الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
الوقف من الدين
رد ثانٍ على عزيز أفندي خانكي
مَن يكتب أو يتكلم لطلب الحقيقة أو لتقريرها يستفيد من المناقشة والمعارضة
أكثر مما يستفيد من البحث والتنقيب ويرجع إلى الحقيقة إذا ظهرت له على يد غيره
ويأخذ الحكمة أنَّى وجدها، ومن يكتب أو يتكلم لغرض يرمي إليه، أو فائدة له
يناضل دونها لا يزيده بيان الحق إلا إعراضًا عنه، ولا يفيده تجلي الصواب إلا
مكابرة فيه، فهو يجادل لإخفاء الحقيقة وصرف الأنظار عنها، وتلوين الباطل
بلونها ليشتبه على الناظرين بها، وقد اتخذ هذا التلوين والتمويه صناعة نفر من
(المحامين) الذين نصبوا أنفسهم لقبول الوكالة في كل دعوى والخصام في كل
قضية، والدعوى تكون دائمًا بين خصمين أحدهما محق والآخر مبطل وإنك لتجد
لكل خصم محاميًا فنصف هؤلاء المحامين يخاصمون في الباطل ويجاهدون في
إبطال الحق بالقول المموه والتلوين الذي يخفي ما كان ظاهرًا، ويخدع من كان
ناظرًا، وقد أتقن هؤلاء المحامون الخلابة في الخطابة حتى إنك لتجد القضاة
يشكون دائمًا من خلابتهم في خطابتهم ويقطعون عليهم الكلام ويطلبون منهم عدم
الخوض فيما وراء موضوع الدعوى. ومنهم الذين يستعينون على تقرير ما يريدون
تقريره بالكتابة في الجرائد لإقناع الجمهور بما يدعون؛ لأن لاعتقاد الجمهور أثرًا في
نفوس القضاة والحاكمين، واعتبارًا خاصًّا في وضع القوانين، ولا وزر على
الجرائد إذا نشرت آراء الناس في القضايا العامة وعرضتها بذلك للبحث والنقد
فكثيرًا ما يظهر الحق في ذلك على خلاف ما يريد الباحث الأول أو على وفق ما
يريد.
هذا الصنف أو النصف الطبيعي من المحامين يصور الحجة بشبهة داحضة،
ويمثل الشبهة حجة ناهضة، فإذا عارضته بالنقل في موضوعه قال: إنك من أهل
التقليد، وإذا قلت: هذه بيناتي هن أظهر لك. يقول: لقد علمت ما لنا في بيناتك من
حق وإنك لتعلم ما نريد. ذلك ما سلكه معنا عزيز أفندي خانكي المحامي - كتب
مقالاً في (المقطم) يريد به الطعن في بعض أحكام المحكمة الشرعية في الوقف
على غير ما يريد ويحب فتطرف فيه إلى القول بأن الوقف ليس من الدين الإسلامي
في شيء ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة - وما هو من أهل هذا الدين ولا معرفة
له بالكتاب ولا بالسنة - فكتبنا في (المقطم) نعلمه بأن الوقف من أحكام الدين،
وقد جرى عليه أهله من الصحابة والتابعين، وذكرنا له كتب الحديث التي أنكر أن
فيها شيئًا في الوقف. ذكرنا ذلك في (المقطم) بالإجمال وفصلناه في (المنار)
(ج 17، ص 816) بعض التفصيل.
وكنا نظن أنه كتب تلك الكلمة بغير علم وأنه إذا جاءه العلم يقنع ويرجع فإذا
به وقد زاده العلم إصرارًا على رأيه، وتمويهًا له في نظر غيره، فقد كتب مقالة
في الرد علينا جاء فيها شيئًا من الخلابة غريبًا، و (أسمعني من الشعر العجيبا)
بدأها بذم التقليد تمهيدًا للقول بأنه يدعو المسلمين إلى مدنية جديدة بإنكار كون الوقف
من الدين، وجعل أوقاف المسلمين تحت أهواء المحامين وتصرف الحاكمين،
ولإيهام أنني أدعوهم إلى الجمود على اتباع السنة، وذلك تقليد يخالف (بزعمه)
الحكمة، وقد رأى قراء (المنار) أن النبذة التي كتبناها في أحاديث الوقف ردًّا
عليه تتلوها نبذة من نبذ متسلسلة في إبطال التقليد مبتدأة بالوجه السابع والعشرين
ومختتمة بالوجه الرابع والثلاثين من وجوه إبطال التقليد في الإسلام. ويعلمون أن
هذا مذهب المنار منذ أنشئ يقيم البرهان عليه كلما عنت له المناسبة، ولكن
المحامي البارع يريد بذم التقليد أن نترك اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فنبطل ما شرعه وننبذ سيرة الخلفاء الراشدين تقليدًا لرأيه الأفين في أن ذلك من
المدنية والعمران وأن الوقف منافٍ لمبادئ الاقتصاد السياسي.
قال المحامي: إنه كتب ما كتب عن الوقف مستهديًا بعظات التاريخ
مسترشدًا بأصول علم السياسة المالية مستضيئًا بكتب أئمة الفقه محترمًا أصول
وأحكام الدين الحنيف. ثم بعد أن ذكر كتاباته عن فساد التقاضي وخلل المرافعات
في المحاكم الشرعية قال: (فنفر إلينا شيخ رمانا بالجهل وبالجراءة على كتابة ما
كتبنا ونشر ما نشرنا ويستفز رجال الشرع (على) تكذيبنا، ولو أنه قرع الحجة
بالحجة والبرهان بالبرهان لهان إلا أنه اكتفى بالسباب والمهاترة عن الجدال
والمناظرة (سامحه الله) ! اهـ.
