المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٣

[مأمون حموش]

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌8 - سُورَةُ الأَنْفَالِ

وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (75)

أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر](1).

‌موضوع السورة

غزوة بدر وأحكام القتال، وتشريع قسمة الغنائم والأنفال، وأحكام خاصة في السياسة الشرعية والعلاقات الدولية

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

تدخل الوحي لحل الخصام في الأنفال وإعطائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها.

2 -

بيانُ أوجه النفل الذي ينفله الإمام، ووجل قلوب المؤمنين عند الذكر، وحقيقة مفهوم التوكل على الله تعالى.

3 -

اشتباك المسلمين والمشركين ببدر على غير ميعاد لأمر يريده الله تعالى.

4 -

إمداد الله المسلمين بألف من الملائكة مردفين، وإرساله النعاس على المؤمنين ببدر أمانًا من الخوف، وضرب الملائكة كل بنان من المشركين لتعطيل أكفهم عن حمل السيوف.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4645) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (1).

ص: 321

5 -

المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى.

6 -

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض أبدًا"، واستجابة الله دعاء أبي جهل بإنزال الهزيمة به وبقومه، ونصر المؤمنين مع نبيهم.

7 -

الكفار هم شر الدواب عند الله وأضل منها سبيلًا.

8 -

دعوة الله المؤمنين الاستجابة له ولرسوله، وتحذيره إياهم من الفتن المترتبة على مخالفة الأمر وتضييع الأمانة والانشغال بالمال والولد.

9 -

أثر صدق الإيمان والتقوى نور في القلب يميز به المؤمن بين الحق والباطل.

10 -

مؤامرة قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والإذن له بالهجرة.

11 -

ادعاء قريش أنها لو شاءت لأتت مثل هذا القرآن.

12 -

ما أولياء الله، وما أهل مسجده، إلا المتقون.

13 -

الكفار ينفقون أموالهم لحرب محمد والمسلمين، ولكنها ستكون عليهم حسرة.

14 -

الأمر بقتال الكفار حتى لا يفتن المسلمون عن دينهم.

15 -

تشريع قسمة الغنائم، والخمس يتصرف به إمام المسلمين في مصلحتهم.

16 -

المؤمنون والمشركون كل رأوا خصومهم أقلاء في أعينهم.

17 -

فرار الشيطان وجيشه يوم بدر حين رأى الملائكة تساند المسلمين.

18 -

أرواح الكفار لا تخرج إلا بضرب من ملائكة الموت.

19 -

مفهوم الإعداد وحشد الطاقات لقتال الأعداء، ومفهوم الجنوح للسلم وضوابط ذلك.

20 -

على مئة المسلم، أن لا يفروا من لقاء مئتين من الكفار.

21 -

استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر، وموافقة الوحي عمر.

22 -

المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض.

23 -

من آمن ولم يهاجر فليس له في الغنائم من نصيب.

24 -

الرسول صلى الله عليه وسلم بريء من كلِّ مسلم يبقى بين المشركين.

25 -

أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث.

° ° °

ص: 322

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)} .

في هذه الآية: يعالج الله تبارك وتعالى الخلاف والشجار الذي صدر من بعض المؤمنين يوم بدر بشأن بعض المغانم، ويؤكد المرجعية في التحاكم والقَسْم لله والرسول، فيأمر بالتقوى والإصلاح، وترك التخاصم والتظالم، فإن طاعة الله ورسوله أعلى من كل عرض هذه الحياة الدنيا للمؤمنين الصادقين.

قال البخاري: (قال ابن عباس: الأنفال: المغانِم. قال قتادة: "ريحكم": الحرب. يُقال: نافِلة: عَطِية).

ثم قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم: حدثنا سعيد بن سُلَيمان: أخْبرنا هُشَيْم: أخبرنا أبو بِشْرٍ عن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بَدْر)(1).

وفي أسباب نزول هذه الآية أحاديث صحيحة:

الحديث الأول: أخرج الترمذي وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: [لما كان يومُ بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: هذا ليس لي ولا لك، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إنك سألتني وليس لي وإنه قد صار لي وهو لك. قال: فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} الآية](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4645) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (1).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 178)، (1/ 181)، وأخرجه أبو داود في السنن (2740)، والترمذي (3079)، والنسائي في "التفسير"(216)، وغيرهم.

ص: 323

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند رجاله ثقات، عن عبادة بن الصامت قال:[خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرَّة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفاق بين المسلمين](1).

الحديث الثالث: أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأمَّا الشُّبان فتسارعوا إلى الغنائم. فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا ردءًا لكم ولو كان شيء لجئتم إلينا، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ}](2).

وقد ذكر ابن جرير بسنده عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال:(سمعتُ رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الفرس من النَّفْل، والسلب من النفل، ثم عاد لِمَسْأَلَتِهِ، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرِجُه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مثلُ صَبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب).

وله شاهد أخرجه عبد الرَّزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: (كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سُئِلَ عن شيء

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 323)، (5/ 324)، والحاكم (2/ 135)، وابن حبان (4857)، وأخرجه البيهقي (6/ 292)، وانظر سنن ابن ماجه (2852)، وسنن الترمذي (1561).

(2)

حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 131 - 132)، وابن حبان (5093)، وانظر سنن أبي داود (2737)، (2738)، (2739)، والنسائي في "التفسير"(217)، والطبري (15662).

ص: 324

قال: لا آمرك ولا أنهاك، ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نَبيّه صلى الله عليه وسلم إلا زاجرًا آمرًا مُحلًا محرمًا. قال القاسم: فَسُلِّطَ على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان يُنَفَّلُ فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب، حتى سالت الدماء على عقبيه - أو على: رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك).

وقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير ثم قال: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: أنه فَسَّر النَّفل بما يُنَفّله الإمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه بعد قَسْم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم).

ومن أقوال المفسرين في (الأنفال):

1 -

عن عكرمة ومجاهد: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، قال:(الأنفال: الغنائم).

2 -

عن علي بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، قال:(السرايا).

3 -

وعن عطاء قال: (هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، دابّة أو عبدٌ أو متاعٌ، ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء).

4 -

عن ابن عباس قال: (ويقال "الأنفال": ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تُقَسَّم الغنائم، فهي نَفْلٌ لله ولرسوله)، وسئل مرة عن الأنفالِ فقال:(السَّلب والفرس). أو قال: (الفَرَس والدِّرع والرمحُ). وقال: (كان يُنَفّل الرجل سلَبَ الرجل وفرسه).

5 -

وعن مجاهد: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، قال هو الخمس. قال المهاجرون: لِمَ يُرْفَع عنا هذا الخمس، لم يُخْرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول).

والراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير رحمه الله حيث قال: (هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سَهْمه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل أو ببعض أسبابه، ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس، لأن ذلك أمره

ص: 325

إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصلوا إليه بغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر).

والخلاصة: الأنفال هي الزيادات على القَسْم، ويشهد لهذا المعنى أسباب نزول الآية كما سبق.

وقوله: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . قال ابن جريج: (مَلَّكَه الله رسوله، يقسمه كما أراه الله).

وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . قال القرطبي: (أمر بالتقوى والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللَّهُمَّ أصلح ذات البَيْنِ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شَجَر بينهم اختلاف. أو مالَت النفوس إلى التَّشاحّ، كما هو منصوص في الحديث). وعن السدي: ({فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: لا تستبّوا).

قال ابن عباس: (هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم).

وقال ابن كثير: (أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه).

وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

قال ابن زيد: (فسلموا لله ولرسوله، يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا).

قال ابن جرير: ({إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم من عند ربكم).

2 -

4. قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)}.

في هذه الآيات: إن علامة صدق الإيمان في حياة المؤمنين خوف قلوبهم وخشية أفئدتهم إذا ذكر الله تعالى، ثم إذا تليت آياته ازدادت قلوبهم إيمانًا، وهم لا يرجون

ص: 326

في كشف حوائجهم غيره، ولا يدعون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يرغبون إلا إليه. ثم إنهم يقيمون صلاتهم بوضوئها وركوعها وسجودها وبالمحافظة على مواقيتها وينفقون ما وجب عليهم في أموالهم من الصدقات المفروضة والنفقات الواجبة والمستحبة. إنهم بهذه الصفات الكبيرة هم أهل الإيمان والصدق حقًا، لهم الدرجات العلا عند ربهم، وقد تجاوز الله عن ذنوبهم وستر عيوبهم، ووعدهم على صدق الإيمان نعيم الآخرة وسرور الجنة ونعيمها ولذاتها.

فقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية.

قال مجاهد: (فرِقت). وقال السدي: (إذا ذكر الله وَجِل قلبه). وقال: (هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهمّ بمعصية - أحسبه قال: فينزع عنه). وقال قتادة: (فرقًا من الله تبارك وتعالى، ووجلًا من الله، وخوفًا من الله تبارك وتعالى.

قلت: وهذه الصفة علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين، فقد تميز المؤمنون عن المنافقين بالخوف من الله وامتلاء القلوب بالوجل والخشية عند ذكره سبحانه، عكس المنافقين الذين يظهرون خوفًا مصطنعًا ويراؤون ويخشون على دنياهم ومناصبهم وشهواتهم. قال ابن عباس:(المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلّون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم. فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، فأدوا فرائضه، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، يقول تصديقًا، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، يقول: لا يرجون غيره).

وعن الربيع: ({وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، قال: خشية).

وعن قتادة: ({وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، قال: هذا نعت أهل الإيمان، فأثبت نَعْتَهم ووصفهم، فأثبت صفتهم).

وهذه الآية تدل صراحة على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، وهو مذهب جمهور الأمة، وقد حكى الإجماع على ذلك أعلام الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا في (كتاب الإيمان) سماه:"باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس" - وهو قول وفعل، ويزيد وينقص.

وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك:

ص: 327

أولًا: في التنزيل الكريم:

1 -

قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173].

2 -

وقال تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167].

3 -

وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].

4 -

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

5 -

وقال تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31].

6 -

وقال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76].

ثانيًا: في السنة المطهرة:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه](2).

الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [لا تؤمنوا حتى تحابوا](3).

وقد ذكر البخاري في الباب آثارًا طيبة عن الصحابة الكرام في ذلك، منها:

1 -

قال معاذ: (اجلس بنا نؤمن ساعة).

2 -

وقال ابن مسعود: (اليقين: الإيمان كله).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (15) - كتاب الإيمان، باب: حبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان. وأخرجه مسلم في صحيحه (1/ 49)، وانظر مختصر صحيح مسلم (23) - كتاب الإيمان.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (13)، وانظر مختصر صحيح البخاري (13) - كتاب الإيمان، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(3)

حديث صحيح. وهو جزء من حديث أطول. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (42).

ص: 328

3 -

وقال ابن عمر: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر).

4 -

وقال عمار: (ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار).

وجاء في شرح العقيدة الطحاوية - لابن أبي العز الحنفي - في الأثر عن عمر أنه كان يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيمانًا).

قلت: وقد وصف الحديث النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجاء في حديث الشفاعة خروج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان من النار، وغير ذلك مما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، فكيف يقال بعدها إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟ ! .

وقوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . أي: لا يرجون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يلجؤون ولا يرغبون ولا يقصدون ولا يطلبون حوائجهم إلا منه سبحانه.

وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .

قال ابن عباس: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} ، يقول: الصلوات الخمس، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، يقول: زكاة أموالهم).

وقال قتادة: (إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها).

وقال مقاتل بن حيان: (إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هذا إقامتها).

وعن قتادة: ({وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} - قال: فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواريُّ وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها).

قال ابن كثير: (والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب).

وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} .

قال ابن عباس: (يقول: برئوا من الكفر).

وقال قتادة: (استحقُّوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم).

ص: 329

وقوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .

قال مجاهد: ({لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، قال: أعمال رفيعة).

وعن قتادة: ({وَمَغْفِرَةٌ}، قال: لذنوبهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، قال: الجنة).

وعن الضحاك: ({لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفلُ أنه فُضِّل عليه أحد).

قلت: ولا شك أن الدرجات هي منازل ومقامات ومراتب يتفاوت بها المؤمنون في الجنة، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه: 75].

وكقوله جل ذكره: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163].

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج ابن ماجه وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرجل لتُرْفَعُ درجتُهُ في الجنة، فَيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إنّ أهل الجنة ليتراءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كما تتراءَوْنَ الكوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ، لِتَفاضُل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازِلُ الأنبياء، لا يَبْلُغُها غيرُهم، قال: بلى، والذي نفسي بيده! رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المُرْسلين](2).

الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الرجل ليكون له عند الله المنزلةُ،

(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (3660)، وأحمد (2/ 509)، والبغوي في "شرح السنة"(2/ 84/ 2)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(12/ 44/ 1)، وانظر السلسلة الصحيحة (1598).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (3256)، ومسلم (2831) - واللفظ له - كتاب الجنة ونعيمها، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (7393) من حديث أبي سعيد الخدري.

ص: 330

فما يَبْلُغُها بعملٍ، فما يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها] (1).

وفي قوله: {وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ، قال ابن جرير:(وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ}، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، قيل: الجنة. وهو عندي: ما أعدّ الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش).

5 -

8. قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)}.

في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيّه صلى الله عليه وسلم: كما أخرجك ربك من بيتك في المدينة ليوم عظيم من أيام الله ليفصل به سبحانه بين الحق والباطل، كذلك يجادلونك في الحق وهو القتال الذي أراده الله بين فئة الإيمان وفئة الشيطان، وبعض المؤمنين كارهون للقاء، وما زالت في قلوبهم بقية أثر بالاستيلاء على العير والغنائم. إنهم يجادلون في ذلك كراهة للقاء القوم وكأنما يساقون إلى الموت كراهية لا طواعية وهم ينظرون.

وإذ يعدكم - يا محمد - الله تعالى إحدى الطائفتين: العير أو ذات الشوكة والقتال، وتودون طائفة العير بأموالها ومتاعها دون تعب وعناء، والله تعالى يحب لكم أن تلقوا عدوكم وتكسروا شوكته بصدق جهادكم ومجالدتكم وصبركم عند الالتحام ليعلي كلمة الحق بصدق أهلها ويخزي فئة الكافرين. ليحق الحق والوحي ومنهاج النبوة ويبطل الباطل والكبر في الأرض والعلو بغير الحق ولو كره المجرمون.

فقوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} . قال مجاهد: (كذلك يجادلونك في الحق، القتال).

وقوله: {مِنْ بَيْتِكَ} . يعني: من المدينة.

وقوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} . قال القرطبي: (أي لكارهون ترك مكة

(1) حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (4/ 1447)، وابن حبان (693)، والحاكم (1/ 344).

ص: 331

وترك أموالهم وديارهم). وقال السدي: (لطلب المشركين).

وأما قوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} . قيل: قول بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له).

قال ابن جرير: (كما أخرجك ربك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعدما تبيّن - وهو لقاء العدو -).

ثم قال سبحانه: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} . قال ابن إسحاق: (أي كراهة للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم).

ثم قال جل ذكره: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . قال قتادة: (الطائفتان، إحداهما: أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفر من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يلقوا العير، وأراد الله ما أراد).

وقال ابن إسحاق: (قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}: أي الغنيمة دون الحرب).

ثم قال عز وجل: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} .

قال ابن جرير: (ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه {بِكَلِمَاتِهِ} بأمره إياكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال، {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله).

وقال ابن إسحاق: (أي الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر).

فالله سبحانه أيها المؤمنون يحب المعالي والقوة والشوكة، وذلك هو الجهاد في سبيله لقهر عدوه ونصر دينه وكلمته، وأن تلتقي السيوف بالسيوف، سيوف الحق التي تقهر سيوف الباطل، وأنت تحبون ما هو دون ذلك من المال ومتاع الحياة الدنيا.

قال سبحانه: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} . قال قتادة: (هم المشركون).

9 -

14. قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ

ص: 332

إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)}.

في هذه الآيات: يعرج سبحانه على ما جرى في أرض المعركة، إذا اصطف الفريقان وأيقنا أن القتال واقع لا محالة، وقد تغيّرت معالم الأمر الذي كان الصحابة رضي الله عنهم يرغبونه وقد خرجوا من أجله، وانصرف التفكير إلى القتل والنصر أو الشهادة، وهنا استقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه يستغيث ربه ويسأله نصر عصابة المؤمنين، وأن ينزل مدده وينجز وعده بكسر شوكة الكافرين، فاستجاب الله تعالى دعاءه ووعد بالإمداد بألف من الملائكة متتابعين. وأراد بذلك سبحانه تبشير نبيّه والمؤمنين، وطمأنة قلوب هؤلاء المجاهدين، فلا نصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. وقد أنزل سبحانه المطر الخفيف أثناء نوم فئة الإيمان، وجعله طمأنينة تنعش صدورهم وتثبت قلوبهم وتغسل عنهم وسواس الشيطان ومحاولات مكره وتثبيطه، وتشد أقدامهم إذا وقفوا للقتال على أرض المعركة وقد اختلط ترابها بالماء فأمسكت. لقد أوحى الله تعالى إلى الملائكة بالنزول السريع إلى أرض الميدان، وبث الرعب في قلوب المشركين، وضرب رقاب الكفرة، وأصابعهم من تحت قبضة السيف. ذلك ليخزيهم ربهم بسبب كفرهم وشقاقهم الله ورسوله والله شديد العقاب. ذلك ليذوقوا وبال أمرهم ويوم الحساب ينتظرهم عذاب النار.

قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: [لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل

ص: 333

الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا. قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله عز وجل:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} ] (1).

قال ابن عباس: (مردفين: متتابعين، قال: وراء كل ملك ملك).

وقال مجاهد: (ما مدّ النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكر الله غيرُ ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى).

أي لو احتجتم أكثر من ذلك لأسعفناكم ولزودناكم بالمدد بعد المدد، فاطمئنوا ولتسْتبشر قلوبكم، ولا سبيل لنصر في هذه الحياة الدنيا إلا من عند الله، إنه وحده العزيز الحكيم، ولذلك قال تعالى بعدها:

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

ثم قال جل ذكره: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} .

لقد قضى المسلمون ليلًا هادئًا - قبل المعركة - بات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسهم، وهذه قيادة عظيمة لا مثيل لها في التاريخ، إذ يقوم القائد ليله في حراسة جنده، وتساقطت أمطار خفيفة أنعشت صدورهم وطمأنت قلوبهم وتماسكت بها الأرض لتشهد في الغد قتال الرجال.

قال ابن إسحاق: ({إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}، أي: أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون).

أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن علي رضي الله عنه يصف كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر - قال: [لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح. . ثم إنه أصابنا من الليل طَشّ من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحَجف (2) نستظل تحتها من المطر،

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1763) - كتاب الجهاد. وانظر كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 583) لتفصيل البحث.

(2)

الحجف: التروس.

ص: 334

وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول: اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد. فلما طلع الفجر نادى: الصلاة، عباد الله. فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرَّض على القتال] (1).

وعن مجاهد: ({مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}، قال: المطر، أنزله عليهم قبل النعاس، {رِجْزَ الشَّيْطَانِ}، قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم).

وقال ابن زيد: ({وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة! ).

وعن السدي: ({وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}، حين تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض).

ثم قال جل ثناؤه: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} . أي: أنصركم، {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}. أي: قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين. قيل: تثبيتهم كان حضورهم الحرب معهم. وقيل: بل معونتهم بقتال أعدائهم.

ففي شرح النووي على صحيح مسلم، قال ابن عباس:[بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم - وهو اسم فرس الملك - فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك مدد من السماء الثالثة](2).

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار، قال: (أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصْعدنا في جبل يشرف بنا على بَدْر، ونحن مُشْركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبْرة - الدائرة -، فننتهب مع من ينتهب، قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنتْ منّا سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل،

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 117) بإسناد صحيح من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وانظر المرجع السابق (1/ 547).

(2)

حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (1763) - كتاب الجهاد. وكتابي: السيرة النبوية (1/ 584).

ص: 335

فسمعت قائلًا يقول: أقدِمْ حَيْزوم، فأما ابنُ عمي فانكشف قِناع قلبه، فمات مكانَه، وأما أنا فَكِدْتُ أهلِك، ثم تماسكت).

وروى الإمام أحمد بسند حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال - في يوم بدر -: [فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله! إنَّ هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجْلَحُ - أي: منحسر الشعر على جانبي رأسه - من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلقَ ما أُراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أَسَرْتُهُ يا رسول الله. فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم](1).

ورواه ابن جرير من حديث ابن عباس قال: (كان الذي أسرَ العباس أبو اليَسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلًا مجموعًا، وكان العباس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجل ما رأيتهُ قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ملك كريم).

وقال ابن إسحاق: (وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: إني لأتبع رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقعَ رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري)(2).

وهذه الآثار يقوي بعضها بعضًا، وهي عادة مما تشتهر بين الناس أكثر من غيرها، وأمر مشاركة الملائكة يوم بدر ثابت في نص القرآن الكريم وكذلك ببعض ما في السنة الصحيحة المتواترة.

فقد أخرج الإمام أحمد والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدّون من شهِدَ بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 194)، وصححه أحمد شاكر، وانظر كتاب "السيرة النبوية الصحيحة" - د. عمري - (2/ 365)، وكتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 585)، (1/ 594) - لمزيد من الروايات.

(2)

حديث حسن. انظر سيرة ابن هشام (1/ 633)، ورواه أحمد في المسند (4/ 450) بإسناد حسن. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (181).

ص: 336

شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيارُ الملائكة"] (1).

وقوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} .

أي: سأرعب قلوب الذين كفروا بي - أيها المؤمنون - منكم، وقد تولت الملائكة المهمة إضافة لضرب الرؤوس وكل بنان.

لقد ثبتت مشاركة الملائكة يوم بدر في فصل رؤوس المشركين وإلقائها، وقطع أعضائهم ورميها، إضافة إلى بث الهلع والذعر في نفوس الطغاة والمتكبرين.

يروي ابن سعد عن عكرمة قال: (كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها).

قال ابن إسحاق: (وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أُسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بَصَرُه: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِّعبَ الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى).

قال الضحاك: ({فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ}: اضربوا الأعناق).

وقال عكرمة: (الرؤوس).

وقال ابن جرير: (إن الله أمر المؤمنين مُعَلِّمَهُم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل).

ومن المفسرين من أرجع الضمير في {وَاضْرِبُوا} إلى المؤمنين، ومنهم من أرجعه إلى الملائكة ليكون بذلك أمرٌ من الله لهم.

قال القرطبي: (والضرب على الرأس أبلغ، لأنه أدنى شيء يؤثر في الدماغ. قال فإذا ضربت البنان - وهي الأصابع وغيرها من الأعضاء - تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء).

وقال الربيع بن أنس: (كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به).

قلت: والآية تدل على إعجاز عملي ظهر في أرض المعركة للعيان، فإن الله سبحانه

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا، رقم (3992)، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (3081).

ص: 337

قد دلَّ على حضور الملائكة وشهودها القتال يوم بدر بهذه الآية المعجزة في آفاقها وبيانها وخبرها، فكان ضرب الرقاب من الخلف لتقطع مع أن المواجهة كانت من الأمام من قبل المؤمنين علامة مشاركة الملائكة في قتل المشركين، أضف إلى ذلك أن الضربَ فوق البنان صعب عادة في أثناء المسايفة، لوجود قبضة السيف التي تحمي اليد والأصابع، فكان ظهور البنان من الكفار مقطعًا في نهاية المعركة هو بحدّ ذاته دليل آخر على حضور الملائكة أكّده الله تعالى للمؤمنين بقوله:{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} .

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ}، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه. ومعنى قوله: {شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. ومعنى قوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما، {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم، وحذف "له" من الكلام، لدلالة الكلام عليها).

وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} .

قال النسفي: (أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة).

وقال القرطبي: (ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين).

والمقصود: هذا العذاب في الدنيا بأيدي الملائكة والمؤمنين من الضرب فوق الأعناق منكم ومن ضرب الأيدي والأعضاء وكل بنان، هو عذاب عاجل، له متابعة في خزي وعذاب ونكال آجل، أعدّه الله للكافرين في نار جهنم وبئس المصير.

15 -

18. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ

ص: 338

اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)}.

في هذه الآيات: توجيه الباري عز وجل الخطاب إلى المؤمنين يحذرهم من الفرار من ساحة القتال، ويخبرهم أن ذلك من أكبر الكبائر، وأنه لا حجة لأحد بذلك إلا أن يكون متحرفًا لقتال ضمن خطة مدبرة للإجهاز على العدو أو ضمن عمليات كرٍّ وفرٍّ، وإلا فإن عذاب الفرار من البأس عند الله شديد.

ثم إنكم لم تقتلوهم أنتم بقوتكم وشجاعتكم ولكن الله قضى قتلهم فأعانكم ورضي منكم الامتثال فأظهر ذلك كرامة منه لكم على أيديكم، وكذلك ما كان من أثر الرمي فإن إصابة الهدف كان بعون الله وتوفيقه وليختبر سبحانه المؤمنين، إنه سميع عليم.

وكل ما حصل لكم من توفيق الله ونصرٍ كان من الله تعالى ليوهن كيد الكافرين.

فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} .

قال القرطبي: (الزحف: الدنوّ قليلًا قليلًا. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفِرّوا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرّم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دُبُر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفارّ، ذامّة له).

ثم قال: (أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعْفُ المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يَفِرّوا أمامهم. فمن فرّ من اثنين فهو فارٌّ من الزحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد).

وقوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} .

أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [نزلت في يوم بدر: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}](1).

قال الضحاك: ("المتحرف"، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدو فيصيبها.

(1) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (2306). وانظر الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي. سورة الأنفال، آية (16).

ص: 339

قال: و"المتحيز"، الفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه. قال: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أن لا يفروا، وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فئتهم).

وقال السدي: (أما "المتحرف"، يقول: إلا مستطردًا يريد العودة، {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}، قال: "المتحيز"، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام).

قال الحافظ ابن كثير: ({وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} ، أي: يفر بين يدي قِرْنِهِ مَكِيدة، ليريه أنه خاف منه فيتبعه، ثم يَكُرّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسُّدِّي.

قال: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} ، أي: فرَّ من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة).

وقوله: {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

أي: فقد رجع بغضب من الله وسخط مقابل فراره وتعريض الأمة لاستقبال الهلاك، ثم معاده عذاب جهنم في الآخرة وبئس المستقر والموضع والمنزل يصير إليه.

وقد حفلت السنة المطهرة بكنوز من جوامع الكلم في آفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات](1).

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن، والبخاري في الأدب المفرد - واللفظ له - بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومَنْ تَرَكَها متعمدًا برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر، فإنها مفتاحُ كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5/ 294) - في الوصايا، وأخرجه مسلم (89) - في الإيمان.

ص: 340

تخرج من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنْفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله عز وجل] (1).

الحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن، عن بلال بن يسار بن زيد - مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت أبي يحدثنيه عن جدي: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فَرَّ من الزحف](2).

الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بشير بن مَعْبد - ابن الخصاصية - قال: [أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه، فاشترط عَلَيَّ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدِّي الزكاة، وان أحُجَّ حجّة الإسلام، وأن أصومَ شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من وَلّى الدُّبُر فقد باء بِغَضَبٍ من الله، فأخاف إن حضرتُ ذلك جَشِعَت نفسي وكَرِهْتُ الموت - والصدقة، فوالله مالي إلا غُنَيْمَةٌ وعَشْرُ ذُودٍ هُنَّ رَسلُ أهلي وحَمُولتهم. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حرّك يده، ثم قال: فلا جهادَ ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذن؟ ! فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعتُه عليهنَّ كُلهنَّ](3).

وقوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .

قال النسفي: (والفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، ولما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم، وقال:"شاهت الوجوه"، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا.

(1) حديث حسن. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(18) - باب يبرُّ والديه ما لم يكن معصية، وانظر "صحيح الأدب المفرد"(14)، وصحيح سنن ابن ماجه (3259) - باب الصبر على البلاء.

(2)

حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (1517) - باب في الاستغفار. انظر صحيح سنن أبي داود (1343). وأخرجه الترمذي في الجامع (3577)، والطبراني (4670)، وأخرجه الحاكم (2/ 118) من حديث ابن مسعود نحوه.

(3)

أخرجه أحمد (5/ 224)، والطبراني في "الكبير"(1233)، و"الأوسط"(1148)، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 42)، وقال:(ورجال أحمد موثوقون).

ص: 341

قيل {وَمَا رَمَيْتَ} يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبًا وإلى الله تعالى خلقًا لا كما تقول الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله: إذ رميت، ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله: ولكن الله رمى، ولكن الله قتلهم).

قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بأسباب نزول هذه الآية في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن لغيره، عن حكيم بن حزام، قال:[لما كان يوم بدر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفًا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال: شاهت الوجوه، فانهزمنا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}](1).

الحديث الثاني: أخرج الطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس: [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ناولني كفًا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}](2).

الحديث الثالث: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنها: [نزلت لما رمى النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف](3).

وقوله: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} .

قال ابن إسحاق: (أي: ليعَرِّفَ المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقّه، وليشكروا بذلك نعمته).

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

قال ابن كثير: (أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغَلَب).

(1) حسن لغيره. انظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (17).

(2)

حديث صحيح. أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وانظر سيرة ابن هشام (2/ 199)، والواحدي في "أسباب النزول"(473)، والطبري (15835)(15836)، والدر المنثور (3/ 317)، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الأنفال، آية (17).

(3)

أخرجه الحاكم (2/ 327/ 3263)، وأخرجه الواحدي (471) عن سعيد بن المسيب عن أبيه.

ص: 342

وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} .

قال ابن جرير: (يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِفُ، {كَيْدِ الْكَافِرِينَ}، يعني: مكرهم، حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا).

وقال النسفي: {ذَلِكُمْ} إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي الأمر ذلكم). واختار شيخ المفسرين أن {ذَلِكُمْ} تشمل قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم.

19 -

25. قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)}.

في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المشركين يوم بدر: إن تطلبوا القضاء أو تستنصروا وترغبوا في الفصل فقد جاءكم ما سألتم، من الذل الذي كتبه الله عليكم بكفركم، وإن تنتهوا عن الكفر والتكذيب فهو خير لكم في دنياكم وأخراكم، وإن تعودوا إلى العناد والكفر نعد عليكم بوقعة مشابهة في الخزي والألم ولن تغني عنكم جموع الدنيا حينئذ، فإن من كان الله في نصره لا تغلبه فئة ولو كثرت.

يا أيها الذين آمنوا التزموا طاعة الله ورسوله واحذروا الفرار والتولي عن نبيّه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من البراهين والحجج وآيات الذكر الكريم.

وإياكم من ترك العمل بالعلم أو فصل القول عن العمل، شأن المنافقين أو

ص: 343

المشركين المستهزئين، فإن شرَّ الخلق والخليقة هو هذا الضرب من بني آدم يعاندون العلم بعد الفهم ويكابرون الحق بعد العقل، وقد علم الله أنه لا خير فيهم فحرمهم من الهداية وأطفأ نور قلوبهم جزاء بما كانوا يكسبون. يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه نفعكم وصلاحكم واعلموا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان، فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه ثم إلى ربكم تحشرون. واحذروا امتحانًا من الله يشمل المسيء وغيره، والعاصي وسواه، إذ إنّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب عليه كل شر، وتذكروا أن الله شديد العقاب.

فقوله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} - فيه أقوال متقاربة:

1 -

قال الضحاك: (إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء).

2 -

قال ابن عباس: (يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد).

3 -

قال الزهري: (استفتح أبو جهل فقال: اللهم - يعني محمدًا ونفسه - أينا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم! قال الله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}).

4 -

قال قتادة: (قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرَةً لمن اعتبر).

فالمعنى: إن تستقضوا الله أو تستنصروه أو تستحكموه - معشر الكفار يوم بدر - أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم.

أخرج الحاكم وابن جرير بسند صحيح عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير قال: [كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لم نعرف، فَأحِنْهُ الغداة، فأنزل الله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}](1).

وقوله: {وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . أي: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب وحرب النبي صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم في دنياكم ومعادكم.

(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 328)، وأحمد في المسند (5/ 431)، والنسائي في "التفسير"(221)، وأخرجه الطبري في "التفسير"(15852)، وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (19).

ص: 344

وقوله: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} . أي: إن تعودوا إلى العناد والكفر نعد لكم بوقعة مشابهة فيها ذُلُّكُم وصغاركم وهزيمتكم.

وقال السدي: {وَإِنْ تَعُودُوا} إلى الاستفتاح {نَعُدْ} إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم والنصر له وتظفيره على أعدائه).

والأول أقوى ولا مانع من المعنى الآخر، وفي التنزيل:{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]، وتحمل معنى مشابهًا.

وقوله: {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ} . قال ابن كثير: (أي: ولو جَمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالبَ له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزبُ النبويُّ، والجنابُ المصطَفويُّ).

وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال القرطبي: (أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت).

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} .

قال ابن إسحاق: (أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه).

أي: هو أمر بطاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وعدم التولي عنه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من حجج القرآن العظيم وبراهين الوحي الكريم.

وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} - على قولين عند المفسرين:

1 -

قال ابن إسحاق: (أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرّون المعصية).

وعن مجاهد: ({وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}، قال: عاصون).

