المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌آثار محمد علي في مصر - مجلة المنار - جـ ٥

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (5)

- ‌غرة محرم - 1320ه

- ‌فاتحة السنة الخامسة

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الكتاب الموعود بنشره

- ‌علم تلامذة العرب وبلاغتهم

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌حرية الجرائد والشعور العام بالفضيلة في مصر

- ‌16 محرم - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌القرآن والكتب المنزلة

- ‌الاجتماع الثاني - الداء أو الفتور العام

- ‌التعليم الذي ترتقي به الأمة

- ‌مقدمتنا لكتاب أسرار البلاغة

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌غرة صفر - 1320ه

- ‌لا وثنية في الإسلام

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌الإسلام في إنكلترا

- ‌(إلى الأغنياء)

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الحريق في ميت غمر

- ‌16 صفر - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع الثالثالداءأو: الفتور العام

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌قوانين التعليم الرسمي والجمعية العمومية

- ‌شهادة مفتي الديار المصريةلكتاب أسرار البلاغة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ربيع الأول - 1320ه

- ‌آثار محمد علي في مصر

- ‌أميل القرن التاسع عشر [*]

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 ربيع الأول - 1320ه

- ‌شروط الواقفينوعدم التعبد بكلام غير المعصومين

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع الرابع لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌أأحياها محمد علي وأماتها خلفه

- ‌مصاب عظيم بوفاة عالم حكيم

- ‌غرة ربيع الثاني - 1320ه

- ‌إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر

- ‌الملائكة والنواميس الطبيعية

- ‌أميل القرن التاسع عشر [*]

- ‌الاحتفال السنوي بمدرسة الجمعية الخيريةوخطبة المفتي

- ‌تتمة سيرة الكواكبي

- ‌16 ربيع الثاني - 1320ه

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌فرنسا والإسلام

- ‌نموذج من كتاب دلائل الإعجازللإمام عبد القاهر الجرجاني

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة جمادى الأول - 1320ه

- ‌الزواج وشبان مصر وشوابُّها

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 جمادى الأولى - 1320ه

- ‌الأزهر والأزهريون - وفاضل هندي

- ‌أفكوهة أدبية

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌قصص (روايات) مجلة الهلال

- ‌مسيح الهند

- ‌غرة جمادى الآخر - 1320ه

- ‌الاضطهاد في النصرانية والإسلام

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌إيمان المسلمين وأعمالهم

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 جمادى الآخرة - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مثال من أمثلة تسامح الإسلاموضيق صدر المسيحية

- ‌ الأخبار والآراء

- ‌غرة رجب - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الإسلام اليومأو الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام

- ‌الاجتماع السادس لجمعية أم القرى

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الإسلام والدولة البريطانية

- ‌مثال من أمثلة طفولية الأمة

- ‌محادثة بينصاحب جريدة الحاضرة ورئيس تحرير جريدة فرنسوية

- ‌مثال من أمثلة تعصب النصرانية على العلم

- ‌سخافة بشائر السلام في الجاهلية والإسلام

- ‌16 رجب - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الوفاق الإسلامي الإنكليزي

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الاحتفال بافتتاح مدرسة بني مزار

- ‌تتمة سيرة السنوسي

- ‌مشروع مجلة الجامعة الاقتصادي

- ‌غرة شعبان - 1320ه

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الأزهر والأزهريون، وفاضل هندي

- ‌رسالة الكسائي في لحن العوام

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 شعبان - 1320ه

- ‌المستقبل للإسلام

- ‌الهدايا والتقاريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة رمضان - 1320ه

- ‌أيصومون ولا يصلون وهم مؤمنون

- ‌الأخبار والآراء

- ‌(كيف يكون المستقبل للمسلمين)

- ‌16 رمضان - 1320ه

- ‌مسير الأنام.. ومصير الإسلام

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌الاجتماع السابع لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مقدمة كتاب الإسلام والنصرانية

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 شوال - 1320ه

- ‌رأيٌ في علم الكلام، وطريقةٌ في إثبات الوحي

- ‌شبهات المسيحيينوحجج المسلمين

- ‌الاجتماع الثامن لجمعية أم القرى

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية

- ‌التقريظ

- ‌إعجاز أحمديأو سخافة جديدة لمسيح الهند

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ذو القعدة - 1320ه

- ‌الإسلام دين العقل

- ‌الاجتماع التاسع لجمعية أم القرىويتبعه الاجتماع 10 و 11

- ‌أحوال العالم الإسلامي

- ‌16 ذو القعدة - 1320ه

- ‌رد الشبهات عن الإسلام

- ‌أميل القرن التاسع عشر

- ‌مسألة الشيخ محمد شاكر

- ‌الأخبار والآراء

- ‌غرة ذو الحجة - 1320ه

- ‌مسألة النساء

- ‌إحياء الإسلام لمدينة اليونان والرومان والمصريين

- ‌لاحقة سجل جمعية أم القرى

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌التقريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌16 ذو الحجة - 1320ه

- ‌رأيٌ في إصلاح المسلمينأو رأيان

- ‌الأسئلة والأجوبة

- ‌وصية بطرس الأكبر قيصر روسيا

- ‌التقريظ

- ‌الأخبار والآراء

- ‌خاتمة السنة الخامسة للمنار

الفصل: ‌آثار محمد علي في مصر

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌آثار محمد علي في مصر

لغط الناس هذه الأيام في محمد علي وما له من الآثار في مصر وأهلها

وأكثرت الجرائد من الخوض في ذلك والله أعلم ماذا بعث المادح على الإطراء،

وماذا حمل القادح على الهجاء غير أنه لم يبحث باحث في حالة مصر التي وجدها

عليها محمد علي وما كانت تصير بالبلاد إليه لو بقيت.