ونقول: من قرأ ما كتبنا علم أننا لم نرمِهِ بما قال ولم ندعُ أحدًا إلى تكذيبه في
كل ما كتب ونشر كما يوهم إطلاق عبارته وإننا وكلنا مناقشته في شأن المحاكم إلى
أهلها ولم نتعرض إلا لغلطه في قوله: إن الوقف ليس من الدين في شيء وإنه لم يرد
فيه حديث إلا ما انفرد به ابن ماجه في وقف عمر. وأظهرنا العجب لجراءته على
هذا النفي المطلق، واعتذرنا عنه بأنه لم يطلع على كتب الحديث وأنه لا لوم عليه
في ذلك؛ إذ قلنا: (إن هذا ليس طعنًا في الكاتب فإنه ليس عالمًا مسلمًا فيعاب بعدم
الاطلاع على السنة..) إلخ، فأين البراهين التي جاء بها على نفيه ما عدا حديث
ابن ماجه فيطالبنا بقرع البرهان بالبرهان وكيف ساغ له أن يسمي اعتذارنا عنه
سبابًا ومهاترة؟ لقد ظهر أنه يريد بهذه الألفاظ إلهاء خيالات القارئين، كما هو شأن
الصنف الذي قلنا: إنه نصف المحامين.
ولقد كان منه بعد تعميته وإبهامه، وتعريضه وإيهامه، أن زعم أنه عاد إلى
تعزيز رأيه الذي فندناه، ونفيه الذي أثبتنا سواه، فبدأ هذا التعزيز بكلام في تاريخ
الرومانيين والفرنسيين وكلام في حرية المعاملات وسهولة التجارة ورأي له في
استحسان تدريس علم الاقتصاد السياسي في المدارس الثانوية، وجعل كل هذا
تمهيدًا لرد قولنا: إن غير ابن ماجه من المحدثين رووا أحاديث في الوقف خلافًا لنفيه
المطلق، فما هذه الحجج والبراهين عند هذا الصنف من المحامين؟ ! اللهم أفرغ
الصبر الجميل على قلوب القضاة الذين يبتلون بسماع أمثال هذه الحجج والبينات.
ثم جاء بعد هذه التمهيدات العجيبة بالحجة البالغة عنده على نفي كون الوقف
من الدين وهي أن القاضي شريحًا قال: (إن الوقف غير جائز شرعًا) ، وما قال
القاضي شريح ذلك على إطلاقه كما يجيء، ولئن قاله فلا يُلتفت إلى قوله؛ لأنه
رأي له واجتهاد منه ولا رأي ولا اجتهاد مع النص عن الشارع وإجماع أئمة الفقه
الذين يستضيء محامينا بكتبهم فتعظيمه وتبجيله بعد ذلك لشريح لا يغني عنه شيئًا،
وكذلك إيهامه الجاهلين بأنه من الصحابة، إذ قال: إنه قام بعد وفاة النبي عليه
السلام يقول للملأ جهارًا: إن الوقف غير جائز شرعًا. والصواب أنه من التابعين
الذين لا يحتج أحد بآرائهم وما كان لمثله أن يعلِّم الصحابة ما يجوز شرعًا وما لا
يجوز. على أن الصحابي لا يحتج الجمهور برأيه أيضًا.
قال المحامي البارع: إن القاضي شريحًا بنى رأيه في عدم جواز الوقف مطلقًا
على أن الوقف فيه حبس عن فرائض الله المنزلة في كتابه. ونحن نرد هذا بأنه لم
يصح عنه كما سيجيء وبأن الحبس عن الفرائض المنصوصة إنما يتحقق ويكون
ممنوعًا إذا قصد الواقف حرمان بعض الورثة. من حقه في التركة كله أو بعضه لما
في ذلك من الإيذاء. ومن أسباب العداوة والبغض، فإذا انتفى هذا القصد كأن يقف
على شيء من أعمال الخير كما وقف الصحابة عليهم الرضوان فأي شيء في هذا
يقضي بالمنع؟ أما لو كان هذا ممنوعًا لكان كل عمل خيري وكل وصية للمنافع
العامة كالمدارس والملاجئ وترقية العلم من المحظورات التي لا تجوز ولا تحل
لأنها تحبس المال عن الورثة. فهل يقول المحامي البارع بهذا؛ لأن له الآن حظًّا في
زلزال أوقاف المسلمين؟ وأما زعم أن أوقاف الصحابة لم تجز إلا لأن وُرَّاثهم
أجازوها كما نقل عن العيني فهو باطل؛ لأن أحدًا لم ينقل في تلك الأحاديث أنهم
استجازوا ورثتهم أو استشاروهم ولم يوجد في روايات الأحاديث أن النبي عليه
الصلاة والسلام أمرهم بذلك أو اشترطه عليهم فالقائل به مدَّعٍ بلا دليل.
وقد جاء المحامي البارع بشبهة على كون الوقف ليس من الدين حشاها بين
دعوى القاضي شريح ودليله وإننا نذكرها متأخرة رعاية للنسق ونردها على قائلها
بالسند وهي أن الفقهاء بحثوا في مشروعية الوقف وعدمها قال: فدل ذلك على أن
المسألة خلافية بين نحارير العلماء أنفسهم، ونقول: إن العلماء النحارير قد نقلوا
الإجماع على مشروعية الوقف ولزومه، قال النووي في شرح صحيح مسلم: إن
المسلمين أجمعوا على أوقاف المساجد والسقايات. وهو يتضمن أن مطلق الوقف
مجمع عليه. وأطلق القرطبي فقال: رادّ الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه.
لا يخفى أن إثبات الإجماع في غير الأمور العملية متعسر ومتعذر وقد علمنا
بالتواتر أن المسلمين يقفون من عهد النبي وأصحابه إلى هذا اليوم الذي جاءنا فيه
محامٍ نصراني يريد إبطال الوقف في الإسلام أو إباحة التصرف بالأوقاف تمدينًا
للمسلمين بزعمه وقطعًا لطرق الخير والبر في الواقع ونفس الأمر أو تحكيمًا للحكام
فيها، ولا حجة له إلا أن شريحًا من التابعين لم يكن يقول بالوقف؛ لأنه حبس عن
الفرائض وإننا لنوافق القاضي والمحامي في هذه الجزئية ونقول للناس: لا يجوز
لكم أن تقفوا أوقافًا بقصد منع ورثتكم من الفرائض التي فرضها الله لهم؛ بل افعلوا
الخير للخير كما أمر الله ورسوله. ولعل هذا يرضي القاضي في الآخرة ولا
يرضي المحامي في الدنيا.
