الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأرض بخمسين ألفَ سنة، وكان عرشه على الماء" (1)).
وقال ابن جرير: ({وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}، لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم).
قلت: فالكتابة في اللوح المحفوظ - فيما يخص ذلك - كتابة علم لا كتابة جبر، فإن الله سبحانه أعلم بأعمال عباده ومصيرهم قبل أن يخلقهم، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، ولو لم يعلم ذلك لما استحق اسم الخالق واسم العليم، وأن يوصف بعلام الغيوب، والآية ردّ على القدرية والجبرية ونسف لمنهاجهم وأصولهم.
وقد حفل القرآن الكريم والسنة المطهرة بآفاق هذا المعنى:
أولًا - في التنزيل:
1 -
2 -
وقال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108]
3 -
وقال تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 1 - 4].
ثانيًا - في كنوز السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه قال: [كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقَعَدْنا حوله ومعه مخْصَرةٌ (2) فَنَكَّسَ، فجعل ينكتُ بِمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنار، وإلا وقد كتِبت شقيّةً أو سعيدةً. قال: فقال
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2653)، والترمذي في الجامع (2156)، وأحمد في المسند (2/ 169)، وابن حبان في صحيحه (6138).
(2)
المخصرة: هي ما أخذه الإنسان بيده واختصره من عصا لطمة وعكاز لطيف ونحو ذلك.
رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندَع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، أما أهل السعادة فَيُيَسّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ] (1).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يدخلُ المَلكُ على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربِّ أشقيٌ أو سعيدٌ؟ فَيُكتَبانِ، فيقول: أيْ ربِّ أذكرٌ أو أنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تُطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا يُنقَصُ](2).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[فرغ الله عز وجل إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد]. وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).
وله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس، بلفظ:[فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل](3).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، وأبو داود وابن ماجه في السنن، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:[دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طُوبى له، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة، وخَلَق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَقَ النار، وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم](4).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 46 - 47). وانظر مختصر صحيح مسلم (1844) - كتاب القدر - باب: في القدر والشقاوة والسعادة -. وكذلك حديث رقم (1845).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 45). انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (1848) - باب: في الخلق والشقاوة والسعادة.
(3)
حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح الجامع (4078)(4079)، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (2/ 813)، بحث القدر.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2662)، وأحمد (6/ 41)، وأخرجه أبو داود (4713)، وأخرجه =
وقوله: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} .
فيه أن القلب هو مركز الفقه لا الدماغ، بل الدماغ متأثر بفهم القلب وحركته وفقهه، والعلم الحديث يثبت ذلك. فالقلب هو مركز حياة الأبدان ومُوَجِّه حركتها وبتعطله تتعطل الحياة - هذا من جهة، ومن جهة ثانية: فهو مركز الفكر والعقل والفهم والفقه، كما قال تعالى في سورة الحج:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)} . وكقوله جل ذكره في السورة هذه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ} .
وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا:
[ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كُلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب](1).
فمعنى الآية: إن لهؤلاء الذين ذرأهم الله لجهنم من خلقه، قلوبًا لا تتفكر في آيات الله، ولا تتدبر في عظمته سبحانه ووجوب إفراده بالتوحيد والتعظيم والكبرياء، كما لهم أعين لا تنظر بصدق في ملكوت السماوات والأرض لتستدل بذلك على صدق التنزيل وصحة دعوة الرسل، كما لهم آذان لا تسمع آيات الله تتلى لتعتبر بها، فهم يعرضون عنها وإنما يردون بذلك حياض هلاكهم. كما قال تعالى:
1 -
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171].
2 -
3 -
{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23].
فما كان صممهم وبكمهم وعميهم إلا عن الهدى، فعاقبهم الله بحرمانهم من الهدى والرشاد.
= النسائي (4/ 57)، وابن ماجه (82)، وأبو يعلى (4553)، وغيرهم.
(1)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (52)، كتاب الإيمان، وكذلك (2051)، ضمن حديث أطول، ورواه مسلم في الصحيح (1599)، كتاب المساقاة، من حديث النعمان.
وقوله: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} .
قال مجاهد: ({لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا}، قال: لا يفقهون بها شيئًا من أمر الآخرة، {وَوَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا}، الهدى، {وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا}، الحق. ثم جعلهم كالأنعام سواء، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، فقال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}، ثم أخبر أنهم هم الغافلون).
قال الحافظ ابن كثير: (أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يَعُونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يُعَيِّشها من ظاهر الحياة الدنيا كما قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً. . .} [البقرة: 171]، أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}، أي: من الدواب، لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبَسَّ بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء؟ ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به).
قال ابن عباس: ({وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، ومن أسمائه: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ}، وكل أسمائه حسن).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخَلَ الجنة، وهو وِتْرٌ يحسبُّ الوِتْر]- ورواه البخاري (1).
قلت: وإحصاءُ هذه الأسماء يقتضي الحياة في ظلها وامتثال لوازمها من العلم والعمل وتأثر الجوارح، وإلا فالإحصاء العددي وحده لا يكفي، وقد استأثر الله تعالى ببعض أسمائه الحسنى في علم الغيب عنده.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6410)، ومسلم (2677)، والترمذي (3506)، وابن ماجه (3860)، وأخرجه أحمد (2/ 267)، وابن حبان (807)، والبغوي في "التفسير"(954).
عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:[ما أصابَ أحدًا قطُّ همٌ ولا حُزْنٌ فقال: اللهم، إني عبدُك، ابن عبدك، ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عَدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو أعلمتَهُ أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندَك، أن تجعل القرآن العظيم ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حزني، وذهاب هَمِّي - إلا أذهب الله همَّهُ وحَزَنَه، وأبدله مكانه فَرَجًا. فقيل: يا رسولَ الله، أفلا نتعلّمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها](1).
وقوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} .
قال قتادة: ({يلحدون}، يشركون).
قال ابن عباس: (إلحاد الملحدين: أن دعَوا "اللات" في أسماء الله). وقال: (الإلحاد: التكذيب).
وقال ابن جريج عن مجاهد: ({وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}، قال: اشتقوا "اللات" من الله، واشتقوا "العُزَّى" من العزيز).
قال ابن كثير: (وأصل الإلحاد في كلام العرب: العدلُ عن القصد، والميلُ والجورُ والانحراف، ومنه اللحدُ في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر).
وقال القاسمي: ({سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان بها).
وقوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .
قال ابن جريج: (ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: هذه أمتي! قال: بالحق يأخُذون ويعطون ويَقْضون).
قلت: ولا شك أن المقصود بهذه الآية هو هذه الأمة المحمدية التي هي خير أمة أخرجت للناس كما قال جل ذكره: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110].
(1) حديث إسناده جيد. أخرجه أحمد في المسند (1/ 391)، (1/ 452)، وأبو يعلى (5297)، والحاكم في المستدرك (1/ 509)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (972) من طرق عن فضيل بن مرزوق به، وإسناده صحيح.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الرحمن بن الحضرمي يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إنَّ من أمتي قومًا يُعْطَوْن مِثْلَ أجورِ أَوَّلِهم، يُنْكرون المنكر](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خَذَلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة](2). وفي رواية: (حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). وفي رواية: (قال معاذ: وهم بالشام).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لا تزال طائفةٌ من أمتي قَوَّامةً على أمر الله لا يضرُّها مَنْ خالَفَها](3).
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} .
قال الضحاك: (كلما جدّدوا لنا معصية جدّدنا لهم نعمة). وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: (بالألطاف والكرامات، لذلك قال سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر) - ذكره القرطبي.
قلت: والاستدراج هو من مكر الله بالعبد المتمرد في عصيانه، فإنه سبحانه يفتح له آفاق الرزق والرخاء، ووجوه المعاش ووفرة المال والبسط والسعة حتى يقترب أخذه، كما قال جل ثناؤه:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 44، 45].
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه،
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 62)، (5/ 375)، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (1700) وقال: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم رجال الصحيح، وفي زيد بن الحباب كلام لا يضر إن شاء الله تعالى، وأما جهالة الصحابي فلا تضر قطعًا لأنهم عدول.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (3641)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (156) من حديث جابر وغيره، وأخرجه أهل السنن.
(3)
حسن صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن - حديث رقم - (7). باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر صحيح ابن ماجه - حديث رقم - (7).
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج](1).
وقوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} .
قال القرطبي: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي: أطيل لهم المدة وأمهلهم وأُؤَخِّرُ عقوبتهم. {إِنَّ كَيْدِي} أي: مكري. {مَتِينٌ} أي: شديد قوي. وأصله من المتن، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب).
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
قال النسفي: ({أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ} محمد عليه السلام، وما نافية بعد وقف، أي: أولم يتفكروا في قولهم، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم {مِنْ جِنَّةٍ} جنون {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} منذر من الله موضح إنذاره). فالمعنى: هل تفكروا فيما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، ليعلموا أنه ما به خَبل ولا جنون، وإنما هو إنذار مبين، ودعوة صادقة إلى الدين القويم. ومن هنا كان الوقف على {يَتَفَكَّرُوا} حسنًا عند القراء.
أي: هلّا نظروا في هذا الكون الفسيح نظر اعتبار واستدلال، وفي كل ما خلق الله من شيء. قال القاسمي:(والملكوت: الملك العظيم. {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} عطف على {ملكوت}. أي: في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي: القرآن {يؤمنون} أي: إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسًا، ونفي له بالكلية).
فالشمس والقمر والنجوم والسحاب بعض ملكوت السماوات، والبحار والجبال والدواب والشجر بعض ملكوت الأرض، وكل ذلك يقلبه الله سبحانه ويغير أحواله كما هو شأن كل خلقه، والناس جزء من هذا الخلق يمضون ويغادرون الحياة في أي
(1) سنده قوي. أخرجه أحمد (4/ 145)، وابن جرير في "التفسير"(7/ 115)، وهو حديث صحيح بالمتابعات. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (414).
لحظة، فهَلّا كان اعتبار المعاندين المستكبرين باحتمال اقتراب نهايتهم، وحين الغرغرة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.
وقوله تعالى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
المعنى: إنه من كتب الله عليه الضلالة والشقاء - نتيجة إصراره على الكبر والشرك والظلم - فلا سبيل إلى تنوير قلبه بالهداية - ثم الله - تعالى - يذرهم في غيهم وتخبطهم وبغيهم يتحيّرون.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . .} [المائدة: 41].
2 -
وقال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
3 -
وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5].
أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة](1).
187 -
188. قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى نبيّه عن سؤال قومه قريش له عن ميعاد الساعة، فقل لهم - يا محمد - إن علمها محكوم بأمر الله لا يُظهر أمرها وعلاماتها إلا هو سبحانه،
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في الجامع (2/ 64)، والبيهقي في "الأسماء"(ص 154)، من حديث أنس بن مالك مرفوعًا، ورواه حبان (2455) نحوه.
كَبُرَت في شأنها وخَفِيت في السماوات والأرض فلم يعلم قيامها ملك مقرّب ولا نبي مرسل، فهي تأتي على غفلة ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ثم قل لهم - يا محمد -: إنني لا أملك جلب النفع لنفسي أو دفع الضرر عنها، شأني بذلك كسائر البشر، ولو كنت أعلم الخير أو ما يكون من الغيب منه لاستبقت إليه، ولدافعت ما كان من الشر القادم منه، ولكني بشر يصيبني الخير وينزل بي الابتلاء وإنما أنا نذير للكافرين المعاندين، وبشير للمؤمنين المخبتين.
فقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} . قال السدي: (يقول: متى قيامها؟ ).
وقال ابن عباس: (يعني: منتهاها) - أي: متى حصولها وأيان آخر ساعة من ساعات هذه الحياة الدنيا لتبدأ أول ساعة من ساعات الآخرة.
وقوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} .
أي: علمها إلى الله، ولا يعلم جلية أمرها وتحديد وقتها إلا الله تعالى. قال قتادة:(يقول: علمها عند الله، هو يجليها لوقتها، لا يعلم ذلك إلا الله). وعن مجاهد: ({لَا يُجَلِّيهَا}، يأتي بها). أو قال: (لا يأتي بها إلا هو). وقال السدي: (يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو).
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عنن حذيفة قال: [سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة؟ فقال: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} ولكنْ أخبركم بمشاريطِها، وما يكون بين يَدَيْها: إنَّ بينَ يديها فتنةً وهرَجًا. قالوا: يا رسول الله! الفتنةُ قد عرفناها فالهرجُ ما هو؟ قال: بلسان الحبشة: القتل، ويلقى بين الناس التناكرُ فلا يكاد أحدٌ أن يعرفَ أحدًا](1).
وقوله: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . فيه أقوال متكاملة:
1 -
القول الأول: ثقلت الساعة على أهل السماوات والأرض أن يعرفوا مجيئها ووقتها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها. قال السدي:(يقول: خفيت في السماوات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسل). وعن معمر، عن بعض أهل التأويل:(ثقل علمها على أهل السماوات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون).
2 -
القول الثاني: كبرت عند مجيئها على أهل السماوات والأرض.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (5/ 389) بسند على شرط مسلم. وانظر: "الصحيحة"(2771).
قال الحسن: (يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبرت عليهم). وقال ابن جريج: ({ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكُوِّرَت الشمس، وسُيِّرَت الجبال، وكان ما قال الله. فذلك ثقلها). وقال السدي: ({ثقلت}: عظمت).
3 -
القول الثالث: معنى قوله: {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، على السماوات والأرض. فعن قتادة:{ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، أي: على السماوات والأرض).
قلت: ولا مانع من اجتماع هذه الأقوال في مفهوم الآية، فإن الإعجاز القرآني يحتمل هذا، فالساعة ثقيلة عند مجيئها على أهل السماوات والأرض، كما هو ثقيل علمها ومعرفة وقتها. وإن كان القول الأول منسجمًا أكثر مع بقية آيات القرآن عن الساعة، كقوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} [النازعات: 42 - 44]. وكقوله تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 63].
وقوله: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} .
قال السدي: (يقول: يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة).
وقد دلّت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لا تقوم الساعة حتى تطلعَ الشمس من مَغْربها، فإذا طَلعَتْ فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسَبت في إيمانها خيرًا، ولتقومَنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثَوْبَهُما بينهما، فلا يَتَبايعانه ولا يطويانه. ولتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرف الرجل بلبنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمهُ. ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسْقي فيه. ولتقومَنَّ الساعةُ والرجل قد رَفَعَ أكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمها](1). وقوله: "يليط حوضه" - أي: يصلحه.
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - يبلغُ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: [تقوم الساعةُ والرجل يَحلُبُ اللِّقْحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (6506)، (7121)، وأحمد في المسند (2/ 369)، وأبو يعلى (6271)، وغيرهم.
والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يَلوطُ حوضه فما يصدُرُ حتى تقوم] (1).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها](2). والفَسِيلة: نخلة صغيرة.
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} .
فيه أقوال:
1 -
قال ابن عباس: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ، يقول: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم). قال ابن عباس:(لما سأل الناس محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا مُقربًا ولا رسولًا).
2 -
قال قتادة: (قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابةً، فأسِرَّ إلينا متى الساعة؟ فقال الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}).
3 -
قال مجاهد: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ، قال: استَحْفَيت عنها السؤال، حتى عَلمت وقتها). وقال الضحاك:(يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها).
4 -
قال ابن زيد: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} ، كأنك عالم بها، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . (34)} الآية).
قلت: وقول مجاهد وابن زيد أقرب للسياق وأرجح للتأويل، ويناسب خاتمة الآية: وهو قوله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} . وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (2954)، وانظر الحديث السابق.
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (3/ 183)، (3/ 184)، (3/ 191)، وكذا الطيالسي (رقم 2068)، والبخاري في الأدب المفرد (479)، وانظر السلسلة الصحيحة (9).
الله ما الإسلام؟ قال: الإسلامُ أن تعبدُ الله ولا تشركَ به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتؤدي الزكاةَ المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبدَ الله كأنك تراه فإنك إن لا تراهُ، فإنه يراك. قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل، ولكن سأحَدِّثك عن أشراطها: إذا وَلدتِ الأمة ربَّها (1) فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراةُ الحفاةُ رؤوسَ الناس (2) فذاك من أشراطها، وإذا تطاول (رِعَاءُ البَهْم (3)) في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا صلى الله عليه وسلم:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، ثم أدبر الرجلُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردُّوا عليَّ الرجلَ، فأخذوا ليردُّوه فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريلُ جاء ليعَلِّمَ الناس دينهم] (4).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن - من حديث زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال المرادي:[- وقد سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم وناداه بصوت جَهْوَريّ - فقال: يا محمد! قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاؤم - على نحو من صوته - قال: يا محمد، متى الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! إن الساعة آتية، فما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب](5). فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: [كان رجالٌ من الأعراب جُفاةً يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونَهُ: متى الساعَةُ؟ فكان يَنْظُرُ إلى أصغرهم فيقول: إن يَعِشْ هذا لا يُدْرِكهُ الهَرَمُ حتى تقومَ عَلَيْكُم ساعَتُكُم](6). قال هشام: يعني موتَهم.
