على الناس

أن يحاكموا من يطعن فيهم إلا عثرة الكريم فإنها تقال شرعًا وأدبًا. والامتناع عن

محاكمتهم توهمًا أن ذلك يعلي شأنهم أو يخفض شأن من يحاكمهم خطأ كبير؛ فإن

الحدود والعقوبات لم تسن في الشرائع الإلهية ولم توضع في القوانين البشرية إلا

لهؤلاء المعتدين {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية:21) .

وأما صاحب الحمارة فقد حاكمته النيابة العمومية فحكم عليه بالسجن مدة ثلاثة

أشهر وبالنفقات، ولم يدخل المفتي في الدعوى مطلقًا ولا طلب حقًّا مدنيًّا. وكان في

الجرائد التي حملت على صاحب الحمارة جريدة طلبت من المفتي العفو عنه، ولو كان

هو الذي طلب ذلك تائبًا لأجيب طلبه قطعًا فإن الأستاذ سليم القلب واسع الحلم لا

يحب أن ينتقم لنفسه، على أن ما كتبته الحمارة كان أكبر خدمة له؛ لأنه أظهر له

مكانة عالية في نفوس خواص الأمة وعوامها لا يدانيه فيها أحد مع العلم القطعي

لكل أحد بأنه بريء من سبب نهاق الحمارة براءة عائشة من إفك المنافقين،

وصاحب الحمارة نفسه يعتقد ذلك أيضًا، لأن هذيانه لم يكن مبنيًّا إلا على الاستنباط

من صورة اخترعها بعض المفسدين.

أما العبرة التي نقصدها من إيراد هذه المسألة فهي إزالة شبهة علقت في أفهام

أكثر الناس فكانت أضر اعتقاد تقلدوه، وهي أن من يشتغل بالعلوم الحقيقية ويتخلق

بالأخلاق الفاضلة والسجايا الكاملة كالصدق والمروءة وعلو الهمة وبذل المعروف

والسعي في خير الناس ومنفعتهم لا ينجح في عمله ولا يعرف له أحد فضله

ويستدلون بأمثال يضربونها قد اشتبه عليهم حقها بباطلها، وهذا المثل الحق الذي

يدحضها وهو أن الشيخ محمد عبده سلك هذه الطريقة فحل من نفوس الأمة محلاً

عليًّا ونال فيها اسمًا سميًّا ما زاحمه فيه عالم ولا أمير، ولا شاركه فيه غني ولا

وزير، والعاقبة كما قال الله تعالى للمتقين.

_________

ص: 38

الكاتب: محمد رشيد رضا

(الدرس 33)

عصمة الأنبياء عليهم السلام

(المسألة 86) الدليل العقليّ على عصمة الأنبياء:

يؤخذ الدليل على عصمة الأنبياء من وجه الحاجة إليهم في الكمال الإنساني،

ومن وظائفهم المنطبقة على وجه الحاجة إليهم. وقد تقدم الكلام في ذلك، ومنه أن

الوظائف خمس وهي نوعان: نوع في بيان الاعتقادات التي ترقي العقل وتعتقه

من رق العبودية لمظاهر الطبيعة التي خلق مستعدًّا لتسخيرها والتصرف فيها فجنت

عليه الوثنية فسخرته لعبادة كل مظهر منها لا يعرف علته ولا يحيط بحكمته.

ونوع في تهذيب النفس وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والأعمال النافعة. ولا

يرتقي النوع الإنساني إلا بمجموع ما يندرج في هذين النوعين من التكاليف وبارتقائه

يكون خليفة الله تعالى في الأرض، وتلك غاية سعادته في هذه الحياة الدنيا التي

تستتبع سعادته في الحياة الآخرة الباقية التي جعلت هذه الحياة مزرعة لها كما ورد.

وبديهي أن العمدة في بيان النوع الأول صدق الخبر بحيث لا يحوم حوله

الشك والريب. والعمدة في الثاني صدق الخبر كذلك مع حسن الأسوة وصحة القدوة

بالمخبر؛ لأنه تربية وإنما التربية بالقدوة، والتعليم القولي مساعد للتأسي وأثره. ولا

تحصل الثقة القطعية بصدق الخبر إلا إذا كان المخبر معصومًا من الكذب والخطأ

في التبليغ. ولا تتم القدوة وتحسن الأسوة إلا إذا كان الإمام المقتدى به بريئًا من

النقائص، منتهيًا عما ينهى عنه، مؤتمرًا بما يأمر به، متخلقًا بما يرغب في التخلق

به إذًا لا تتم حكمة الله تعالى في إرسال الرسل إلا إذا كانوا بحيث ذكرنا من الصدق

والنزاهة.

والحكمة واجبة لله تعالى فوجب أن يكون الأنبياء المبلغون عنه سبحانه صادقين

معصومين {لَاّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6) ولا يلزم من هذا إيجاب شيء على الله تعالى فيكون حجة للمعتزلة وإنما هو إيجاب الحكمة له كإيجاب العلم والقدرة.

***

(م 87) الدليل النقلي على عصمتهم:

إن الله تعالى ما أرسل المرسلين إلا ليُتبعوا ويُقتدى بهم، وقد أمر باتباعهم

كقوله في خاتمهم عليه السلام: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ

وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف: 158) فلو كانوا يخالفون ما يجيئون

به من الهدى لكان الله تعالى آمرًا بالشيء ناهيًا عنه في آنٍ واحد، وهو مُحال على

الله تعالى، ولو فعلوا الفاحشة لكان الله آمرًا بها من حيث أمر باتباعهم أمر تشريع

وأمر بالتأسي بالعظماء أمر تكوين بأن أودع ذلك في فطرة الإنسان. وقد قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} (الأعراف: 28) على أن الطاعة هي ما أمر الله

تعالى به فلو فُرض أن المرسلين يرتكبون المعاصي لكان معنى ذلك أن الطاعات

هي من المعاصي كما قال السنوسي في الكبرى وذلك تناقض لا يقول به عاقل.

وهذا الاستدلال لا يصح على أصول أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويجب أن

يكون أصلاً يرجع إليه جميع الأدلة التي يثبت هو بها فيكون ناقضًا لنفسه.

***

(م 88) الشبه على العصمة:

يقولون: ورد في القرآن إثبات الذنوب للأنبياء والمرسلين إجمالاً

وتفصيلاً.

أما الإجمال فكقوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2) وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} (غافر: 55) وقوله عز وجل:

{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} (النصر: 3) وأما التفصيل فكقوله: {وَعَصَى آدَمُ

رَبَّهُ فَغَوَى} (طه: 121) وكقصة داود وسليمان عليهما السلام وكقصة إخوة

يوسف، ونحن نجيب عن ذلك بالتفصيل.

***

(م 89) مغفرة الذنوب:

علمنا مما تقدم أن معنى عصمة الأنبياء في النوع الثاني (العملي) هو

نزاهتهم وبعدهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات التي بعثوا لتزكية الناس منها لئلا

يكونوا قدوة سيئة مفسدين للأخلاق والآداب وحجة للسفهاء على انتهاك حرمات

الشرائع. وليس معناها أنهم آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الضعف البشري من

التقصير في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه الأكمل، ومن الخطأ في الاجتهاد

ببعض المصالح والمنافع ودرء المضار. كلا إن الإنسان خلق ضعيفًا، وما أوتي

من العلم إلا قليلاً، ولا يمكن أن يحيط بوجوده المصالح والمنافع ودرء المضار

والمفاسد إلا من هو بكل شيء عليم، ومن ليس له هذه الإحاطة قد يخطئ في اجتهاده

فيعمل العمل وهو يعتقد أنه الصواب والخير فيجيء بخلاف ذلك - ومثل هذا يسمى

ذنبًا من الكامل والمقرّب؛ لأن الإنسان مستعد لإدراك الصواب في تلك المسألة التي

أخطأ فيها، فإذا وقع عَرَضًا من الأنبياء يعاتبهم الله تعالى عليه ويغفره لهم ويأمرهم

بتبليغ ذلك لأمتهم؛ ليعرفوا الفرق بين الرب والعبد فلا يفضي بهم الغلوّ بتعظيم

أنبيائهم والإعجاب بفضائلهم ونزاهتهم إلى عبادتهم مع الله تعالى-.

ومن أمثلة ذلك اجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم في استمالة رؤساء

قومه وأغنيائهم إلى الإيمان الذي أدّاه إلى الإعراض عن ابن أمّ مكتوم لما جاءه يسأله

أن يعلمّه مما علّمه الله وكان يدعو صناديد قريش، فإنه كره أن يشتغل به عنهم لئلا

ينفّرهم، ولا يخفى أن أولئك النفر من كبارهم هم الذين كانوا يحادّون النبي ويناصبونه

ولو آمنوا أولاً لتبعهم سائر قريش، فهذا هو وجه اجتهاده صلى الله عليه وسلم في

العناية بهم والإعراض عن الأعمى إذ جاء يشغله عنهم.

فعاتبه الله تعالى على ذلك وردعه عنه بالقول الشديد كقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ

لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (عبس: 3) ، فلَْتُتْلَ الآيات في أول سورة (عبس) وذلك أن سنة

الله تعالى مضت في أن الأديان تقوم بالدعوة والاقتناع والرؤساء والمترفون أبعد

الناس عن معرفة الحق وعن الخضوع له إذا عرفوه، وقد جاء في هذا المعنى آيات.

ومن الأمثلة أيضًا عتابه في مسألة زيد وزينب (فلتراجع في ص 630

و714 من المجلد الثالث) . ومنها: إذنه صلى الله تعالى عليه وسلم للذين استأذنوه

في التخلّف يوم الخروج إلى تبوك، وقد عاتبه الله تعالى على ذلك ألطف عتاب بقوله:

{عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة: 43) الآية. فكان الأولى أن لا يأذن

ليعلم الكاذب المنافق، من المؤمن الصادق، ومنها مسألة أخذ الفداء من أسرى بدر

اجتهد صلى الله عليه وسلم وشاور فاختلف أصحابه فوافق رأيه رأي أبي بكر بأخذ

الفداء فعاتبه الله تعالى عتابًا شديدًا حتى بكى وبكى أبو بكر، وذلك قوله تعالى: {مَا

كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ

يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ

عَظِيمٌ} (الأنفال: 67-68) قال البيضاوي في تفسيره: والآية دليل على أن

الأنبياء يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يُقَرُّون عليه.

فهذه هي ذنوب الأنبياء وهم يستغفرون منها، وهي مغفورة لهم بفضل الله

تعالى لأنهم لم يريدوا إلا الخير والنفع وليس فيها قدوة سيئة، وإنما فيها فائدة

معرفة الناس أن النبي وإنْ جلّ قدره وعلت نفسه فهو بشر مثلهم ميزه الله تعالى

بالوحي وجعله إمامًا في الخير، وأنه على هذه الخصوصية يعاتب وينسب إليه

الذنب والتقصير، ويمنحه الله المغفرة دلالة على أن له أن يغفر له وله أن يعاقبه {قُلْ

فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ

جَمِيعا} (المائدة: 17) وعلى أنَّ توقع نزول العقوبة بأصحاب المعاصي التي تنتهك

فيها الشرائع ويخالف الدين عمدًا - وهو ما لا يقع من الأنبياء - أقرب، وأنهم أولى

بالخوف منه وأجدر بالتوبة. وأن الكمال المطلق لله تعالى وحده فلا رب غيره ولا

معبود سواه.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 47

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الأسئلة والأجوبة

(س1) من الشيخ مقبل عبد الرحمن الذكير في البحرين: ما قول منار

الإسلام وهداة الأنام سادتنا العلماء الأعلام في الأوراق المسماة بالأنواط التي وضعها

بعض الدول للتعامل عوضًا عن بعض المسكوكات الفضية كالروبيات مثلاً والتزمت

تلك الدولة التعويض عنها بالأثمان المقدرة بها؟ هل تجري مجرى العروض كما هو

واقع من كثير من التجار يتعاطونها بيعًا وشراءً، رواجًا وبخسًا، أو تجري مجرى

العين؟ فإن قلتم بالثاني فهل تقولون به من كل وجه وفي كل باب، أو من بعض

الوجوه وفي بعض الأبواب؟ فإن قلتم بالأول فيقتضي أن لا يجوز صرف تلك

الأوراق بباقي أيّة سكة من السكك الفضية إلا وزنًا بوزن، يدًا بيد وهو في الظاهر

بعيد كما أن ذلك يقتضي أن لا يجوز الزيادة على الثمن الذي قدرت به بشيء

ما، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذه المسألة، ويتفرع عنها في باب الزكاة وباب

الصرف، وباب الدين والحوالة والبيع نقدًا ونسيئة، وما تقولون في الحديث

الوارد: (إذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم) .