وما نشأ عن محوها واستبدال غيرها بها على يد محمد علي. أذكر الآن شيئًا

في ذلك ينتفع به من عساه ينتفع، ويندفع به من الوهم ما ربما يندفع، كانت حكومة

البلاد المصرية قبل دخول الجيش الفرنساوى فيها من أنواع الحكومات التي كانت

تسمى في اصطلاح الغربيين حكومات الأشراف وتسمى في عرف المصريين

حكومات الالتزام وتعرف عند الخاصة بحكومات الإقطاع ، وأساس هذا النوع من

الحكومة تقسيم البلاد بين جماعة من الأمراء يملك كل أمير منهم قسمًا يتصرف في

أرضه وقوى ساكنيها وأبدانهم وأموالهم كما يريد فهو حاكمهم السياسي والإداري

والقضائي وسيدهم المالك لرقابهم. ومن طبيعة هذا النوع من الحكومة أن تنمو فيه

الأثرة وتغلط فيه أصول الاستبداد وفروعه وتنزع نفس كل أمير إلى توسيع دائرة

ملكه بالاستيلاء على ما في يد جاره من الأمراء. فكان من مقتضى الطبيعة أن كل

أمير لا ينفك عن التدبير والتفكير فيما تعظم فيه شوكته، وما يدفع به عن حوزته،

وأن يكون الجميع دائمًا في استعداد إما للوثوب وإما للدفاع. ولكن الأمراء في

مجموعتهم كانوا يقاومون سلطة الملوك فيضطر الملك لاستمالتهم ومجابهة بعضهم

للاستعانة به على البعض الآخر فضعف بذلك استبداد الملوك فيهم حاجة الأمراء إلى

المال كانت تسوقهم إلى ظلم رعاياهم وكانت شدة الظلم تميل برعاياهم إلى خذلانهم

عند هجوم العدو عليهم. ظهر ذلك في خصوماتهم المرة بعد المرة فاضطر الأمراء

أن يخففوا من ظلمهم وأن يتخذوا لهم من الأهلين أنصارًا يضبطون عند قيام الحرب

بينهم وبين خصومهم. أحسَّ الأهلون بحاجة الأمراء إليهم فزادوا في الدالة على

الأمراء واضطروهم إلى قبول مطالبهم فعظمت قوة الإرادة عند أولئك الذين كانوا

عبيدًا بمقتضى الحكومة وانتهى بهم الأمر أن قيدوا الأمراء والملوك معًا ولم يكن

ذلك في يوم أو عام، ولكنه في عدة قرون كما هو معروف عند أهل المعرفة.

نعم كانت الحكومة في مصر على نوع تخالف به جميع الحكومات المشرقية

وكانت البلاد متوزعة بين عدة أمراء كل منهم يستغل قسمًا منها ويتصرف فيه كما

يهوى، وكان كل يطلب من القوة ما يسمح له يده إلى ما في يد الآخر أو يدفع به

صولته فالخصام كان دأبهم والحرب كانت أهم عملهم. لذلك كان كل منهم يستكثر

من المماليك ما استطاع ليعد منهم جنده ولكن كانت تعوزه مؤنتهم إذا كثروا

فاضطروا إلى اتخاذ أعوان من أهالي البلاد فوجدوا من العرب أحزابًا كما وجدوا

منهم خصومًا. ثم رجعوا إلى سكان القرى فوجدوا فيهم ما يحتاجون إليه فاتخذوا

بيوتًا منها أنصارًا لهم عند الحاجة وعرف هؤلاء حاجة الأمراء إليهم فارتفعوا في

أعينهم وصار لهم من الأمر مثل ما لهم أو ما يقرب من ذلك. لهذا كنت ترى في

البلاد بيوتًا كبيرة لها رؤساء يعظم نفوذهم ويعلو جاههم.

ذلك كان يقضي على كل أمير من أولئك الأمراء أن يصرف زمنه في التدبير

واستجلاب النصير، وإعداد ما يستطيع من قوة لحفظ ما في يده والتمكن من

إخضاع غيره، أنصاره من الأهالي كانوا يجارونه في ذلك خوفًا من تعدي أعوان

خصمه عليهم فوقعت القسمة بين الأهالي ولا تزال أسماء الأقسام معرفة إلى اليوم -

سعد وحرام، هذا يحدث بطبعه في النفوس شممًا وفي العزائم من قوة ويكتسب

القوى البدنية والمعنوية حياة حقيقية مهما احترقت نوعها. فكانت العناصر جميعها

في استعداد لأن يتكون منها جسم حي واحد يحفظ كونه ويعرف العالم بمكانته.