ثم ذكر المحامي البارع أن: (أقطع برهان للدلالة على أن نظام الوقف يقبل
التغيير والتعديل شرعًا ما رواه العيني في شرح البخاري من أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
لرددتها، فلما قال عمر هذا دل على أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من
الرجوع فيها؛ وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به؛ فكرِه أن يرجع عن ذلك) اهـ نقل
المحامي.
ونقول: إن كلمة عمر في الرجوع عن الوقف منقطعة الإسناد؛ لأن قائلها ابن
شهاب لم يدرك عمر وقد أوردها بعض الحنفية حجة لقول أبي حنيفة: إن قول النبي
لعمر: (احبس أصلها) لا يستلزم التأبيد بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره. قال
الحافظ في الفتح: ولا يخفى ضعف هذا التأويل. ولا يفهم من قوله: (وقفت
وحسبت) إلا التأبيد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على
الرواية التي فيها: (حبيس ما دامت السموات والأرض) ثم ذكر نقل القرطبي
الإجماع على الوقف. فالصواب أن عمر يريد - إن صح النقل - أنه لو لم يذكر
ذلك للنبي فيجعله النبي شرعًا مقررًا لكان رجع عنه ولكنه صار ممنوعًا من
الرجوع شرعًا، لا أنه كره الرجوع كراهة لما فيه من عدم الوفاء ولضعف تأويل
أبي حنيفة رحمه الله هنا خالفه صاحباه ووافقا الجمهور. فظهر أن قول عمر
حجة على أنه لا يجوز الرجوع في الوقف بعد تأبيده. ثم ذكر ما قاله الحنفية أيضًا
من أن قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: (إن شئت حبست أصلها) لا يستلزم
إخراجها عن ملكه.
ومن الغرائب أن يتشبث أحد بمثل هذا، وليس في هذه الرواية إلا أن الوقف
قربة اختيارية من قرب الدين، وليس مفروضًا على المسلمين، وهذا مما لا خلاف
فيه. وأما كون العبارة تفيد جواز الرجوع عن الوقف، فمما لا وجه له ولا يذهب
إليه إلا المتعلل بالأوهام فإنه فهم تتبرأ منه العربية.
ثم انتقل المحامي البارع من هذا إلى إيهام أبعد منه عن الصواب فاستدل على
زعمه السابق أنه لم يرد في الوقف إلا حديث عمر بعدم ذكر الحديث في الموطأ -
وزعم أنه أصح كتب الحديث - وعدم ذكر غيره في صحيحي البخاري ومسلم.
وهو مخطئ في ذلك ولا يعدو خطأه سببين اثنين: أحدهما: قلة اطِّلاعه واطلاع
شيخه الذي دله على هذه الشبه في العيني وهو الذي اعتذرنا به عنه أول مرة وسماه
شتمًا، وثانيهما: تعمده الكذب مع العلم به وهذا ما لا نرضاه له، فهل يمكن أن يكون
لهذين السببين ثالث؟ الموطأ ليس أصح الكتب بل أصحها جامعا البخاري ومسلم
باتفاق المحدثين ولكن الموطأ ومسند الإمام أحمد أقدم من الصحيحين والأحاديث
الدالة على مشروعية الوقف متفق عليها، وقد ذكرنا في النبذة الأولى التي نشرناها
في الجزء السابع عشر أن حديث وقف عثمان ذكره البخاري تعليقًا وأن حديث وقف
أبي طلحة رواه أحمد والبخاري ومسلم ولكننا قلنا هناك: (الشيخان) فلعله لم يفهم أن
المراد بهما البخاري ومسلم إلا أن يدعي أنه لم يطلع على تلك النبذة، وذكرنا فيها
حديث الترغيب في وقف المنقول عند أحمد والبخاري وقلنا: إن حديث وقف خالد
لأدراعه وأعتاده صحيح، ونقول الآن: إنه في البخاري ومسلم وهو متفق عليه.
وذكرنا أن حديث الترغيب في الوقف على الإطلاق - وهو الصدقة الجارية
بالاتفاق - قد رواه أحمد والبخاري.
وحسبه هذا إن كان منصفًا لا سيما مع قولنا: إن الحديث إذا صح نهض دليلاً
سواء كانت الواقعة - إن كانت واقعة - واحدة أو تعددت. وأذكر أن مالكًا روى
بعض أحاديث الوقف؛ لأنه مذكور في سند بعضها. وأتباعه المالكية مجمعون مع
المسلمين على مشروعية الوقف فعدم ذكر أحاديثه في الموطأ لا ينهض حجة على أن
الإمام مالكًا لا يقول به فإن كثيرًا من أحكام الدين المتفق عليها لا ذكر لها في الموطأ.
ثم انتقل المحامي البارع إلى معارضة الأحاديث المجمع على العمل بها تواترًا
بحديث اعترف هو أنه شاذ وهو حديث شريح: (لا حبس عن فرائض الله) وذكر
له سند إلى شريح وليس فيه أن شريحًا أسنده إلى أحد من الصحابة ولا رفعه. ولو
رفعه بدون ذكر الصحابي لعُدَّ من مراسيله والجمهور لا يحتجون بالحديث المرسل
مطلقًا ومن قال بأنه حجة يشترط في ذلك شروطًا ليس من السهل تحقيقها لا سيما
بعد العلم بأن شريحًا يقول هذا لتأييد رأيه على رأي الجمهور. ولو سلمنا بأن
الحديث مسند مرفوع صحيح سالم من الشذوذ لما كان فيه من حجة لما علمت من أن
المتبادر منه منع القصد إلى حرمان بعض الورثة من الإرث.