وبالضرورة أن الورق المذكور بل وجنس الورق كيف كان ليس هو من جنس

أحد النقود الذهبية والفضية والنحاسية لا لغةً - وهي معتبرةٌ هنا في الشرع - ولا

عقلاً وشرعًا ولا عرفًا عامًّا. والمأمول أن يكون التقرير في غاية الوضوح والبيان

والمتانة على منهج القواعد الشرعية والأدلة المرعية والطرق الأصولية بالسيرة

المرضية؛ لأن المسألة بعموم البلوى والضرورة العامة صار لها في البحث أهمية.

ولكم الأجر والثواب من الملك الوهاب.

(ج) الورق ليس مالاً ربويًّا في عرف فقهائنا؛ ولذلك أفتى بعض

علماء الشافعية بأن هذه الأوراق المالية المسماة بالأنواط (مفرد: نوط) لا يجري فيها

الربا، ويفتي غيرهم من علماء المذاهب بذلك؛ لأن الربا مخصوص بالنقدين

والأقوات عند الشافعية ومن وافقهم.

والعلة عند الحنفية الكيل مع الجنس أو الوزن، فكل مكيل أو موزون إذا بيع

بجنسه متفاضلاً فهو ربًا محرم ولكن هذا لا يأتي في هذه الأنواط وإن ورقتين منها

يتساويان في الوزن، وقيمة إحداهما مائة روبية والأخرى ألف روبية مثلاً. فلا

بد من النظر في مقاصد الشريعة وحكمها وجعلها مدار معرفة الأحكام، وإننا نأخذ

بكلام الفقهاء ما لم يخل بهذه المقاصد، فإذا أخل بشيء منها كمنع الزكاة أو إباحة

الربا الضار الذي حرمه الله تعالى رحمة بالناس فإننا لا نقبله؛ إذ لا يصح أن يكون

الاجتهاد مبطلاً للنص بل لا يصح مع النص، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ

والمباني. ولا يخفى على أحد أن هذه الأوراق المالية لا قيمة لها من حيث هي

ورق، وإنما هي سند بمبلغ من النقود فقيمتها بحسب الرقم الذي يعين المبلغ. ولا

يضر المتدين الأخذ بقول أي فقيه ما لم يمنع الزكاة أو يستبِح الربا.

فأما الزكاة فلا تضيع إذا اعتبرنا هذه الأنواط من عروض التجارة؛ لأنها

تقوم في كل حول بقيمتها وتؤدى زكاتها. وأما الربا فالذي أجمع المسلمون على

تحريمه منه هو ربا النسيئة، والجماهير من الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريم ربا

الفضل أي: الزيادة في أحد العوضين مع التقابض فيما هو ربوي كالنقود

والتمر والحنطة ونحوهما، وفيه خلاف بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم

أجمعين كابن عمر وابن عباس وأسامة بن زيد وابن الزبير وزيد بن أرقم، وكسعيد

بن المسيب وعروة بن الزبير من التابعين. واستدلوا بما أخرجه البخاري ومسلم

وغيرهما من حديث أسامة (إنما الربا في النسيئة) في رواية مسلم عن ابن

عباس (لا ربا فيما كان يدًا بيد) .

ومثل ذلك الأحاديث الصحيحة في جواز الصرف يدًا بيد. والعله أو الحكمة في

منع الربا لا محل لتفصيلها في هذا الجواب. وإنما نقول بالإجمال: إن من أكل شيئًا

من مال أخيه بغير مقابل من عين أو عمل فقد أكله بالباطل، وإن أخذ زيادة عما

يعطي الإنسان لأخيه بمجرد التأخير في الوفاء من دواعي قسوة القلوب ومحو

عاطفة التراحم وقطع طريق الصنيعة وعمل المعروف فلا يليق بالدين أن يبيحه.

ومن بليغ الكلام ، ما قاله الأستاذ الإمام ، وهو: إن الربا عبارة عن استغلالك

حاجة أخيك. وإن مشروعية التعامل بالنقود خاصة تفضي إلى الجناية على التجارة -

وسنفصل القول في الربا ومضاره في فرصة أخرى.

أما حقيقة الربا فليس بعد بيان الله تعالى فيها بيان قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: 275) فعلمنا أن

الربا قسيم البيع ومقابله، فالجامع بينهما المعاوضة، والفارق هو أن أحد العوضين في

البيع وهو الثمن يقابل جميع العوض الآخر وهو المثمن بخلاف الربا فإن أحد

المتعاوضين فيه يأخذ جزءًا من مال الآخر بدون عوض ولا مقابل، وهذه التفرقة

معتبرة في التسمية إلى الآن، فالربا لا يسمى بيعًا، ولكن من البيع ما تدخله شبهة

الربا بحسب ما توسع فيه الفقهاء من أحكامه وجزئياته، ولكن من فهم حكمة الشارع

المبنية على درء المفسدة وجلب المنفعة لمجموع الأمة يقدر أن يميز بتفقهه في الدين

بين المعاوضة والمقصود بها البيع، ونفع أخيه بمثل ما ينتفع به منه بالمعروف،

وبين انتظار الفرص لضرورته واستغلال حاجته وأكل ماله بالباطل.

وإنني أنصح للأخ السائل وغيره من تجار المسلمين الذين يهمهم أمر الدين أن

يلاحظوا هذا الفقه الحقيقي ويجعلوه الأصل في معاملتهم؛ لأنه هو روح الدين وسره

الذي يتعلق بإصلاح القلب وتزكية النفس، فإذا أفتاهم علماء الرسوم بفتوى تؤدي إلى

منع الزكاة بحيلة من الحيل ، أو أكل أموال الناس بلا بدل ، أو تجعل البيع ربًا؛

فليحتاطوا لأنفسهم فإن الله تعالى ما تعبدنا بظواهر الألفاظ ومدلولات كلم الناس وما

يضعون من الأقيسة والقواعد التي لا تصلح بها القلوب.

وقد قال عليه السلام لوابصة (استفت نفسك البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت

إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه

أحمد والبخاري في التاريخ وغيرهم. ومن فقه ما ذكرنا لا يحار سواء عليه أعد تلك

الأنواط عروضًا أم عدها نقودًا، والذي يميل إليه القلب هو اعتبارها نقودًا.

وأما الحديث الذي ذكره فهو جزء من حديث صحيح أخرجه أحمد وابن أبي

شيبة في مسنديهما ومسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجه في سننهما عن عبادة

ابن الصامت ولفظه: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير

بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه

الأصناف فبيعوا كيف شئتم إن كان يدًا بيد) ومعلوم أنه إذا اختلف الصنف بطل الربا

ولا معنى لبيع شيء بمثله من صنفه إلا إذا كان من جيد ورديء، وفي هذه الحالة

أجاز النبي صلى الله عليه وسلم المعاوضة بالتفاضل بشرط أن يكون بيعًا يقدّر بالثمن

كما في حديث البخاري وغيره.

وليس هذا من الحيلة التي تضيع بها حكمة التشريع، وإنما هي سدٌ لذريعة الربا

وبيانٌ لقاعدة نافعة وهي أن الربا ينتفي بقصد البيع فكل ما تحقق فيه معنى البيع

فليس من الربا في شيء. هذا ما يتسع له المجال الآن وسنعود إلى الموضوع ونطلب

من العلماء الكرام بيان رأيهم لننشره والله الموفق للصواب.

***

(س2) السيد أحمد منصور الباز ببني صالح: يعتري بعض الناس حال

تسميها العامة (جذبًا) فيغيب عن وجوده حتى يصير كالمجنون لا يدري ما يقول

ويفعل ويظهر هؤلاء بمظاهر مختلفة تعتقدهم العامة بل والعلماء، وكتب الصوفية

طافحة بأخبارهم وأخبار القطب والأنجاب والأوتاد والأبدال، ويسمون مجموع

هؤلاء الدائرة القطبية ورئيسها القطب الملقب بالغوث، ويقال: إنه يتلقى الأوامر

الإلهية وتفيض منه إلى الدائرة القطبية بترتيب معروف عندهم فما رأيكم فيهم؟

نرجو الإفادة بالمنار ليظهر الحق للناس كافة.

(ج) أما الحال التي يسمونها جذبًا فهي فن من فنون الجنون، وإنما

يسمى صاحبها مجذوبًا أو بُهلولاً إذا كان سبب الحال هو الإفراط في الرياضة

والمجاهدة النفسية والانقطاع للذكر والعبادة إكرامًا لمن كان كذلك أن يساوى بسائر

المجانين والاعتقاد بهؤلاء البهاليل قديم العهد عندنا، وسببه أن منهم من كان يظهر

على لسانه بعض الحكم؛ لأن من يذهب عقله لا يعدم كل ما كان أدركه وعَلمه،

وإنما يعدم النظام بين الأفكار والمعلومات، ومنهم من ظهر على يديه بعض الغرائب

أو أسنده إليهم بعض المغرورين الذين يضيفون الأشياء الغريبة إلى ما يقارنها من

الحوادث، وإن لم يكن علة لها، كأن يؤذي إنسان آخر فيصاب عقيب ذلك بمصيبة

تقع بوقوع سببها.

وأما القطب وسائر الموظفين الروحانيين في دائرة تصرفه، الذين يسمونهم

رجال الغيب كالإمامين والأوتاد والأبدال، فلم يرد فيه شيء صحيح في السنة إلا ما

رووه في الأبدال وهي روايات ضعيفة مضطربة في بعضها يعدون ثلاثين وبعضها

أربعين إلخ. ومن عجيب تمحلهم في الاستدلال على القطب ما نقله ابن حجر عن

بعض المحدثين من حمله خبر أبي نعيم في الحِلْية على القطب وهو: (إن لله في

كل بدعة كِيد بها الإسلام وأهله وليًّا صالحًا يذب عنه) إلخ.

وأعجب من هذا أن المسلمين في الغالب لا يحفلون بمن يدافع عن البدع بالفعل

ولا يسمونه وليًّا ولا قطبًا بل ربما عادوه، ولكن يسهل عليهم أن يقولوا: إن الذي

يدافع عن البدع رجل خفي من رجال الغيب يدافع في الغيب عن الإسلام فلا يُعرف

ولا تُعرف مدافعته.

والحاصل أن الشرع لا يطالب أحدًا بتصديق ما لم يقُم عليه دليل، ولا يكلفه

بالإيمان بهؤلاء الرجال المجهولين، بل يحرُم عليه أن يقول ما لا يعلم. وهذا لا يمنع

أن تصطلح طائفة الصوفية على ألقاب تطلقها على أهل الخصوصيات، وليس لهم أن

يفضوا بذلك إلى من لا يعرف تلك الخصوصية لئلا يكلفوه بالقول بغير علم. وللمبحث

ذيول سنفصلها تفصيلاً.

***

(س3) محمد أفندي مأمون كرشه بسنديون (غربية) : هل حكم الحاكم

يرفع الخلاف أم لا، ومَن هذا الحاكم، فإن كان رافعًا فهل يبقى كذلك بعد موته؟ فإنه

إذا لم يبق يلزم أن لا يعمل بحكم قاضي مصر السابق إلا إذا أجازه من يخلفه.

(ج) حكم الحاكم الشرعي الذي رأيتم شروطه في الجزء الماضي يرفع

الخلاف في المسائل الاجتهادية فيجب تنفيذه ولو عزل أو مات. ونعني بالمسائل

الاجتهادية ما لا يخالف الكتاب والسنة والإجماع. قال في الجامع الصغير: (وما

اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاضٍ آخر يرى غير ذلك أمضاه)

وعلَّله الكمال في الفتح بأن اجتهاد الثاني كاجتهاد الأول، ويرجح هذا باتصال القضاء

به فلا ينقض بما دونه.

***

(س4) ومنه: هل يصح ما يقول الوعاظ وعصابة الزار من أن

الجنّ مسلطون على الإنسان؟ وهل الزار على هذا منكر يجب النهي عنه شرعًا أم

لا؟ وإن أجبتم بالسلب، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (اتخذوا

الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكم) ؟ ومعنى ما ورد في الآثار أن

الجن يجري في جسم الإنسان مجرى الدم في الشرايين؟

(ج) لفظ الجن يطلق على المخلوقات الخفية، ويقال: إن منها ما هو مادي

وما هو روحاني، وأجدر بهذه الأحياء التي يسمونها الميكروبات أن تكون من المادي

وهي سبب الأمراض والأوبئة كالطاعون والهيضة، وعليها يحمل ما ورد من أن

الطاعون من وَخْز الجن، فهي مسلطة على الإنسان وهو مسلط عليها بالعلم

الصحيح، وإن كان لما يقدر على كثير منها بعد تمكنها في الجسم.