2 -

قال ابن جرير: (يقول: لا تكونوا، أيها المؤمنين، في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: {قد سمعنا}، بآذاننا، {وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه).

ص: 345

قلت: والبيان الإلهي يشمل المنافقين والكافرين ومن مضى على منهاجهم في ترك العمل بالعلم، أو فصل القول عن العمل.

قالى القرطبي: (فدلّت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر).

وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} .

إخبار من الله تعالى أن شر الخلق والخليقة هو هذا النوع من بني آدم، وهذا الصنف من الناس، الذين يعلمون الحق ثم هم يعاندونه بعد الفهم ويكابرون بعد العقل.

قال ابن زيد: (الدواب: الخلق).

وقال مجاهد: ({الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}: الذين لا يتبعون الحق).

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكصُون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم).

وفي التنزيل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، وكذلك قوله:{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

وقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} .

أي: قد علم الله أنه لا خير فيهم فلم يدع المواعظ تؤثر في قلوبهم، لشدة الران عليها من ازدحام المعاصي والآثام.

ثم إن حالهم يشهد بذلك - الذي قضاه الله وكتبه بعلمه - فإنه لو أسمعهم آياته تتلى وحججه البينات تقرع لولوا معرضين كارهين.

قال ابن زيد: ({وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ}، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به)، وقال:(لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون).

أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت

ص: 346

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله عز وجل](1).

وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة، ورجاله رجال الشيخين، عن أبي هريرة:[أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله! أنعمل في أمر نأتَنِفُهُ، أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمر قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ . فقال: يا عمر، كلا لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول الله] وأصله في الصحيحين (2).

وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

أي: يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه مصلحتكم وحياتكم ونفعكم. وفيه أقوال:

1 -

قال السدي: (أما {مَا يُحْيِيكُمْ}، فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم).

2 -

قال مجاهد: (قول الله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}، قال: الحق).

3 -

قال قتادة: (هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة).

4 -

قال ابن إسحاق: ({يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم).

قلت: وكل ما سبق داخل تحت مفهوم قوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

قال البخاري: ({اسْتَجِيبُوا}: أجيبوا. {لِمَا يُحْيِيكُمْ}: لما يُصْلِحُكم).

ثم ذكر البخاري في كتاب التفسير من صحيحه تحت هذه الآية حديث أبي سعيد بن

(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (2/ 107)، وأحمد (2/ 176، 197)، وابن حبان (1812).

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم (165)، والآجري (ص 170). وانظر مختصر صحيح مسلم (1843)، وصحيح مسلم (8/ 48 - 49) و (8/ 46 - 47).

ص: 347

المُعَلَّى رضي الله عنه قال: [كنتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فَدَعاني، فَلَمْ آتِه حتى صَلَّيْتُ، ثم أتيتُه، فقال: ما مَنَعَك أن تَأتيَ؟ أَلَمْ يَقُل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}. ثم قال: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سورةٍ في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرتُ له. قال: هي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، السَّبعُ المثاني].

وفي لفظ: [ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه](1).

وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} - فيه أقوال متكاملة:

1 -

قال سعيد بن جبير: ({يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر). أو قال: (يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان).

2 -

قال ابن عباس: (يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله).

قال النَسفي: ({وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه).

3 -

قال الضحاك: (يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته).

4 -

قال مجاهد: (يحول بين المؤمن وعقله)، وقال:(حتى يتركه لا يعقل).

وقال: (إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل؟ ). وقال: (يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا).

5 -

قال السدي: (يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه).

6 -

قال قتادة: (قوله: {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}، هي كقوله: {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4474) - كتاب التفسير، وكذلك (4647)، عند تفسير سورة الأنفال، آية (24).

ص: 348

قلت: ولا شك أن كل الأقوال السابقة تدخل في مفهوم الآية، وقد جاءت السنة المطهرة بأحاديث في آفاق هذا المعنى:

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:[إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرحمان، كَقَلْبٍ واحد، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ! مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتك](1).

الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: [كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يُقَلِّبها](2).

الحديث الثالث: أخرج النسائي في "الكبرى" وابن ماجه في السنن بسند صحيح عن النَّوَّاس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. قال: والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه](3).

الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مثل القلب مثل الريشة تقلبُها الرياح بفلاة](4).

وفي لفظ غيره: (مثل القلب في تقلبه كالقِدْرِ إذا استجمعت غليانًا).

وقوله: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} .

أي: ومع تقليبه سبحانه قلوبكم فإن مصيركم إليه، ومآلكم الوقوف بين يديه،

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2654) - كتاب القدر. باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.

(2)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع - حديث رقم - (2141)، وأحمد في المسند (3/ 112)، و (3/ 257)، وأبو يعلى (3687).

(3)

حديث صحيح. أخرجه النسائي في "الكبرى"(7738)، وابن ماجه في السنن (199)، وأحمد في المسند (4/ 182)، وغيرهم وإسناده صحيح.

(4)

حديث صحيح. رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي موسى مرفوعًا. انظر تخريج مشكاة المصابيح (103)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (5709).

ص: 349

فيوفيكم أعمالكم، فمن أحسن جازاه بإحسانه، ومن أساء حاسبه على إساءته.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل:[يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه](1).

وقوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} .

قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب).

وقال ابن زيد: (الفتنة: الضلالة).

قلت: ولا شك أن الفتنة: الاختبار والامتحان، ومفهوم الآية: إن ترك دفع المنكر والتهاون في الأمر بالمعروف قد يعقبه الفتن لتشمل المسيء وغيره. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضُهم أسفلَها وَأَوْعَرَها وشَرَّها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذَوهُم، فقالوا: لو خَرَقنا في نصيبنا خرقًا، فاستقينا منه، ولم نُؤْذِ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكُوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا جميعًا](2).

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فيهمْ بِالمَعَاصي، هُمْ أعَزُّ مِنْهُم وأمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب](3).

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي

(1) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل رواه مسلم (8/ 17) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، ورواه أحمد في المسند (5/ 160).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (2686)، والترمذي في الجامع (2173)، وأحمد في المسند (4/ 268)، ورواه ابن حبان في صحيحه (297).

(3)

حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (4009) - باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر -، وأخرجه أحمد (4/ 364)، (4/ 366)، والبيهقي (10/ 91)، وابن حبان (300)، والطبراني (2380).

ص: 350

- صلى الله عليه وسلم قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّهُ فلا يستجيبُ لكم](1).

الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناسِ، أن يقولَ بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا](2).

الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي، عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناسٌ صالحون؟ قال: بلى. قالت: فكيف يَصْنع أولئك؟ . قال: يصيبهم ما أصاب الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان](3).

وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . أي: إذا عاقب، وهو تهديد ووعيد على الاستهانة في حمل هذه الأمانة، أو التغاضي عن المنكر يتفشى وينتشر في الأرض.

26 -

29. قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}.

في هذه الآيات: يُذكِّرُ الله تعالى المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أيام الضعف التي أبدلها

(1) صحيح بشواهده. أخرجه الترمذي (2169)، وأحمد (5/ 391)، وحسنه الترمذي وأقرّه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء"(2/ 308)، وله شواهد كثيرة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (4007) - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (3237).

(3)

جيد. أخرجه أحمد (6/ 294 - 295)، (6/ 304، 418)، وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 268): رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.

ص: 351

الله عزة وشوكة بعد معركة بدر، وأغدق عليهم من أموال المشركين ومغانمهم ومن مختلف الأرزاق والنعم لعلهم يشكرون.

ثم يحذرهم سبحانه الخيانة والغلول والتفريط بالأمانة، ومن ذلك التفريط بفرائض الله ومنهاج النبوة وعقد الإيمان والإسلام.

ثم يحذر سبحانه عباده من فتنة المال والولد التي تدعو إلى اللهو والتفريط في إقامة أمر الله ودينه، وأن ما عند الله خير وأبقى وهو الثواب العظيم.

ثم يبين سبحانه سرًا عظيمًا جعله في قلوب عباده المؤمنين إن صدقوا ربهم التقوى، بأن جعل لهم في قلوبهم ميزانًا يميزون به الحق من الباطل حين تشتبه عليهم الأمور، ووعدهم كذلك على التقوى مغفرة لذنوبهم وأجرًا عظيمًا.

فقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} .

قال عكرمة: (قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ}، قال: يعني بمكة، مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة).

وعن قتادة: (أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره).

فنزلت هذه الآية إثر الفتح المبين ببدر، الذي تَكَرَّمَ الله به بالنصر والتمكين لهم، يذكرهم سبحانه بالضعف الذي حوّله بقدرته إلى عز وشوكة، وكان من أجمل ما شرع في هذه الأثناء صلاة العيد في المصلى، فقد صلى المسلمون أول صلاة عيد في شوال عقب الموقعة مباشرة سنة 2 هـ، فما أروعه من عيد إثر النصر العظيم ببدر الذي تَوَّج الله به فرحهم، وما أجمل خروجهم إلى صلاة العيد في المصلى وهم يرفعون أصواتهم بالتكبير وقد فاضت قلوبهم بالحمد والإيمان، وما أرهب صلاتهم وقد اصطفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوفًا منتظمة وكأنهم في ساحة القتال، فنزلت آية الأنفال السابقة يذكرهم فيها سبحانه بالضعف الذي حَوَّلَهُ بقدرته إلى تمكين وعز وقوة وشوكة.

وقوله: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

قال ابن جرير: (يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالًا طيبًا، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم).

ص: 352

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

قال ابن زيد: (نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون).

وقال السدي: (فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم).

وقال ابن إسحاق: (أي: لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السِّر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم).

وقال ابن عباس: (والأمانة: الأعمال التي أمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: {لَا تَخُونُوا}، يعني: لا تنقصوها).

وفي رواية: ({لَا تَخُونُوا اللَّهَ} بترك فرائضه، {وَالرَّسُولَ} بترك سنته وارتكاب معصيته).

قال القاسمي رحمه الله: (ويدخل في خيانة الله تعطيل فرائضه، ومجاوزة حدوده. وفي خيانة رسوله رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم، أي السرقة منها، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به).

وفي الصحيحين من حديث علي - في قصة حاطب لما بعث الكتاب إلى المشركين يعلمهم بقصْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عام الفتح فاطلع الله رسوله وبعث فاسترجع الكتاب - فقال عمر: [إنه قدْ خانَ الله ورسوله والمؤمنين فدَعْنِيْ فَلأِضْربْ عُنُقَه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر؟ فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم، فَدَمَعَتْ عينا عُمَرَ وقال: الله ورسوله أعلم](1).

وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . أي: تبعة ذلك ووباله، فإن الخيانة إثمها عظيم. وفيه دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه من غيره، وأن الظلم ذنب كبير.

وفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (3983) - كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا، وأخرجه كذلك برقم (3007)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (2494)، ورواه أبو داود (2650)، والترمذي (3302)، وأحمد (1/ 79).

ص: 353

ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (1).

وفيه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء](2).

وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} .

قال الرازي: (ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد، نبّه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب).

قال ابن زيد: ({وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، قال: {فِتْنَةٌ}، الاختبار، اختبارهم. وقرأ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]).

فالمال والولد امتحان من الله تعالى، وهو سبحانه مطلع على عبده هل يقع بسببهما في الخيانة أو اللهو، أو يختار الاستجابة لله والرسول والنجاة من تلك الفتنة.

قال الحاكم: (قد أمر الله بالعلم بذلك، وطريق العلم به التفكر في أحوالهما وزوالهما، وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر، وأنه قد يعصي الله بسببهما).

أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن يَعْلَى العامري، أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فضمهما إليه، وقال:[إن الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ](3).

وفي لفظ عند الحاكم من حديث الأسود بن خلف: [إن الولد مبخلة مجبنة مَجْهلة محزنة].

وفي لفظ عند ابن عدي من حديث أبي سعيد: [الولد ثمرةُ القلب، وإنه مَجْبَنَةٌ، مَبْخَلَةٌ، مَحْزَنَةٌ].

وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم كما يروي أبو داود عن أبي هريرة -: [اللهم إني أعوذ بك

(1) حديث صحيح. رواه مسلم في "صحيحه" برقم - (2578) - كتاب البر والصلة.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (2582) - الباب السابق.

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (3666) - كتاب الأدب -. وقوله: "مبخلة مجبنة" أي مظنة البخل والجبن. لأجله يبخل الإنسان ويجبن. وانظر لما بعده صحيح الجامع (1986)، (7037).

ص: 354

من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة] (1).

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15].

2 -

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9].

3 -

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14].

وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . أي: فآثروا حقه على حقكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم.

قال النسفي: (فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد).

فإن ما عند الله من الثواب والعطاء، والجنات والنعيم خير من المال والولد، فإنه قد يوجد منهم عدو يورد إلى منازل الهلاك والعطب، وثواب الله خير وأبقى، وسبيل ذلك محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق كل متاع في هذه الحياة الفانية.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين](2).

وفي الصحيحين من حديث أنس أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ثلاث من كنَّ فيه وَجَدَ بهن حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يُلْقى في النار أحبَّ إليه من أن يَرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه](3).

(1) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (1547) - باب في الاستعاذة -. وانظر صحيح سنن أبي داود (1368).

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (44) - كتاب الإيمان -، والنسائي (8/ 115)، وأحمد (3/ 177).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (21)، (6041)، ومسلم (43)، وأحمد (3/ 172)، وأخرجه النسائي (8/ 96)، وابن ماجه (4033)، وابن حبان (237) من حديث أنس.

ص: 355

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

قال ابن عباس: ({فُرْقَانًا}: مخرجًا).

وقال مجاهد: (مخرجًا في الدنيا والآخرة).

وفي رواية عن ابن عباس: ({فُرْقَانًا}: نجاة).

وفي لفظ: (نصرًا).

وقال محمد بن إسحاق: ({فُرْقَانًا}: أي: فصلًا بين الحق والباطل).

ذكر ذلك شيخ المفسرين ابن جرير، وعنه الحافظ ابن كثير.

قال ابن كثير: (وهذا التفسير من ابن إسحاق أعمّ مما تقدَّم، وقد يستلزم ذلك كلَّه، فإن من اتقى الله بِفِعْل أوامره، وتَرْكِ زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نَصْرِهِ وَنَجاته ومَخْرجه من أمور الدنيا، وسعادَته يوم القيامة. وتكفير ذنوبه، وهو محوُها. وغَفْرُها: سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28]).

والخلاصة: إن الصدق في عبادة الله وتعظيمه يورث كرامة لا بد أن يراها المؤمن في حياته وربما يراها من حوله، فإن التقوى مفتاح كثير من الخيرات التي يطمح بها المؤمن في حياته وآخرته، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} أي ميزانًا يفرق به المؤمن بين الحق والباطل، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5].

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها:

الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله تعالى قال: مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن

ص: 356

شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (1).

الحديث الثاني: أخرج البزار بسند حسن عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن لله تعالى عبادًا يعرِفون الناس بالتوسم](2).

الحديث الثالث: أخرج البخاري في "التاريخ" بسند حسن عن وابصة مرفوعًا: [استفت نفسك وإن أفتاك المفتون](3).

والمقصود: أن يستفتي العبد المؤمن قلبه بعد سؤاله أهل العلم والذكر واختلاط الفتوى عليه أو اختلافها، فإن الله قد جعل في قلب المؤمن بصيرة ونورًا وفرقانًا، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

30 -

35. قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)}.

في هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى محاولات الكفار سَجْنَ النبي صلى الله عليه وسلم أو إِخْراجه أو قَتْله والله محيط بكيدهم ومكرهم وهو خير الماكرين.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في "صحيحه"(6502) - كتاب الرقاق -، باب التواضع.

(2)

حديث حسن. أخرجه البزار وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع - حديث رقم - (2164).

(3)

إسناده حسن. انظر تخريج المشكاة (2774)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (959).

ص: 357

ثم يخبر الله تعالى عن تنطع كفار قريش عند سماع آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وحججها تُتلى عليهم.

ثم يخبر سبحانه عن قول فرعون هذه الأمة - أبي جهل - يستعجل العذاب، وأنّ الله لا يعذب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم، ثم يثبت تعالى أن هؤلاء الكفار من قريش يستحقون العذاب وقد كفروا بالله وما كانت صلاتهم عند البيت إلا سخرية واستهزاء.

فقوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} .

قال ابن عباس: (ليقيدوك) أو: (ليوثقوك).

وقال عطاء: (ليحبسوك)، أو:(يَسْجنوك).

وقال السُّدي: (الإثبات هو الحبس والوثاق)، وهذا القول أشمل.

وقال قتادة: (ليشدوك وثاقًا، وأرادوا بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة).

وقيل: ليسحروك.

وقول ابن عباس والسدي وقتادة أرجح.