على أن الرواية عن شريح فيها مقال وإن نقل المحامي عن العيني أن رجالها
ثقات فقد قال الحافظ الذهبي في الميزان: إن ابن يونس قال في راويها سليمان بن
شعيب بن الليث: إنه يروي مناكير. وإن العقيلي قال فيه: حديثه غير محفوظ، وهو
الواضع لحديث: (أبو بكر وزيري يقوم في الناس مقامي من بعدي وعمر ينطق
بالحق على لساني وأنا من عثمان وعثمان مني وعلي أخي وصاحبي يوم القيامة) ،
وإن كان سليمان بن شعيب في الرواية ليس هو حفيد الليث مع أن المتبادر أنه هو؛
لقولهم: سليمان بن شعيب غير أبيه، فهو بلا شك سليمان بن شعيب السنجري
الذي يروي عن سفيان الثوري وقد قال فيه ابن عدي: ضعيف يسرق الحديث،
فعلم من هذا أن الرواية عن شريح موضوعة أو واهية وأنها لو صحت وسلمت من
العلة والشذوذ لما كان فيها دليل على المراد.
وهذا كل ما نقل عن شريح، قال المحامي البارع: ويؤيد هذا ما رواه
الطحاوي أيضًا من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: (سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعد ما أنزلت سورة النساء نهى عن الحبس) وأخرجه البيهقي أيضًا
فمن هذا يعلم القارئ أن رجال الدين في صدر الإسلام كانوا يتناقشون ويتناظرون في
مشروعية الوقف وأن منهم من رأى أن الوقف غير جائز شرعًا. اهـ
أقول: أما الحديث فضعيف؛ لأن في إسناده عبد الله بن لَهيعة عن أخيه
عيسى وهما ضعيفان، ولا نظر لتوثيق أحمد لعبد الله؛ لأن الجرح مقدم على التعديل
وإنما جرحه الحفاظ مع علمهم بقول أحمد فيه، ولا لتوثيق ابن حبان لعيسى لما ذكر،
ولأنه متساهل يعتد بجرحه ويتثبت بتعديله كما قال الحافظ. ويؤيد ضعفه استمرار
المسلمين كافة على الوقف من ذلك اليوم إلى هذا اليوم، وأما ما فرعه عليه أو على
مجموع ما تقدم من أن رجال الدين في صدر الإسلام كانوا يتناقشون في مشروعية
الوقف فهو باطل ولم يوجد ما يدل عليه إلا أنه ادعاه أولاً ثم ادعاه آخرًا فهو يؤيد
الدعوى بالدعوى.
بقي أننا علمنا من عبارات المحامي البارع أنه اعتمد في تمويهاته على شرح
العيني على البخاري وقد نقل ما نقل عنه مبتورًا ولو تصفح الجزء الذي نقل عنه
أو الفهرس لعلم أن في البخاري كثيرًا من الأحاديث في الوقف. وفي الورقة التي
نقل عنها من شرح العيني أنه لا خلاف بينهم في جواز الوقف وفصل ذلك ثم بيَّن
موضع الخلاف فقال (ص 469، ج 6) : (واختلفوا في جوازه مزيلاً لملك
الرقبة إذا لم يوجد الإضافة إلى ما بعد الموت ولا اتصل به حكم حاكم، فقال أبو
حنيفة: لا يجوز حتى كان للواقف بيع الوقف وهبته وإذا مات يصير ميراثًا لورثته
وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور: يجوز حتى لا يباع ولا يوهب ولا يورث) ثم
قال: (وفيه - أي: الحديث - أن الوقف مشروع خلافًا للقاضي شريح) فعلم أنه لم
يختلف أحد من المسلمين في مشروعية الوقف إلا ما نقل عن القاضي شريح ولعله
كان لعدم علمه بالأحاديث الصحيحة فيه، وجعْل عمر شريحًا قاضيًا وإقرار الخلفاء
بعده إياه على القضاء في الكوفة لا ينافي ذلك فإن الرواية كانت في العراق قليلة
على عهده. وأما زعم المحامي أن شريحًا قام ينادي في الناس بمنع الوقف ويجادل
ويناضل فيه فغير صحيح وما ذكر من الحجج عنه لم يرو منه إلا قوله: (لا حبس
عن فرائض الله) ؛ وهي شبهة وقد علمت ما فيها متنًا وسندًا. وإن العبث بأحكام
السنة ليس سهلاً كالعبث بالقوانين. فلا تتطاول إليها خلابة ذلك الصنف من
المحامين؛ لأن لها أنصارًا يؤيدونها إلى يوم الدين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
_________
الكاتب: سائح بصير
بلرم - صقلية
ملاحظات سائح بصير
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: 46)
قضت المقادير أن أغير خطة سفري عن طريق مرسيليا إلى طريق إيطاليا
وكان لي في ذلك خطان من السير: أحدهما يمر بالروم ثم يصل إلى نابولي ثم
تكون الإقامة في نابولي نحو أربعة أيام ويعدو المركب بنا إلى ماسينا ومنها يذهب
إلى الإسكندرية، والآخر ينتهي عند بلرم (أو باليرم) وتكون الإقامة خمسة أيام
نذهب بعدها إلى ماسينا كذلك، وكان بودي لو ذهبت مع الخط الأول فكنت رأيت
بلدانًا كثيرة وآثارًا عظيمة تزيد في علمي كثيرًا مما لم أعلم إلى اليوم، غير أن بعض
أصحابي قال لي: إن بلرم هي عاصمة صقلية ويوجد فيها من الآثار العربية ما يهم
العربي أن يراه وفيها داران للكتب لا تخلو كل منهما من كتب عربية قديمة ربما
يستغرق الاطِّلاع عليها زمنًا مثل الزمن الذي تقضي الضرورة بصرفه إلى يوم
السفر إلى ماسينا، ففضلت النزول إلى بلرم ولا أذكر الآن شيئًا مما لاقيت من
الحمالين وغيرهم من مستقبلي المسافرين ولكن أعود إليه.
بعد أن أخذت مكانًا في نُزُل سنترال بشارع رومه خرجت لإيصال بعض
رسائل التوصية إلى من أرسلت إليهم فلقيت منهم ما سرني وكان أحدهم موصى بأن
يسهل لي طريق زيارة المكتبة العمومية ودار المحفوظات الرسمية والتمكن من
رؤية ما يكون فيها فوعدني بالمجيء في الغد لمرافقتي إلى المكتبة. ثم بعد ذلك
بدأت بزيارة قصر الملك ولا حاجة بي إلى وصفه فإن ذلك من شأن صاحب جريدة
أو سائح يطلب إظهار البراعة في حسن الوصف وسعة العبارة.