الحديث الرابع: أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت
(1) أي سيدها، إخبارٌ عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها.
(2)
أي ملوك الأرض، وهو رواية لمسلم.
(3)
البَهْم: الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعًا.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 30) - كتاب الإيمان - باب: أول الإيمان قول لا إله إلا الله. وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (2).
(5)
حديث حسن. أخرجه الترمذي (3536)، والطيالسي (1167)، وابن حبان (562)، وغيرهم.
(6)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (6511)، عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. كتاب الرقاق. باب سكرات الموت.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول، قبل أن يموت بشهر:[تسألوني عن الساعة؟ وإنما عِلْمُها عند الله، وأُقْسِمُ بالله! ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مئةُ سنةٍ](1).
وقوله: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} - فيه أقوال:
1 -
قال ابن جريج: (قوله: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا}، قال: الهدى والضلالة، {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}، قال: {أَعْلَمُ الْغَيْبَ}، متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح (2).
2 -
قال ابن زيد: ({وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}، قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيتُه).
3 -
وقيل: ({وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ}، لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرُّخْص، واستعددت له في الرُّخص).
4 -
قال الضحاك - عن ابن عباس -: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} ، أي: من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} ، قال: ولا يصيبني الفقر).
قلت: والراجح القول الثاني والثالث والرابع، فهو يرجح على الأول في معناه، فكأن المعنى: لو كنت أعلم الغيب لحرصت على الإكثار من متاع الدنيا وخيراتها، وابتعدت عن آلامها ومطباتها ما استطعت. وأما في أمر الآخرة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس إليه، لا يفتر في عبادته ولا تضعف همته، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن علقمةَ: [قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: هَلْ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْتَصُّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عَمَلُهُ
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (2538) - كتاب فضائل الصحابة، والترمذي في الجامع (2250)، وأحمد في المسند (3/ 322).
(2)
ذكره ابن جرير، واستبعده ابن كثير وقال:(وفيه نظر. لأن "عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ديمةً" - وفي رواية: "كان إذا عمل عملًا أثبته" فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله عز وجل في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المرادُ أن يرشدَ غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم).
دِيمَةً، وَأَيُّكُم يُطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطيق؟ ] (1).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة أنها قالت: [كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حَصيرٌ، وكان يُحَجِّرُهُ (2) من الليل فيصلِّي فيه، فجعل الناس يُصَلُّون بِصَلاتِهِ، ويَبْسُطُهُ بالنهار، فثابوا (3) ذات ليلة فقال: يا أيها الناس! عليكم منَ الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلّوا، وإن أحبَّ الأعمالِ إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قَل، وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملًا أثبتوه](4).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة - أيضًا -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[اكْلفُوا من العمل ما تُطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أحبَّ العمل إلى الله أَدْوَمُهُ وإن قَلَّ. وكان إذا عمل عملًا أثبته](5).
وقوله: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
أي: نذير من عذاب الله وبأسه وغضبه، بشير للمؤمنين بجنات النعيم ورضوان الله الكريم.
وفي التنزيل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97].
189 -
198. قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (1987) - كتاب الصوم، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (783) - كتاب صلاة المسافرين.
(2)
أي يتخذه حجرة، كما في الرواية الأخرى.
(3)
أي اجتمعوا. وقيل: فثابوا - أي رجعوا للصلاة.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (782) - كتاب صلاة المسافرين، وانظر سنن أبي داود (1370)، ومسند أحمد (6/ 43)، وصحيح ابن حبان (322) - مما يوافق هذا المعنى.
(5)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (1368) - باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (1219) - وهو في الصحيحين نحوه.
يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)}.
في هذه الآيات: يخبر تعالى أنه خلق الناس من أبيهم آدم وزوجته حواء المخلوقة من ضلع منه ليطمئن إليها، فلما تدثر الرجل أهله ووطئها وحملت منه عاهد ربه لئن رزقتنا بشرًا سويًا لنكونن ممن يشكرك ولا يكفرك. حتى إذا صدقهم الله الأمنية بغلام سوي نسيا نعمته وأغفلا شكره وانغمسا في الكبر والشرك وتعظيم النفس والشيطان والشهوات والأوثان.
كيف يشركون مَنْ لا يخلقُ ولا يملك الضر والنفع والنصر، ولا يستجيبون لهدى لجمودهم وعجزهم عن النطق والكلام. إن ما يدعون من دون الله عبيد مثل عابديها، ومخلوقات مثلهم، بل إن عابديها أكمل خلقًا منها إذ تسمع وتبصر وتتحرك وتبطش وتلك جامدة لا حراك لها.
إن الله تعالى هو المعبود وحده لا شريك له وهو ناصر المتقين ومؤيد الصالحين، وتلك الآلهة من الشيطان والشهوات والطواغيت عاجزة عن تقديم المدد والعون وإنزال النصر أو قبول الهدى، بل هي موصوفة بالصمم والعمى كعابديها.
فقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} .
قال مجاهد: (آدم عليه السلام.
وقال قتادة: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة من آدم).
وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} .
قال قتادة: (حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها). وفي التنزيل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1].
وفيِ صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنّ المرأة خُلِقَتْ من ضِلعٍ، لن تستقيمَ لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عِوَجٌ، وإن ذَهَبْتَ تُقيمها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها](1).
وله شاهد في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان من حديث سمرة بلفظ: [إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامةَ الضِّلعِ تكسرها، فدارِها تعشْ بها] وسنده صحيح.
وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} . قال ابن جرير: (ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته).
وقال ابن كثير: (أي: ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، فلا ألفة بين رُوحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه).