لقد بدأت قريش تشعر أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم يزداد خطرًا عليها يومًا بعد يوم، وأدركت أن الرجل يخطط بدقة ليهاجر بأصحابه إلى حيث يشعر بالقوة والأمن وسهولة الحركة، الأمر الذي زادها غيظًا وحنقًا، فهي لا تستطيع أن تتصور هؤلاء الرجال حوله وقد أصبحوا مصدر قلق على أمنها ومصدر خوف على تجارتها واقتصادها، وقد صارت لهم دولة وشوكة.

ومن هنا فكرت قريش مليًا في خطة محبوكة تُفْسِدُ على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طُموحَاتِهم وأمانيهم وتهدد سبيل هجرتهم، فنشأت فكرة التخلص منه بمحاولة قتله.

وقد أشار القرآن النازل أيام المدينة لما كان يجري في أواخر أيام الحياة بمكة، يَمُنُّ الله بذلك على نبيه صلى الله عليه وسلم أن حماه من سيوف المشركين ومن محاولات أولئك المجرمين.

فقال في آية الأنفال السابقة: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .

أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عباس قال: [إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناةَ الثالثةِ الأخرى، لو قَدْ رأينا محمدًا قمنا إليه قيامَ واحد، فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت

ص: 358

على أبيها فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. قال: يا بُنَيَّة أدني وضوءًا. فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا هذا هو، فخفضوا أبصارهم، وعَقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم ولم يقم منهم رجل. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه. قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافرًا] (1).

لقد أبصر المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يتجهزون ويغادرون مكة، وقد ساقوا معهم نِسَاءهم وأطفالهم وذراريهم وأموالهم، وبقي محمد صلى الله عليه وسلم لا بد مدرك بأصحابه بين اليوم والغد، فأثار ذلك قلاقلهم وحرك أحزانهم ومخاوفهم، وخاصة على طريق تجارتهم إلى الشام، فموقع المدينة حرج بالنسبة للقوافل وطريق التجارة عبر ساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام، فرأت قريش ضرورة عقد اجتماع قمة عاجل للقبائل، فكان من أبرز من حضره:

أبو جهل بن هاشم عن قبيلة بني مخزوم، وجبير بن مطعم والحارث بن عامر عن بني نوفل بن عبد مناف، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب عن بني عبد شمس بن عبد مناف، والنضر بن الحارث عن بني عبد الدار، وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام عن بني أسد بن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج عن بني سهم، وأمية بن خلف عن بني جمح.

يروي ابن جرير عن السدي وكذلك ابن إسحاق من طريق ابن عباس واللفظ له: (أنَّ نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونُصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره).

وفي رواية السدي: (فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه، فاجعلوه

(1) حديث صحيح. رواه أحمد في المسند (1/ 303، 368) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه أحمد شاكر برقم (2762)، وأخرجه الحاكم (1/ 163)، وابن حبان (6502)، والبيهقي في "الدلائل"(6/ 240)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

ص: 359

في بيت نتربص به ريب المنون - والريب هو الموت والمنون هو الدهر -.

قال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالو: صدق الشيخ! . قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل - وكان أولاهم بطاعة إبليس -: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش فنخرج منهم رجلًا، فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدية.

وفي لفظ آخر: (قال: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا، ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا، ثم يضربونه جميعًا ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها).

قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! .

وفي لفظ: لله درّ هذا الفتى، هذا والله الرأي. فقاموا على ذلك.

وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله:{لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} قال: والإثبات هو الحبس والوثاق، وهو قوله:{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} يقول: يهلكهم) (1).

وقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .

فإنه من صفات الله العظيم، صفة المكر والكيد بالكافرين، كما قال تعالى:{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13].

وكقوله جل ذكره: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16].

وكقوله جل ثناؤه: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50].

(1) انظر تفسير الطبري - سورة الأنفال، آية (30)، وسورة الإسراء، آية (76)، وكتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - (1/ 433 - 435)، وما بعدها.

ص: 360

وكقوله سبحانه: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54].

وفي صحيح الترمذي عن أنس عن النبي قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة](1).

وفي صحيح أبي داود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذَكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوء، إن نَسِيَ لم يُذَكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ](2).

وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته](3).

وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .

يخبر تعالى عن كفار قريش إذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وبيانها وسحرها لكل صاحب فطرة أو عقل سديد تنطعوا فقالوا جهلًا منهم وكبرًا وعنادًا للحق - وهم موقنون أنهم كاذبون - لو نشاء لقلنا مثل هذا الذي تلي علينا ويزعمون أن ذلك من أساطير الأولين.

وفي التنزيل مثل ذلك، قوله تعالى:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 5، 6].

أي يغفر لمن تاب وأناب وأقلع عن الكذب والافتراء والإثم.

والأساطير في كلام العرب جمع أسطورة، ويقصد المشركون أن ما جاء به محمد إنما هو مما سطّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم، فهو يقتبس من تلك الكتب ويتعلم منها ويتلوها على الناس، وكَذَبوا فيما قالوا، بل هو وحي الله تعالى أوحاه إليه.

(1) حديث صحيح. رواه الترمذي في الجامع (2/ 64)، والبيهقي في "الأسماء"(ص 154)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1220).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (2932) - كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب في اتخاذ الوزير. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (2544).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4686) - كتاب التفسير -، ورواه مسلم وابن ماجه والترمذي، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (1818).

ص: 361

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذي أوتيتُ وَحيًا أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة](1).

وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية.

القول المشار إليه هو قول كبير جهلة هذه الأمة - أبي جهل لعنه الله - وهو فرعون هذه الأمة الذي أخزاه الله تعالى يوم بدر، وفيه نزلت هذه الآيات.

أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: [(قال أبو جهل: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}](2).

قال البخاري: (قال ابن عُيَيْنةَ: ما سمّى الله مَطَرًا في القرآن إلا عذابًا وتسميه العرب الغَيْثَ، وهو قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28])

قال ابن عباس: ({وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}، يقول: ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخولُ في الإيمان، وهو الاستغفار {يَسْتَغْفِرُونَ} يعني: يصلون، يعني بهذا أهل مكة).

وقال الضحاك: ({وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (152) - كتاب الإيمان - باب وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4648)، (4649) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (32). وانظر صحيح مسلم (2796) من حديث أنس، فالثابت أن القول المذكور لأبي جهل.

ص: 362

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: [أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}](1).

ويؤيد هذا ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني](2).

وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} .

قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذِّبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فَقُتل صناديدهم، وأُسرَت سَراتُهم. وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم مُتلبسون بها من الشرك والفساد. قال قتادة والسُّدي وغيرهما: لم يكن القومُ يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لأوقع بهم البأس الذي لا يُرَدّ، ولكن دُفِعَ عنهم بسبب أولئك، كما قال الله تعالى في يوم الحديبية: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]).

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزى قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ

(1) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخيهما وهما ثقتان، وهو سبب آخر للنزول، ولا مانع من تعدد أسباب النزول للآية سواء بمكة أو بالمدينة أو مرة بمكة ومرة بالمدينة. وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال - آية (33).

(2)

صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (3/ 29)، والحاكم (4/ 261)، والبيهقي في "الأسماء" ص (134)، والبغوي في "شرح السنة"(1/ 146)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (104).

ص: 363

فِيهِمْ}، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .

قال: وكان أولئك البقية من المؤمنين الذين بقوا فيها يستغفرون - يعني بمكة - فلما خرجوا أنزل الله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} ، قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم).

قلت: والذي ذكره ابن جرير من رواية ابن أبزى وذكر نحوه من رواية ابن عباس والضحاك أقرب لفهم الآيات، فإن الله سبحانه أخّر عن قريش العذاب ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فلما هاجر وبقيت فئة مؤمنة مستغفرة أخّر العذاب عن أهل مكة مرة أخرى، وجَرّ الطغاة منهم إلى بدر لينالوا مصرعهم ومصيرهم الفاجع، فلما خرج المؤمنون من مكة وأصر المشركون على إنكار الوحي والنبوة أنزل الله بهم عذابه بالخزي والذل يوم الفتح، بعدما حصدوا من الذل والقتل ما حصدوه قبل ذلك.

وقوله: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} . أي: كيف لا يعذبهم الله تعالى وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام بمكة والطواف به والصلاة عنده، فالمؤمنون أهله الحقيقيون، وأما طغاة مكة فليسوا أهل المسجد الحرام، بل أهله على الحقيقة: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18].

2 -

وقال تعالى: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217].

وقوله: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .

قال محمد بن إسحاق: ({إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} : هم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

وقال مجاهد: (هم المجاهدون مَنْ كانوا، وحيث كانوا).

ص: 364

أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن أولى الناس بي المتقون، مَنْ كانوا وحيثُ كانوا](1).

وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إنّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام](2).

وفي معجم الطبراني بسند صحيح في الشواهد عن ابن عباس مرفوعًا: [أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى](3).

والخلاصة: أولياء هذا البيت هم أهل الصلاة عنده والطواف به، أهل تعظيم حرمات الله وشعائر الدين الحق، وليس أهل الشرك والجاهلية، وأولياء الله تعالى الذين إذا حضروا ذُكر الله تعالى، وأولياء هذا النبي الكريم وأتباعه وأهل سنته ومنهاجه، ليس المبتدعة ولا أهل الخرافة والفلسفة والشبهات.

وقوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} - فيه أقوال متقاربة:

1 -

قال ابن عباس: (كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفّرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم).

قال: (والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية: التصفيق).

2 -

قال ابن عمر: (المكاء: الصَّفير، والتصدية: التصفيق) - ذكره ابن جرير.

3 -

قال مجاهد: (المكاء: إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية: التصفيق، يخلطون بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم صلاتَه).

4 -

قال قتادة: (المُكاء: ضرب الأيدي، والتَّصدية: صياح).

5 -

قال السُّدي: (المُكاء: الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكَّاء).

(1) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (4/ 340)، ومستدرك الحاكم (2/ 328)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (2008).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (5197) - باب فضل من بدأ بالسلام -. انظر صحيح سنن أبي داود (4328).

(3)

حديث صحيح في الشواهد. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(12325)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/ 231)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم (1733).

ص: 365

وذكر القرطبي قول السدي وقتادة ثم قال: (وعلى التفسيرين ففيه ردٌّ على الجهال من الصوفية الذين يَرقصون وَيُصَفِّقُون ويصعقون.

وذلك كله منكر يتنزّه عن مثله العقلاء، ويتشبّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت).

6 -

وعن سعيد بن جبير: ({وَتَصْدِيَةً} قال: صدّهم الناس عن سبيل الله عز وجل.

قلت: وفي لغة العرب المكو: أن يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح.

قال الرازي: (والمُكاءُ مُخَفَّفُ الصفير، وقد مكا صفر). ويقال: مكا يمكو مَكوًا ومكاءً، ومَكَتْ است الدابة مكاء إذا نفخت بالريح.

وأما التصدية فهي التصفيق.

قال بعض أهل اللغة: الصَّدى: الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها.

قال شيخ الإسلام: (ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي. . . وهو سماع المشركين. . قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}. قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: التصفير. . . فكان المشركون يتخذون هذا عبادة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف).

ثم قال عن مستمع الغناء: (وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند مزامير الشيطان فيرقص ليلًا طويلًا. فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدًا أو ينقر الصلاة نقر الديك. . . وهو يبغض سماع القرآن وينفر منه ويتكلفه. . . ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد. . . فهذه أحوال شيطانية وهو من يتناوله قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}) انتهى (1).

وقال ابن القيم في كتابه - "إغاثة اللهفان" -: (ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد

(1) ومن شاء المزيد فليراجع كتاب: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"، وكتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن. ص (48 - 74).

ص: 366

بها من قلّ نصيبه من العقل والعلم والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. . . فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحَسَّنَهُ لها مكرًا وغرورًا، وأوحى إليها الشُبه الباطلة على حسنِه فقبلت وحيه واتخذت من أجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم أرأيت تكسر المخانيث والنسوان، ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس، فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأموال في غير طاعة الله تُنْفَق. . قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. . . مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، حتى إذا تُلي عليه قُرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد عن قلبه على عينيه فَجَرَتْ، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت. . .

فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان، صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد. . . ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله. .) انتهى.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري - كما رجح الحافظ في الفتح - قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ - يعني الزنا - والحرير والخمر والمعازف](1).

وأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو، أن

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5590) - كتاب الأشربة - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وانظر كتابي: منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن ص 57 - 68.

ص: 367

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبا والغبيراء، وزادني صلاة الوتر](1).

والكوبا: هي الطبل كما فسّرها العلماء.

قال سفيان: (قلت لعلي بن بذيمة ما الكوبة؟ قال: الطبل).

والمزر: شراب مسكر أصله من الذرة. والغبيراء: شراب مسكر من القمح والشعير كانوا يشربونه في اليمن وغيرها، وجاءت النصوص بتحريمه.

وقوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . قال الضحاك: (هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي) - واختاره ابن جرير.

وقال مجاهد: (عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة).

36 -

40. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)}.

في هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنَّ الكفار يبذلون الأموال لِلمَكْرِ بدين الله وصد الناس عنه، وأن هذه الأموال ستكون عليهم حسرة وندامة في الدنيا ثم يوم يحشرون، ثم إنهم في النار يُطرحون.

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 165)، (2/ 167). ورواه الطبراني - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (1743).

ص: 368

إنما حقيقة الابتلاء التمحيص وتمييز الخبيث من الطيب، لِيُراكِمَ اللهُ الخبيثَ على بعضه فيكدِّسَهُ في نار جهنم.

قل يا محمد للكفار المكرة بدين الله إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والمكر فإن فرصة التوبة والإنابة إلى الله قائمة، وإلا فقد مضت سنة الله في إهلاك المستكبرين.

قاتلوا - معشر المؤمنين - الكفرة المعاندين لاستئصال فتنتهم من الأرض وليكون الدين كله لله، فإن انتهوا عن الكفر والمعاصي ظاهرًا فإن الله بصير ببواطنهم.

وإن أعرضوا عن الحق وأصروا على إشاعة الفتنة والمنكر فاستعينوا بالله عليهم فإنه - تعالى - ناصركم ومؤيدكم وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} .

لقد احْتجز طغاة مكة العير التي نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببًا لمعركة بدر، لينفقوها على قتال المسلمين بأحد.

يروي ابن إسحاق بسند حسن من حديث عاصم بن عمر بن قتادة أنهم قالوا: (يا معشر قريش، إن محمدًا قد وترَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا)(1).

فلقد كانت قريش تحترق غيظًا كلما ذكرت مأساة بدر، وتشتاط غضبًا عند ذكرها لأبطالها الذين فقدتهم وصرعتهم أسياف المسلمين، فكانت تخطط للثأر والانتقام في حرب شاملة، يحرضها على ذلك عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن ربيعة وغيرهم، وكان من أمرهم أن احتجزوا تلك العير للثأر لقتلاهم في قتال أحد.

فأجابت قريش لذلك فباعوها، وكانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، فأشار القرآن النازل من سورة الأنفال إلى ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} .

(1) انظر سيرة ابن هشام (3/ 1)، والواقدي: المغازي (1/ 200)، وكتابي السيرة النبوية (2/ 655).

ص: 369

قال سعيد بن جبير: (نزلت في أبي سفيان بن حرب. استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة، فقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم).

ومع ذلك فالآية عامة تحكي سلوك الطغاة في كل زمان ومكان، في جمعهم لحرب الحق والإسلام، لتكون تلك الأموال عليهم حسرة وندامة وخزيًا في الدنيا والآخرة، فإن نور الله لا يمكن إطفاؤه، والله غالب على أمره ولو كره الكافرون.

وقوله: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} .

يشمل التمييز في الدنيا والآخرة.

أولًا - في دار الدنيا:

قال ابن عباس: ({لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}، فمَيَّزَ أهل السعادة من أهل الشقاوة).

وفي التنزيل من ذلك المعنى كثير:

1 -

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 166، 167].

2 -

وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].

3 -

وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16].

4 -

وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179].

فيكونُ قوله في آية الأنفال: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} من نحو ذلك. فهو كما قال الحافظ ابن كثير: (ويحتملُ أن يكون هذا التمييزُ في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقونَه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}، أي: من يُطِيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك).

ص: 370

ثانيًا - في الدار الآخرة:

قال السدي: (ثم ذكر المشركين وما يصنع بهم يوم القيامة، فقال: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}، يقول: يميز المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض).

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} [يونس: 28].

2 -

وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14].

3 -

وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43].

4 -

وقال تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59].

وقوله: {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .

قال ابن زيد: ({فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا}: فيجمعه جميعًا بعضهم على بعض).

أي: يُراكم بعضهم فوق بعض في نار جهنم، وأولئك هم الخاسرون صفقة الدنيا والآخرة.

وقوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} .

قال ابن العربي: (هذه لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخلق، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة. فيسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم، ليكون ذلك أقربَ لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا) - حكاه القرطبي.