وأما الروحانية فلا سُلطة لها على الأجساد وإنما هي منشأ الوساوس والخواطر

القبيحة الضارّة فمن العلماء من يقول: إنها القوى المعنوية الباعثة على الشر،

والأكثرون على أنها عالم مستقل من جنس عالم الروح يلابس أفراده النفوس المستعدة

للشر بسوء التربية فيقوي فيها الرغبة فيه. وعليه يحمل حديث الصحيحين وغيرهما

(إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع) .

وهو كناية عن تمكنه من الوسوسة. وأما الزار فهو منكر قبيح يجب إبطاله

بالفعل، فإن لم يستطع فبالقول، وأما حديث اتخاذ الحمام المقاصيص فغير صحيح،

ويطلق لفظ الشياطين والجن على الأشرار من الناس وعلى الحيّات والثعابين. وعلى

الأول يحمل الحديث لو ثبت وكذا غيره مما ورد في النهي عن خروج الصبيان في

الليل؛ لأنه وقت انتشار الشياطين. وإننا نرى شياطين الأزبكية وجنها ينتشرون إذا

جنّ الليل، ونحث من يهمهم تربية أولادهم على منعهم من الخروج لئلا يفسدهم

هؤلاء الشياطين.

***

(س5) ومنه: هل التسبيح في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ

بِحَمْدِه} (الإسراء: 44) بلسان المقال أم بلسان الحال أم المقصود أنه سبب في

تسبيح الرائي؟

(ج) المتبادر الذي اختاره المفسرون أن التسبيح من غير العقلاء هو بلسان

الحال أي: إن إمكان الأشياء وحدوثها يدلان على تنزيه واجب الوجود. وذهب بعض

إلى أنه بلسان المقال؛ لقوله: {وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الإسراء: 44)

وأجابوا عنه بأن الخطاب للمشركين لا للناس أجمعين؛ أي: لا تفقهون هذه الدلالة

لإهمالكم النظر الصحيح والاستدلال العقلي.

_________

ص: 51

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌القرآن والكتب المنزلة

المقالة الثالثة للقس إسحاق طيلر نشرت في جريدة سنت جمس في 13 مايو

سنة 1888.

إن المسلمين قد آمنوا بالمسيح وصدقوا ببعثته وهو عندهم معدود في أولي

العزم من رسل الله إلى خلقه، فهم عندنا مسيحيون نصلي لهم كل يوم أحد ونسأل الله

أن يهديهم وإيانا إلى الحق وطريق مستقيم. ولا منافاة عندهم بين الاعتقاد بالقرآن

وأنه كلام الله وتنزَّل من عنده، وبين الاعتقاد بسائر الكتب السماوية وأنها بوحي من

الله وإلهام. بل يعرف من صريح كلام المسلمين أن اعتقادهم بالكتب السماوية إنما

ساقه إلى قلوبهم الاعتقاد بالقرآن فهم في اعتقادهم بها يمتثلون أمرًا من أوامره

ويجيبون داعيًا من دواعيه.

وليس في المسلمين من يدعي أن القرآن يكذب شيئًا من الكتب الإلهية ولا في

إمكان مسلم أن يدعي ذلك لما يشهد به القرآن من أنه مهيمن على ما بين يديه من

الكتب يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، مصدق لما معهم من

الحق ولكنهم يقولون: إن القرآن خاتمة الكتب كما أن من أنزل عليه (صلى الله

عليه وسلم) خاتمة الأنبياء، ولا تجد مسلمًا إلا يؤمن بالتوارة والإنجيل

والزبور والقرآن، فكل صحيفة من الكتب الإلهية ثبت مجيئها على لسان

نبي صادق فهي عندهم كلام الله المنزه عن الخطأ والزلل.

وما صح نقله عن عيسى عليه السلام فهو حق واجب التصديق، وكثيرًا ما

ينقلون عن نبيهم صلى الله عليه وسلم فيما يعرف بالأحاديث شيئًا من أقوال المسيح

ونصائحه وأحواله ويتلقونها بالقبول، غير أن المعروف عندنا أن الأناجيل

المشهورة لم تكتب في عهد المسيح عليه السلام كما كتب القرآن وغيره في حياة

من أنزل عليهم فلا لوم على المسلم إذا طلب التثبت وتحقيق السند لصحة النقل كما يكون منه ذلك فيما ينقل عن نبيه صلى الله عليه وسلم من الأحاديث؛ لأن

عروض الشبهة في نقل من تتحقق عصمته أمر طبيعي عند عموم البشر.

قال لي أحد المسلمين: إن القرآن يشهد بأن الله آتى عيسى عليه السلام

الإنجيل وجعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، وما نعرفه من الكتب الإلهية نقبله

ولا ننكر شيئًا منه، وإن كنا قد نختلف معكم على تفسيره وتأويله كما اختلف

الأحزاب من بينكم، وعندنا أن كتابنا ونبينا صلى الله عليه وسلم قد بشر بهما أنبياؤكم

من قبل كما تقولون في المسيح عليه السلام، وكما لم يقدح إنكار اليهود لعيسى في

اصطفاء الله له، كذلك لا يقدح إنكار من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في

ثبوت رسالته. ولقد أرشدني الاطلاع على مذاهب المسلمين في التعليم إلى أنهم لا

يأبون عن تسليم أدلة القسيس بالي التي ذكرها في كتابه المسمى ببراهين دين المسيح

غير أنهم يتخذون منها حججًا قويمة على أن دينهم الحق. مثلاً يعدون من بينات

دينهم ودلائل أنه الحق سرعة انتشاره واستقبال القلوب وجهته على نحو غريب

عزيز المثال، ثم إشراق نور الإخلاص من عقائد الذين اتبعوه كما يرشد إليه أدنى

الفكر في أحوالهم من ثباتهم معه في ساعات العسرة ومصابرتهم في الشدائد وازدياد

إيمانهم في الضراء واستقامة سيرهم في السراء.

ومنها ما بهر العقول من الحكم الدقيقة التي برعت بها أحكام القرآن وانطباقها

مجيب على ما تقتضيه طبيعة الإنسان الدينية (أي: من حيث يطلب دينًا) وتأثيرها

الغريب في قلوب الآخذين بها والقائمين على سبيلها واحتباسها لنفوسهم على

الكمالات الإنسانية، واجتذابها لهممهم عن الانبعاث إلى ما تدعو إليه الرعونة البدنية،

فهي تلبسهم ثوب الوقار والحشمة في النعماء، وتشعرهم شعار التسليم والاصطبار في

البأساء. وفي الحق أن لهم أن يسألونا: هل يمكن لأميّ مثل محمد (صلى الله عليه

وسلم) أن يأتي بحقائق زكية نقية عليَّة وأحكام تسطو بسلطانها على النفوس كالتي جاء

بها القرآن بدون أن يكون ذلك بوحي من الله وإمداد منه؟

أما ما يقال من أن القرآن لم يذكر فيه معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم سوى

القرآن نفسه؛ فعلى فرض أن لا يصح شيء مما نقل في كتب الأحاديث من المعجزات

مع أنها أشبه بالأناجيل عندنا يجاب عنه بأن هذا لا يقدح في رسالته، بل هو أوضح

دليل على صدقه في دعواه؛ إذ لو كان ملبسًا أو مفتريًا (والعياذ بالله) لما أعوزه

التمويه ببعض الغرائب المخترعة ليشبه على أصحابه ويحمل الناس على الإعجاب

بغرائبه. وقد رأينا أن المسيح عليه السلام كان يوبخ اليهود على مطالبتهم له

بالمعجزات، والذي يظهر لنا أنه لولا قساوة قلوبهم وعنادهم لما عوّل في دعواه

عليها.

على أن الأعاجيب التي رويت عن المسيح عليه السلام أصبحت في هذه

الأيام مما يعد عقبة في طريق الاعتقاد بدينه فكثير من الناس يحسبون الدين سهل

القبول لولاها. فعدول محمد صلى الله عليه وسلم في إثبات نبوته عن سبيل

الغرائب واكتفاؤه من المعجزة بكتابه وصدق أنبائه، والبراهين العقلية التي تحدق

إليها البصائر السامية، كل ذلك آيات بينات في صدور الذين أُوتوا العلم على صدقه،

ولا إشكال فيه بل هو عين ما يطلبه المسلمون.

ثم إن المسلمين لا يقفون في إثبات دينهم عند نهاية هذا الحد ولكنهم يذهبون إلى

أن لهم في الكتب السابقة أدلة بينة على صدق كتابهم ونبيهم، صلى الله عليه وسلم

وهم على يقين أن الأنبياء السابقين (عليهم الصلاة والسلام) قد توالت أنباؤهم على

التبشير بنبيهم كما نقول في عيسى عليه السلام، وما يذهب إليه المسيحيون في تأويل

بعض الأخبار المأثورة عن الأنبياء أو الأصفياء الأولين يخالفهم فيه المسلمون إلى

تأويل أفضل لهم، وقد نجد التأويل الثاني ألصق بعبارة النبأ، فإن لم يكن فإنا نرى

التأويلين في كفتين متعادلتين، وإنما يرجح كُلاًّ إِلفُ صاحبه ومَيله، ولذلك أمثال

كثيرة يطول سردها ويسهل على الطالب إيجادها.

أذكر ما نبهني إليه أحد أصدقائي المسلمين من معنى العددين المذكورين في

آخر كتاب دانيال النبي عليه السلام وهما عدد 1290 وعدد 1335، فبعد أن بين

بتاريخ انقطاع الذبيحة اليومية من يوم بني منسه ملك اليهود مذابح للأصنام في هيكل

القدس، وفسر الصنم المصوغ الذي نصبه الملك في القدس بالرجس المخرب، وعبر

عن الخراب بتسخير الأوديين لأورشليم فأراني كيف أن أحد العددين المذكورين يأتي

بنا إلى زمان الهجرة النبوية، وأن الثاني ينتهي بنا إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان

عندما أتم المسلمون فتوحاتهم في سورية ومصر وفارس وأفريقيا، وكيف قطعت

مصالحة الحسن بن عليّ دابر الشقاق بين الأمة، وسكن المسلمون الأرض آمنين

مطمئنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولست أحكم بصحة التأويل ولا عدمها،

ولكن أقول: إنه ليس بأقل جودة من بعض ما أول به قوم آخرون.

وأهم ما نقصد الآن أن يعرف النصارى عندنا في إنكلترا كيف يستدل

المحمديون بأنباء كتب اليهود والنصارى على إثبات دينهم وتحقيق يقينهم.

بقي شيء يشتد الإنكار فيه منا على المسلمين وهو اعتقادهم بجنة جسمانية فيها

من الحور العين ما تشتهيه نفوس المؤمنين، على أني أقول: وما إنكارنا ونحن

نرى في كتاب نشيد الأناشيد المنسوب إلى سليمان بن داود عليه السلام عبارات إن حُملت على ظاهرها كانت أدخل في الجسمانية وعالم المادة من كل ما ينسب إلى

القرآن غير إننا لمحنا من درس فصول ذلك الكتاب في ترجمته المشهورة أن تلك

كنايات عن محبة المسيح لأمته، ثم إننا نرى ذِكرًا صريحًا للجنة الجسمانية في

مكاشفات يوحنا المعدودة عندنا خاتمة الأناجيل، فإنه يذكر وصف أورشليم الجديدة وهي الجنة ومساحتها الدقيقة وحدودها وما فيها من أبواب من لؤلؤ وأزقة من ذهب

وجدران من جوهر ويفيض فيما رواه ذلك مما لم يأت القرآن عليه. وإن لنا

عبارة تألفها نفوسنا ونترنم بها في عبادتنا مع الافتخار إذ نقول: (أورشليم

المذهبة المباركة باللبن والعسل) وليس يخطئ قائل لنا: إن نغمات المظفرين

وأغاني المخلفين التي نجدها في مكاشفات يوحنا تذكّرنا بأن غاية المسيحي من إيمانه

وأمله المطلوب من عبادته أن يصل إلى جنة نعيمه فيها أن يأكل ويشرب ويسكر

ويغني كما نرى من عمله في هذه الدنيا أيام الأعياد المشهورة، على أننا نأول ذلك كله

ونصرفه عن ظاهره، ونحمل كل لفظ وجد لمعنى محسوس على سر معقول.

وإن العرفاء من المسلمين يعتقدون بأن لهم نعيمًا روحانيًّا يتعالى إلى غير

النهاية عن النعيم الجسداني، ولسنا نكابر كما يكابر القسيس (مكول) ونحكم بأن

المسلم لا مطمح له في أخراه إلا الأكل والشرب وقضاء شهوات أُخَرَ، وقد ذكر في

القرآن في سورة القيامة من جزاء المؤمنين أن تكون وجوههم يوم القيامة ناضرة إلى

ربها ناظرة، وفي الأحاديث عندهم ما يدل على ذلك ففيها عن نبيهم (صلى الله

عليه وسلم) ما معناه أن أعظم فوز يفوز به العبد في الآخرة هو لقاء ربه في الغدوّ

والآصال وهو نعيم يفوق كل نعيم كما يفوق البحر قطرات العرق، وفي حديث آخر

أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر. وفي آخر ما يشبه المعروف

عندنا (إن الله قد أعد للمؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب

بشر) .