وغاية ما أقول إنه قصر (أو سراي) واسع كبير البيوت باهر الزينة والأثاث
كسائر قصور الملوك في أوربا أو في غيرها من البلاد الشرقية والغربية مما تنفق فيه
الأموال بحساب وبغير حساب ولا شيء منها من كد الملك أو الأمير، وإنما هي من
أموال الرعية وكسب الحفاة العراة الذين لا يجدون ما به يستترون ويشتهون، لو أنفق
على جدران أبدانهم وأركان أجسادهم جزءٌ من المليون مما أنفق على حيطان تلك
القصور وزواياها وسقوفها، ما أنا بذاكرٍ شيئًا من وصف ذلك الغنى في بلد الفقر ولكن
أذكر ما رأيت فيه مما يحب الشرقي أن يطلع عليه إما لعبرة وأما لفكاهة.
ذهب بي حارس القصر أولاً إلى حيث توجد كنيسة الملك ولا حاجة إلى وصفها
كذلك - إلا لو كان الله يحب أن تزين له معابده وتنقش لمجده مساجده كما يحب
ذلك ملوك الأرض - فوجدت في الممر الموصل إليها على الحائط المتصل بالكنيسة
حجرًا قد كتبت عليه هذه العبارة:
(خرج الأمر من الحضرة الملكية المعظمية الرجارية العلية أيد الله أيامها
وأيد أعلامها بعمل هذه الآلة لرصد الساعات بمدينة صقلية المحمية سنة ست
وثمانين وخمسمائة) ثم في أعلى الحجر سطور بالحرف اليوناني يظهر أنها ترجمة
هذه العبارة والحضرة الرجارية هي حضرة الملك رجار أو (روجير) النُّرْمَنديِّ
الذي دخل جزيرة صقلية وفتحها على العرب وكان لسانه الرسمي في حكومته
اللسان العربي واليوناني أما ميله في البناء والزينة فكان إلى الرسم اليوناني.
ولهذا الملك آثار كثيرة في بلرم ويوجد كثير من المحررات العربية والصكوك
مما كتب في أيامه أن العرب كانوا في زمن النرمنديين ممتعين بحرية تامة في شعائر
دينهم وتصرفهم في شؤونهم وإن كان هذا الملك قد هدم مساجد كثيرة لنقل أعمدتها
الجميلة إلى الكنائس التي رأى تجديدها في المدينة ويظهر من العبارة المرقومة على
الحجر أن هذا النرمندي كان عندما دخل البلاد ذهب مذهب أهلها من العرب في
المدينة ولم يحتقر ما وجد من آثار العلم فكان يأمر بصنع الآلات الفنية والفلكية ويساعد
القائمين بعملها.
رأيت في خزينة الجواهر من قصر الملك صُندوقًا عربيًّا في طول نحو ثلثي
ذراع وارتفاع ثلاثة أرباع الذراع صنع من ثمانِ مائة سنة على ما يقول الحارس
وهو مغشى بالنقوش الذهبية من أجمل ما تراه عين الآن وقيمته عند الدولة خمس
مائة ألف فرنك ورأيت في أحد بيوت القصر بابًا من الحديد مطليًّا بطلاء أصفر
جميل من أجمل ما يصنع من الأبواب وهو من صنع أيدي العرب أيام دولتهم.
رأيت بيتًا من بيوت القصر فيه صور نواب الملوك في عهد البربون بعد
النرمنديين ومع كل نائب منهم كردينال كما كان للملوك كردالة يصحبونهم
ويشركونهم في كثير من شؤون الملك لذلك كان النائب عن الملك يصحبه كردينال
يرجع إليه في أمور دينه وفي أعماله السياسية أيام كانت الأحكام المدنية والسياسية
مما يدخل فيه رجال الدين كما نقول عندنا (المفتي أو شيخ الإسلام) في عهد الملوك
الذين لا تسمح لهم أوقاتهم بتعليم العلوم الدينية فيحتاجون إلى من يرجعون إليه من
علماء الدين. غير أن المفتي وشيخ الإسلام إنما يجيب عما يسأل عنه أو يؤدي ما
كُلف به، أما الكردينال فكان يبتدئ المشوار ويقترح المطلب ويقيم نائب الملك على
المذهب ويكف يده عن العمل لا يرضاه ويحمله على بسطها فيما يتوخاه فكانت
السلطة الحقيقية مدنية سياسية دينية في نظام واحد لا فصل فيه بين السلطتين وهذا
الضرب من النظام هو الذي يعمل الباباوات وعمالهم من رجال الكثلكة على إرجاعه؛
لأنه أصل من أصول الديانة المسيحية عندهم، وإن كان ينكر وحدة السلطة الدينية
والمدنية مَن لا يدين بدينهم.
كان مما قيده بعض أصدقائي في جريدة الأمكنة التي يرغب في رؤيتها محل
يسمى بالدوم؛ أي: القبب فذهب إليه وإذا هو الكنيسة الكبرى التي تسمى كاتيدرال،
رئيسها هو مرجع رؤساء بقية الكنائس في المدينة أو الولاية وهي من عظمة البناء
وبهجة الزينة على ما يطول شرحه وأصل هذه الكنيسة الكبرى مسجد باقٍ على ما
هو عليه حتى بابه الخشبي الجميل، غاية ما في الأمر أنه زِيدتْ فيه الصور
والتماثيل. وضروب أخرى من الزينة الكنائسية ويمكن للناظر أن يتفرس ذلك
بمجرد رؤيته من الظاهر؛ لأن رسم البناء على الطريقة العربية في عامة المساجد.