قلت: وهذا كلام بديع من الحافظ ابن كثير رحمه الله، فإن غاية السكن والألفة والمودة بين الخلق جعلها الله سبحانه بين الرجل وزوجته، ليجعل الله بذلك بيت الزوجية متماسكًا متينًا لا تهزه رياح التمزيق والتفريق، فإن حصل شيء من ذلك فهو بتمكن الشياطين من التسلل إلى داخل البيت لإحداث الفتن، وهذا لا يكون إلا بإذن الله بسبب بعض المخالفات الشرعية.
فقد أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لم يُرَ للمتحابَّيْن مثل النكاح](2).
وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند حسن عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1466) - كتاب الرضاع - باب الوصية بالنساء. وانظر للشاهد بعده، صحيح الجامع الصغير، حديث رقم (1940)، ورواه الحاكم، وسنده صحيح.
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (1847)، والحاكم (2/ 160)، والبيهقي (7/ 78)، وغيرهم.
[ما توادَّ اثنان في الله عز وجل، أو في الإسلام. فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما](1).
وقوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} .
أي: فلما تدثرها ووطئها ليقضي حاجته منها حملت ماء زوجها - آدم عليه السلام وهو حمل خفيف عليها في أول أطواره. وفي الكلام محذوف - كما قال ابن جرير - والتقدير: فلما تغشاها فقضى حاجته منها حملت. قال: (يعني بـ "خفة الحمل"، الماء الذي حملته حواء في رَحمها من آدم، أنه كان حملًا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل، خفيفٌ عليها). وقال ابن كثير: (وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النُّطفة، ثم العَلَقة، ثم المُضغة).
وقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} .
فيه أقوال:
1 -
قال مجاهد: {فَمَرَّتْ بِهِ} ، قال: استمرّ حملها).
2 -
وقال السدي: (يقول: استمرت به). وقال أيوب: (سألت الحسن عن قوله: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ}، قال: لو كنت امرأً عربيًا لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به). وقال قتادة: (واستبان حملها).
3 -
وقال ابن عباس: {فَمَرَّتْ بِهِ} ، قال: فشكت، أحملت أم لا؟ ).
4 -
وقال ميمون بن مهران، عن أبيه:(استخفته).
قلت: وخلاصة المعنى كما ذكر مجاهد والحسن وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير - شيخ المفسرين رحمه الله قال:(استمرت بالماء، قامت به وقعدت).
وقوله: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} .
أي: ظهر الحمل وترعرع في بطنها واقترب حين ولادتها. كما قال السدي: (كبر الولد في بطنها). قال ابن كثير: (أي: صارت ذات ثِقَل بحملها).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري "في الأدب المفرد"(401)، وأخرجه أحمد (2/ 68)، من حديث ابن عمر. وانظر صحيح الأدب المفرد - حديث رقم - (310)، والسلسلة الصحيحة (637).
وقوله: {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} .
أي: لئن آتيتنا بشرًا سويًا لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت.
ومن أقوال المفسرين في هذه الآية:
1 -
قال ابن عباس: (أشفقا أن يكون بهيمة). وعن أبي البختري قال: (أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان). أو قال: (أشفقا أن لا يكون إنسانًا).
2 -
عن أبي صالح قال: (لما حملت امرأة آدم فأثقلت، كانا يشفقان أن يكون بهيمة. فدعوا ربهما: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا}، الآية).
3 -
قال الحسن البصري: (لئن آتيتنا غلامًا).
وقوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
قال الحسن: (كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم) - ذكره ابن جرير بسنده عنه، ثم قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: (عَنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده. يعني: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}).
ثم قال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال:(كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوّدوا ونصَّروا).
قال الحافظ ابن كثير: (وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رحمه الله أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية).
قلت: وأما ما أورده ابن جرير بسنده عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(كانت حوّاء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه "عبد الحارث"، فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث"، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان) - فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو ضعيف منكر (1). ويبقى ما ذكره الحسن واستحسنه ابن كثير، هو
(1) لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الذهبي في الميزان (6042) في ترجمة أحد رواته عمر بن إبراهيم، فقال: صححه الحاكم، وهو منكر. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ليّن يترك. وذكر الخبر السدي ومجاهد ويبدو أنه متلقى عن أهل الكتاب. وفي الحديث: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم]- إسناده جيد. أخرجه أبو داود (3644)، وأحمد (4/ 136).
الأقرب للتأويل الصحيح والأنسب لمقام نبوة أبينا آدم عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .
إنكار من الله على المشركين عبادتهم آلهة مخلوقة - من الأنداد والأصنام والأوثان - خلقها الله كما خلقهم وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، بل هم عابدوها أكمل منها بما أودعهم الله تعالى من الصفات.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95، 96].
2 -
وقال تعالى: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20].
3 -
4 -
وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].
قال الجشميّ: (تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، لأن قوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ} الآية - حجاج. وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلقُ وينعمُ ويقدر على النفع والضر هو الله تعالى).
وقوله تعالى: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} .
أي: إن هذه الآلهة التي اتخذها القوم من دون الله لا تنصر ولا تنتصر. فهي لا تملك لعبدتها نصرًا إذا حَزَبَهُم أمر، بجلب نفع أو دفع ضر. ولا تستطيع الدفاع عن نفسها إذا اعتراها حادث من الحوادث.
وقوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} .
قال ابن كثير: (يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دَحاها، كما قال إبراهيم: {يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]).
إخبار من الله تعالى أن ما يدعون من دونه عبيد مثل عابديها، ومخلوقات مثلهم، بل إن عابديها أكمل خلقًا منها إذ تسمع وتبصر وتتحرك وتبطش وتِلك جامدة لا حراك لها.