وإن في عقائد المحمديين أن رضوان الله أكبر من كل نعيم، فإن وافقنا المسلم

على أن جنة جسدانية لا تليق أن تكون جزاء المؤمن في الآخرة؛ أفلا يجوز له أن

يُؤول ما ورد في كتابه من ذلك كما وردت عبارة النشيد وعبارات المكاشفات

والتأويل عليه أسهل منه علينا فإن عنده في كتابه ما يشير إلى أن بعض ما نص الله

لهم من الكتاب لا يؤخذ على ظاهره، وله في السنة ما معناه: ليس في الجنة شيء مما

في الدنيا إلا الأسماء لنا نحن. فلم يذكر لنا في المكاشفات ما يسوغ التأويل أو يشير

إلى أن ما جاء فيها من الأوصاف ضرب من التمثيل؛ لأن صاحب الكتاب يصرح

لنا بأن ما فيه من الأقوال حق لا ريبة فيه كما هو مذكور، فللمحمديين حق إن

طلبوا الجنة الروحانية واللذائذ السامية العقلية، وهم مؤمنون بكتابهم، ويرون أن هذا

المطلب عليهم أيسر منه على كثير من غيرهم، وإني أحسب من الظلم الفاحش أنَّا لا

نسوغ للمسلمين سلوك طريق من التفسير لم نزل نسلكه في إيضاح غوامض

كتابنا المقدس.

...

...

...

...

إسحاق طيلر

_________

ص: 59

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الاجتماع الثاني - الداء أو الفتور العام

في مكة المكرمة يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة سنة 1316 في صباح

اليوم المذكور انعقد الاجتماع وبعد قراءة ضبط الجلسة الأولى افتتح الكلام (الأستاذ

الرئيس) فقال: إنا نجد الباحثين في الحالة النازلة بالمسلمين يشبهونها بالمرض

فيطلقون عليها اسم الداء مجردًا أو مع وصفه بالدفين أو المزمن أو العضال، ولعل

مأخذ ذلك ما ورد في الأثر وألفته الأسماع من تشبيه المسلمين بالجسد إذا اشتكى منه

عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ويلوح لي أن إطلاق الفتور العام

أليق بأن يكون عنوانًا لهذا البحث لتعلق الحالة النازلة بالأدبيات أكثر منها بالماديات،

ولأن آخر ما فيها ضعف الحس فيناسبه التعبير عنه بالفتور.

إن هذا الفتور في الحقيقة شامل لجميع أعضاء الجسم الإسلامي فيناسب أن

يوصف بالعام، وربما يتوقف الفكر في الوهلة الأولى عن الحكم بأن الفتور عام

يشمل المسلمين كافة، ولكن بعد التدقيق والاستقراء نجده شاملاً للجميع في مشارق

الأرض ومغاربها لا يسلم منه إلا أفراد شاذة.

فيا أيها السادة، ما هو سبب ملازمة الفتور منذ قرون للمسلمين؟ من أي قوم

كانوا، وأينما وجدوا، وكيفما كانت شئونهم الدينية أو السياسية أو الأفرادية أو

المعاشية حتى إننا لا نكاد نجد إقليمين متجاورين أو ناحيتين في إقليم أو قريتين في

ناحية أو بيتين في قرية، أهل أحدهما مسلمون وأهل الآخر غير مسلمين إلا ونجد

المسلمين أقل من جيرانهم نشاطًا وانتظامًا في جميع شئونهم الحيوية الذاتية

والعمومية، كذلك نجدهم أقل إتقانًا من نظرائهم في كل فن وصنعة مع أننا نرى أكثر

المسلمين في الحواضر وجميعهم في البوادي محافظين على تميزهم عن غيرهم

من جيرانهم ومخالطيهم في أمهات المزايا الأخلاقية مثل الأمانة والشجاعة

والسخاء.

فما هو والحالة هذه سبب شمول هذا الفتور وملازمته لجامعة هذا الدين

كملازمة العلة للمعلول بحيث يقال: أينما وجدت الإسلامية وجد هذا الداء حتى توهم

كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان. هذا هو المشكل العظيم الذي يجب

على جمعيتنا البحث فيه أولاً بحث تدقيق واستقراء عسى أن نهتدي إلى جرثومة

الداء عن يقين فنسعى في مقاومتها حتى إذا ارتفعت العلة برئ العليل إن شاء الله

تعالى.

قال (الفاضل الشامي) : إني أوافق الأستاذ الرئيس على تعريفه ووصفه

الحالة النازلة بالفتور، ولا أعلم ما يعارض كون هذا الفتور عامًّا محيطًا بجميع

المسلمين.

قال (الصاحب الهندي) : إني وإن كنت أقل الإخوان فضيلة ولكنني جوّال،

وقد خبرت البلاد وأحوال العباد، ولا شك عندي في أن هذا الفتور عامّ وإن كان لا

يظهر في بعض المواقع التي ليس فيها غير المسلمين كقلب جزيرة العرب وبعض

جهات إفريقيا، ولا يظهر أيضًا في بعض مواقع أخرى مجاورو المسلمين فيها

ومخالطوهم من أهل النِّحل الوثنية الغريبة الوضع المتناهية في الشدة كبقايا الصابئة

حول دجلة الذين يضيعون كثيرًا من أوقاتهم منغمسين في الماء تعبدًا، وكالكونغو من

الزنوج، وكالبوذية من الهنود المعتقدين أن كل مصائبهم حتى الموت الطبيعي من

تأثيرات أعمال السحرة عندهم، فإن أمثال هؤلاء أكثر فتورًا من المسلمين على أن

ذلك لا يرفع صفة الفتور وعموميته عن المسلمين.

فقال (الأستاذ الرئيس) : إن الصاحب الهندي مصيب في تفصيله وتحريره،

ولذلك رجعت عن قولي بأن المسلمين أحط من غيرهم مطلقًا إلى الحكم بأنهم أحط

من غيرهم ما عدا النحل المتشددة في التدين.

قال (الحافظ البصري) : يلوح لي أنه يلزم استثناء الدهريين والطبيعيين

وأمثالهم ممن لا دين لهم؛ لأنهم لا بد أن يكونوا على غير نظام ولا ناموس في

أخلاقهم معذبين منغصين في حياتهم منحطين عن أهل الأديان كما يعترف بذلك

الطبيعيون أنفسهم فيقولون عن أنفسهم: إنهم أشقى الناس في الحياة الدنيا.

فأجابه (الصاحب الهندي) : إني كنت أيضًا أظن أنه يوجد في البشر أفراد

ممن لا دين لهم، وإن من كانوا كذلك لا خلاق لهم، ثم إن اختباري الطويل قد برهن

لي على أن الدين بمعناه العام وهو إدراك النفس وجود قوة غالبة تتصرف بالكائنات،

والخضوع لهذه القوة على وجه يقوم في الفكر هو أمر فطريٌّ في البشر، وإن قولهم:

فلان دهري أو طبيعي هو صفة لمن يتوهم أن تلك القوة هي الدهر أو الطبيعة فيدين

لما يتوهم، فثبت عندي ما يقرره الأخلاقيون من أنه لا يصح وصف صنف من

الناس بأنهم لا دين لهم مطلقًا، بل كل إنسان يدين بدين إما صحيح أو فاسد عن

أصل صحيح، وإما باطل أو فاسد عن أصل باطل، والفاسدان يكون فسادهما إما

بنقصان، أو بزيادة، أو بتخليط، فهذه أقسام ثمانية.

فالدين الصحيح كافل بالنظام والنجاح في الحال والسعادة والفلاح في المآل،

والباطل والفاسدان بنقصان قد يكون أصحابهما على نظام ونجاح في الحياة على

مراتب مختلفة، وأما الفاسدان بزيادة أو بتخليط فمهلكة محضة، ثم أقول: بما كان

تقريري هذا غريبًا في بابه فألتمس أن لا يقبل ولا يرد إلا بعد التدقيق والتطبيق؛

لأنه أصل مهم لمسألة الفتور العام المستولي على المسلمين.

(قال الرئيس الأستاذ) : إني أجلكم أيها السادة الأفاضل عن لزوم تعريفكم

آداب البحث والمناظرة، غير أني أنبه فكركم لأمر لا بد أن يكون في نفوسكم جميعًا،

أو تحبوا أن يصرَّح به ألا وهو عدم الإصرار على الرأي الذاتي وعدم الانتصار له،

واعتبار أن ما يقوله ويبديه كل منا إن هو إلا خاطر سنح له فربما كان صوابًا أو

خطأً، وربما كان مغايرًا لما هو نفسه عليه اعتقادًا وعملاً، وهو إنما يورده في

الظاهر معتمدًا عليه، وفي الحقيقة مستشكلاً أو مستثبتًا أو مستطلعًا رأي غيره، فلا

أحد منا ملزم برأي يبديه ولا هو بملوم عليه، وله أن يعدل أو يرجع عنه إلى ضده؛

لأننا إنما نحن باحثون لا متناظرون، فإذا أعجبنا رأي المتكلم منا أثناء خطابه

إعجابًا قويًّا فلا بأس أن نجهر بلفظ (مرحى)[1] تأييدًا لإصابة حكمه وإشعارًا

باستحسانه، فلنمض في بحثنا عن أسباب الفتور العام على هذا النسق.

قال (الفاضل الشامي) : إني أرى منشأ هذا الفتور هو بعض القواعد

الاعتقادية والأخلاقية، مثل العقيدة الجبرية التي من بعد كل تعديل فيها جعلت الأمة

جبرية باطنًا قدرية ظاهرًا (مرحى) ومثل الحث على الزهد في الدنيا والقناعة

باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية كحب المجد والرياسة والتباعد

عن الزينة والمفاخر والإقدام على عظائم الأمور، وكالترغيب في أن يعيش المسلم

كميت قبل أن يموت، وكفى بهذه الأصول مفترات مخدرات مثبطات معطلات لا

يرتضيها عقل ولم يأت بها شرع، ولمثلها نفى عثمان بن عفان رضي الله عنه أبا ذر

الغفاري إلى الربذة.

فأجابه (البليغ القدسي) : إن هذه الأصول الجبرية والتزهيدية الممتزجة

بعقائد الأمة وما هو أشد منها تعطيلاً للأخذ بالأسباب، ولنشأة الحياة موجودة في

جميع الديانات؛ لتعدل من جهة شره الطبيعة البشرية في طلب الغايات، وتدفعها إلى

التوسط في الأمور، ولتكون من جهة أخرى تسلية للعاجزين وتنفيسًا عن المقهورين

البائسين وتوسلاً إلى حصول التساوي بين الأغنياء والفقراء في مظاهر النعيم.

ألا يرى إجماع كل الأديان على اعتقاد القدر خيره وشره من الله تعالى، أو

خيره منه وشره من النفس أو من الشيطان، ومع ذلك ليس في البشر من ينسب أمرًا

إلى القدر إلا عند الجهل بسببه سترًا لجهله، أو عند العجز عن نيل الخير أو دفع الشر

سترًا لعجزه، وحيث غلب أخيرًا على المسلمين جهل أسباب المسببات الكونية

والعجز عن كل عمل التجأوا إلى القدر والزهد تمويهًا لا تديُّنًا. وهذا التبتل

والخروج عن المال من أعظم القربات في النصرانية، فهل كان قصد شارع

الرهبانية أن ينقرض الناس كافة بعد جيل واحد، أم كان قصده أن يشرعها على أن

لا يتلبس بها إلا القليل النزر؟ كلا لا يُعقل في هذا المقام إلا التعميم، وينتج من ذلك

أنه لا يصح اعتبار هذه الأصول الجبرية والتزهيدية سببًا للفتور، بل هي سبب

لاعتدال النشاط وسيره سير انتظام ورسوخ.

وفي النظر إلى المشاق والعظائم التي اقتحمها الصحابة والخلفاء الراشدون

رضي الله عنهم لنيل الغنى والرياسة والفخار مع الأجر والثواب أقوى برهان مع أن

الأمة إذ ذاك كانت زاهدة فعلاً لا كالزهد الذي ندعيه الآن كذبًا ورياءً

(مرحى) .

وإذا تتبعنا كل ما ورد في الإسلامية حاثًّا على الزهد نجده موجهًا إلى الترغيب

في الإيثار العام؛ أي: بتحويل المسلم ثمرة سعيه للمنفعة العمومية دون خصوص

نفسه، حتى إن كل ما ورد في الحث على الجهاد في سبيل الله مراد به سعي المؤمن

بكل الوسائل حتى ببذل حياته لإعزاز كلمة الله وإقامة دينه، لا في خصوصية محاربة

الكفار كما تتوهم العامة، كما أن المراد من محاربة الكفار هو من جهة: إعزاز

الجامعة الإسلامية، ومن أخرى: خدمة الجامعة الإنسانية من حيث إلجاء الكفار إلى

مشاركة المسلمين في سعادة الدارين؛ لأن للأمم المترقية علمًا ولاية طبيعية على

الأمم المنحطة؛ فيجب عليها إنسانية أن تهديها إلى الخير ولو كرهًا باسم الدين أو

السياسة.