زرت بعد ذلك ديرًا يسمى دير سانت جواني وهو مما كان قد كُتب في جريدة
الأماكن ولم أر فيه شيئًا سوى أن أسفل الدير كان مسجدًا فلما جاء النرمنديون حولوه
إلى كنيسة بناها راجار ونقل إليها هذه الأعمدة من المساجد التي خربها لما أعجبه
من أعمدتها، ثم أخذني السادن بعد ذلك إلى قبة قريبة من الكنيسة وقال لي: إنها على
شكل عربي ولما رأيتها خالية من الزينة المعتادة رؤيتها في أماكن العبادة النصرانية
سألته في ذلك فأخبرني أن الأسبانيين عندما غلبوا على سيسيليا سلبوا ما كان في
هذه الكنيسة من المورابيك (زينة من أجمل ما تزين به الأماكن والأدوات تصنع
من قطع دقيقة من الحجارة على أشكال مختلفة بحيث يصور بها جميع ما يمكن
تصويره من الرسوم والصور) وحملوا ذلك إلى بلادهم، وقال: إنهم لم يقتصروا
على ذلك؛ بل سلبوا الكنائس كل ما كان فيها من المصنوعات الفضية كذلك، فقلت
لصاحب كان معي: يظهر أن كل فاتح يرى من الواجب عليه أن يفسد شيئًا من عمل
من سبقه فكل منهم يقوم بما رآه واجبًا عليه.
عرفت قسيسًا حلبيًّا معلمًا للعربية بمدرسة دير الكبوشيين في بلرم - وسنأتي
على ذكره - فمما أرشدني إليه رؤية بقية من قصر يسمى العزيزة وهو اسمه في
الطليانية، فذهبت معه إليه وإذا هو قاعة كبيرة فيها سلسبيل ماء بنيت على نمط ما
كنا نسميه عندنا (القاعات الحرمية) حيطانها مزينة بالموزاييك من أجمل ما تحب
عين أن تراه ولم يبق من القصر مكان ينظر إليه السائحون إلا تلك القاعة.
أما أعلى القصر فيسكنه أناس من أهل المدينة وقد دخل بتمامه في ملك بعض
الأغنياء. والقصر من بناء الملك راجار النرمندي بناه لابنته عزيزة. وعلى مقربة
من هذا القصر قبة يقول القسيس: إنها مسجد عربي فأخذنا نحوها فإذا هي في بستان
كبير قد أغلق بابه وقيل لنا: إن خادم البستان فيه، وذهب ذاهب ليناديه، وطال بنا
الوقوف، واجتمعت علينا من الصغار والنساء صفوف أو زحوف، جلبتهم علينا
تلك العمامة وصاحبتها الجبة، وكلما طردنا فوجًا أقبل فوج، أو نجونا من موج علا
علينا موج، إلى أن جاء رجل قيل: إنه حارس البستان، وبعد قيل وقال في فتح
الباب، واحتياجه إلى إذن من صاحب البستان، رضي بالفتح، طمعًا في النفح،
فدخلنا ورأينا صعوبة جديدة في فتح القبة فذللناها. القبة من قباب المشائخ التي
يقيمها المسلمون على قبور الأولياء أو الأمراء على خلاف ما يأمر به الدين وأظن
أنها على قبر من هذه القبور وليس فيها من أثر عربي سوى شكلها هذا.
كنيسة موريالي وتساهل العرب وأين هم اليوم؟ !
مما رأيته في بلرم (صقلية) كنيسة موريالي وجميع سقفها والأغلب من
جدرانها مغشى بالموزاييك ألوانًا وأشكالاً من أبهى ما يبهج الناظر، وأجمل ما يسرح
فيه الخاطر، وفي ناحية منها قبة تعرف بمعبد الصليب فيها من التماثيل وضروب
الزينة ما يقصر عنه الوصف. وأهم ما يذكر في شأنها أنها مبنية في القرن السادس
من التاريخ المسيحي فيكون لها نحو ألف وثلاث مائة سنة والمصنوعات الخشبية
الجميلة محفوظة من ذلك العهد لم يجرؤ السوس على قرض شيء منها ببركة العناية
والاهتمام بالتنظيف وأما ما يقول به بعض الحذاق في معرفة طبائع هذه الهوام
الدقيقة من أنها تعرف الصلب وما خصص له من الأدوات وتشعر باحترام تلك
الصور والتماثيل التي صورت في تلك الأخشاب وأنها بذلك صارت مسيحية
كاثوليكية فلا يباح لها قرض الخشب المسيحي، ثم إن اعتقادها بحرمة القرض،
حملها على العمل فخالفت شهوة الأكل قيامًا بالفرض - فلا أظنه في غاية الصحة،
بل ولا في أولها كذلك. ويقال: إن الكنيسة من بناء الملك كيليولمو الثاني وقبره فيها
صندوق من حجر فيه جثته.
ومن ذلك تعرف أن العرب رحمهم الله لم يمسُّوا هذه الكنيسة بسوء مع عظمة
سطوتهم وامتداد ملكهم في سيسيليا، وتلمح من هذا أن العرب - وإن فسق كثير منهم
عن أمر ربهم - فروح الدين الإسلامي كانت تنوس في كثير من أعمالهم، نهى
الدين عن هدم الكنائس إذا لم تكن مربضًا لشر يخشى خطره على الدولة فحفظوا
لرعاياهم كنائسهم ومعابدهم ولم يصنعوا بها ما صنع غيرهم ممن جاء بعدهم، ولم
يريدوا أن يقتفوا أثر خصومهم ممن كان يهدم مساجدهم، ويخرب معابدهم، فحيا الله
أيامهم.