والمقصود أن الله تبارك وتعالى يعطي الفرصة للعبد ليتوب ويستعتب من إساءته، ومن ذلك تشجيع الكفار على استئناف طاعة الله وتعظيمه وحده لا شريك له، وترك ما كانوا عليه من الكفر والخطايا والمكر بدينه والمؤمنين.

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:

ص: 371

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص - وهو في سِيَاقة الموت يبكي طويلًا وحوَّل وَجْهَهُ إلى الجدار، فجعل ابنُهُ يقول: يا أبتاه! أما بَشَّرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بَشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه - وقال: [إن أفْضَلَ ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كُنْتُ على أطباق ثلاثٍ، لقد رأيتني وما أحدٌ أشدٌ بُغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مِنِّي، ولا أَحَبَّ إِليَّ أن أكونَ قد استمكنتُ منه فَقتَلْتُهُ منه، فَلَوْ مُتُّ على تِلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابْسُطْ يمينك فَلأُبَايِعْكَ فبسط يمينه، قال: فَقَبضْتُ يدي، قال: مالك يا عَمْرو؟ قال: قلت: أرَدْتُ أَن أَشْتَرِطَ، قال: تَشْترِطُ بماذا؟ قلتُ: أن يُغْفَرَ لي، قال: أما عَلِمْتَ يا عَمْرو! أن الإسلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأن الهجرة تَهْدِمُ ما كان قَبْلَها؟ وأن الحجَّ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ؟ وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عَيْني منه، وما كنت أطيقُ أن أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَهُ ما أطَقْتُ، لأني لم أكنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجَوْتُ أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائِحَةٌ ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فَسُنُّوا عَلَيَّ الترابَ سَنًّا، ثم أقيموا حول قبري قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُها حتى أسْتأنِسَ بكم، وأَنْظُرَ ماذا أراجعُ بهِ رُسُلَ ربي](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:[قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحْسَنَ في الإسلام لم يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر](2).

الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: [إن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها](3).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (121) - كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (6921) - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم -، وأخرجه مسلم (120)، وأخرجه ابن ماجه (4242)، وأحمد (1/ 409 - 429)، وابن حبان (396).

(3)

أخرجه الطبراني (18/ 5 - 6) من حديث عمرو بن العاص مطولًا، وقال الهيثمي في "المجمع" (9/ 351):(رواه أحمد والطبراني. . . ورجالهما ثقات). وانظر مسند أحمد (4/ 205) نحوه.

ص: 372

الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد - واللفظ لمسلم - أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: [كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتَلَ تِسْعَةً وتِسعين نَفْسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ علِى راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تِسْعَةً وتسعين نَفْسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فَقَتَلهُ، فكمَّلَ به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نَفْسٍ، فَهل له من تَوْبة؟ فقال: نعم، وَمَنْ يحول بينَهُ وبينَ التوبة؟ . .](1) الحديث.

قال القرطبي - يشير إلى الحديث السابق -: (فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك، فلما علم أنه قد أَيْأَسَهُ قَتله، فِعْلَ الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبة، تخويفًا وتحذيرًا. فإذا جاءه مَن قتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة، تيسيرًا وتأليفًا).

وقوله: {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} .

قال مجاهد: (في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك).

والآية تجمع بين الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم الماضية لما طغت فدكّها الله بالعذاب.

قال النسفي: ({فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى).

والخلاصة في المعنى: أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما سلف من الكفر والمعاصي، فإن عادوا إلى الكفر ثانية وإلى الإجرام والمكر فإن لهم بسالف الأمم التي دمّر الله عبرة وذكرى للذاكرين.

وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة.

وقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .

قال ابن عباس: ({وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، يعني: حتى لا يكون شرك).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3470)، ومسلم (2766) - كتاب التوبة -، باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله. ورواه أحمد (3/ 20)، وابن ماجه (2622)، وابن حبان (611) و (615).

ص: 373

وقال الحسن: (الفتنة: الشرك).

وقال قتادة: ({وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، حتى يقال: "لا إله إلا الله"، عليها قاتل نبي الله صلى الله عليه وسلم، وإليها دَعا).

وقال ابن جريج: ({وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، أي: لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك، ويُخلع ما دونه من الأنداد).

وقال ابن زيد: ({وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، قال: حتى لا يكون كفر، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، لا يكون مع دينكم كفر).

قلت: والآية في وجوب إقامة الدين في الأرض ومحاصرة الشرك والفساد، لِيُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، ويكون منهاجه تعالى هو الأعلى، ومناهج الفساد والضلال هي السفلى.

قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله).

أخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمرَ رضي الله عنهما:[أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه؟ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] إلى آخر الآية، فما يَمْنَعُكَ أنْ لا تُقاتِلَ كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أُعَيَّرُ بهذه الآية ولا أُقاتِلُ، أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بهذه الآية التي يقول الله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93] إلى آخرها، قال: فإن الله يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ، قال ابن عمر: قد فَعَلْنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَنُ في دينه: إمّا يَقْتُلوهُ وإما يوثِقوه، حتى كَثُرَ الإسلام فلم تكن فِتْنَةٌ، فلما رأى أنه لا يوافِقُه فيما يريد قال: فما قَوْلُكَ في عَليٍّ وعثمان؟ . قال ابن عمر: ما قَولي في عليٍّ وعثمان؟ أما عُثْمانُ فكان الله قد عفا عنه فَكَرِهْتُم أن تَعْفُوا عَنْه، وأما عليٌّ فابنُ عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخَتَنُهُ - وأشار بيده - وهذه ابنتُهُ، أو بِنْتُهُ حيث تَرَوْنَ] (1).

وكذلك أخرج البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن سعيد بن جبير قال: [خرجَ علينا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4650) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، آية (39).

ص: 374

أو إلينا ابنُ عمرَ فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يُقاتِلُ المشركين، وكان الدخول عليهم فِتْنَةً، وليس كقِتالِكُمْ على المُلْكِ] (1).

وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

قال القاسمي رحمه الله: ({فَإِنِ انْتَهَوْا} أي عن الكفر والمعاصي ظاهرًا، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي ببواطنهم {بَصِيرٌ} أي فيجازيهم، وعليه حسابهم. فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا ببواطنهم).

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5].

2 -

وقال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11].

3 -

وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193].

ومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى:

الحديث الأول: أخرج البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: [بَعَثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرقَةِ فَصَبَّحْنا القومَ فهَزَمْناهُم ولحِقْتُ أنا ورجُلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فَكَفَّ الأنصاريُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحي حتى قَتَلْتُهُ، فلما قَدِمْنا بَلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذًا، فما زال يكرِّرها حتى تمنَّيْتُ أني لم أكُنْ أسلمتُ قبل ذلك اليوم](2).

الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: [لما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفَرَ من العرب، فقال عمر: فكيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أن أقاتِلَ الناس حتى

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (4651) - كتاب التفسير - الآية السابقة، وانظر كذلك الحديث (3130).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4269) - كتاب المغازي -، وأخرجه أيضًا برقم (6872) - كتاب الديات -.

ص: 375

يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني مالَهُ ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله] (1) الحديث.

الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود أنه قال: [يا رسول الله أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، قال: فقلت: يا رسول الله إنه قد قطعَ يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال](2).

وقوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .

أي: إن أعرضوا عن الحق والإيمان ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ناصركم ومعينكم، فلا يضيع من تولاه، ولا يغلب من نصره، فاستمسكوا بعونه وثقوا بولايته ونصرته، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.

41.

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)} .

في هذه الآية: تَفْصيلٌ من الله تعالى لشرع تقسيم المغانم، وتشريع الخمس، وَبَيَانٌ لمصارف هذا الخمس، وأن إخراجه هو من أمر الصدق في الإيمان بالله واليوم الآخر وما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، يوم الفرقان، يوم فَرَّق الله بين الحق والباطل والله على كل شيء قدير.

لقد أخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر الخمس من الغنيمة، ثم قسم أربعة الأخماس بين المقاتلين، ونزلت الآية:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، تبين كيفية تقسيم الغنائم بعد القتال.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (1399) - كتاب الزكاة -، باب وجوب الزكاة، وكذلك (1457)، (7284)، ورواه مسلم.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 66 - 69) - كتاب الإيمان -. انظر مختصر صحيح مسلم (6).

ص: 376

قال ابن جريج: (أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله وللرسول، خمسه يضعه حيث يرى، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، ولابن السبيل خمسه).

وقال مجاهد: (كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس).

والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيءُ: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يَتَوَفّون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، وهو الراجح في الفرق بين الغنيمة والفيء، وهو مذهب الشافعي وطائفة من أهل العلم سلفًا وخلفًا.

أخرج البيهقي في "السنن" بسند صحيح عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بَلْقَيْنِ قال:[أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القُرَى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش. قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جَنْبِكَ، ليس أنت أحق به، من أخيك المسلم](1).

قال عطاء: (خمسُ اللهِ والرسول واحدٌ، يَحْمِلُ منه ويَصْنَعُ فيه ما شاء. يعني النبي صلى الله عليه وسلم).

قال ابن كثير: (وهذا أعمُّ وأشمل، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتصرَّف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويَرُدُّهُ في أمته كيف شاء).

أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن عبسة: [أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلّى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سَلَّم أخذ وَبرة من هذا البعير ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمسَ، والخمسُ مردود فيكم](2).

وأما السلب فلا يخمس، وإنما يعطى للقاتل، هكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) حديث صحيح. أخرجه الحافظ البيهقي في "السنن"(6/ 324 - 336)، وأبو يعلى (7179). وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 48 - 49): رواه أبو يعلى، وإسناده صحيح.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (2755) من حديث عمرو بن عبسة مرفوعًا، وإسناده صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (2393).

ص: 377

ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود - واللفظ له - عن عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد:[أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب](1).

واختلف في الذي كان يناله صلى الله عليه وسلم من الخُمس لمن يعطى من بعده؟

القول الأول: يكون لمن يلي الأمر من بعده. وهو قول أبي بكر، وعلي، وقتادة، وجماعة.

القول الثاني: يصرف في مصالح المسلمين. ذكره بعض السلف.

القول الثالث: يردّ على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، واختاره ابن جرير.

قلت: والراجح أنه يبقى تحت تصرف الخليفة من بعده أو الحاكم المسلم، والله تعالى أعلم.

وأما اليتامى: فهم يتامى المسلمين. والمساكين: هم المحاويج لا يجدون ما يكفيهم. وابن السبيل: هو المسافر انقطع بأرض السفر فليس له هناك ما ينفقه في سفره.

وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} . قال مقاتل: (أي في القسمة).

أي: أخرجوا الخمس كما شرع الله لكم في الغنائم، إن كنتم صادقين في إيمانكم بالله واليوم الآخر وما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا مِنْ هذا الحيِّ من ربيعة، ولسْنا نَصِلُ إليك إلا في الشهر الحرام، فمُرْنا بشيء نأخذُه عنك وندعو إليه مَنْ وَراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله - ثم فَسَّرَهَا لهم - شهادةُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تُؤدوا إليَّ خُمُسَ ما غنِمْتُم، وأنهى عن الدُّبَّاء والحَنْتم والمقَيَّر والنَّقير](2).

(1) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم (1753) - كتاب الجهاد -، وصحيح سنن أبي داود - حديث رقم (2363) - باب في السلب لا يخمس.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (523) - كتاب مواقيت الصلاة -، وكذلك (1398)، و (3095)، وأخرجه مسلم (17)، وأبو داود (3692)، والترمذي (2611)، وأحمد (1/ 228)، والنسائي (8/ 120)، وابن حبان (157)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 378

فجعل سبحانه أداء الخمس من الإيمان، كما جاء كذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس، وقد صنفه البخاري في الصحيح:"باب أداء الخمس من الإيمان".

وقوله: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

قال ابن عباس: ({يَوْمَ الْفُرْقَانِ} يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل).

وقال عروة بن الزبير: ({يَوْمَ الْفُرْقَانِ}: يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رأسُ المشركين عتبةَ بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرةَ - أو: سبع عشرة - مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسع مئة. فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك).

وعن علي رضي الله عنه قال: (كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلةُ الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان) - رواه ابن مردويه ورجحه ابن كثير وقال: (وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير).

قلت: والذي ذهب إليه ابن كثير هو الصواب إن شاء الله، فلقد كانت موقعة بدر في السابع عشر من رمضان ووافقت يوم الجمعة، وكانت في السنة الثانية من الهجرة.

فقد أخرج أبو داود مِنْ حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: [التمسوها - يعني ليلة القدر - في سبع عشرة، وتلا هذه الآية: {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} يوم بدر، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين](1).

وفي لفظ: [تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر](2).

ويبدو أن الموقعة كانت في السابع عشر، وانتهاء الغزوة في التاسع عشر، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم بعرصة القوم الذين هزمهم ثلاث ليال، وبذلك جمع بعض أهل العلم بين الأحاديث المختلفة في ظاهرها والله تعالى أعلم.

42 -

44. قوله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى

(1) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود (1384) في الصلاة، وتفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 566).

(2)

المرجع السابق. وانظر صحيح السيرة - إبراهيم العلي - ص (158).

ص: 379

وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)}.

في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين ممتنًا عليهم ببعض روائع القدر الذي قضاه لهم يوم بدر: إنكم نزلتم بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم من المشركين نازل بشفير الوادي الأقصى إلى مكة وعير أبي سفيان في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ما لقيتموهم، ولكن الله قدّر هذا النزول وما يعقبه من لقاء الحسم الذي يعلي به راية الحق ويكسر أهل الكفر والباطل.

ولقد كان للرؤيا التي أراها الله نبيّه قبل المعركة أثرها في تثبيته صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، إنه - تعالى - عليم بذات الصدور.

ثم كان الأثر الأكبر أثناء القتال حين قلّل الله عدد المشركين في أعين المؤمنين ليزدادوا ضراوة وشجاعة، وقلّل عدد المؤمنين في أعين المشركين ليتركوا الأهبة ويستخفوا بالقتال، فيهون على المؤمنين استئصالهم، إنه تعالى هو الحكيم العليم، وإليه مرجع الأمور وجميع العالمين.

فقوله: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} .

قال ابن جرير: ({إِذْ أَنْتُمْ}، حينئذ، {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}، يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}، يقول: وعدوكم من المشركين نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكة، {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}، يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر).

وعن قتادة: ({إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} ، وهما شفير الوادي.

كان نبيّ الله بأعلى الوادي، والمشركون أسفله، {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} ، يعني: أبا سفيان، انحدر بالعير على حوزته، حتى قدم بها مكة).

ص: 380

وقوله: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} .

قال ابن إسحاق: (ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم، {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}، أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، عن غير مَلأٍ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه).

وعن عمير بن إسحاق قال: (أقبل أبو سفيان في الركب من الشأم، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السُّقاة. قال: ونَهَدَ الناس بعضهم لبعض) - ذكره ابن جرير بإسناده -.

وكان أبو سفيان قد بعث ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفر أهل مكة لحماية أموالهم إذ شعر بمحاولة المسلمين الاستيلاء على القافلة، والاعتراض لطريقها.

وبينما هو كذلك إذ لقي مجدي بن عمرو في الطريق.

قال ابن إسحاق في السيرة: (وأقبل أبو سفيان بن حرب، حتى تقدم العير حذرًا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، فقال: ما رأيت أحدًا أُنْكِره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مُنَاخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، فَفَتَّهُ، فإذا فيه النّوى، فقال: هذه والله علائف يَثرب، فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وَجه عيره عن الطريق، فسَاحَلَ بها (1)، وترك بدرًا بيسار، وانطلق حتى أسرع) (2).

فمضى أبو سفيان يشتد بالعير وهو يضرب وجهها عن الطريق شاردًا نحو الساحل، تاركًا بدرًا إلى يساره فنجا، وأرسل إلى قريش يقول:(إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، فننحرَ الجُزُرَ، ونُطعم الطعام، ونُسْقي الخمر، وتَعْزِفُ علينا القيان - أي الجواري -، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضُوا).

(1) أي أخذ بها جهة الساحل.

(2)

انظر "الدلائل" للبيهقي (3/ 31 - 33) من طريق ابن إسحاق، وكتابي: السيرة النبوية (1/ 538).

ص: 381

وهكذا ركب الأحمق أبو جهل حماقته، وأصر على الخروج إلى حيث مصرعه، ليجمع الله بينه وبين المسلمين على غير ميعاد.

ففي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: [فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسودُ لبني الحَجَّاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم، أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه، فقال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي. .] الحديث (1).