ثم قال: أما أنا فيخيل إليّ أن سبب الفتور هو تحويل نوع السياسة الإسلامية

حيث كانت نيابية اشتراكية؛ أي: (ديمقراطية) تمامًا، فصارت بعد الراشدين بسبب

تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه

بالمطلقة. وقد نشأ هذا التحول من أن قواعد الشرع كانت في الأول غير مدونة ولا

محررة بسبب اشتغال الصحابة المؤسسين رضي الله عنهم بالفتوحات وتفرقهم في

البلاد، فظهر في أمر ضبطها خلافات ومباينات بين العلماء، وتحكمت فيها آراء

الدخلاء، فرجحوا الأخذ بما يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية (وليتهم لم يدنسوا الإسلام

بالدخول فيه) فاتخذ العمال السياسيون -ولا سيما المتطرفون منهم- هذا التخالف في

الأحكام وسيلة للانتقام والاستقلال السياسي، فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة

الإسلامية إلى طوائف متباينة مذهبًا، متعادية سياسة، متكافحة على الدوام.

وهكذا خرج الدين من حضانة أهله وتفرقت كلمة الأمة فطمع بها أعداؤها

وصارت معرضة للمحاربات الداخلية والخارجية معًا، لا تصادف سوى فترات قليلة

تترقى فيها العلوم والحضارة على حسبها ، وقد أثر استمرار الأمة في هذه الحروب أن صارت باعتبار الأكثرية أمة جندية صنعةً وأخلاقًا، بعيدة عن الفنون والصنائع

والكسب بالوجوه الطبيعية، ثم بسبب فقدان القواد والمعدات لم يبق مجال للحروب

الرابحة فاقتصرت الأمة على المدافعات خصوصًا منذ قرنين إلى الآن؛ أي: منذ

صارت الجندية عند غيرنا صنعة علمية مفقودة عندنا، فصرنا نستعمل بأسنا بيننا

فنعيش بالتغالب والاحتيال لا بالتعاون والتبادل، وهذا شأن يميت الانتباه والنشاط

ويولد الخمول والفتور (مرحي) .

فابتدر (الحكيم التونسي) وأجابه: إن غيرنا من الأقوام -كجرمانيا مثلا- وُجِدُوا في حكومات مطلقة، وفي اختلافات مذهبية، وفي انقسامات إلى طوائف

سياسية، وفي حروب مستمرة، ولم يشملهم الفتور بوجه عام فلا بد للفتور في

المسلمين من سبب آخر.

ثم قال: وفيما أتصور أن بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا المترفين

الأخسرين أعمالاً الذين ضلوا وأضلونا سواء السبيل وهم يحسبون أنهم يُحْسنون

صنعًا، حتى بلغ جهل هؤلاء دركةً أسفل من جهل العجماوات التي لها طبائع

ونواميس، فمنها التي تحمي ذمارها وتمنع عن حدودها وتدافع عما استُحفظت عليه،

وهؤلاء ليس لهم طبائع ونواميس فيخرّبون بيوتهم بأيديهم وهم لا يشعرون، ومنهم

الذين ضلوا على علم وهم الذين يشكون ويبكون حتى يظن أنهم مغلوبون على أمرهم

ويتشدقون بالإصلاح السياسي مع أنهم - وايم الحق - يقولون بأفواههم ما ليس في

قلوبهم، ويظهرون الرغبة في الإصلاح ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه

من إفساد دينهم ودنياهم وهدم مباني نجدهم وإذلال أنفسهم والمسلمين. وهذا داء عياء

لا يُرجى منه الشفاء؛ لأنه داء الغرور لا يقر صاحبه لفاضل بفضيلة، ولا يجاري

حازمًا في مضمار، وقد سرى من الأمراء إلى العلماء ثم إلى سائر الطبقات.

فأجاب (المولى الرومي) إن إلقاء التبعة على الأمراء خاصة غير سديد؛

خصوصًا لأن أمراءنا إن هم إلا لفيف منا، فهم أمثالنا من كل وجه، وقد قيل: كما

تكونوا يولَّى عليكم، فلو لم نكن نحن مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين.

وعندي أن البلية هي فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؟ هي ما حرمنا معناه

حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه. وقد عرف الحرية من عَرفَها بأن

يكون الإنسان مختارًا في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم. ومن فروع الحرية

تساوي الحقوق ومحاسبة الحكام باعتبار أنّهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة

بالحق وبذل النصيحة، ومنها حرية التعليم وحرية الخطابة والمطبوعات وحرية

المباحثات العلمية.

ومنها الأمن على الدين والأرواح والأمن على الشرف والأعراض والأمن على

العلم واستثماره، فالحرية هي روح الدين، وينسب إلى حسان بن ثابت الشاعر

الصحابي رضي الله عنه:

وما الدين إلا أن تقام شرائع

وتؤمن سبل بيننا وهضاب

فلينظر كيف حصر هذا الصحابي الدين في إقامة الشرع والأمن. هذا، ولا

شك أن الحرية أعز شيء على الإنسان بعد حياته، وأن بفقدانها تفقد الآمال وتبطل

الأعمال وتموت النفوس وتتعطل الشرائع وتختل القوانين. وقد كان فينا راعي

الخرفان حرًّا لا يعرف للملك شأنًا، يخاطب أمير المؤمنين بيا عمر ويا عثمان.

فصرنا ربما نقتل الطفل في حِجْر أمه ونلزمها السكوت فتسكت، ولا تجسر أن

تزعج سمعنا ببكائها عليه. وكان الجنديُّ الفرد يؤمّن جيش العدو فلا يخْفر له عهد،

فصرنا نمنع الجيش العظيم من صلاة الجمعة والعيدين ونستهين بدينه، لا لحاجة غير

الفخفخة الباطلة (مرحى) .

فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد

كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون فتأصّل فينا فقد الآمال،

وترك الأعمال، والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو

تسكينًا لآلام أسرِ النفس، والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلبًا لراحة الفكر المضغوط

عليه من كل جانب. إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق

مطالعة الكتب النافعة، ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة؛ لأن ذلك يذكرنا

بمفقودنا العزيز فتتألم أرواحنا وتكاد تزهق إذا لم نلجأ إلى التناسي بالمُلْهيات،

والخرافات المروّحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب

ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة لعجزنا عن القيام بها

عجزًا واقعيًّا لا طبيعيًّا.

هذا ونعترف بأن فينا بعض أقوام قد ألفوا من ألوف سنين الاستعباد والاستبداد

والذل والهوان فصار الانحطاط طبعًا لهم تؤلمهم مفارقته، وهذا هو السبب في أن

السواد الأعظم من الهنود والمصريين والتونسيين صاروا بعد أن نالوا رغم أنوفهم

الأمن على الأنفس والأموال، والحرية في الآراء والأعمال. لا يَرْثُونَ ولا

يتوجعون لحالة المسلمين في غير بلادهم بل ينظرون للناقمين على أمرائهم المسلمين

شزرًا، وربما يعتبرون طالبي الإصلاح من المارقين من الدين.

كأن مجرد كون الأمير مسلمًا يغني عن كل شيء حتى عن العدل، وكأن طاعته

واجبة على المسلمين وإن كان يخرب بلادهم ويقتل أولادهم ويقودهم ليسلمهم

لحكومات أجنبية، كما جرى ذلك قبلاً معهم. والحاصل أن فقدنا الحرية هو سبب

الفتور والتقاعس عن كل صعب وميسور.

أجاب (المجتهد التبريزي) : إن هذا الحال ليس بعام مع أن الفتور لم يزل

في ازدياد واستحكام فلا بد لذلك من سبب آخر.

ثم قال: ويلوح لي أن انحطاطنا من أنفسنا؛ إذ أننا كنا خير أمة أخرجت للناس

نعبد الله وحده؛ أي: نخضع ونتذلل له فقط، ونطيع من أطاعه ما دام مطيعًا له

نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أَمْرُنا شُورَى بيننا، نتعاون على البر والتقوى

ولا نتعاون على الإثم والعدوان. فتركنا ذلك كله ما صعب منه وما هان. وقد يظن أن

أصعب هذه الأمور النهي عن المنكر؛ مع أن إزالة المنكر في شرعنا تكون بالفعل فإن

لم يمكن فبالقول، فإن لم يكن فبالقلب، وهذه الدرجة الثالثة هي الإعراض عن الخائن

والفاسق والنفور منه وإبطان بغضه في الله.

ومن علائم ذلك تجنب مجاملته ومعاملته. ولا شك أن إقامة هذا الواجب الديني

كافٍ للردع ولا يتصور العجز عنه قط. قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم

بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْض} (البقرة: 251) .

فهذا هو سبب استرسال الأمة في عبادة الأمراء والأهواء، والأوهام وفي طاعة

العصاة اختيارًا وترك التناصح، والركون إلى الفساق، والإذعان للاستبداد،

والتخاذل في الخير والشر. قال تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ

بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) وعنه

صلى الله عليه وسلم [2] (لتأمُرُنَّ بالمعروف وَلّتنْهن عن المنكرِ أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ الله

عليكم شِرَارَكم فليسومونكم سوء العذاب) إلى غير ذلك من الآيات البينات

والأحاديث المنذرات القاضيات بالخذلان على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر، فهذا هو السبب الناشئ عنه الفتور.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

مرحى - كلمة تعجب يقولها العرب عند إصابة الرامي المرمى.

(2)

المنار - لفظ الحديث (أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) رواه البزار عن عمر والطبراني عن أبي هريرة وسندهما ضعيف 0 وللترمذي من حديث حذيفة نحوه إلا أنه قال: (أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) وقال: حديث حسن.

ص: 65

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌التعليم الذي ترتقي به الأمة

أكثر الناس في بلاد الشرق - بلاد البطالة والكسل - يفنون أزمنتهم بالعبث

واللغو من القول، فلا تسمع منهم في أنديتهم وسمّارهم إلا الخوض بفلان والإزراء

بعلاّن ومما أشبه ذلك مما هنا وهنالك، ورب فئة قليلة تحب الجد وتختار للبحث

والحوار المسائل النافعة، وقد كتبنا مقالة في الجزء الرابع والعشرين من السنة

الماضية في موضوع حديثهم في سامر من سمارهم وهو إصلاح الدولة العلية،

ونذكر ههنا أنهم رأوا أن يقترحوا على كل واحد منهم كلما ضمهم نادٍ أو سامرٌ أن

يتكلم في مسألة من المسائل النافعة، وابتدؤوا بالاقتراح على كاتب هذه السطور أن

يتكلم في التعليم النافع للمسلمين فأجاب، وإنني أذكر بعض ما قلته هناك ملخصًا وقد

ابتدأت بذكر عيوب التعليم عندنا وهي:

العيب الأول:

عدم اللغة: إحياء العلم لا يكون إلا بلغة حية، ولغة الإسلام والمسلمين العربية

ولكنهم أهملوا تعلمها وتعليمها حتى إنني أقول ما قلته من قبل: إنني لا أعرف مدرسة

في الدنيا تعلّم فيها اللغة العربية الصحيحة، ومن عنده حظ من هذه اللغة فإنما تعلّمه

بنفسه؛ لاهتدائه إلى طريقة التعلم بذكائه أو بإرشاد مرشد آخر، وستأتي الإشارة إلى

كيفية هذا التعلم، وإن كان المنار قد فصله من قبل تفصيلاً.

العيب الثاني:

في اختلاف منابع التعليم: التعليم النافع هو ما يكون فيه قوام الأمة وترقيها،

والترقي إنما يكون بالرجال المتعلمين العلم النافع لها؛ لأن زمامها يكون في أيديهم،

وقواد الأمة يجب أن يكونوا متفقين في مقاصدهم الإصلاحية، وإنما يكون هذا الاتفاق

والاتحاد إذا كانت تربية عقولهم وأفكارهم متحدة، ولن تكون متحدة إلا إذا كان

التعليم من منبع واحد.