جاء الجيش الفرنساوى والبلاد في هذه الحالة. دخل البلاد بسهولة لم يكن

ينتظرها، احتل عاصمتها واستقر له السلطان فيها. لم تكن أيام قلائل حتى

ظهر فيه القلق وعظمت حوله القلاقل ولم تنقطع الحروب والمناوشات ولم يهدأ

لرؤساء العساكر بال. يدلك على ذلك شكوى نابليون نفسه في تقاريره التي كان

يرسلها إلى حكومة الجمهورية من اصطياد العربان لعساكره من كل طريق، وسلبهم

أرواحهم بكل سبيل، واضطر نابليون أن يسير في حكومة البلاد بمشورة أهلها

وانتخب من أعيانها من يشركه في الرأي لتدبيرها طوعًا لحكم الطبيعة التي

وجدها.

قتل بعض رؤساء الجيش واضطربت عليه البلاد، وجاء الجيش العثماني

وعاونه الجيش الإنكليزي وخرجت عساكر الفرنساويين من مصر، ولا أطيل الكلام

فقد ظهر محمد علي بالوسائل التي هيأها له القدر.

ما الذي كانت تنتظره البلاد من نوع حكومتها؟ كانت تنتظر أن يشرق نور

مدنية يضيء لرؤساء الأحزاب طرقهم في سيرهم لبلوغ آمالهم، وقد كان ذلك يكون

لو أمهلهم الزمان حتى يعرف كل منهم ما بلغ به غيره الغاية التي كان يقصدها في

بلاد غير بلاده. وما كان بينهم وبين ذلك إلا أن يختلطوا بأهل البلاد الغريبة

ويرتفع الحجاب الذي أسدله الجهل دونهم. أو كانت تنتظر أن يأتي أمير عالم

بصير فيضم تلك العناصر الحية بعضه إلى بعض ويؤلف منها أمة تحكمها حكومة

منها ويأخذها منها ويأخذ في تقوية مصباح العلم حتى ترتقي بحكم التدريج الطبيعي

وتبلغ ما أعدته لها تلك الحياة الأولي.

ما الذي صنع محمد علي؟ لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت. كان

معظم قوة الجيش معه وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة فأخذ يستعين بالجيش وبمن

يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه ثم يعود بقوة الجيش وبحزب

آخر على من كان معه أولاً وأعانه على الخصم الزائل فيمحقه وهكذا حتى إذا

سُحقت الأحزاب القوية وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة فلم يدَع منها رأسًا

يستتر فيه ضمير (أنا) واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلاً لجمع السلاح من

الأهلين وتكرر ذلك منه مرارًا حتى فسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منم وأجهز

على ما بقي في البلاد من حياة في أنفُس بعض أفرادها فلم يبقِ في البلاد رأسًا يعرف

نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه.

أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه على أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام ولم يُبقِ في البلاد إلا آلات له

يستعملهافي جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى أي وجه فمحق بذلك

جميع عناصر الحياة الطبيعية من رأي وعزيمة واستقلال نفس ليصيّر البلاد

المصرية جميعها إقطاعًا واحدًا له ولأولاده على أثر إقطاعات كثيرة كانت

لأمراء عدة.

ماذا صنع بعد ذلك؟ اشرأبت نفسه لأنْ يكون ملكًا غير تابع للسلطان العثماني

فجعل من العُدة لذلك أن يستعين بالأجانب من الأوربيين فأوسع لهم في المجاملة

وزاد لهم في الامتياز خارجًا عن حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة

العثمانية صار كل صعلوك منهم لا يملك قوت يومه ملكًا من الملوك في بلادنا يفعل

ما يشاء ولا يُسأل عما فعل. وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة

الحاكم وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حُرم منها وانقلب الوطني غريبًا في داره،

غير مطمئن في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان: ذل ضربته

الحكومة الاستبدادية المطلقة، وذل سامهم الأجنبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم

غير واقف عند حد أو مردود إلى شريعة.

قالوا: إنه طلع نجم العلم في سماء البلاد. نعم عني بالطب لأجل الجيش

والكشف على المجني عليهم في بعض الأحيان عندما يراد إيقاع الظلم بمتهم.

وبالهندسة لأجل حتى يدبر مياه النيل بعض التدبير، ليستغل إقطاعه الكبير.

هل تَفكر يومًا في إصلاح اللغة عربية أو تركية أو أرنؤدية؟ هل تفكر في

بناء التربية على قاعدة من الدين أو الأدب؟ هل خطر في باله أن يجعل للأهالي

رأيًا في الحكومة في عاصمة البلاد أو أمهات الأقاليم؟ هل توجهت نفسه لوضع

حكومة قانونية منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل؟ لم يكن شيء من ذلك بل كان

رجال الحكومة إما من الأرنؤد أو الجراكسة أو الأرمن المورلية أو ما أشبه هذه

الأوشاب، وهم الذين يسميهم بعض الأحداث من أنصاره اليوم دُخلاء. وكانوا

يحكمون بما يهوون لا يرجعون إلى شريعة ولا قانون، وإنما يبتغون مرضاة الأمير

صاحب الإقطاع الكبير.