وفي رواية ابن إسحاق: (فأصابوا راوية لقريش فيها أسْلَم، غلامُ بني الحجّاج، وعَريضٌ أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا: نحن سُقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجَوْا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما - أي بَالَغُوا في ضربهما - قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سَجْدَتَيْه، ثم سَلَّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كَذباكم تَرَكْتُموهُما، صَدَقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قُريش؟ قال: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدْوة القُصْوى. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عِدَّتُهم؟ قالا: لا نَدْرِي، قال: كم يَنْحَرون كلَّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القومُ فيما بين التسع مئة والألف. ثم قال لهما: فمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عُتْبةُ بن ربيعة، وشَيْبَةُ بن ربيعة، وأبو البخْتَرِيّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونَوْفل بن خُوَيلد، والحارث بن عامر بن نَوْفَل، وطُعَيمةُ بن عدي بن نوفل، والنَّضْر بن الحارث، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونُبيه، ومنبه ابنا الحجّاج، وسُهيل بن عمرو، وعَمْرو بن عبد وُدّ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذَ أكبادها)(2).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1779) - كتاب الجهاد والسير - وانظو كتابي: السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (1/ 542 - 545) - لمزيد من تفصيل البحث.

(2)

رواه ابن إسحاق في السيرة، وانظر مسند أحمد (2/ 193)، وصححه أحمد شاكر برقم (948).

ص: 382

وفي لفظ مسلم من حديث أنس: [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مصرع فلان. قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا، قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم](1).

وقوله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

قال ابن إسحاق: (أي ليكفر من كفر بعد الحُجَّة، لما رأى من الآية والعِبْرة، ويُؤْمِنُ مَنْ آمن على مِثْل ذلك).

قال الحافظ ابن كثير: (يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصُرَكم عليهم، ويرفَع كلمةَ الحق على الباطل، ليصير الأمرُ ظاهرًا، والحجةُ قاطعةً، والبراهينُ ساطعةً، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمرَّ فيه على بصيرة من أمره أنه مُبْطلٌ، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ} ، أي: يؤمن من آمن، {عَنْ بَيِّنَةٍ} ، أي: حجة وبصيرة. والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122].

وقالت عائشة في قصة الإفك: فَهَلَكَ فِيَّ من هَلَكَ أي: قال فيها ما قال من الكذب والبهتان والإفك.

وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ} ، أي: لدعائكم وتضرّعكم واستغاثتكم به، {عَلِيمٌ} ، أي: بكم، فإنكم تَسْتَحِقّون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين).

وقوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} .

قال مجاهد: ({إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا}، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم).

وقال ابن إسحاق: (فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، شجَّعهم بها على عدوهم، وكفَّ بها عنهم ما تُخُوِّف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم).

فأرى الله تعالى نبيّه عدوه وعدو أصحابه في منامه قليلًا، فأخبر أصحابه فقويت

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1779) - كتاب الجهاد والسير - وهو جزء من حديث أطول.

ص: 383

عزائمهم، ولو أراه إياهم كثيرًا فأخبر أصحابه بذلك لَجَبُنوا وفَشِلوا عن لقائهم، ولكن الله شجعهم برحمته وتأييده.

قال ابن عباس: ({وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ}، يقول: سلَّمَ الله لهم أمرهم حتى أَظْهَرَهُم على عدوهم).

وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . أي: بما تجنّه وتخبئه وتنطوي عليه، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وقوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .

قال ابن مسعود: (لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة! قال: فأسرنا رجلًا منهم فقلنا: كم هم؟ قال: ألفًا).

وقال ابن جرير: ({وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}: يقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم).

وقال القرطبي: (كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جَزُور (1)، خذوهم أخذًا واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال:{يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران: 13]. قال: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} تكرار هذا، لأن المعنى في الأوّل من اللقاء، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي: مصيرها ومردّها إليه).

45 -

49. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا

(1) أي يشبعهم لحم ناقة فهم قليل.

ص: 384

تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)}.

في هذه الآيات: يحثّ الله تعالى المؤمنين على الثبات عند لقاء العدو والاستعانة بذكره عند النزال، كما يأمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويحذرهم من مغبة الشقاق والخلاف، ويأمرهم بالصبر وعدم التأثر بمنهاج المبطلين. لقد زيّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم، فلما حمي الوطيس ظهر الشيطان على حقيقته فتقهقر أمام شدة بأس المؤمنين، ونزول الملائكة مسومين، وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه. إنه لما دنا القوم بعضهم من بعض، وقَلَّلَ الله المسلمين في أعين المشركين، قال المشركون:{غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} ، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فثبت الله المؤمنين ودعاهم إلى صدق التوكل عليه إنه عزيز حكيم.

فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} .

أمر الله تعالى بالثبات عند قتال الكفار، كما نهى عن الفرار عنهم في الآية السابقة.

قال القرطبي: (فالتقى الأمر والنهي على سواء، وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلّد له).

وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن أبي أوفى: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في بعض أيامه التي لقِيَ فيها العَدوَّ، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: "يا أيها الناس! لا تتمنّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهمَّ! مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْري السَّحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهزِمْهُم وانْصُرنا عليهم](1).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (56 - كتاب الجهاد)، 112 - باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخّر القتال حتى تزول الشمس، وأخرجه مسلم (1742) - كتاب الجهاد - باب كراهة تمني لقاء العدوّ، والأمر بالصبر عند اللقاء.

ص: 385

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا تَمَنَّوا لِقاءَ العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا](1).

وقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} - أمر بالذكر وترغيب في الدعاء عند اللقاء فإن في ذلك الفلاح.

قال قتادة: (افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضِّراب بالسيوف).

وقال ابن إسحاق: (اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم).

وقال ابن جرير: ({لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم).

وفي صحيح مسلم عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال:[دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: اللهمَّ! مُنزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزِمِ الأحزابَ، اللهمَّ! اهزِمْهم وزلزِلْهُمْ](2).

وكذلك في صحيح مسلم عن أنس: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أُحد: اللهمَّ! إنَّكَ إنْ تَشَأْ، لا تُعْبَدْ في الأرض](3).

وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

أَمْرٌ بطاعة الله ورسوله والحرص على الجماعة ووحدة الكلمة، فإن التفرق ضعف وهوان، وسبيل لتسلل الشيطان، ثم الصبر على كل ذلك، فإن الله مع الصابرين، يؤيدهم وينصرهم ويجعل بعد العسر يسرًا.

قال القاسمي: ({وَلَا تَنَازَعُوا} أي باختلاف الآراء، أو فيما أُمرتم به {فَتَفْشَلُوا}، أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (1741) - كتاب الجهاد - الباب السابق.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (1742)(21) - كتاب الجهاد - باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.

(3)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (1743) - كتاب الجهاد - الباب السابق.

ص: 386

وقال مجاهد: ({وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، قال: نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حين نازعوه يوم أحد).

وقال السدي: ({وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، قال: حَدُّكم وجِدُّكم).

وعن قتادة: ({وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} قال: ريح الحرب).

وقال ابن زيد: (الفشل، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم، فذلك "الفشل").

والخلاصة: إن التنازع تمزيق للجماعة، خرق للمحبة، سبيل إلى الهزيمة والضعف والهوان.

وفي التنزيل - قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

قال ابن مسعود: (حبل الله، الجماعة).

وقال قتادة: (إن الله عز وجل قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألف والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).

ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة](1).

الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:[آمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن وَلّاهُ الله أمركم، وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي والطبراني والحاكم من حديث ابن عمر. انظر تخريج المشكاة (173)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (1844).

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (1543)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر مسند الإمام أحمد (2/ 327)، (2/ 360)، (2/ 367)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (685).

ص: 387

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يُراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى (1) جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم](2).

وختم الآية سبحانه بالحث على الصبر على شدائد الحرب، وعلى مخالفة الأهواء والحرص على وحدة المسلمين وشوكتهم، فالصبر مستلزم للنصر {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: يؤيدهم بنصره ويعينهم بمدده وعونه وتوفيقه.

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

2 -

وقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النحل: 127].

3 -

وقال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125].

أخرج الخطيب في "التاريخ" والديلمي والحاكم - بإسناد صحيح - عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا](3).

وقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .

قال قتادة: (هم قريش وأبو جهل وأصحابه، الذين خرجوا يوم بدر).

وقال الضحاك: (هم المشركون، خرجوا إلى بدر أشرًا وبطرًا].

(1) أي من حشو جهنم، ودعوى الجاهلية هي كل دعوة إلى منهج جاهلي يخالف منهج الله سبحانه.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 202)، والترمذي في الجامع (2867)، (2868). وانظر مشكاة المصابيح (3694)(34) - كتاب الإمارة والقضاء -.

(3)

حديث صحيح. أخرجه الخطيب في "التاريخ"(10/ 287)، والديلمي (4/ 111 - 112) من حديث أنس، وانظر مسند أحمد (1/ 307)، والحاكم (3/ 541 - 542)، والسلسلة الصحيحة (2382).

ص: 388

وقال محمد بن كعب: (لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف).

فقال أبو جهل: (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا) - ذكره ابن هشام.

والمقصود: تحذير الله سبحانه المؤمنين من التشبه بالمشركين في خُروجهم من ديارهم، {بَطَرًا} أي: دفعًا للحق، {وَرِئَاءَ النَّاسِ} أي: مفاخرة وتكبرًا عليهم، وصدًا للناس عن الدخول في دين الله.

وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} . أي: عالم بجميع ما كان من المشركين من البطر والرياء والكبر والصد عن سبيله، وهو سبحانه مجازيهم على ذلك ومعاقبهم.

وقوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} .

المعنى: لقد زيَّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم.

وقوله: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

أي: ظهر الشيطان على حقيقته عندما رأى صدق المؤمنين عند الالتحام، ومدد الله بجنده من السماء، فتقهقر وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه.

قال القاسمي: ({فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ} أي تلاقتا، وتراءت كل واحدة صاحبتها، فرأى الملائكة نازلة من السماء لإمداد المؤمنين {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي ولّى هاربًا على قفاه {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ} أي من عهد جواركم {إِنِّي أَرَى} أي من الملائكة النازلة لإمداد المؤمنين {مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} أي: أن يعذبني قبل يوم القيامة {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي فلا يبعد مع إمهالي إلى القيامة، أن يعذبني لشدة عقابه).

ص: 389

وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

قال ابن جريج: (لما دنا القوم بعضهم من بعض، فقَلّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقَلَّلَ المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}).

قال ابن جرير: (وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يستذلهم من ناوأهم، لأنه {عَزِيزٌ} غير مغلوب، فجاره غير مقهور، {حَكِيمٌ}، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل).

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل](1).

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: [اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنَبْتُ وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون](2).

50 -

59. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (8/ 172). وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل".

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (8/ 80) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (1866) - كتاب الدعاء -.

ص: 390

قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)}.

في هذه الآيات: يخبر تعالى مخاطبًا نبيّه صلى الله عليه وسلم: إنك يا محمد لو عاينت هول وفظاعة ما ينزل بالكفار، ساعة الفراق والمغادرة والاحتضار، لرأيت هولًا عجيبًا، وأمرًا فظيعًا، إذ الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وتمزق أعصابهم وشرايينهم، لتخرج أرواحهم من أعماق أجسادهم، ثم يبشرونهم بعذاب الحريق.

وكل ذلك بما كسبت أيديهم، فالله تعالى ليس بظلام للعبيد.

وهؤلاء المكذبون من قريش قد سلكوا مع نبيّهم محمد صلى الله عليه وسلم ما سلكت الأمم من قبلهم مع رسلها، فدمرهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب.

فإنَّ من سنته سبحانه في عباده أن لا يغير نعمة أو يزيلها عن عباده حتى يغيروا ما بأنفسهم، فها هي قريش قد كذبت بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأخرجه من بين ظهرانيهم وأنعم به على الأنصار، وكذلك كل نعمة تدوم بالشكر وتزول بالكفر، والله سميع عليم.

وهذا كصنع الله تعالى بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، فأهلكهم بذنوبهم وسلبهم الجنات والعيون، والزروع والمقام الكريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم سبحانه بل كانوا هم الظالمين.

إن شرّ ما دبّ على الأرض عند الله الذين كفروا وكذبوا بالحق وهم يعلمون. والذين ينقضون العهود في كل مرة ويخونون ولا يخافون.

فإما ظفرت بهم في الحرب - يا محمد - فَنَكِّلْ بهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم على مدار الزمان، وهو أمر من باب أوْلى إلى الأئمة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء والحكام، وإما شعرت من قوم آخرين رائحة الغدر فانهض إليهم قبل أن يستفحل أمرهم وَأَظْهِرْ لهم معرفتك بغدرهم والله لا يحب الخائنين.

ص: 391

لا يحسبن الذين كفروا أنهم قد أفلتوا وفاتوا بل هم يَنْتَظِرُهُم خزي الدنيا من القتل والسبي والتشريد، ثم هم في الآخرة لا يعجزون.

فقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} .

أي: ولو عاينت يا محمد هول ما يكون، وفظاعة ما ينزل بالكفار عند الاحتضار، حين يتوفى الملائكة أرواحهم ويبشروهم بعذاب الحريق.

قال مجاهد: ({إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يَكْني).

وقال أيضًا: (أستاههم، يوم بدر).

وقال ابن جريج: قال ابن عباس: (إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم).

أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث البراء - في احتضار الكافر - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء. . .] الحديث (1).

وقوله: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} . أي: تقول ذلك لهم الملائكة مبشرين لهم بالنار، وبالغضب من الجبار، على ما أسرفوا على أنفسهم وأقوامهم وألحقوا بهم من الشقاء والدمار.

أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 287 - 288)، (4/ 295 - 296)، وأبو داود في السنن (2/ 281)، والحاكم (1/ 37).

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (4262) بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر تخريج الترغيب (4/ 188 - 189)، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (1964) - وهو جزء من حديث طويل.

ص: 392

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .

أي هذا العذاب لكم عند الاحتضار، والبشرى بصلي النار، هو بسبب ما اجْتَرَحْتُم من الآثام والجرائم والأوزار، فإن الله لا يظلم أحدًا أبدًا وهو الحكيم الجبار.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ..

يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (1).

وفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكمُ](2).

وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

قال مجاهد: ({كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}، كفعل آل فرعون، كسُنَنِ آل فرعون).

أي: سلك هؤلاء المكذبون من مشركي قريش مع نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم إذ كذّبوه، كما سلكت الأمم الماضية المكذبة مع رسلها وأنبيائها فأهلكهم الله بذنوبهم، {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ} لا يغلبه غالب، ولا يقف أمام قدرته أحد، ولا يرد قضاءه راد، {شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن تمرد على طاعته وتكبر عن أمره ورسله.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

هذه سنة عظيمة من سنن الله عز وجل في خلقه، فإن الله تبارك وتعالى لا يغيِّر نعمة

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2577)، والبخاري في "الأدب المفرد"(490)، والترمذي في الجامع (2495)، وابن ماجه في السنن (4257)، وأخرجه أحمد في المسند (5/ 160)، وابن حبان (619) من حديث أبي ذر مطوّلًا.

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (4955)، وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (4145)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (1841).

ص: 393

أنعمها على قوم إلا بما يكون منهم من التجرؤ على الذنوب والآثام، ومعصية أوامر الرحمان.

ففي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

2 -

وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

أخرج الطبراني في "المعجم الصغير" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتَلجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبِ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثرُ](1).

قال السدي: ({ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، يقول: "نعمة الله"، محمد صلى الله عليه وسلم، أنعم به على قريش، وكفروا، فنقله إلى الأنصار).

وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . أي: يسمع كل ناطق بخير أو شر، ويعلم السر وأخفى.

وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} .

قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (أي: كَصُنْعِهِ بآل فرعون وأمثالهم حين كَذَّبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين).

وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبّ على الأرض عند الله، الذين كفروا بربهم، فَجحدوا وحدانيته، وعبدوا غيره، {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، يقول: فهم لا يصدِّقون رُسلَ الله، ولا يقرّون بوحيه وتنزيله).

(1) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"(رقم 1053) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (2215).

ص: 394

وقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} .

قال القرطبي: (أي لا يخافون الانتقام. "ومن" في قوله {مِنْهُمْ} للتبعيض، لأن العهد إنما كان يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه. والمعني بهم قُريظة والنضير، في قول مجاهد وغيره. نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم الخندق).

قلت: والآية عامة في وصف كل من نقض العهد بعد توكيده، وخان المواثيق بعد عقدها، فهي تنطبق على اليهود، والأعراب من لصوص الصحراء الذين كانوا يمكرون ويخونون العهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك على المنافقين وأمثالهم في كل زمان.

وقوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} .

أي: فإذا ظفرت بهم في الحرب وظهرت عليهم فنكِّلْ بهم وأغلظ في إيلامهم، ليكونوا عبرة لمن سواهم من الأعداء، وإنذارًا لمن بعدهم من الخونة والعملاء.

قال ابن عباس: ({فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ}، يعني: نكِّل بهم من بعدهم).

أو قال: (نكِّل بهم من وراءهم).