المعنى: ألأوثانكم أيها الناس أرجل فهم يسعون معكم ولكم في حوائجكم، أم لهم أيد يدفعون بها عنكم شر ما تلقونه من مكر عدوكم، أم لهم أعين يبصرون بها ما خفي عنكم لتحذروه، أم لهم آذان يسمعون بها ما خفي عنكم لتعوه وتكونوا منه على حذر وبصيرة. قل - يا محمد - لهؤلاء الجاهلين من قومك: ادعوا شركاءكم وثابروا في ذلك الغي والضلال، ثم تآمروا أنتم وهم على إنزال المكيدة والمكر فيّ، فإن الله ناصري وهو يخزي المشركين.
قال ابن جرير: ({فَلَا تُنْظِرُونِ}، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر، ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمُهُ جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء).
وقوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} .
قال القاسمي: (تعليل لعدم المبالاة، المنفهم من السوق انفهامًا جليًّا. أي: الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب، المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة. قال: وقوله تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} تذييل مقرر لما قبله. أي: ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ولا يخذلهم. وفيه تَعْريضٌ، لمن فقد الصلاح، بالخذلان والمَحْق).
وفي التنزيل - لما قال قوم هود له -: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} فأجابهم: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ. . .} .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} .
قال القرطبي: (كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر).
وقوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} .
قال السدي: (هؤلاء المشركون). وقال مجاهد: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} ، ما تدعوهم إلى الهدى). قال ابن كثير:(أي: يقابلونك بعيون مُصَوّرة كأنها ناظرة، وهي جماد ولهذا عاملهم مُعامَلة من يعقِلُ، لأنها على صُوَر مصورة كالإنسان، {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ}، فعبر عنها بضمير من يعقل) واختاره ابن جرير، وقاله قتادة.
قلت: فالسياق يدل أن الخطاب إلى المشركين في نعت ضعف آلهتهم - كما ذهب إليه شيخ المفسرين.
وقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن أبي تميمة قال:[شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال أنت محمد؟ فقال: نعم، قال: فإلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده، مَنْ إذا كان بك ضرٌّ فدعوته كشفه عنك، ومن إذا أصابك عامُ سنة فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قَفْرٍ فأضللت فدعوته ردّ عليك](1).
وفي لفظ: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك].
199 -
206. قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأبو داود. انظر صحيح سنن أبي داود (3442). وانظر تخريج المشكاة (918)، وصحيح الجامع الصغير (242).
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)}.
في هذه الآيات: توجيه الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم لأخذ العفو والإعراض عن سلوك الجاهلين. وإلى الاستعاذة به من شر وساوس الشيطان الرجيم. وتلك صفة ملازمة للقوم المتقين، كلما مسَّهم نزغ من الشيطان اللعين. وأما شياطين الإنس فهم إخوان الشياطين، تمدهم شياطين الجن بالغي والضلال فهم لهم منقادون طائعون. وإذا دُعوا إلى الإيمان طالبوا بالمعجزات والخوارق شأن الأمم قبلهم، ثم استكبروا بعد ظهورها وبيانها، فقل لهم - يا محمد - إن هذا القرآن هو أكبر معجزة إلى قيام الساعة، وقد أمر تعالى بالإصغاء لآياته إذا تليت، والإنصات الجميل لتدبر معانيه إذا سمعت، كما أمر بإخفاء الذكر والدعاء، وعدم الاعتداء في التوسل والرجاء، وحث على العبادة أوائل النهار وأواخره، والاقتداء بالملائكة الكرام في عبادتهم المستمرة وسجودهم وركوعهم وتعظيمهم لله رب العالمين.
فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} - فيه أقوال:
1 -
عن مجاهد: {خُذِ الْعَفْوَ} ، قال: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس).
وقال: ({خُذِ الْعَفْوَ}، قال: عفو أخلاق الناس، وعفوَ أمورهم). وقال عروة: (أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس). وعن ابن الزبير قال: (ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، الآية).
2 -
عن ابن عباس: (قوله: {خُذِ الْعَفْوَ}، يعني خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل "براءة" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه). وقال السدي: (أما {العفو}، فالفضل من المال، نسختها الزكاة). وقال الضحاك: {خُذِ الْعَفْوَ} : أَنْفِق الفَضْل).
3 -
قال ابن زيد: ({خُذِ الْعَفْوَ}، قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصد، وأن يحصرهم). واختاره ابن جرير.
قلت: والراجح ما أخرج البخاري في صحيحه، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال:(إنما أنزل: {خُذِ الْعَفْوَ} من أخلاق الناس). وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير:({خُذِ الْعَفْوَ} قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم).
قال النسفي: ({خُذِ الْعَفْوَ} هو ضد الجهد، أي: ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا).
ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا](1).
وفي لفظ: [يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا].
الحديث الثاني: أخرج أحمد والشيخان عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذًا إلى اليمن فقال:[يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:[لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: يا عقبةُ، صِلْ من قطعكَ، وأعطِ من حَرَمَكَ، وأعرض عمن ظلمك](3).
فدخل في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين المخبتين.
وقوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} .
قال البخاري: (العرف: المعروف). وهو قول عروة وقتادة وابن جرير.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (7/ 101)، ومسلم (5/ 141)، وأخرجه أحمد (3/ 131).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4/ 26)، (5/ 108)، (7/ 101)، (8/ 114)، وأخرجه مسلم (5/ 141)، وأخرجه أحمد (4/ 412)، (4/ 417)، وأخرجه الطيالسي (496).
(3)
حسن صحيح. أخرجه أحمد (4/ 148)، والطبراني (17/ 269)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"(19)(20)، وله شاهد عند الحاكم (1/ 518) وأحمد (4/ 148)، (4/ 158 - 159).