أين البيوت المصرية التي أقيمت في عهده على قواعد التربية الحسنة؟ أين

البيوت المصرية التي كانت لها القَدَم السابقة في إدارة حكومته أو سياستها أو سياسة

جندها مع كثرة ما كان في مصر من البيوت الرفيعة العماد الثابتة الأوتاد.

أرسل جماعة من طلاب العلم إلى أوربا ليتعلموا فيها. فهل أطلق لهم الحرية

أن يبثوا في البلاد ما استفادوا؟ كلا ولكنه استعملهم آلات تصنع له ما يريد وليس

لها إرادة فيما تصنع. وُجد بعض الأطباء الممتازين وهم قليل، ووجد بعض

المهندسين الماهرين وليسوا بكثير، والسبب في ذلك أن محمد علي ومن معه لم يكن

فيهم طبيب ولا مهندس فاحتاجوا إلى بعض المصريين ولم يكن أحد من الأعوان

مسلطًا على المهندس عند رسم ما يلزم من الأعمال ولا على الطبيب عند تركيب

أجزاء العلاج فظهر أثر استقلال الإرادة في الصناعة عند أولئك النفر القليل من

النابغين، وكان ذلك مما لا تخشى عاقبته على المستبدين.

هل كانت له مدرسة لتعليم الفنون الحربية؟ أين هي؟ وأين الذين نبغوا من

طلابها؟ فإن وُجد أحد نابغ، فهل هو من المصريين؟ عدوا إن شئتم أحياءً أو

أمواتًا.

وجد كثير من الكتب المترجمة في فنون شتى من التاريخ والفلسفة والأدب

ولكن هذه الكتب أودعت في المخازن من يوم طبعت وغلقت عليها الأبواب إلى

أواخر عهد إسماعيل باشا فأرادت الحكومة تفريغ المخازن منها، وتخفيف ثقلها

عنها، فنثرتها بين الناس فتناول منها من تناول، وهذا يدلنا على أنها ترجمت

برغبة بعض الرؤساء من الأوربيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد لكنهم لم

ينجحوا؛ لأن حكومة محمد علي لم توجد في البلاد قراء ولا منتفعين بتلك الكتب والفنون.

كانوا يختطفون تلامذة المدارس من الطرق وأفناء القرى (الأفناء: الناس

المجهولون) كما يختطفون عساكر الجيش، فهل هذا مما يحبب القوم في

العلم ويرغبهم في إرسال أولادهم إلى المدارس؟ لا بل كان يخوفهم من المدرسة

كما كان يخيفهم من الجيش.

حمل الأهالي على الزراعة ولكن ليأخذ الغلات، ولذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر، والموت الأحمر. وقوانين

الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك.

يقولون: إنه أنشأ المعامل والمصانع! ولكن هل حبب إلى المصريين العمل

والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم؟ وهل أوجد أساتذة يحفظون علوم

الصنعة وينشرونها في البلاد؟ أين هي؟ ومن كانوا؟ وأين آثارهم؟ لا بل بغّض

إلى المصريين العمل والصنعة بتخسيرهم في العمل والاستبداد بثمرته فكانوا

يتربصون يومًا لا يعاقبون فيه على هجر المعمل والمصنع لينصرفوا عنه ساخطين

عليه، لاعنين الساعة التي جاءت بهم إليه.

يقولون: إنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به الممالك ودوخ به الملوك وأنشأ أسطولاً

ضخمًا تُثقل به ظهور البحار، وتفتخر به مصر على سائر الأمصار. فهل

علَّم المصريين حب التجنيد، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب وحبب إليهم

الخدمة في الجندية وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهروب منها وعلم آباء

الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت بعد أن كانوا

ينتظمون في أحزاب الأمراء ويحاربون ولا يبالون بالموت أيام حكم المماليك

وكان من ينتظم في الجندية على عهجد محرر مصر لا يخرج منها إلا بالموت.

هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه، وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه بأن يقول هذا جيشي وأسطولي أو جيش بلدي أو أسطوله؟ كلا لم

يكن شيء من ذلك، فقد كان المصري يعد ذلك الجيش وتلك القوة عونًا لظالمه فهي

قوة خصمه. كذلك كان يعدها كل عثماني في مصر أو في غير مصر. ليقل لنا

أنصار الاستبداد كم كان في الجيش من المصريين الذين بلغوا في رتب الجندية إلى

رتبة البكباشي على الأقل؟ فما أثر ذلك في حياة مصر والمصريين إلا أسوأ الأثر، كله شر في شر؛ لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدمت واندثرت.

ظهر الأثر العظيم عندما جاء الإنكليز لإخماد ثورة عرابي. دخل الإنكليز مصر

بأسهل ما يدخل به دامر على قوم، ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس

تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول

الفرنساويين إلى مصر، وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير

وجهله الأحداث، فهم يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون إليه.