والتعليم في بلادنا بعضه في مدارس الحكومة وبعضه في المدارس الأجنبية من

فرنسوية وأميركانية وإنكليزية وإسرائيلية، وليس منه شيء موافق لحاجة الأمة،

ومنطبق على مصلحتها فإن لكل صنف من هذه الأصناف مقصد من التعليم إما

سياسيّ وإما ديني غير إسلامي، والتعليم في المدارس الأهلية الإسلامية ناقص بحيث

يصح أن نقول: إنه دون كل تعليم، ولا أستثني المدرسة الدينية الإسلامية الكبرى

وهي الجامع الأزهر فكلنا نعرف أنها ليس فيها غناء وأنها مقصرة كل التقصير في

وظيفتها الأولى وهي إحياء اللغة العربية وعلوم الدين. على أن علم الدين لا يكاد يوجد في علم الأزهر وما يتبعه من المساجد فهو على نقصه خير من غيره من هذه الجهة (ومن للعُمْي بالعور) .

العيب 3: عدم التربية.

التعليم لا يفيد النجاح المطلوب للأمة إلا إذا كان مقارنًا للتربية الملية القومية،

وهذه التربية مفقودة عندنا؛ لأن القائمين على أمر التعليم لا يهمهم أمرها بل هو

مباين لمقصدهم السياسي والديني. على أنهم لو حاولوها لما أحسنوها؛ لأنه لا

يحسن الشيء إلا من يتوجه إليه بباعث الشعور بحاجته وحاجة أمته إليه مع العلم

بطريقه الطبيعي.

وقد علمنا أن أكثر المسلمين المشتغلين بالتعليم جاهلون بطرقه وعادمو الإحساس

والشعور بالحاجة الملية القومية. وعلمنا حال مدارس الأجانب ولمدارس الحكومة في

مصر حكمها؛ لأن روح التعليم فيها إنكليزي استعماري لا إنكليزي سكسوني. ولا

يحسبنّ أحد أن مدارس الحكومة في بلاد الدولة العلية أمثل وأنفع من مدارس الحكومة

في مصر، بل الصواب أنها دونها في كل البلاد لا سيما العربية منها إلا مدارس دار

السلطنة فإنها أرقى من مدارس مصر؛ لأنها فيها روحًا وطنيًّا حقيقيًّا عجزت

السياسة عن إزهاقه.

هذه هي العيوب الأساسية للتعليم في البلاد الإسلامية، أما إزالة هذه العيوب

من مواطنها؛ فلا سبيل إليه ولا طاقة لنا به، ولكن من الممكن السعي في إيجاد تعليم

نافع وتربية قويمة، والطريق إليه واحد وهو إنشاء المدارس الكلية التي تربي

الناشئين وتعلمهم التعليم الابتدائي والتجهيزي والعالي، ولكنه طريق يعسر تطريقه

وإشراعه؛ لأننا فقراء في المال وفي العلوم والعقول، وهذا الفقر المعنوي أشد فينا

فتكًا، ولكنه لا يعوزنا ويعجزنا في طريقنا هذا كما يعجزنا ويعوزنا الفقر المادي، فإن

مَن أوتي نصيبًا من العلم والعقل والأدب يجود بما عنده مرتاحًا إليه إذا رجا الانتفاع به

ولكن الذين أوتوا المال منا قد أوتوا معه البخل والسفه معًا، فهم يبذلون المال في

طرق الفساد بغير حساب، ولا يخرج من أيديهم درهم في طريق الخير إلا نكدًا.

وليس المقام مقام بيان تطريق الطريق لإنشاء مدرسة كلية في مصر ولكنني أقول: إن هذه الفئة تحب خدمة أمتها إذا لم تجتهد في إنشاء هذه المدرسة فلنا أن

نحكم بأنها لم تعمل شيئًا يذكر، وإذا هي لم تعمل فلا ندري متى تلد أرض مصر

خيرًا منها ليعمل خيرًا من عملها.

أما التعليم والتربية في الكلية فلا نبحث فيهما؛ لأن الحاضرين يعرفون هذا

الفن (البيداجوجيا) ، وإنما ننبه على وجوب إحياء اللغة العربية بالعمل بأن يكون

الكلام العربي الصحيح هو اللسان الرسميّ فيها، ويعلم كما تعلم اللغات الأخرى في

المدارس لا كما يعلم هو فيها.

وأما تعليم الدين فيجب أن يكون أساسه القرآن والسنة الصحيحة ومعرفة

الإجماع وأن يعدّ كل ما وراء هذا من الخلاف بين أئمة المسلمين وعلمائهم

كالخلاف في المسائل العلمية، لا ينكث من فتل الأخوة الإسلامية، وكل ما هو من

أعمال الجوارح يكون تعليمه بالعمل كالصلاة مثلاً، وما عدا ذلك يعلم بالقول. وأما

التربية فمما يجب التنبيه عليه وتربية الإرادة والعزيمة التي هي منشأ

الاستقلال الشخصي، والنوعيّ تبع للشخصي، وتربية الأخلاق بملاحظة

السيرة والسلوك، وتربية الخيال التي تعد للخطابة والشعريات المؤثرة في النفوس،

هذا ما أراه نافعًا من التعليم الإسلامي، وفّق الله المسلمين لتحقيقه، والسير طريقه، آمينَ.

_________

ص: 72

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌مقدمتنا لكتاب أسرار البلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم

{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ} (الرحمن: 1-3) ، فله الحمد

أن علم، والشكر على ما أنعم، ومنه الصلاة والتسليم على نبيه الرؤوف الرحيم،

الذي جاء بتوحيد اللغة والدين، وجعل الكتاب والحكمة في الأميين، فكانوا بذلك

أئمة وكانوا هم الوارثين.

الإنسان يمتاز بالعلم وإنما العلم بالتعلم، والتعلم باللغة. واللغات تتفاضل في

حقيقتها وجوهرها بالبيان، وهو تأدية المعاني التي تقوم بالنفس تامة على وجه يكون

أقرب إلى القبول، وأدعى إلى التأثير، وفي صورتها وأجراس كلمها بعذوبة النطق

وسهولة اللفظ والإلقاء والخفة على السمع.

وإن للغة العربية من هذه المميزات الميزان الراجح، والجواد القارح،

يعرف ذلك من أخذها بحق، وجرى فيها على عرق، فكان من مفرداتها على علم،

وضرب في أساليبها بسهم، ومن آية ذلك لغير العارف أن أولئك الشراذم والأوزاع من

أهلها قد حملوها إلى الأمم، التي كان للغاتها في العلوم قدم، ولم يحملوهم عليها

بالإلزام، ولا بالتعليم العام، وكان من أمرها مع هذا أن نسخت بطبيعتها لغة

المصريين من مصرهم، والرومانيين من شامهم، واستعلت على الفارسية العذبة

في مهدها وموطنها، وامتد شعاعها إلى الأندلس في غربي أوربا بعد ما طاف ساحل

أفريقيا الشمالي وإلى جدار الصين من الشرق - كل ذلك في زمن قريب لم يعرف

في التاريخ مثله للغة أخرى من لغات الفاتحين الذين يتخذون كل الوسائل لنشر لغاتهم

وتعميمها بالتعليم العام وضروب الترغيب والترهيب.

كانت لغة أميين وثنيين جاهليين فظهر فيها أكمل الأديان فكانت له أكمل

مظهر، وتجلى لها العلم فكانت له خير مَجْلَى، وصارت بذلك لغة الدين والشريعة،

وعلوم العقل والطبيعة، ولكن عَدَتْ على أهلها عواد كونية، وطرأت عليهم

أمراض اجتماعية، فضعف فيهم كل مقوّم من مقوّمات الأمم الحية، ومن تلك

المقوّمات الحقيقية اللغة؛ فقد فسدت ملكتها في الألسنة، والتوى طريق تعليمها

في المدارس، حتى كادت تكون من اللغات الدوارس.

ظهر ضعف اللغة في القران الخامس وكانت في ريعان شبابها وأوج عزها

وشرفها، وكان أول مرض ألمّ بها الوقوف عند ظواهر قوانين النحو ومدلول

الألفاظ المفردة والجمل المركبة والانصراف عن معاني الأساليب، ومغازي

التركيب، وعدم الاحتفال بتصريف القول ومناحيه، وضروب التجوز والكناية فيه،

وهذا ما بعث عزيمة الشيخ عبد القاهر الجرجاني إمام علوم اللغة في عصره إلى

تدوين علم البلاغة ووضع قوانين للمعاني والبيان كما وضعت قوانين النحو عند

ظهور الخطأ في الإعراب، فوضع هذا الكتاب في البيان، ومن فاتحته يتنسم

القارئ أن دولة الألفاظ كانت قد تحكمت في عصره واستبدت على المعاني، وأنه

يحاول بكتابه تأييد المعاني ونصرها، وتعزيز جانبها وشد أسرها.

كتب قبل عبد القاهر في البيان بعض البلغاء مثل: الجاحظ، وابن دُريد، وقدامة الكاتب. ولكنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فنًّا مرفوع القواعد، مفتح

الأبواب كما فعل عبد القاهر من بعدهم، فهو واضع علم البلاغة كما صرح به بعض

علمائها وإن لم يذكر له هذه المنقبة المؤرخون الذين رأينا ترجمته في كتبهم حتى إن

ابن خلدون الذي تصدى دون القوم للإلمام بتاريخ الفنون أهمل ذكره، وزعم أن الذي

هذب الفن بعد أولئك الذين كتبوا في مسائل متفرقة منه هو السكاكي، وما كان

السكاكيّ إلا عيالاً على عبد القاهر تلا تلوه وأخذ عنه مع المخالفة في شيء من

الترتيب والتبويب، ولكنه لم يسلم من التكلف في بعض عبارته، والتعقيد في بعض

منازعه، فإذا جاز لنا أن نقول: إنه فاق لتأخره بالترتيب المعلوم، وبما حرره من

الحدود والرسوم، فإننا لا ننسى من فضل المتقدم سلامة عبارته، وصفاء ديباجته،

وغوصه على أسرار الكلام، ووضع دررها في أبدع نظام.

كان السكاكيّ وسطًا بين عبد القاهر الذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل،

وأضرابه من البلغاء العاملين، وبين المتكلفين من المتأخرين الذين سلكوا

بالبيان مسلك العلوم النظرية، وفسروا اصطلاحاته كما يفسرون المفردات اللغوية، ثم

تنافسوا في الاختصار والإيجاز، حتى صارت كتب البيان أشبه بالمعمَّيات والألغاز،

فضاعت حدوده بتلك الحدود، وَدَرَستْ رسومهُ بهاتيك الرسوم، وكان من أثر

فساد ذوق اللغة اختيارُ هذه الكتب التي ملكت العجمة عليها أمرها على الكتب التي

تهديك إلى العلم الصحيح بمعانيها، وتهدي إليك الذوق السليم بأساليبها ومناحيها،

فكادت كتب عبد القاهر تمحى وتنسخ، وصارت حواشي السعد تطبع وتنسخ، وهذا

هو حظ العلم النافع إذا ألقي إلى الأمة في طور التدلّي والضعف، فمثل عبد القاهر

في أسرار بلاغته ودلائل إعجازه، كمثل ابن خلدون في مقدمته، كالسلطان سليمان

العثماني في قوانينه.

رب غذاء طيب نافع عافته النفس لمرض ألمّ بها حتى إذا نقهت أو أبلت

اشتهته وطلبته، وهذا هو مثلنا أمس واليوم، فقد كنا متفقين على أخذ العلم من كتب

علمائنا المتأخرين كما يختار المريض الغذاء الضار، فظهر فينا هداة مرشدون

يسعون في إحياء ما أماته الجهل من آثار سلفنا ومصنفات أئمتنا، ويدلوننا على العلم

الحيّ الذي تفجر من ينابيع النفوس الحية؛ لنفرق بينه وبين الرسوم الميتة التي

سماها الجهل علمًا.

ولما هاجرت إلى مصر في سنة 1315 لإنشاء (المنار) الإسلامي ألفيت

إمام النهضة الإسلامية الحديثة الأستاذ الحكيم الشيخ محمد عبده رئيس جمعية إحياء

العلوم العربية ومفتي الديار المصرية اليوم مشتغلاً في بعض وقته بتصحيح كتاب

دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني، وقد استحضر نسخة من المدينة المنورة

ومن بغداد ليقابلها على النسخة التي عنده، فسألته عن كتاب (أسرار البلاغة) للإمام

المذكور فقال: إنه لا يوجد في هذه الديار. فأخبرته بأن في أحد بيوت العلم في

طرابلس الشام نسخة منه. فحثني على استحضارها وطبعها فطلبتها من صديقي

الحميم العالم الأديب عبد القادر أفندي المغربي وهي مما تركه له والده فلبى الطلب.

وعلمنا أن نسخة أخرى من الكتاب في إحدى دور الكتب السلطانية في دار

السلطنة السنية، فندبنا بعض طلاب العلم الأذكياء لمقابلة نسختنا بتلك النسخة فخرج

لنا من مجموعها نسخة صحيحة شرعنا في طبعها، ووضعنا في ذيل المطبوع شرحًا

لطيفًا ضبطنا فيه الكلمات الغريبة، وفسرنا منها ومن جمل الكتاب ما رأيناه يستحق

التفسير، وأشرنا إلى الخلاف بين النسختين، فيما يحتمل صحة الاثنتين.