ولا شك أنه يدخل بهذا كل الطاعات وأعمال البر، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [قدم عُيينة بن حصن بن حُذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس - وكان من النفر الذين يُدنيهم عُمَر، وكان القراء أصحاب مجالس عمرَ ومشاورته - كُهولًا كانوا أو شبانًا - فقال عُيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وَجْهٌ عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحرُّ لعُيَيْنة، فأذن له عمر، فلما دخل قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ أن يُوقِعَ به. فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عُمرَ حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل](1).
وعن قتادة: (قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، قال: أخلاقٌ أمر الله بها نبيّه صلى الله عليه وسلم ودلَّه عليها).
قال ابن جرير: (وأما قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، فإنه أمر من الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل. وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيّه، فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الواجبَ عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حَرْب).
وقال القرطبي: (وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحضُّ على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة).
وقال ابن كثير: (وقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسنٌ، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تُكَلِّفه فوق طاقته ولا ما يحرجه، وإما مسيءٌ فَمُرْهُ بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمرَّ في جهله، فأعرِض عنه، فلعل ذلك أن يردّ كيدَه، كما قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 96 - 98]. وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4642) - كتاب التفسير - سورة الأعراف، آية (199).
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا} - أي: هذه الوصية - {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34 - 36]. وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} ، فهذه الآيات الثلاث في "الأعراف"، "والمؤمنون"، "وحم السجدة"، لا رابع لهن، فإنه تعالى يُرشِدُ فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف والتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال:{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في السنن، بسند صحيح لغيره، عن سُليم بن جابر الهُجَيمي قال:[أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتبٍ في بُردة، وإنّ هُدّابها (1) لعلى قَدَميه. فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: عليك باتقاء الله، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تُفْرغَ للمستسقي من دلوك في إنائه، أو تكلم أخاك ووجهك منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنَّها من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤ عَيَّرك بشيء يعلمه منك فلا تُعَيِّره بشيء تعلمه منه، دعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبن شيئًا. قال: فما سَبَبْتُ بعدُ دابةً ولا إنسانًا](2).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بِوَجْهٍ طليق](3).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن عديّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة](4).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، والبخاري في "الأدب المفرد"
(1) وفي سنن أبي داود: هدبها. وهدب الثوب، وهدبته، وهدابه: طرف الثوب مما يلي طُرّته.
(2)
صحيح لغيره. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" - حديث رقم - (1182) - باب الاحتباء. وأخرجه الطيالسي (1208)، وصححه ابن حبان (521). وانظر مسند أحمد (5/ 64)، وصحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (3442).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2626). وقوله: "بوجه طليق" - أي: متهلل بالبشر والابتسام.
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (10/ 375)، وأخرجه مسلم (1016)(68)، وغيرهما.
بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق](1). وفي لفظ: (صالح الأخلاق).
وقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
أي: إن أصابك غضب أو وسوسة من الشيطان باقتراب ما لا يحل فاطلب النجاة من ذلك بالله، والتجئ إليه سبحانه، إنه سميع لنداء عبده ودعائه، عليم بوسوسة الشياطين وما تخفي الصدور، وبما يذهب وسوسة اللعين ونزغه.
والنَّزْغُ والنَّغْز والهَمْزُ والوسوسة سواء، وأصل النزغ الفساد، وقيل: النزغ الإغواء والإغراء، والمفهوم واحد. وفي التنزيل:
1 -
قال الله تعالى: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. .} [يوسف: 100].
2 -
وقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون: 97].
3 -
وقال تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4].
ومن كنوز السنة في هذا المعنى:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا، حتى يقول له من خلق ربك! فإذا بلغ فليستعذ بالله وليَنْتَهِ](2).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن عَلْقَمة، عن عبد الله قال:[سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الوَسْوَسة، قال: تلك مَحْضُ الإيمان](3).
الحديث الثالث: أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: [جاء ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحَدُنا أن يتكلم به، قال: أو قَدْ وجدتموه؟ قال: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان](4).
(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (2/ 318)، والبخاري في "الأدب المفرد"(273)، والحاكم (2/ 613). وإسناده حسن.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3276)، وأخرجه مسلم (134) ح (214) من حديث أبي هريرة.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (133) - كتاب الإيمان. باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها.
(4)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (132) - كتاب الإيمان- الباب السابق.
قال القرطبي - وقد ذكر هذا الحديث -: (والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنه قال: جَزَعُكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمّى الوسوسة إيمانًا لما كان دفعها والإعراض عنها والردّ لها وعدم قبولها والجزعُ منها صادرًا عن الإيمان).
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} .
أي: إن الذين يخافون الله سبحانه ويعظمون أمره إذا ألمَّ بهم لمَمٌ أو زلل من الشيطان من غضب أو غفلة أو جهل عارض أو غير ذلك مما يصدّ عن القيام بواجب الإيمان والتقوى، تذكروا عقاب الله ووعده ووعيده، فحملهم ذلك على الانسحاب السريع من المعصية والنهوض من الوقوع إلى التوبة والإنابة والاستغفار.
وللمفسرين في الآية تأويلان متقاربان:
1 -
عن مجاهد: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} ، قال: هو الغضب). وقال سعيد: (الطيف: الغضب). وقد قرأ بعض المكيين والبصريين والكوفيين: {طيفٌ من الشيطان} ، في حين قرأها عامة قراء المدينة والكوفة {طائف} - وهو الأرجح والأشهر.
2 -
عن ابن عباس: ("الطائف" اللَّمَّة من الشيطان. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ}، يقول: نزغٌ من الشيطان، {تذكروا}).
وقال السدي: (يقول: إذا زلّوا تابوا).
فبعد الذكرى يصبحون في حال أحسن، إذ عادوا إلى حال التقوى وقد نزع الله عنهم وسواس الشيطان، فانتصروا بعد عراك ومجاهدة فإذا هم على هدى من الله وبصيرة ونور.
وعن ابن عباس: ({فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}، يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان).