لا يستحيي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران

سلطانه بنية من الدين، أي دين كان دعامة لسلطان محمد علي؟ دين التحصيل،

دين الكرباج. دين من لا دين له إلا ما يهواه ويريده. وإلا فليقل لنا أحد من الناس

أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي الجليل؟ لا يذكرون إلا

مسألة الوهابية وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين، نعم

إن الوهابية غلوا في بعض المسائل غلوًّا أنكره عليهم سائر المسلمين، وما كان

محمد علي يفهم هذا ولا سفك دماءهم لإرجاعهم إلى الاعتدال وإنما كانت مسألة

سياسية محضة تبعها جراءة محمد علي على سلطانه العثماني فكان معه ما كان مما

هو معروف.

نعم: أخذ ما كان للمساجد من الرزق وأبدلها بشيء من النقد يسمى فائض

رزنامه لا يساوي جزءًا من الألف من إيراده. وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما

لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن نصف مليون جنيه في السنة، وقرر له بدل

ذلك ما يساوي نحو أربعة آلاف جنيه في السنة.

وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخِلَع أو إجلاسهم

على الموائد لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا

عليه في سخط ماتوا عليه.

ولا أظن أن أحدًا يرتاب بعد عرض تاريخ محمد علي على بصيرته أن هذا

الرجل كان تاجرًا زارعًا وجنديًا باسلاً. ومستبدًّا ماهرًا لكنه لمصر قاهرًا، ولحياتها

الحقيقية معدمًا، وكل ما نراه الآن فيها مما يسمى حياة فهو من أثر غيره متعنا الله

بخيره وحمانا من شره والسلام.

مؤرخ

_________

ص: 175

الكاتب: محمد رشيد رضا

بقية الاجتماع الثالث لجمعية أم القرى

(المنعقد في مكة المكرمة في 18 ذي القعدة سنة 316)

أجاب (السعيد الإنكليزي) إن المسلمين من حيث مجموعهم أغنياء لا

يعوزهم المال اللازم للتدرج في العلوم حتى للسياحات البحرية والقطبية؛ لأن

فريضة الزكاة على مالكي النصاب والكفارات المالية جاعلة لفقراء الأمة وبعض

الشؤون العمومية نصيبًا غير قليل من مال الأغنياء، إذا عاش المسلمون مسلمين

حقيقة أمنوا الفقر، وعاشوا عيشة الاشتراك العمومي المنتظم التي يتمنى ما هو من

نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي الذين لم يهتدوا بعد لطريقة نيلها مع أنه تسعى

وراء ذلك منهم جمعيات وعصبيات مكونة من ملايين باسم (كومون وفنيان

ونيهلست وسوسيالست) كلها تطلب التساوي أو التقارب في الحقوق والحالة

المعاشية، ذلك التساوي والتقارب المقررين في الشريعة الإسلامية دينًا بوسيلة أنواع

الزكاة والكفارات، ولكن تعطيل إيتاء الزكاة وإيتاء الكفارات سبب بعض الفتور

المبحوث فيه، كما سبب إهمال الزكاة فقد الثمرات العظيمة، من معرفة المسلم ميزانية

ثروته سنويًّا فيوفق نفقاته على نسبة ثروته ودخله ولا شك أن الواحد من الأربعين يفي

أن يبذل لأجل هذه الثمرة وحدها، والشريعة الإسلامية هي أول شريعة ساقت الناس

والحكومات لأصول الميزانية المؤسس عليه فن الاقتصاد المالي الأفرادي

والسياسي.

ويخيل إليَّ أن سبب هذا الفتور الذي أخلَّ حتى بالدين هو فقد الاجتماعات

والمفاوضات، وذلك أن المسلمين في القرون الأخيرة قد نسوا بالكلية حكمة تشريع

الجماعة والجمعية وجمعية الحج، وترك خطباؤهم ووعاظهم خوفًا من الأمراء

التعرض للشئون العامة كما أن علماءهم صاروا يسترون جبنهم بجعلهم التحدث في

الأمور العامة والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يعني وعدهم إتيان ذلك

في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز وربما اعتبروه من الغيبة أو التجسس أو السعي

بالفساد؛ فسرى ذلك إلى أفراد الأمة وصار كل شخص لا يهتم إلا بخويصة نفسه

وحفظ حياته في يومه كأنه خلق أمة وحده وسيموت غدًا وهكذا صار المسلم جاهلاً

أن له حقوقًا على الجامعة الإسلامية والجامعة البشرية وأن لهما عليه مثلها ذاهلاً عن

أنه مدني بالطبع لا يعيش إلا بالاشتراك ناسيًا أو هاجرًا أوامر الكتاب والسنة له

بذلك (مرحى) .

ثم بتوالي القرون والبطون على هذه الحال تأصل في الأمة فقد الإحساس إلى

درجة أنه لو خربت هذه الكعبة - والعياذ بالله تعالى - لما تقطبت الحياة أكثر من

لحظة، ولا أقول لما زاد تلاطم الناس على سبعة أيام كما ورد في الأثر؛ لأن

المراد بأولئك الناس أهل ذاك الزمان.

وإذا دققنا النظر فى حالة الأمم الحية المعاصرة وهى ليس عندها ما عندنا من

الوسائل الشريفة للاجتماع والمفاوضات نجدهم قد احتالوا للاجتماعات ولاسترعاء

السمع وتوجيه النظر بوسائل شتى.

(1)

منها تخصيصهم يومًا في الأسبوع للبطالة والتفرغ من الأشغال

الخاصة لتحصل بين الناس الاجتماعات وتنعقد الندوات فيتباثُّون

ويتناجون.