لا جرم أن الإسلام عربي وأحق الناس برعايته والوقوف عند حدوده بعد
فهم حقيقته هم العرب فأين هم؟ يمكن أن يقول قائل: إنهم في جزيرة العرب أو في
الشام أو في العراق أو في مصر أو في تونس والجزائر أو في المغرب الأقصى،
أفلم يكفك كل هذا العدد في أكثر من ألف بلد، حتى تقول: أين هم؟ ولكني أقول له:
إنما يكون القوم أولئك القوم إذا بقيت لهم أخلاقهم، وحياة أرواحهم، فإن كان لم يبق
إلا أشباح تشبه أشباحهم فليسوا بهم، فلي الحق أن أقول عن العرب: فأين هم؟
دير الكبوشيين ومدرستهم ومقبرتهم في بلرم
وفيه بحث الدعوة إلى الدين وإحياء اللغة
للكبوشيين دير في بلرم فيه معبد ومدرسة ومقبرتان. أما المعبد فهو المعبد لا
يحتاج إلى الكلام عليه ولا يختلف عن غيره من المعابد، وأما المدرسة فهي لتعلم
اللغات والفنون والعلوم التي يحتاج إليها المرسلون الذين يكلفون بالدعوة إلى الدين
المسيحي والتبشير بالإنجيل ونشر ما تقتضي الغيرة الدينية نشره في الأقطار النائية
كبلاد العرب والترك والفرس وغيرها. ومما يعلم فيها اللغة العربية، وأستاذها
الراهب جبرائيل ماريا الكبوشي وهو من حلب وتعلم العربية في بيروت وأخبرني
أن من أساتذته صديقنا الشيخ سعيد الشرتوني صاحب (أقرب الموارد) في اللغة.
لاقيت ذلك الراهب وحادثته في شأنه والزمن الذي قضاه في إيطاليا والداعي
إلى الإقامة فيها فتبين لي أنه جاء إليها ليخدم دينه هذه الخدمة - تعليم اللغة العربية
لنشر الدين في بلاد العرب مثلاً. وكان يتحرى في كلامه قواعد اللغة العربية بقدر
الإمكان فحمدت منه ذلك. كأنه اعتقد أنه إنما تعلم العربية لينتفع بها في منطقه وإن
كان في بلاد إيطاليا وعمل بما اعتقد، وما كان أسهل عليه أن يكلمني بالحلبية كما
يكلمني البيروتي بالبيروتية والتونسي بالتونسية ولا يبالي أكنت أفهم أم لا أفهم كما
لا يبالي الكثير ممن ذكرناهم.
وفي هذه المدرسة تعلم العلوم اللاهوتية كذلك للغاية التي ذكرناها ولا حاجة
إلى ذكر ما فيها من العلوم فإن ما تحتاج إليه للبراعة في نشر الدين والدعوة إليه
معروف عند من يعرف ما هو الدين ويتصور معنى الدعوة إليه. أما من لا يعرف
ذلك فلا نكتب له حرفًا واحدًا من هذا الكلام، فإن قال قائل: فلمن تكتب ما تكتب؟
قلت: إن فقد الفاهم فإنني أحفظه لنفسي والسلام.
هل خطر ببالنا - وكل منا يدعي الغيرة على دينه ويرى أنه الحق الذي يجب
على الناس كافة أن يخلصوا أرواحهم باعتقاده والأخذ بأصوله - أن ننشئ فرعًا من
فروع التعليم لنشر الدين وتقويم أصوله بين أهله فضلاً عن نشره بين من ليسوا من
أهله؟ أريد من أهله أولئك الذين لبِسوا رداءه واعترفوا أن الدين دينهم سواء عرفوه
حق معرفته وهم في غنى عن الدعوة إليه، أو جهلوه أو انحرفوا عن طريقه وهم
أحوج الناس إلى الإرشاد وأشدهم افتقارًا إلى من يحول إليه نظرهم، ويعطف
عليه اختيارهم؟
هل مر ببالنا أن نهيئ لهذا الفرع من التعليم ما يلزم له من فنون وأساتذة لتلك
الفنون كما يهيئ هؤلاء ما يهيئون لتعليم من يقوم بدعوة من ليس من دينهم إلى
دينهم؟ ما كان أحوجنا إلى إنشاء ضرب من التعليم خاص بمن يكلف بإرشاد من
يسيء إلى الدين باسم الدين ومن يهدم شرف الدين بعمل ينسبه إلى الدين؟
ألا يحق لنا أن نطلب من أولئك الذين صعدت بهم ألقاب الرئاسة الدينية إلى
أسمى المنازل أن يفكروا في هذا الأمر، ويقوموا بما يجب عليهم منه، إن لم يكن
لمصلحة الدين فلمصلحة أنفسهم، فإن في تقوية جانب الدين تقوية لمساندهم، وفي
تبصير العامة بشؤون الدين تمكينًا لحرمتهم في نفوس الدهماء وتسجيلاً لسيادتهم
عليها؟ أليس لنا على ضعفنا أن نذكرهم بالأمر الإلهي القارع للقلوب المزعج للهمم
في قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المُنكَرِ 0000} (آل عمران: 104) إلخ فهل يليق بهم أن يصموا آذانهم عن
هذا الخطاب ولا يخشوا أن يكون التصامّ عنه بمنزلة الخروج من مدلول كاف
الخطاب ومشعرًا بأنهم ليسوا من أولئك الذين خوطبوا به؟ لنا بل علينا أن نطالبهم
بذلك وأن نزيد عليه مطالبتهم بالنظر في إنشاء فرع لتعليم ما يلزم لنشر الدين بين
بقية الأمم إن كانوا يعتقدون أن دينهم هو الحق فإن السكوت عن الدعوة إلى الحق
رضاء بالباطل. أولئك الملوك والأمراء الذين لا فضل لشيء عليهم في تمتعهم
بملكهم وإخضاع رعاياهم لسلطانهم مثل فضل الدين لِمَ لا يقتطعون شيئًا من مالهم
وقطعًا من زمانهم ينفقونها في الاشتغال بإحياء روح الدين، ولا يكتفون بغش العامة
بالمحافظة على رسوم كلها أو جلها لا يعرفه الدين؟ أفلا يجب عليهم أن يسعوا في
زيادة تمكين قوتهم، وتعزيز سلطتهم؟ اللهم إلا إذا ظن هؤلاء وأولئك أن الدين
حيوان يمشي على رجلين يطلب رزقه من القلوب حيث يجد الحاجة إليه، ويغدو
إلى مرعاه من النفوس متى اشتد الجوع عليه، فإذا قصر في ذلك حتى أهلكه الجوع
ومات فإنما إثمه على نفسه لا عليهم.