أما كون عبد القاهر هو واضع الفن ومؤسسه؛ فقد صرح به غير واحد من

العلماء الأعلام أجلهم قدرًا، وأرفعهم ذكرًا، أمير المؤمنين، محيي علوم اللغة

والدين، السيد يحيى بن حمزة الحسيني صاحب كتاب (الطراز في علوم حقائق

الإعجاز) فقد قال في فاتحة كتابه. هذا وهو من أحسن ما كتب في البلاغة بعد عبد

القاهر ما نصه:

(وأول من أسس من هذا الفن قواعده، وأوضح براهينه وأظهر فوائده ورتب

أفانينه الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني، فلقد فك قيد

الغرائب بالتقييد، وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد، وفتح أزاهره، من

أكمامها، وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها، فجزاه الله عن الإسلام أفضل

الجزاء، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء، وله من المصنفات فيه

كتابان: أحدهما لقبه بدلائل الإعجاز، والآخر لقبه بأسرار البلاغة، ولم أقف على

شيء منهما، مع شغفي بحبها وشدة إعجابي بهما، إلا ما نقله العلماء في تعاليقهم

منهما) .

وأما مكانة هذا الكتاب وبيان ما يمتاز به على كتب البيان فحسبي عرضه

على الأنظار مع التنبيه على مسألتين نافعتين:

(إحداهما) أن العلم هو صورة المعلوم مأخوذة عنه بواسطة الإدراك كما

تؤخذ الصورة الشمسية بالآلة المعروفة، فإن كان المعنى المنتزع من الجزئيات قانونًا

كليًّا يرشد إليها؛ فهو القاعدة، وإن كان صورة تناسبها وتقربها من الفهم؛ فهو المثل.

(والثانية) أن القاعدة الكلية هي صورة إجمالية للمعلومات الجزئية، والأمثلة

والشواهد صور تفصيلية لها. والتعليم النافع إنما يكون بقرن الصور المفصلة

بالصورة المجملة؛ إذ بالتفصيل تعرف المسائل، وبالإجمال تحفظ في العقل، وبهذه

الطريقة يجمع بين العلم والعمل الذي يثبت به العلم وهي طريقة عبد القاهر في

كتابه هذا وكتاب دلائل الإعجاز.

على أن كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- كله من آيات البلاغة فهو يعطيك علمها

بمعانيه، وعملها بمبانيه، وبهذه المميزات يفضل هذا الكتاب جميع ما بين أيدينا من

كتب الفن؛ لأنها إنما تقتصر على سرد القواعد والأحكام بعبارات اصطلاحية،

تنكرها بلاغة الأساليب العربية، ولا تذكر من الشواهد والأمثلة إلا القليل النادر،

الذي أدلى به السابق إلى اللاحق والأول إلى الآخر.

لهذا بادر الأستاذ الإمام مفتي الديار المصرية في هذه الأعوام إلى تدريس

الكتاب في الأزهر الشريف عقيب شروعنا في طبعه، فأقبل على حضور درسه مع

أذكياء الطلاب كثيرون من العلماء والمدرسين وأساتذة مدارس الأميرية. وقد قال

أحد فضلاء هؤلاء الأستاذين بعد حضور الدرس الأول: إننا قد اكتشفنا في هذه

الليلة معنى علم البيان.

وقد ظهر للأستاذ في غضون التدريس والمطالعة أغلاط في الكتاب بعضها من

الطبع، وبعضها من تحريف النساخ في الأصل، وأغلاط أخرى في

الهوامش، فأحصيناها كلها من نسخته، ووضعنا لها جدولاً في آخر الكتاب إتمامًا

للفائدة، ومما يجب التنبيه عليه أن بعض تراجم فصول الكتاب هي من وضعنا؛

فإن المصنف رحمه الله تعالى كان يكتفي في كثير منها بكلمة (فصل) اهـ. ويلي

هذا ترجمة المصنف.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 74

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الهدايا والتقاريظ

(فتح القدير شرح الهداية)

لمجتهد الحنفية في القرن السابع الكمال بن الهمام

يتعب طلاب فقه الحنفية عشرين سنة أو أكثر ليكونوا فقهاء في هذا المذهب،

فيضيع تعب الأكثرين سُدًى؛ لاشتغالهم بكتب المتأخرين المحشوّة بالفروع الشاذة

وغير الشاذة، والاضطراب في التصحيح والترجيح ولا يكون الإنسان بهذه الطريقة

فقيهًا ولو أفنى عمره في المُدارسة. وقد كان لهؤلاء بعض العذر قبل أن يطبع هذا

الكتاب (فتح القدير) الذي هو أحسن كتب المذهب في تحرير المسائل وبسط أدلتها

وإرجاعها إلى أصولها.

وقد كان العلماء يتنافسون في الاطلاع عليه حتى إن ابن عابدين المشهور

ظفر بنسخة منه فاشتراها بوزنها ذهبًا. وقد كان طبع في الهند فطلب نسخًا منه

أكابر فقهاء الحنفية فألفوه كما كان يقول أحدهم (الشيخ عبد الغني الرافعي رحمه

الله تعالى) : توراة مبدّلة؛ أي: إنه كثير الغلط والتحريف. وقد طبعه أخيرًا السيد

عبد الواحد بك الطوبي وأخوه في المطبعة الأميرية، واعتنى بتصحيحه، وأضيف

إليه تكملته المسماة (نتائج الأفكار) للمولى شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده.

ووضع في هامشه (شرح العناية على الهداية) لأكمل الدين البابرتي

وحاشية سعدي جلبي المفتي الشهير، فبلغ الجميع ثمانية مجلدات وجعل ثمنه 160

قرشًا و 165 من الورق النباتي، ويطلب من مكتبة طابعيه في مصر. فنوجه إليه

أنظار الحنفية عامة وأهل الهند خاصة.

* * *

(جواهر الإنشاء)

أنشأ أخونا الأستاذ الفاضل الشيخ طنطاوي جوهري مدرس العربية في

المدرسة الخديوية نبذًا وفصولاً في موضوعات مختلفة؛ لتكون تمرينًا للتلامذة على

الكتابة والإنشاء. ثم ضم إليها بعض الأحاديث النبوية في الفضائل ومحاسن

الأعمال وشيئًا من الحِكَم المنثورة، ومن الأشعار المختارة في الآداب، ومنها نظم

ملخص من كتاب (أدب الدنيا والدين) وسمى هذه المجموعة (جواهر الإنشاء) . وقد

طبعت في مطبعة الترقي الشهيرة بالإتقان، وثمنها قرشان، وهي 90 صفحة

وتطلب من مكتبة الترقي ومن حضرة ملتزم طبعها توفيق أفندي كاشف بشارع

بركة الفيل.

* * *

(رسالة الشيرازي في علم الأخلاق)

هي رسالة مختصرة مفيدة في الأخلاق والآداب سهلة العبارة اعتنى بطبعها

المحامي الفاضل الأديب عبد العليم أفندي صالح، ولا يعرف مؤلفها، وربما يتبادر

إلى الذهن أنها للشيخ أبي إسحاق وما هي له فيما يظهر من إهدائها في فاتحتها. على

أن العبرة بالقول لا بالقائل، والرسالة نافعة في بابها، وهي ثلاثة أقسام:

أحدها في الأصول الكلية لعلم الأخلاق.

وثانيها فيما يجري مجرى الأمثال السائرة من الكلمات النادرة.

وثالثها في محاسن أخلاق الملوك وآداب أتباعهم وحواشيهم وهذا القسم يدلنا

على استبداد الملوك في ذلك العصر وإقرار العلماء على ذلك. فنشكر لطابعها فضله

في إحياء هذه الآثار الأخلاقية التي نحن أشد حاجة إليها من سائر العلوم، ونحث

الناس على قراءة هذه الرسالة وثمنها قرشان.

* * *

(تاريخ حرب الدولة العثمانية مع اليونان)

كما يجب على الإنسان أن يعرف نفسه من حيث هو شخص يجب عليه أن

يعرفها من حيث هو أمة؛ أي: عضو من أمة شرفه بشرفها ومهانته بمهانتها والأمم

الحية تعتني بتاريخها فتعلمه أولادها بالتفصيل وتاريخ سائر الأمم والدول بالإجمال

ولكننا نرى أكثر المسلمين يجهلون تاريخ الإسلام، وأكثر العثمانيين يجهلون تاريخ

الدولة العلية ولآل العظم فضل على الفريقين بالعناية بالتأليف في التاريخين. فإذا كان

رفيق بك العظم مشغولاً بتأليف تاريخ (أشهر مشاهير الإسلام) فحقي بك العظم

الفاضل مشغول بتاريخ الدولة العلية فبعد أن ألف كتاب (دفاع بلفنا) وطبعه، ألف لنا

كتاب (تاريخ الحرب العثمانية اليونانية بالتفصيل) وطبعه، فجاء كتابًا حافلاً صفحاته

225، وفيه مباحث تاريخية واجتماعيه نافعة منها بحث (اللغة تحفظ كيان الشعب) ،

ومنها التعريف بمقدمات الحرب وأسبابها والجمعية الوطنية اليونانية، ومنها تعليل

الحوادث والوقائع ونتائجها، وختمه بنظرة سياسية في موقف الدولة العلية

قبل الحروب وبعدها وأحوال ألبانيا ومكدونيا، واحتياج الدولة للرجال الأكفاء،

وسبب سكوت الدولة عنها الآن. والكتاب مطبوع في مطبعة الترقي على ورق

جيد ويطلب منها ومن إدارة المنار وثمنه عشرة قروش أميرية.

* * *

(البيان)

مجلة إخبارية تاريخية تصدر مرة في الشهر باللغتين العربية والأوردية،

لمُنشئها الفاضل الشيخ عبد الله العماوي، وصاحب امتيازها المولوي عبد الولي ابن

الفاضل الراسي عبد العلي المدراسي. والغرض منها جمع كلمة الأمة الهندية ،

وإحياء الفضائل العربية ، ومن المباحث النافعة فيها نبذة (الحضارة والهند) شكا

فيها الكاتب من فقر الأمة وقلة الكسب، وكثرة الإتاوات والضرائب وهي نحو 500

مليون روبية، منها 160 مليونًا من الخراج و 85 مليونًا من الملح و 35 مليونًا

من القراطيس القضائية و 55 مليونً من الخمور و 35 مليونًا الزيادات الخراجية

و5 ملايين من التسجيل (السيكورتاه) . ومنها نبذة في مقاصد ندوة العلماء لم تتم،

ولعلنا نلخصها بعد تمامها. ونرجو لهذه المجلة الرواج فقيمة الاشتراك فيها 8 روبيات

في الهند و30 غرشًا أو 6 شلينات في الخارج.

* * *

(تنبيه)

ضاق هذا الجزء عن باب الأخبار النبوية وآثار السلف وعن الأخبار والآراء

والبدع والخرافات.

* * *

(للشاعر المجيد مصطفى أفندي صادق الرافعي في الساعة)

تضرب كالقلب شفَّه السقم

كأن فيها الهموم تضطرم

ذات محيّا أظل أقرأ من

خطوطه ما يخطه القلم

ألفتها لا أذم صحبتها

وعيّ بي في اصطحابها السَّأم

وما أراها سوى الزمان أما

يدور فيها النعيم والنِقم

تُذكرني ما يمر من عمري

فكل يوم يَجِدّ لي نَدم

ما إنْ تراعي لأهلها ذممًا

إن رعيت عند أهلها الذِمم

وليس إذ ما سعت عقاربها

يدب في غير مهجتي الألم

ولا إذا أعجلت فجائعها

في غير ضيق القلوب تزدحم

يا أخت ذات البروج هل حجبت

طوالع السعد هذه الظلم

كأنها والخطوب تكتمها

سر بقلب الزمان مُنكتم

وهل تعود الجدود ثانية

من بعد هذا العبوس تَبتسم

ما أثبت الهم في الصدور إذا

أمست ليالي الحياة تنهزم

وهذه الدار كلها تعب

سيان فيها الوجود والعَدم

والناس كالنائمين ما لبثوا

فكل ما يشاهدونه حُلم

أبدع ذات العماد مبدعها

فأين راحت بأهلها إرَم

_________

ص: 78

الكاتب: محمد رشيد رضا

(الدرس 34)

الأجوبة عن شبهات العصمة

(المسألة 90) معصية آدم عليه السلام:

علمنا أن مذهب جمهور أهل السنة أن الأنبياء معصومون بعد النبوة لا قبلها،

فلا ترد معصية آدم على هذا المذهب؛ لأنه لم يكن نبيًّا حين عصى ربه، بل لم يكن

في طور التكليف إلا بالنسبة إلى النهي عن الأكل من الشجرة. ولا ترد أيضًا على

ما اختاره المتأخرون من عصمتهم قبل النبوة (وإن كان يلزم منه أن هناك أحكامًا قبل

التشريع والوحي) ؛ لأن الدليل العقلي الذي يمكن أن تثبت به هذه العصمة لا يأتي في

مسألة آدم وهو أن يكون من اختياره للنبوة معروفًا في قومه بمكارم الأخلاق وأحاسن

الأفعال؛ لأن سيّئ السيرة ممقوت منبوذ تحفظ مساويه وجرائمه فتحول دول قبول

دعوته وكون هذا لا يجيء في مسألة آدم بديهيٌّ لا يحتاج إلى بيان. فإن قيل إن الدليل

يرشد إلى أن فطرة الأنبياء زاكية ونفوسهم عالية فهم ينفرون من المعاصي والجرائم

بوازع نفسي راسخ فيهم - كما علم من إثبات النبوة والوحي - فكيف يقترف آدم تلك

المعصية مع كونه خلق في أحسن تقويم وأكمل صفة؟

والجواب: إن صاحب النفس الزاكية تربأ به نفسه عن تعمد إتيان المنكر

وارتكاب الفاحشة التي يعرف مضرتها وسوء عاقبتها، وآدم لم يتعمد المخالفة بدليل

قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (طه:

115) ولم يكن عالمًا بوجوه مضرتها لتنفر فطرته منها، بل كان يعتقد صدق

الشيطان الذي وسوس إليه بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى فهذا الاعتقاد دفعه عند

نسيان النهي إلى الأكل؛ ليكون مظهرًا لهذا النوع الذي هو أبوه، وليعلم مَن بعده مِن

ولده غير المعصومين ما يجب على من عصى ربه من التوبة والإنابة إلى

الله تعالى.