(2)

ومنها تخصيصهم أيامًا يتفرغون فيها للمذاكرة في مهمات الأعمال

لأعاظم رجالهم الماضين تشويقًا للتمثل بهم.

(3)

ومنها إعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات تسهيلاً للاجتماع

والمذاكرات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات.

(4)

ومنها إيجادهم المنتزهات الزاهية العمومية وإجراء الاحتفالات

الرسمية والمهرجانات بقصد السوق للاجتماعات.

(5)

ومنها إيجادهم محلات التشخيص المعروف (الكوميديا) و (التياترو)

بقصد إراءة العبر واسترعاء السمع للحكم والوقائع، ولو ضمن أنواع من الخلاعة

اتخذت شباكًا لمقاصد الجمع والإسماع ويعتبرون أن نفعها أكبر من ضرر الخلاعة.

(6)

ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم الملية المفصلة

المدمجة بالعلل والأسباب تمكينًا لحب الجنسية.

(7)

ومنها حرصهم على حفظ العاديّات المنبهة وادخار الآثار القديمة

المنوهة واقتناء النفائس المشعرة بالمفاخر.

(8)

ومنها إقامتهم النُّصُب المفكرة بما نصبت له من مهمات الوقائع القديمة.

(9)

ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية.

(10)

ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات إلى غير ذلك من

الوسائل التي تنشئ في القوم نشأة حياة اجتماعية وتولد في الرءوس حمية وحماسة

وفي النفوس سموًّا ونشاطًا.

أما المسلمون فإنهم كما سبق بيانه أهملوا استعمال تلك الوسائل الشريفة

المؤسسة عندهم للشورى والمفاوضات والتناصح والتداعي، أعني بذلك الجماعة

والجمعية وجمعية الحج حتى كأن الشارع لم يقصد منها غير أداء الفريضة فقط

بصورة تعبدية بسيطة، والحال أن حِكمة الشارع أبلغ من ذلك، وعندي أن هذا

أعظم أسباب الفتور (مرحى) .

فأجابه (الإمام الصيني) إن هذا أشبه بالعوارض منه بالأسباب، فهو أليق

بأن يكون دواء للداء ونحن مهتمون ابتداءً بمعرفة سبب الفتور.

ثم قال: إني أرى أن السبب الأكبر للفتور هو تكبر الأمراء وميلهم للعلماء

المتملقين المنافقين الذين يتصاغرون لديهم ويتذللون لهم ويحرفون أحكام الدين

ليوفقوا بينها وبين أهوائهم، فماذا يُرجى من علماء يشترون بدينهم دنياهم ويُقَبِّلُون

يد الأمير ليُقَبّل العامة أيديهم ويحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على ألوف من

الضعفاء، أكبر همهم التحاسد والتباغض والتجادل والتفاضل لا يُحْسِنُون أمرًا من

الأمور حتى الخصومة؛ فتراهم لا يرغمون إلا بتكفير بعضهم بعضًا عند الأمراء

والعامة.

وهذا داء عُياء صعب المداواة جدًّا؛ لأن كِبْر الأمراء يمنعهم من الميل إلى

العلماء العاملين الذين فيهم نوع غلظة لا بد منها ونعمًا هي مزية لولاها لفقد الدين

بالكلية (مرحى) .

فلا شك أن أفضل الجهاد في الله في هذا الزمان الحط من قدر العلماء المنافقين

عند العامة وتحويل وجهتهم لاحترام العلماء العاملين حتى إذا رأى الأمراء انقياد

الناس لهؤلاء أقبلوا عليهم أيضًا رغم أنوفهم وأذعنوا لهم طوعًا أو كرهًا على أنه

يجب على حكماء الأمة المجاهدين في الله أن يعتنوا بالوسائل اللينة لتثقيف عقول

العلماء العاملين؛ لأن العِلم رافع للجهل فقط ولا يفيد عقلاً ولا كياسة فيلزم تعليمهم

وتعريفهم كيف تكون سياسة الدين وهكذا يفعل الحكماء عندنا، معاشر إسلام الصين

ولا تفقد أية بلدة كانت رجالاً حكماء نبلاء يمتازون طبعًا على العامة، لهم نوع من

الولاء حتى على العلماء.

وهؤلاء الذين نسميهم عندنا بالحكماء هم الذين يطلق عليهم في الإسلام اسم

أهل الحل والعقد الذين لا تنعقد (الإمامة) شرعًا إلا ببيعتهم وهم خواص الطبقة

العليا في الإسلام الذي أمر الله عز شأنه نبيه بمشاورتهم في الأمر الذين لهم شرعًا

حق الاحتساب والسيطرة على الإمام والعمال؛ لأنهم رءوساء الأمة ووكلاء العامة

والقائمون في الحكومة الإسلامية مقام مجالس النواب والأشراف في الحكومات

المطلقة كالصين وروسية ومقام شيوخ الأفخاذ في إزاء أمراء العشائر العربية،

أولئك الأمراء الذين ليس لهم من الأمر غير تنفيذ ما يبرمه الشيوخ.