وقال قتادة: (عظْ بهم من سواهم من الناس).

وقال السدي: (نكِّل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم من العدو، لعلهم يحذرون أن ينكثوا فتصنع بهم مثل ذلك).

وقال سعيد بن جبير: (أنذر بهم من خلفهم).

وقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} .

قال القاسمي: (بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد، إثر بيان الناقضين له بالفعل. و"الخوف" مستعار للعلم. أي: وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر، ومخايل الشر {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ}، أي: فاطرح إليهم عهدهم {عَلَى سَوَاءٍ} أي على طريق مستوٍ قصدٍ، بأن تظهر لهم النقض، وتخبرهم إخبارًا مكشوفًا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، كي لا يكون من قِبَلكَ شائبة خيانة أصلًا، وإن كانت في مقابلة خيانتهم) انتهى.

ص: 395

أخرج أبو داود بسند صحيح عن سليم بن عامر - رجل من حمير - قال: [كان بين معاوية، وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْن وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة. فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ كانَ بينه وبين قوم عَهْدٌ فلا يَشُدُّ عُقدَةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها أو يَنْبِذَ إليهم على سواء" فرجع معاوية](1).

واتفق الشراح على أن هذا الحديث عام في جميع العقود بين المتحاربين. وهو بين المتعاملين من المسلمين أوثق وآكد.

وقد أفاد أبو السعود: أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال، لكونها خيانة، فيكون تحذيرًا له صلى الله عليه وسلم منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثًّا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولًا، وعلى قتالهم ثانيًا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم، إن الله لا يحب الخائنين، وهم من جملتهم، لما علمت من حالهم.

وقد فصّل ذلك شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير بقوله -: ({فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}، يقول: فناجزهم بالحرب، واعلمهم قبل حربك اياهم أنك قد نسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبين أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد).

وقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} .

أي: لا يظنن الذين كفروا وغدروا أنهم قد أفلتوا من الظفر بهم، فهم وإن فاتوا، فإنهم لا يفلتون من عقاب الله يوم القيامة، بل ربما أمكن منهم بالقتل والتشريد والخزي في الدنيا، ثم يَنْتَظِرُهُم انتقام الله الشديد منهم في الآخرة.

(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2759) - باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه -، وانظر صحيح أبي داود (2397)، وأخرجه الترمذي (1580)، والنسائي في "الكبرى"(8732)، وأخرجه أحمد في المسند (4/ 111، 113)، والبيهقي (9/ 231)، وغيرهم.

ص: 396

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4].

2 -

وقال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].

3 -

وقال تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور: 57].

4 -

وقال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197].

وفي السنة الصحيحة: إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن حال العتاة الطغاة وشدة ندمهم وبكائهم.

فقد أخرج ابن ماجه والحاكم - واللفظ له - عن عبد الله بن قيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إن أهل النار ليَبْكون، حتى لو أُجْرِيت السُّفُنُ في دموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدَّمَ - يعني - مكان الدمع](1).

ولفظ ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: [يُرسَلُ البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت].

60 -

63. قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ

(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (4/ 605)، واللفظ بعده أخرجه ابن ماجه (4324)، باب صفة النار، وكذلك ابن أبي الدنيا في "صفة النار"(ق 12/ 1). وانظر السلسلة الصحيحة (1679).

ص: 397

اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)}.

في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالإعداد لأعدائهم من جميع أنواع القوة وآلات الحرب وما يكون فيه كسر شوكة الكفر في الأرض، والاهتمام بالخيل التي تربط في سبيل الله، فإنها لا تزال تحمل الخير للأمة إلى يوم القيامة: في الأجر والغنيمة، وكل ذلك كي تخزوا عدو الله وعدوكم، وترهبوا المنافقين الذين يتخللون بينكم، الله يعلمهم، وما تنفقوا في أعمال الجهاد والخير من نفقة فأجر ذلك عند الله كبير وأنتم لا تظلمون.

وإن جنح الأعداء للصلح والمهادنة ورأى إمام المسلمين في ذلك مصلحة فليصالح وليتوكل على الله السميع العليم.

وإن أرادوا بذلك خدعة ومكرًا فقد أيد الله نبيّه من قبل بالمهاجرين والأنصار، وألف بين قلوبهم، وقطع الحرب بين الأوس والخزرج بنور الإيمان، وبنبيه عليه الصلاة والسلام، ولو أنفقت أموال الدنيا بغير ذلك ما كان لهم أن يتحابوا، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم.

فعن عكرمة: (قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، قال: الحصون).

وقال السدي: (من سلاح).

قلت: بل كل أنواع القوة داخل في مفهوم الأمر بالإعداد، فإن الحرب خدعة.

قال ابن جرير: (فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة، . .، ومن القوة أيضًا السيف والرمح والحربة وكل ما كان معونة على قتال المشركين).

فيكون تأويلُ قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، كما قال ابن كثير:(أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، أي: مهما أمكنكم).

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ص: 398

وهو على المنبر يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ألا إنَّ القُوَّة الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إن القوة الرَّمْيُ] (1).

فجعل عليه الصلاة والسلام الرمي وإتقان التسديد من أعلى مراتب القوة.

وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة تحث على الرمي والجاهزية القتالية وإحكام التسديد لإصابة الهدف، بل عدّ ذلك من اللهو المستحب.

الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شُماسَةَ، أنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قال لعقبة بن عامر: تَخْتَلِفُ بينَ هذين الغَرضَيْن، وأنت كبير يَشُقُّ عليك، قال عقبة: لوْلا كلامٌ سمِعْتُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمْ أُعَانِيه، قال الحارث - أحد الرواة - فقلت لابن شُمَاسَةَ: وما ذاك؟ قال: إنه قال: [مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثم تَرَكَهُ، فليس منا، أو قد عصى](2).

الحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ارموا واركبوا، وأن ترموا خيرٌ من أن تركبوا](3).

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي نجيح السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة، فبلغت يومئذ عشرة أسهم، وسمعته يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل رقبة محررة](4).

وله شاهد عِند ابن ماجه من حديث عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [مَنْ رَمَى العدوَّ بسهم، فَبَلَغَ سَهْمُهُ العدوَّ، أصاب أو أخطأ، فيعْدِلُ رقبةً].

الحديث الرابع: أخرج النسائي في "كتاب عشرة النساء" والطبراني في "المعجم

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (1917)، وأحمد في المسند (4/ 157)، وأبو يعلى (1743)، وأبو داود في السنن (2514)، وأخرجه ابن ماجه (2813)، والترمذي (3083)، والطبري (16241) من حديث عقبة بن عامر.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1919) - كتاب الإمارة - باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، وقوله "أعانيه" في معظم النسخ - هكذا بالياء - وفي بعضها "لم أعانه" بحذفها وهو الأفصح، ولكن الأول لغة معروفة أيضًا تفيد تأكيد المعاناة ومشقة الإعداد.

(3)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 148)، والحاكم (2/ 95)، وأبو داود (2513)، والنسائي في "الكبرى"(4420)، وانظر صحيح سنن النسائي (2947)، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله.

(4)

حديث صحيح، انظر تخريج المشكاة (3873)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (6002)، وانظر للشاهد صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (2268).

ص: 399

الكبير" بسند صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو (لغو، و) لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة](1).

وقوله: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} .

قال النسفي: ({وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخصّ الخيل من بين ما يتقوى به كقوله جبريل وميكال).

وعن ابن عباس: (قوله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم).

وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر مرفوعًا: [الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة](2).

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عروة البارقي مرفوعًا: [الإبل عِزٌّ لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة](3).

الحديث الثالث: أخرج البخاري في "التاريخ" بسند جيد عن سوادة بن الربيع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [عليك بالخيل فارتبطها، الخيل معقودٌ في نواصيها الخير](4).

الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الخيل لثلاثة: لرجل أجْر، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رجل وزْرٌ، فأما الذي له أجْرٌ فرجُلٌ ربطها في سبيل الله فأطالَ في مرْجٍ أو رَوْضَةٍ فما

(1) حديث صحيح. أخرجه النسائي في "كتاب عشرة النساء"(ق 74/ 2)، والزيادة له، والطبراني في "المعجم الكبير"(1/ 89/ 2)، ورجاله ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (315).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (2849) - كتاب الجهاد والسير -. وانظر صحيح مسلم - حديث رقم - (1873) - كتاب الإمارة -.

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (2305)، وأبو يعلى في "مسنده"(4/ 1614) بسند صحيح.

(4)

أخرجه البخاري في "التاريخ"(2/ 2/ 184) من حديث سوادة بن الربيع، وأحمد في المسند (3/ 484)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (1936).

ص: 400

أصابت في طِيَلِها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حَسَنات، ولو أنها قَطَعَت طِيَلَها فاستَنَّتْ شرفًا أوْ شَرَفينِ كانت أرواثُها وآثارها حسناتٍ له، ولو أنها مَرَّت بِنَهْرٍ فَشربت منه ولم يُرِدْ أن يَسقِيَها كان ذلك حسناتٍ له، وأما الرجل الذي هي عليه وِزْرٌ فهو رَجُلٌ رَبَطَهَا فخْرًا ورياءً ونِواءً لأهل الإسلام فهيَ وِزْرٌ على ذلك] (1).

وقوله: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} .

قال مجاهد: (من بني قريظة). وقال السدي: (هؤلاء أهل فارس).

وقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون لا إله إلا الله، ويغزون معكم).

وقيل: هم قوم من الجن، وإن صهيل الخيل يرهب الجن، وأن الجن لا تقرب دارًا فيها فرس.

واختار ابن كثير قول ابن زيد أنهم المنافقون.

قال: (وهذا أشبهُ الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]).

قلت: وهذا تفسير قوي يناسب السياق والنصوص.

وقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} .

قال ابن إسحاق: (أي: لا يضيع لكم عند الله أجرُهُ في الآخرة، وعاجل خَلَفه في الدنيا).

أي: كل ما أنفقتم في سبيل الله - في الجهاد وأسباب القوة والتمكين - فإنه ينالكم أجره على التمام والكمال، ويضاعف الله الأجر أضعافًا مضاعفة لمن يشاء.

أخرج الترمذي بسند صحيح عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من أنْفَقَ نَفَقَةً في سبيل الله كُتِبَتْ له سَبْعُ مئة ضِعف](2).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2860) - كتاب الجهاد والسير -، وأخرجه مسلم (987)، والنسائي (6/ 216 - 217)، ومالك (2/ 444)، وابن حبان (4672)، والبيهقي (4/ 119).

(2)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي (1691) - في أبواب فضائل الجهاد - باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله عز وجل، وانظر صحيح سنن الترمذي (1326)، وصحيح الجامع (5986).

ص: 401

وقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

قال السدي: (يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده).

وقال ابن إسحاق: (أي: إن دعوك إلى السلم - إلى الإسلام - فصالحهم عليه).

قال ابن زيد: ({وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد).

وبنحوه قال قتادة: ({وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ}، قال: للصلح، ونسخها قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}).

قلت: والحق أنه لا دليل على نسخ الآية، فإن آية براءة في الإجهاز على الشرك ومشركي العرب من عبدة الأوثان وعدم قبول الجزية منهم، بعدما استقر الإسلام وقامت دولة الحق في أرجاء الدنيا، وعلى هذه الوصية مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما آية الأنفال - موضع التفسير - {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} فإفه يمكن للإمام قبول الصلح والمهادنة أثناء قتاله وحربه لأعداء الإسلام، إن أظهروا المسالمة والمصالحة والمهادنة والتروي، إن رأى ذلك بحكمته لمصلحة إسلامهم أو لمصلحة جيشه وتقويته لاستئناف مناجزتهم.

وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فصالح القوم ووضع الحرب بينه وبينهم بحكمته، وكل ذلك يرجع إلى قرار الإمام.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنما الإمام جُنَّةٌ، يقاتَلُ مِنْ وَرَائِه، ويُتَّقى به، فإنْ أمَرَ بتقوى الله عز وجل وعَدَلَ، كان له بذلك أجْرٌ، وإنْ يأمُرْ بغيره، كان عليه مِنْه](1).

وعن ابن إسحاق: ({وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}، إن الله كافيك) - والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال النسفي: ({وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لأقوالك {الْعَلِيمُ} بأحوالك).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1841) - كتاب الإمارة - باب: الإمام جُنَّةٌ يقاتل من ورائه ويتقى به.

ص: 402

وقوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} .

قال مجاهد: ({وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ}، قال: قريظة).

وقال ابن إسحاق: ({فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}، هو من وراء ذلك).

وعن السدي: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} ، قال: بالأنصار).

وقال ابن جرير: ({وَبِالْمُؤْمِنِينَ}، يعني بالأنصار).

وقوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} .

قال السدي: ({وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم).

وقال ابن إسحاق: ({وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، على الهدى الذي بعثك به إليهم، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}، بدينه الذي جمعهم عليه، يعني الأوس والخزرج).

فالآية في الأنصار (1)، وما كان بينهم من حروب مستعرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وتسلسل من أعمال الثأر والانتقام والشر، ما تَوَقَّفَ بينهم إلا بنور الإيمان، وهداية الرحمن، على يد خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام.

وفي التنزيل: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

أخرج الإمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري - في قسمة غنائم حنين وَوَجْد بعض الأنصار في نفوسهم إذْ قسم النبي صلى الله عليه وسلم للمتألفين من قريش وسائر العرب دونهم -: [فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى

(1) وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب. وقيل: ينسحب ذلك على المتحابين في الله.

قال ابن عباس: (قرابةُ الرحم تُقْطَعُ، ومنَّةُ النعمة تُكْفَرُ، ولم يُرَ مثل تقارُبِ القلوب، يقول الله تعالى: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}) - رواه الحاكم.

ص: 403

عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى. وفي رواية: قالوا: الله ورسوله أمَنُّ وأفضل] (1).

ورواه البخاري من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: [لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلَّفة قلوبُهم ولم يعط الأنصار شيئًا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: يا معشَرَ الأنصار ألم أَجِدْكُمْ ضُلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألَّفَكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. .] الحديث (2).

وقوله: {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، أي: عزيز الجناب، لا يقهره شيء، وأمره نافذ فلا راد لقضائه، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي جميع أقواله وأفعاله وقدره وشرعه.

64 -

66. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)}.

في هذه الآيات: يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمناهضة الأعداء والله كافيهم ومؤيدهم بنصره وتمكينه، ويأمر نبيه بتحريض المؤمنين على قتال المشركين واقتحام الأهوال، فإنه يُفْتَرَضُ أن يثبت المؤمن أمام عشرة من الكفار لأنهم قوة خائرون، قد فسدت نياتهم وأعمالهم وعزائمهم، وجعل الله في قلوبهم الرعب والخوف على الدنيا.

ثم جاء التخفيف من الله سبحانه فوجب أن لا يفر المؤمن من رجلين من الكفار،

(1) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (3/ 76 - 77)، (3/ 89، 246، 249)، وكتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (3/ 1408 - 1413)، لمزيد من الروايات.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4330) - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف من حديث عبد الله بن زيد، في أثناء حديث طويل.

ص: 404

ولا يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا وصمدوا لهم غلبوهم بإذن الله.

فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

قال الشعبي: (حسبك الله، وحسب من معك). أو قال: (حسبك الله، وحسب من شهد معك).

وقال ابن زيد: (قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إن حسبك أنت وهم، الله).

قال ابن جرير: (يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره).

قلت: والحَسْب في كلام العرب الكافي.

قال الرازي: ({حَسْبُكَ} دِرْهم أي كفاك).

وفي المسند ومعجم الطبراني بسند حسن عن سعيد بن زيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[سيكون بعدي فتن يكون فيها، ويكون. فقلنا: إن أدركنا ذلك هلكنا، قال: بحسب أصحابي القتل](1).

وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} .

أي حُثّ أصحابك ومتبعيك على قتال المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وذمِّرهم على ذلك.

قال النسفي: (التحريض المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت).

وقد حفلت السنة الصحيحة بألوان من التحريض من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه على اقتحام الأهوال وإنزال الخزي والقتل في رقاب المشركين، ومن ذلك:

الحديث الأول: في أثناء معركة بدر.

فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: [فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جَنّة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن

(1) إسناده حسن. أخرجه أحمد (1/ 189)، ورواه الطبراني بأسانيد، رجال أحدها ثقات، ورواه البزار كذلك - كما ذكر الهيثمي - في "المجمع" (7/ 223). وانظر:"الصحيحة"(1346).

ص: 405

الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله جَنّةٍ عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تَمَرات من قَرَنهِ (1) فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حَييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل] (2).

الحديث الثاني: قبل اقتحام معركة أحد.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم:[أنه أمسك يوم أحد بسيف ثم قال: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: من يأخذه بحقه؟ قال: فأحجم القوم. فقال: أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين](3).