على أن في قصة آدم وجهًا في التأويل، بأنها وردت مورد التمثيل، لإظهار

طبيعة النشأة البشرية في أطوارها التدريجية، فالجنة والعيش الرغد فيها مثل لما

كان عليه النوع البشري في طور السذاجة الأولى، وعصيان آدم وهبوطه هو وزوجه

من الجنة مثل لدخول البشر في طور المخالفات التي تجر عليهم الشقاء والبلاء.

والتوبة والمغفرة مثل لطور الكمال الكسبي والارتقاء العلمي والعملي (سيأتي

إيضاح ذلك في باب التفسير المقتبس من مفتي الديار المصرية) .

***

(م91) قصة داود عليه السلام

وُلع بالإسرائيليات بعض الذين اشتغلوا بتفسير القرآن بالمأثور، فألصقوا

بالقرآن ما تلقفوه من أهل الكتاب لأدنى مناسبة، ولولا ذلك لما كنا محتاجين إلى

الجواب عن هذه الشبهة بعد ما قررنا في الدرس الماضي الفرق بين ذنوب الأنبياء

وبين المعاصي الحقيقية التي عصمهم الله تعالى منها.

القرآن مهيمن على الكتب السماوية؛ لأنه ثابت بالتواتر دونها، فما أثبته فهو

الثابت وما نفاه فهو المنفي. وقصة داود مع الخصم ليس فيها بحسب نصّ القرآن

إلا أن اجتهاد داود اختلف في قضيتين متشابهتين فعرفه الله خطأ الاجتهاد الأول بما

عداه إليه في الثاني؛ لأن خطأ الأنبياء في اجتهادهم لا يُقرُّون عليه كما تقدم في

الدرس الماضي عن البيضاوي. هذا إذا كان لقصة المرأة أصل، وإلا فإن قضية

الخصمين اللذين تحاكما إلى داود عليه السلام ليست نصًّا في أنه أخطأ في قضية، أو

تزوج امرأة بعد ما عرّض زوجها للقتل أو غير ذلك مما يزعمون.

القضية أن أحد الخصمين له تسع وتسعون نعجة وللآخر نعجة واحدة فطلب

الأول أن يضمها إلى نعاجه، وحاجّ صاحبها في بيان أن ذلك هو الصواب والأولى

فعزّه وغلبه في الخطاب والكلام فحكم داود بأن صاحب التسع والتسعين ظالم وأن من

شأن الخلطاء البغي، ولكن خَتْمَ النبأ بقوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ

رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} (ص: 24-25) يدل على أن وراء القضية أو فيها هفوة لداود.

ولقائل أن يقول: يحتمل أن تلك الهفوة في نفس الحكم؛ فإنه لا يبعد أن يكون

الصواب ضم النعجة إلى القطيع لتحفظ وتأتي بالنسل، وأن بقاءها عند صاحبها

مَضيعة لها فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية كما ورد في الحديث الشريف.

واعتراف المدعي بأن خصمه عزّه في الخطاب دليل على أنه لم يطلبها إلا بحق

وبعِوض كثمن المثل أو منفعة أخرى من اللبن أو النسل. وفي البيضاوي وغيره

احتمال آخر في التأويل مروي، وهو أن الذين تسوروا المحراب كانوا يقصدون

اغتيال داود في يوم انفراده فوجدوا عنده قومًا فتصنّعوا بالتحاكم، فعلم غرضهم

وقصد أن ينتقم منهم ثم لم يجد مسوغًا شرعيًّا فعاتب نفسه، وظن أن الله تعالى أراد

ابتلاءه واختباره بذلك فاستفغر ربه مما هم به؛ لأن ذلك ذنب بالنسبة إلى مقامه،

وإذا كان لقصة امرأة أوريا أصل فيجب أن يكون مطابقًا لقضية الخصمين؛ بأن يكون

داود اعتقد أن امرأة جميلة في بيت جندي فقير خلف أسفار لا تسلم من تطلع السفهاء

وتعرّض الفجار، وأن الطريقة المثلى لصيانتها هي أن تكون في بيت النبوة والملك

وأنه كلم زوجها في أن يكفلها فأقنعه وعزّه في الخطاب؛ لأن هذا هو الصواب.

وإنما استغفر داود من ذلك؛ لأنه ظن أن اجتهاده في أمر المرأة مشوبٌ بشيء من ميل

النفس إلى كفالتها وأن هذا الميل هو الذي رجَّح في نفسه الرأي الأول بدليل أنه ظهر

له خلافه في قضية تشابه الأولى، ومثل هذا يعده هؤلاء الكمَلَة ذنبًا، وإن لم يكن فيه

مخالفة لأمر الله تعالى وحيد عن شريعته.

ومن تأمل ما تقدم القصة وما تأخر عنها من الثناء على داود عليه السلام علم

أن القرآن يتنزه في حكمته وبلاغته أن يكون ذكر الفاحشة فيه محتفًّا بهذا الثناء

والإطراء. ويقال: إن تنازل الرجل عن امرأته لآخر ليتزوج بها كان مشروعًا

عندهم. وقد آثر الأنصار المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين) بزوجاتهم فكان

من عنده امرأتان يطلق إحداهما ليتزوج بها أخوه المهاجر.

وفي القصة روايات كثيرة في كل فرع من فروعها لا يعبأ بها أهل العقل ولا

أهل النقل. فإن قبلنا منها شيئًا فلنقبل ما يوافق قواعدنا الثابتة، كرواية أن أوريا لم

يكن متزوجًا بالمرأة وإنما كان خاطبًا، ورواية نهي الإمام علي كرم الله وجهه عن

التحديث بالقصة على ما يرويه القصاص، ووعيده من خالف بجلد مائة وستين جلدة

وذلك حد الفرية على الأنبياء عليهم السلام.

(م 92) الشبهة الأولى على سليمان عليه السلام

حاسب الله القصاص فلقد شوهوا كتب التفسير بقصصهم، استعرض

سليمان نبيّ الله وملك بني إسرائيل الخيل وهو نعم العبد {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ

الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ} (ص: 31-32) المعقود

بنواصي الخيل لا عن هوى نفسي ولكن {عَن ذِكْرِ رَبِّي} (ص: 32) وَوحيه

الذي أمر برباط الخيل للدفاع عن الحق.

فما زالت تعرض {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (ص: 32) فقال {رُدُّوهَا

عَلَيّ} (ص: 33) لأراها مقبلة ومدبرة أو لأختبر حالها. فقد قيل: إنه كان

عالمًا بها وبأمراضها أو لأتمتع بمسح سوقها وأعناقها، فردُّوها عليه {فَطَفِقَ مَسْحًا

بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} (ص: 33) كما هو شأن محبّي الخيل في كل جيل وزمان.

فأي هذيان أم أية شبهة في هذه الآيات على أن سليمان عليه السلام ترك صلاة

العصر شغلاً بالخيل حتى غربت الشمس، وأنه انتقم منها بقطع سوقها وأعناقها -

ولو كان المسح هو القطع لكان قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم} (المائدة: 6) بمعنى: اقطعوها - وأن قوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} (ص: 33) خطاب

للملائكة الموكلين بالشمس يأمرهم بردها بعد غروبها ليصليَ العصر؟ وأيّ حاجة

لتطويل الفقهاء البحث في هذه الصلاة هل هي أداء أم قضاء؟ ولكن هذا قضاء

الله في قوم اشتغلوا عن لباب العلم بلَوْك القشور، ألا إلى الله تصير الأمور.

***

(م93) الشبهة الثانية على سليمان عليه السلام

رووا في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ

أَنَابَ} (ص: 34) روايات مضطربة متعارضة، فإذا حكَّمنا علم الرواية فإننا

نقبل رواية البخاري ومن وافقه، وملخصها: أن سليمان قال: لأطوفنَّ الليلة

على أربعين امرأة (من نسائه) تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل

إن شاء الله: فلم تحمل منهن إلا واحدة جاءت بشق رجل فألقي على كرسيه عرضًا

عليه، وسمي جسدًا؛ لأنه ليس إنسانًا كاملاً، فكان ذلك فتونًا واختبارًا من الله تعالى

له فأناب إليه وتاب أن يجزم بشيء دون الاستثناء بمشيئته؛ فأين التماثيل وعبادة

الأصنام ووثبان الشياطين على كرسيّ الملك وما أشبه هذا الهذيان الذي رووه؟

***

(م94) الشبهة على عصمة يوسف عليه السلام

إن ما جرى ليوسف مع امرأة العزيز كان قبل نبوته، وليس فيما قصه الله

تعالى علينا إلا أنه: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّه} (يوسف: 24) فيجوز

أن يكون جواب لولا محذوفًا دلّ عليه ما قبله فتكون الآية ناطقة بأنه لم يهمّ، وبعض

النحاة جوَّز تقديم جوابها؛ أي: إنه لولا رؤية برهان رّبه لهمَّ بها لتوفّر

الدواعي ولكنه رأى من تأييد الله له بالبرهان ما صرف عنه السوء والفحشاء فلم يهمّ

ولو فرضنا أن الجواب (لغَشْيِهَا) وأنَّ الهمّ وقع منه لكان لنا أن نقول: إن الأنبياء

ليسوا معصومين من حديث النفس ومراودة الشهوة البشرية، ولكنهم معصومون من

طاعتها والانقياد إليها. ولو لم توجد عندهم داعية إلى خطأ لما كانوا مأجورين على

ترك المنكرات والمعاصي؛ لأنهم يكونون مجبورين على تركها طبعًا. والعنين لا

يؤجر ويثاب على ترك الزنا؛ لأن الأجر لا يكون إلا على عمل، والترك بغير داعية

ليس عملاً، وأما الترك مع الداعية فهو كفّ النفس عما تتشوّف إليه فهو عمل نفسي.

***

(م 95) الشبهة على إخوة يوسف

لا شك أن إخوة يوسف قد ارتكبوا المعصية المشتملة على عدة معاصي،

ولكنهم لم يكونوا أنبياء. وأما ذكر الأسباط، فيمن أوحى الله تعالى إليهم من الأنبياء

فالمراد به (والله أعلم) أنبياء الأسباط وهم فرق بني إسرائيل الاثنى عشر. قال

تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} (الأعراف: 160) ، وقد بعث الله

في كل أمة من هؤلاء الأسباط أنبياء وأوحى إليهم فعل الخيرات وهداية بني

إسرائيل. وما رواه ابن جرير الطبري من استغفار يعقوب لهم في وقت السحر

وتأمين يوسف عليهما السلام، وأن الله استجاب له على رأس العشرين سنة من دعائه

وأوحى إليه أنه غفر لهم (وعقد مواثيقهم على النبوة) فهو غير صحيح هذا هو

الحق في هذه القصص، وقد انكشفت به الشبه، فينبغي ذأن يلقن للمسلمين في الدروس

ويعلم للأطفال لكيلا يغتر أحد بما في كتب العهد العتيق التى يسمونها التوراة وبما

حشي في كتب قصص الأنبياء وبعض التفاسير من الإسرائيليات، {وَاللَّهُ

يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب: 4) .

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 87