وإذا دققنا النظر في آراء الحكومات الإسلامية من عهد الرسالة إلي الآن نجد

ترقيها وانحطاطها تابعَين القوة أو ضعف احتساب أهل الحل والعقد واشتراكهم في

تدبير شئون الأمة.

وإذا رجعنا البصر إلى التاريخ الإسلامي نجد أن النبي عليه السلام كان أطوع

المخلوقات للشورى امتثالاً لأمر ربه في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: 159) حتى إنه ترك الخلافة لمجرد رأي الأمة.

ثم كان أول الخلفاء رضي اللهعنه أشبه به حتى إنه أخذ رأي سراة الصحابة فيمن استخلف. ثم إن الخليفة الثاني اتبع أثر الأول وإن استأثر في ترتيب الشورى فيمن يخلفه ثم لما اجتهد الخليفة الثالث في مخالفة رؤساء الصحابة في بعض المهمات

لم يستقم له الأمر وظهرت الفتن كما هو معلوم ثم إن معاوية رحمه الله كان قليل

الاستقلال بالرأي فحسنت أيامه عما كان قبلها. وهكذا كانت دولة الأمويين تحت

سيطرة أهل الحل والعقد لا سيما من سراة بني أمية فانتظمت على عهدهم الأحوال

كما كان كذلك على عهد صدر العباسيين حيث كانوا مذعنين لسيطرة رؤساء بني

هاشم ثم لما استبدوا في الرأي والتدبير فخالفوا أمر الله واتباع طريقة رسول الله

ساءت الحال ففقدوا الملك.

وهكذا عند التدقيق في كل فرع من الدول الإسلامية والحاضرة، بل في

ترجمة كل فرد من الملوك والأمراء، بل في حال كل ذي عائلة أو كل إنسان فرد

نجد الصلاح والفساد دائرين مع سنة الاستشارة أو الاستقلال في الرأي.

فإذا تقرر هذا علمنا أن سبب الفتور العام المبحوث فيه هو استحكام الاستبداد

في الأمراء عُتوًّا وتَكبرًا، وترك أهل الحل والعقد الاحتساب جهلاً وجبانة، وهذا

عند بعض الأقوام المسلمين، وأما الأكثر فقد أمسوا لا علماء هداة ولا سراة أُباة بل

هم فوضى في الدين والدنيا ولا بدع فيمن يكونون على مثل هذه الحال أن لا يرجى

لهم دواء إلا بعناية بعض الحكماء الذين ينتخبون من أية طبقة كانت من الأمة وقد

قضت سنة الله في خلقه أن لا تخلو أمة من الحكماء.

فأجاب (العالم النجدي) إن شئون السياسة في الصين تختلف كثيرًا عنها في

غيرها، وليس في الصين ملوك كثيرة وأمراء جبابرة كما عند غيرهم، فالحكماء

في الصين آمنون من جهة أخرى لم يزل الإسلام في الصين حنيفًا خفيفًا لم يفسده

التفنن والتشديد وعلى ذلك نرى الفتور شاملهم أيضًا، ونحن الآن نبحث عن السبب

العام لهذا الدواء وليس كل السبب أحوال الأمراء والعلماء.

ثم قال: إني أجزم ولا أقول أظن أو إخال أن سبب الفتور الطارئ الملازم

لجماعة هذا الدين هو هذا الدين الحاضر ذاته ولا برهان أعظم من الملازمة وما

جاء الخفاء من شدة الوضوح، فهل بقي من شك بعد هذه الأبحاث التي سِيقت في

جمعيتنا ولا سيما ما بينه المحقق المدني في أن الدين الموجود الآن بالنظر إلى ما

ندين به لا بالنظر إلى ما نقرره وباعتبار ما نفعله لا باعتباره ما نقوله ليس هو

الدين الذي تميزت به أسلافنا متين من السنين على العالمين كلا بل طرأت على

الدين طوارئ تغيير غيرت نظامه.

وذلك أن الخلف تركوا أشياء من أحكامه كإعداد القوة بالعلم والجهاد في الدين

والأمر بالمعروف وإزالة المنكر وإقامة الحدود وإيتاء الزكاة وغير ذلك مما أوضحه

الإخوان الكرام، وزاد المتأخرون بدعًا وتقليدات وخرافات ليست منه كشيوع عبادة

القبور والتسليم لمدعي والتصرف في المقدور.

وهذه الطوارئ من تغييرات أو متروكات أو مزيدات أكثرها يتعلق بأصول

الدين وبعضها بأصل الأصول؛ أعني التوحيد، وكفى بأن يكون ذلك سببًا للفتور

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} (الرعد: 11) - مرحى.

ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن الدين تغير عما كان عليه فما تأثير ذلك في

الفتور العام الذي هو من شأن الحياة الدنيا، وها نحن أولاء نجد أكثر الأمم الحية

التي نغبطها، قد طرأ على دينها التغيير والتبديل في الأصول والفروع ولم يؤثر

ذلك فيها الفتور بل زعم كثير من حكماء تلك الأمم أنهم ما أخذوا في الترقي إلا بعد

عزلهم شئون الدين عن شئون الحياة وجعلهم الدين أمرًا يتعلق بالنفس ولا علاقة له

بشئون الحياة الجارية على نواميس الطبيعة.