ربما يقول قائل: ولِمَ تستبعد هذا الظن منهم فتعبر في جانبه بكلمة (اللهم)
وهم قد يزعمون أنهم من أهل السنة وربما طلبوا الدخول في أثواب حماة السُّنَّة بهذا
الظن الذي تستبعده وما عليهم في ذلك إلا أن يقولوا: نحن سُنِّيون لا نقول باستحالة
شيء وفخرنا أن نجوز المحال ونذهب إلى جواز تجسم المعاني ونعتقد أن الأعمال
والعقائد وهي معان نفيسة وحركات بدنية - يمكن أن تنقلب أشخاصًا حيوانات تمشي
وأناسي تتكلم، أليست هذه العقيدة هي مطيتنا إلى الجنة؟ فليكن الدين رجلاً عاقلاً؟
أو ميكروبًا متنقلاً مفيدًا لا قاتلاً، يفعل لنفسه ما كان فاعلاً، ويدعنا نتمتع بالنسبة
إليه، وإن لم يكن لنا عطف عليه، فنجيب القائل بأنهم مغرورون، وإن السنة
بريئة مما يزعمون، وسيعلمون أي منقلب ينقلبون.
خرج بنا الكلام عما نحن بصدده. هذا الراهب أستاذ العربية في الدير وضع
طريقة سهلة لتعليم قواعد اللغة العربية من الصرف والنحو للإيطاليين - يضع
القاعدة العربية ثم يفسرها باللغة الإيطالية بأسلوب يسهل معه تناولها بقدر الإمكان،
وقد رأيت من تلامذة الراهب من يحسن قراءة العربية وإن كان لا يحسن التكلم بها
لعدم التمرين على السماع والنطق، وما أحوج كل عربي إلى تعلم ما يحتاج إليه من
لغته، لكن ما أشق العمل وما أوعر الطريق وما أكثر العقبات في طريق العربي
الساعي في تحصيل ملكة لسانه! ! يفني عمره وهو لا يزال يضرب برجليه في
أول الطريق، أفلا نشعر بالحاجة إلى تقريب المطلب، وتيسير المذهب في
تحصيل ما تدعو إليه الحاجة من لغتنا حتى نستطيع فهم ما أودع فيها من النفائس؟
والتعبير بها عما نجد في أنفسنا، ونحب أن نسوقه إلى بني لغتنا على وجه صحيح،
وبأسلوب فصيح؟ ألم يأنِ لنا أن نرجع إلى المعروف مما كان عليه سلفنا فنحيا
بما كان قد أحياهم، وترك ما ابتدعه أخلافهم مما أماتهم وأماتنا معهم؟
أما المقبرتان فإحداهما في بناء متسع الأرجاء تحت الأرض ينزل إليه بسلم
وفيه نوافذ يأتي إليه منها الضياء وقد وضعت فيه الجثث على ضروب شتى، فمن
الجثث ما هو في صناديق مقفلة من الخشب أو الحجر أو البرنز، ومن ذلك جثة
موسيو كرسبي رئيس الوزارة الإيطالية السابق فإنه في ذلك المحل في صندوق
مغلق، ومنها ما وضع في صناديق من البلور بحيث تظهر الجثة للرائي من داخل
الصندوق على الهيئة التي كانت عليها عند الموت. وقد يوجد في الصندوق الواحد
عدة أشخاص بادية هياكلهم، ظاهرة وجوههم، على أتم ما يحزن له قلب، وتعبر
به نفس، وهذان القسمان من الأموات إنما ينالون حظوة الاستيداع في هذا المكان
إذا كانوا من الأغنياء الذين يتمكنون أن يدفعوا إلى الدير ما يطلبه من قيمة هذه
الحظوة.
وهناك قسم آخر وهو جثث محنطة قائمة في جوانب المكان عليها ثيابها في
الحالة التي كانت عليها عند موتها وهي جثث الرهبان والقسيسين الذين يحبون أن
يودعوا في هذا المكان ليسعدوا ببركته، ولهم هيئات تنقبض لها النفس، ويضيق
بها الصدر، ولا حاجة بنا إلى تعداد ذلك ويكفي القارئ أن يتصور ميتًا في أشد ما
تكره النفس مما يصوره الموت في البدن.
وأما المقبرة الأخرى فهي كسائر المقابر على ظهر الأرض وإن كان الأموات
في بطنها وهي من أجمل الأماكن وأنظفها والقبور فيها نظيفة البناء بهجة الظاهر،
وقد غرس في المقبرة أشجار السرو بنظام بديع وقيل لنا: إن الذين يدفنون فيها هم
الأمراء والأغنياء أما الفقراء فلهم مقبرة تليق بفقرهم في مكان آخر. وكأنه قضي
عليهم بأن لا يساووا الأغنياء حتى في الموت مع أن الموت قد سوَّى بين الأغنياء
وبين أدنى طبقة من الأحياء بل جعلهم طُعمة لأقذر الديدان كما جعل ذلك حظ أمثالهم
من سائر الحيوان.
قيل: إن الحكومة بعد أن استولت على رومية منعت الدفن في المقبرة الأولى
على تلك الطريقة وأمرت أن لا يدفن الميت إلا في المقابر المعتادة كهذه المقبرة
الثانية ونحوها وإنما حفظت الحق في الاستيداع في المعابد للبابا وللملك دون سائر
الناس فهما وحدهما توضع جثتهما في صندوق وتودع في الكنيسة وقد أحسنت
الحكومة في ذلك فإن من كان محجبًا بعظمته عن الناس في حياته، يجب أن يكون
عبرة لعامتهم بعد مماته.
(المنار)
ليعتبر المصريون الذين لا يزالون على سُنة أسلافهم الفراعنة في تعظيم
القبور واتخاذها مواسم وأعيادًا بمقابر الأمم الأخرى في زينتها ونظافتها وإنك لتجد
طريق قرافة مصر شر طريق يمشي فيه الناس تكسو سالكيها ثوبًا من التراب فوق
ثيابه وإنه لثوب يكسو باطن الأنف والفم وربما تصل أذياله إلى الصدر فلا هم
أقاموا سنة الإسلام بدرس القبور وإهمالها ولا سنة سائر الملل بنظافتها وزينتها.
(للرحلة بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________