الحديث الثالث: قبيل غزوة تبوك.

أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه: [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جَهَّزَ جَيْشَ العسرة فله الجنة. قال: فجهَّزتُهُ](4).

وقوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} .

قال عطاء: ({إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل باثنين، لا ينبغي له أن يفرّ منهما).

وقال الضحاك: (كان هذا واجبًا: أن لا يفر واحد من عشرة).

وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: (لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعْظَموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفًا، فخفَّفَ الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ

(1) أي جعبة النشاب.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (1901) - كتاب الإمارة -.

(3)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (2470) - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أبي دجانة، من حديث ثابت مرفوعًا.

(4)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (2778) - كتاب الوصايا -. وانظر مسند أحمد (5/ 63)، من حديث عثمان رضي الله عنه.

ص: 406

فِيكُمْ ضَعْفًا}. . الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عَدُوهم لم يَنْبَغِ لهم أن يَفِرُّوا من عدوِّهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوَّزوا عنهم).

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [لما نزلت: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، شقَّ ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم أن لا يَفرَّ واحِدٌ من عَشَرة، فجاء التخفيفُ فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}](1).

قال ابن عباس: (فلما خفف الله تعالى عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم)(2).

وقوله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} . قال ابن إسحاق: (أي: لا يقاتلون على نِيَّةٍ ولا حقٍّ فيه، ولا معرفة بخير ولا شر).

وقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

قال مجاهد: (كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفرّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ}، فيقول: لا ينبغي أن يفرَّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم).

67 -

69. قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)}.

في هذه الآيات: يخبر تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4653) - كتاب التفسير - سورة الأنفال، الآية (66).

(2)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2646) - باب في التولي يوم الزحف -. انظر صحيح أبي داود (2305)، وكذلك أخرجه البخاري في إثر الحديث السابق (4653) من كتاب التفسير.

ص: 407

الدين، عن سنة قضاها بين أوليائه وأعدائه ما ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها، وهي أن أئمة الكفر يجب قتلهم وتخليص الأرض من رجسهم، وأن أسرى المشركين ينبغي أن ينزل بهم القتل حتى لا تكون لهم رجعة، ومن ثم فإن غير ذلك هو من عرض الحياة الدنيا والله عزيز حكيم.

لولا ما سبق في كتاب الله من عفوه عن أهل بدر وإحلاله لهم الغنائم لنزل بهم فيما جَنَوْه على أنفسهم من قرار في الأسرى عذاب عظيم.

ولكن إذا أخذتم الدرس واستفدتم من العتاب فانعموا بالغنائم وكلوا منها حلالًا طيبًا واحرصوا على مرضاة ربكم وهو الغفور الرحيم.

فقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا}. قال: فلقي النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال: كاد يصيبنا بلاء في خلافك](1).

وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر قال: [. . فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين، فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًا رضي الله عنهم، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم

(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 329) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه، وقال الذهبي: على شرط مسلم. وروى أحمد وأبو داود ومسلم نحوه. وانظر: "الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال، آية (67).

ص: 408

وقادتهم. . قال: فَهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء.

فلما كان الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء! ! قد عُرضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}](1).

قال سعيد بن جبير: (إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل).

وقال مجاهد: (الإثخان: القتل).

وقال ابن إسحاق: (أي يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض، {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} أي المتاع والفداء بأخذ الرجال. {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة).

قال ابن جرير: ({وَاللَّهُ عَزِيزٌ}، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوٌّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، وأنه {حَكِيمٌ} في تدبيره أمر خلقه).

وقوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فيه سببان صحيحان من أسباب النزول:

السبب الأول: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن خيثمة قال: [كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر فذكروا عليًا فشتموه فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا أصبنا ذنبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا](2).

السبب الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الغنيمة

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (1/ 30 - 31) من حديث عمر رضي الله عنه، وبنحوه رواه مسلم (1763) - كتاب الجهاد -.

(2)

حديث صحيح. أخرجه الحاكم وقال على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. انظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الأنفال، آية رقم (68)، وإسناده صحيح.

ص: 409

لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنموا غنيمة جمعوها ونزلت نار فأكلتها، فأنزل الله هذه الآية:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ] (1).

قال ابن جرير: (قوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى ألا يُضِلَّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبيِّنَ لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرًا دينَ الله، لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم).

فاشتملت الآية على المعاني الآتية:

1 -

قضاء الله عز وجل في اللوح المحفوظ ألا يعذب أهل بدر.

2 -

قضاء الله تعالى ألا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.

3 -

قضاء الله سبحانه الذي سبق بإحلال الغنيمة لأهل بدر ولهذه الأمة.

قال ابن عباس: (وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلًا أو كثيرًا).

وقال الحسن: (وكان الله تبارك وتعالى قد كتب في أم الكتاب: المغنم والأسارى حلال لمحمد وأمته، ولم يكن أحله لأمة قبلهم).

وفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث:

الحديث الأول: في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعْطِيتُ جوامعَ الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيون](2).

الحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فضلتُ على الأنبياء بخمس: بُعِثْتُ إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي، وجُعلت لي الأرض

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي في مسنده (2/ 19)، وانظر المرجع السابق.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في "صحيحه" - حديث رقم - (523) - كتاب الصلاة -.

ص: 410

مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحد قبلي] (1).

الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم](2).

ورواه مسلم بلفظ: [لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم].

ثم إنه سبحانه قد عفا عنهم وتجاوز برحمته وكرمه عما اعتراهم فقال: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

70 -

71. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)}

في هذه الآيات: يقول جل ذكره مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الأسرى الذين أمسك الله بهم وأمكنك منهم، إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم من الفداء، ويصفح عنكم جُرْمكم أن قاتلتم نبي الله وأصحابه وكفرتم وأشركتم، وإن يريدوا غدرًا وخداعًا بالقول فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر، فإن الله محيط بهم لا محالة، ولا يفلت منه أحد.

قال القرطبي: ({إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} أي إسلامًا. {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} أي من الفِدية، قيل في الدنيا، وقيل في الآخرة).

وقد تباين فداء الأسرى وتفاوت حسب حالهم، وضيقهم وسعتهم، فمن كان منهم ذا مال فقد أخذ منه أربعة آلاف درهم كما يروي الطبراني وغيره، ومن لم يكن منهم له مال، فقد جُعِلَ فداؤهم أن يُعَلِّمُوا أبناء الأنصار.

أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال: [كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. فجاء

(1) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم (4097) -، ويشهد له ما قبله.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (3983) - كتاب المغازي -، وروى مسلم نحوه.

ص: 411

يومًا غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بِذَحْلِ - أي بثأر - بدر، والله لا تأتيه أبدًا] (1).

ومع ذلك فقد عاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاملة طيبة، عسى أن يترك ذلك أثرًا في نفوسهم فتلهف قلوبهم إلى الإسلام، وما كان هَمّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ المال قدر ما هَمّهُ إذلال عتاة مكة وكسر شوكة قريش وكبريائها، وذلك فقد صرح عليه الصلاة والسلام معترفًا للمطعم بن عدي بفضل سابق أنه لو كان حيًا لدفعهم إليه.

يروي البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير عن أبيه: [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: لو كان المُطْعِمُ بن عَديٍّ حَيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له](2).

وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من عمه العباس مثل غيره، وأبى شفاعة أحد به أو وساطة، مع أنه أخبر أنه كان يكتم إسلامه.

يروي البخاري عن أنس: [أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فَلْنَتْرُكْ لابن أُخْتنا عباس فداءَه، قال: "والله لا تذرون منه درهمًا"](3).

وفي ذلك قمة الإنصاف والعدل، فالكل تحت حكم الله، ولا أحد يرفع رأسه ليتجاوز أو يشفع في دولة الحق، وهذا سرّ قوة الإسلام ودولته، فإن العباس وإن كان كما قيل قد خرج مكرهًا ولكنه عليه أن يواجه ضريبة تكثير سواد المشركين على المسلمين، فدفع يومئذ مئة أوقية، ودفع عقيل ثمانين أوقية، في حين دفع غيرهم أربعين أوقية كما فصّل ذلك الحافظ في الفتح وغيره من أهل السير.

وأما العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فقد كان ضمن الأسرى، فأرادَتْ زينب أن تفديه بقلادتها ومالها، فَعَزَّ ذلك على المسلمين أن تبذل زينب مالها وهي مسلمة لا ذنب لها، فأطلقوا أسيرها.

فقد أخرج أبو داود والحاكم بسند حسن من حديث عائشة قال: [لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رَقَّ لها رِقّةً شديدة

(1) أخرجه أحمد في المسند (4/ 47)، والحاكم (2/ 140) بإسناد يرقى للحسن.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4024) - كتاب المغازي. وانظر (3139) - كتاب فرض الخمس.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4018) - كتاب المغازي. وانظر: كتاب السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - بحث 34 - (1/ 597 - 610) لمزيد من التفصيل.

ص: 412

وقال: إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها؟ فقالوا: نعم. وكان النبي أخذ عليه أوْ وَعَده أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه. .] الحديث (1).

وقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، أي إن تبتم من شرككم وغَدركم.

وقوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .

قال السدي: (يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر).

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم، {خِيَانَتَكَ}، أي الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم، {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ}، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ}، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم، {حَكِيمٌ} في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم).

72 -

73. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)}.

في هذه الآيات: تقرير الله تعالى أن المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم والأنصار الذين استقبلوهم أحسن استقبال ونصروا هذا الدين أروع نصر أولئك بعضهم أولياء بعض.

ثم في مقابل ذلك الكافرون المعاندون، أهل الفتنة والمكر، بعضهم أولياء بعض، فإن اختل هذا المنهج الفريد في الولاء والبراء كانت الفتنة في الأرض والفساد الكبير.

فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا

(1) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (2692)، والحاكم (4306)(3/ 23) من حديث عائشة.

ص: 413

وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية. قال ابن عباس: (يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، [الأحزاب: 6]، في الميراث فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام).

وذكر ابن جرير أيضًا بسنده إلى ابن عباس قال: (قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك، {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، إلى قوله:{حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، {آوَوْا وَنَصَرُوا} ، وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذّب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين.

وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله:{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} .

وكان حقًا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم.

ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75]، وبقوله:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]).

أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [المهاجرون

ص: 414

والأنصار أولياء، بعضُهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة] (1).

والخلاصة:

كان المؤمنون زمن النبوة ثلاثة أصناف:

1 -

المهاجرون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصر دين الله وإقامة دينه وبذلوا لذلك أموالهم وأنفسهم.

2 -

الأنصار - أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم في منازلهم وآووهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض - آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، كل اثنين أخَوان، يرث أحدهما الآخر، حتى نسخ الله تعالى ذلك بآية المواريث.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رَحِمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نُسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} من النصر والرِّفادة والنصيحة، وقدْ ذهب الميراث ويوصي له](2).

3 -

الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا بواديهم، فهؤلاء لا نصيب لهم من المغانم أو الخمس إلا إن حضروا القتال.

وقرأ حمزة: {وِلايتهم} بالكسر، والباقون بالفتح، وكلاهما معروف، كالدِّلالة والدَّلالة.

أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصَّة نفسه بتقوى الله ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، وقال اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو: خلال - فَأَيَّتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين،

(1) جيد. أخرجه أحمد (4/ 363)، والطبراني (2284)، (2302)، وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 15):(رواه أحمد والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4580) - كتاب التفسير -، وانظر (2292) - كتاب الكفالة -.

ص: 415

وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبَوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبَوا فادعُهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم] (1).

قال ابن جرير ({وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم، {بَصِيرٌ}، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء).

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} .

قال ابن إسحاق: (حض الله المؤمنين على التواصل، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض.

ثم قال: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ، أي: إلا يوالِ المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به، {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ} ، أي: شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض، بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن، ثم ردّ المواريث إلى الأرحام).

وقال ابن جريج: ({إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين، {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}).

واختار ابن جرير ذلك بقوله: (معناه: أن بعضهم - أي الكفار - أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقامَ في دار الحرب وترك الهجرة).

وقال ابن كثير: (ومعنى قوله تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 352)، وانظر صحيح مسلم (1731)، ورواه أبو داود (2612)، والترمذي (1408)، والنسائي في "الكبرى"(8586)، وابن ماجه (2858).

ص: 416

كَبِيرٌ}، أي: إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض).

قلت: والأولى أن يقال أن الآية عامة في الولاية والمواريث، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فلا نصرة ولا تأييد من المؤمنين للكفار، بل كل النصرة والموالاة والتأييد والمحبة للمؤمنين، ولا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن.

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يرث المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافرُ المُسلِمَ](1).

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يتوارث أهل ملتين شتّى](2).

وله شاهد عند الحاكم من حديث أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}].

الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن لطرقه، عن سمرة بن جندب مرفوعًا:[من جامَعَ المُشْرِكَ، وسكنَ مَعَهُ، فإنه مثله](3).

الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند جيد عن جرير بن عبد الله مرفوعًا: [أنا بريءٌ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614)، وأبو داود (2909)، والترمذي (2107)، وأخرجه النسائي في "الكبرى"(6372)، (6374)، وأحمد (5/ 200)، والبيهقي (6/ 317) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

(2)

جيد. أخرجه أبو داود (2911)، وأحمد (2/ 178، 195)، وابن ماجه (2731)، والنسائي في "الكبرى"(6384)، وانظر للشاهد مستدرك الحاكم (2/ 240)، وسنده حسن.

(3)

حسن لطرقه. أخرجه أبو داود في السنن (2787)، وبنحوه الحاكم (2/ 141 - 142)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (2330).

ص: 417

من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: ولم؟ قال: لا تراءى نارُهما] (1).

وله شاهد عند النسائي عن جرير قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط عليّ فأنت أعلم، قال:[أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشرك].

الحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض](2).

74 -

75. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)}.

في هذه الآيات: بيان من الله تعالى لرفيع درجات أهل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، وكذلك أهل التأييد والنصر، لتشمل الآية المهاجرين والأنصار، وَعَدَهُم سبحانه مغفرة ورزقًا كريمًا.

ثم بثَّ سبحانه البشرى لمن جاء من بعدهم وسار على منهاجهم أنه سيلحق بهم في المنزلة والشرف ورفيع المراتب، وجعل التوارث بالنسب بعد أن كان بالأخوة والإيمان، والله أعلم بمصالح عباده، وهو بكل شيء عليم.

فقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} .

قال النسفي: (لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن

(1) أخرجه الترمذي (2/ 397)، وانظر مسند أحمد (4/ 365)، والبيهقي (9/ 12 - 13)، وانظر للشاهد سنن النسائي (2/ 183)، والبيهقي (9/ 13)، والسلسلة الصحيحة (636).

(2)

حديث حسن. أخرجه الترمذي في الجامع (1/ 201)، وابن ماجه في السنن - حديث رقم - (1967) - باب الأكفاء -، وأخرجه الحاكم (2/ 165).

ص: 418

ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى).

قلت: ولا تكرار مع الآية قبلها، لأن الأولى بيان لإيجاب التواصل بينهم، والثانية لبيان رفيع درجاتهم وعظيم شرفهم.

وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} . أي: ثواب عظيم في الجنة، ونعيم مقيم لا تنغيص فيه ولا انقطاع.

وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} .

قال ابن كثير: (ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، فهم معهم في الآخرة، كما قال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} [التوبة: 100] الآية. وقال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]).

قلت: ويدخل في عموم هذه الآية كل من جاء بعدهم من المؤمنين على مدار القرون المتتابعة وسلك منهاجهم في الإيمان والعمل الصالح، فهو معهم يوم القيامة في الأجر والمنزلة والشرف بإذن الله تعالى.

وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى، في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله](2).

وفي الصحيح أيضًا: [المرء مع من أحب]. رواه البخاري من حديث ابن مسعود.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (1/ 70)، وانظر مسند أحمد (2/ 501)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (991).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4/ 223)، ومسلم (1/ 60)، وأحمد (4/ 292)، وغيرهم.

ص: 419

يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا ولم يَلْحَق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبَّ] (1).

الحديث الثالث: أخرج ابن نصر في "السنة" بسند صحيح عن عتبة بن غزوان - وكان من الصحابة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أومنهم؟ قال: بل منكم](2).

وقوله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .

أخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ}، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب](3).

وقوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

قال ابن جرير: (يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها).

تم تفسير سورة الأنفال

بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه.

° ° °

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6169) - كتاب الأدب - باب علامة الحب في الله، ورواه مسلم.

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن نصر في "السنة"(ص 9)، وله شاهد عند الطبراني في "المعجم الكبير"(3/ 76/ 1) من طريقين، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (494).

(3)

أخرجه الطيالسي والطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:(رجاله رجال الصحيح). وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول - الوادعي - سورة الأنفال، آية (75).

ص: 420