فالجواب على ذلك أنه كما يطالب كل إنسان بأن يكون صاحب ناموس أي

متبعًا على وجه الاطراد في إخلافه وإعماله قانونًا ما موافقًا ولو في الأصول فقط

لقانون الهيئة الاجتماعية التي هو منها وإلا فيكون لا ناموس له منفورًا منه مضطهدًا

فكذلك كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام بينهم ملائم لجملة لقوانين الأمم

التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية أو مناسبات سياسية وإلا فيكونون قومًا

متوحشين لا خلاق لهم ولا نظام منفورًا منهم مضطهدين.

وذلك أن الناموس الطبيعي في البشر هو ناموس وحشي لا خير فيه؛ لأن

مبانيه هي تنازع البقاء وحفظ النوع والتزاحم على الأسهل والاعتماد على القوة

وطلب الغايات، وحب الرئاسة وحرص الادخار ومجاراة الظروف وعدم الثبات

على حال إلى غير ذلك وكلها قواعد شر ومجالب ضر لا يلطفها غير ناموس

شريف واحد مودوع في فطرة الإنسان وهو إذعانه الفكري للقوة الغالبة أي معرفته

الله بالاهتمام الفطري الذي هو إلهام النفس رشدها {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس: 8) .

ولا ريب في أن الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى في شئون حياته؛

لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل سائر نواميسه المضرة ويخفف مرارة الحياة التي لا

يسلم منها ابن أنثى، وذلك بما يؤمله المؤمن من المجازاة والمكافأة والانتقام منه وله

(مرحى) .

وعند تدقيق النظر في حالة جميع الأديان والنحل تدقيقًا تاريخيًّا توجد كلها

ناشئة عن أصل بسيط سماوي لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا ويوجد أن كل دين كان في

أوله باثًا في أهله النظام والنشاط وراقيًا بهم إلى أوج السعادة في الحياة إلى أن يطرأ

عليه التأويل والتحريف والتفنن والزيادات رجوعًا إلي أصلين اثنين:

(الإشراك بالله. والتشديد في الدين) ؛ فيأخذ في الانحطاط بالأمة ولا يزال نازلاً

بها إلي أن تبلغ حالة أقبح من الحالة الأصلية الهمجية فتنتهي بالانقراض أو الاندماج

في أمة أخرى. أو بتدارك الله تلك الأمة بعناية فيبعث لهم رسولاً يجدد دينهم أو

يخلق فيهم أنبياء أو حكماء يصلحون لهم ما فسد من دينهم كما حصل ذلك في الأمم

الماضية كعاد وثمود وكالسريان وإسرائيل وكنعان وإسماعيل وكما قال الله

تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُون} (التوبة: 115)

وعند التأمل يوجد الشرك والتشديد كأنهما أمران طبيعيان في الإنسان يسعى

وراءهما جهده بسائق النفس وقائد الشيطان؛ لأن النفس تميل إلي عبادة المشهود

الحاضر أكثر من ميلها إلى عبادة المعقول الغائب، ومفطورة على التشديد رغبة في

التميز، والشيطان يسعف النفس بالتسويل والتأويل والتحويل والتضليل إلى أن

يفسد الدين (مرحى) .

ثم إذا دققنا النظر في حالة الإسلامية في القرون الأخيرة نجدها عند أكثر أهل

القبلة قد أصابها بعض ما أصاب غيرها من الأديان قبلها كما أخبرنا الله تعالى

بقصصها في كتابه المبين ووعدنا بوقوعنا فيه سيد المرسلين وأرشدنا إلى طرائق

التخلص منه إن كنا راشدين.

أعني بذلك ما طرأ على الإسلامية من التأويل والتحريف في بعض أصولها

وكثير من فروعها حتى استولى عليها التشديد والتشويش وتطرق إليها الشرك الخفي

والجلي على يمينها وشمالها فأمست إلى التجديد بتبيين الرشد من الغي وعندي أن

هذه الحال وأعظم سبب الفتور المبحوث فيه قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن

ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (طه: 124)(مرحى) .

وأنتم أيها السادة الأفاضل في غناء عن إيضاح ذلك لكم بوجه التفصيل.

قال (الأستاذ الرئيس) : إني أرى أن البحث في أعراض الداء وأسبابه

وجراثيمه وما هو الدواء وكيف يستعمل قد نضج أو كاد، وقد قررنا في اجتماعنا

الأول أننا سنبحث في ما هي الإسلامية وما يتبع ذلك مما أدرجناه في برنامج

المباحث، وإني أرى تقرير أخينا العالم النجدي نِعم المدخل لنقل البحث ولا سيما

إذا تَكرم بتفصيل ما أجمله؛ لأن مسائل منشأ الديانات وسنن الله في مسراها

وأسباب طوارئ التغيير والتحريف عليها كلها مسائل مهمة تقضي تدقيق النظر

واستقصاء التحقيق وتحسن فيها الإطالة والاستيعاب عليه، نرجو من العالم النجدي

أن يتكرم بإعادة ما قرره صورة مفصلة في اجتماعنا إذ قد أذن لنا الوقت

بالانصراف اليوم. اهـ

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 183