ومن كنوز السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سُليمانَ بن صُرَد رضي الله عنه قال: [كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يَسْتَبَّان وأحدهما قد احمَرَّ وجْهُه، وانتفخت أوداجهُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم](1).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي العلاء: [أن عثمانَ بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يُلَبِّسُها عَليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَبٌ، فإذا أحْسَسْتَهُ فتعوَّذْ بالله منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثًا. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني](2).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد، والحاكم، وابن حبان، والحافظ أبو بكر بن مَرْدَوَيه - واللفظ له - بسند حسن - عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:[جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طَيْفٌ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني. فقال: إن شئت دعوتُ الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حسابَ عليك. فقالت: بل أصبر، ولا حساب عليّ].
ولفظ أحمد وغيره من أهل السنن: [قالت: يا رسول الله، إني أُصْرَعُ وأَتَكَشَّفُ، فادعُ الله أن يشفيني. فقال: إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؟ فقالت: بل أصبر، ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشَّف، فدعا لها، فكانت لا تتكشَّفُ](3).
وقوله تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} .
المعنى: إن إخوان الشياطين - وهم شياطين الإنس - تمدهم شياطين الجن في الغيّ والضلال، ثم هم بعد ذلك منقادون طائعون لأوامر شياطينهم.
قال ابن عباس: ({وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} ، قال: لا الإنس
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3282)، كتاب بدء الخلق، وانظر (6115)، ورواه مسلم.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2203) - كتاب السلام. باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة.
(3)
حديث حسن. أخرجه أحمد (2/ 441)، والحاكم (4/ 218)، وابن حبان (2909)، وغيرهم.
يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُمْسِك عنهم). وقال أيضًا:(هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}، يقول: لا يسأمون). وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير:(وإخوانهم من الجن يمدون إخوانهم من الإنس، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}، يقول: ثم لا يقصر الإنسان. قال: و"المد" الزيادة، يعني أهل الشرك. يقول: لا يُقصر أهله الشرك كما يقصر الذين اتقوا، لا يرعَوُون، لا يحجزهم الإيمان). وقال مجاهد: ({وَإِخْوَانُهُمْ} من الشياطين، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ}، استجهالًا).
والخلاصة في قوله: {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} أحد تأويلين متكاملين:
1 -
التأويل الأول: الشياطين تمد، والإنس لا تقصر في الامتثال، وركوب سبيل الغي والضلال. كما ذكر ابن عباس:(لا الإنس يُقصِرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم).
2 -
التأويل الثاني: الشياطين يمدون أولياءهم من الإنسان دون كلال أو ملل أو تقصير. قال ابن عباس - في رواية العوفي عنه -: (هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}، يقول: لا يسأمون).
وفي التنزيل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83]. قال ابن عباس وغيره: (تُزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا). وقال ابن كثير: (يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية {لَا يُقْصِرُونَ}، لا تفتر فيه ولا تَبْطُل عنه).
وقوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} .
أي: هَلّا أتينا بها من عندك!
المقصود: هم يريدون رؤية معجزة أو خارق كما هو شأن الأمم من قبل، سألوا الخوارق والمعجزات، فلما أتتهم استكبروا وأصروا على العناد والبغي. ومن أقوال المفسرين:
1 -
قال ابن عباس: ({قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}، يقول: لولا تلقّيتها). وقال: (لولا أحدثتها فأنشأتها).
2 -
وقال مجاهد: ({وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}، قال: لولا اقتَضَبْتَها، قالوا: تخرجها من نفسك).
3 -
قال الضحاك: ({لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء).
قال الحافظ ابن كثير: (أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبعُ ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إليَّ فإن بعث آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداءً إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم. ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبيانات، فقال: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}).
وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
أمْرٌ من الله تعالى بالإصغاء لكتابه العظيم إذا تليت آياته، والإنصات الجميل لتدبر معانيه وتفهم مواعظه وَحِكَمه، فإن في ذلك مظنة نزول رحمة الله على الممتثلين الطائعين. وتفصيل ذلك:
1 -
هذه الصفة التي يأمر الله تعالى المؤمنين بالتحلي بها، هي مضادة لسلوك الكافرين حين سماعهم القرآن، إذ يقولون:{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26].
2 -
يتأكد امتثال هذا النعت أثناء صلاة الجماعة حين يجهر الإمام بالقراءة.
ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا](1).
وفي مسند أحمد عن أبي هريرة: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف في صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ قال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: إني أقول: ما لي أنازعُ القرآنَ؟ ! قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر
(1) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (404) - كتاب الصلاة. باب التشهد في الصلاة.
فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1).
قال عبد الله بن عباس: (قوله: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}، يعني: في الصلاة المفروضة). وعن مجاهد قال: (في الصلاة). وعن ابن زيد: (أن المراد بذلك في الصلاة). وقال الحسن: (في الصلاة وعند الذكر).
ومن أقوال الفقهاء:
قال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال:(لا يقرأ مَنْ وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسمعهم صوته، ولكنهم يقرؤون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}).
قال الحافظ ابن كثير: (هذا هو مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو القديم كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل. قال: وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم).
قلت: لا شك أن الأمر استقر على النهي عن القراءة مع الإمام في الجهرية، حتى ولو كان بفاتحة الكتاب للحديث السابق وقوله صلى الله عليه وسلم:"ما لي أنازع"، وقول أبي هريرة:(فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية:(وقرؤوا في أنفسهم سرًا فيما لا يجهر فيه الإمام)(2). وهناك إضافة إلى ذلك حديثان:
الحديث الأول: أخرج البيهقي من حديث عمر مرفوعًا - وفي آخره -: [مالي أنازع
(1) إسناده جيد. أخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"(96)، وأبو داود (826)، والترمذي (312)، والنسائي (2/ 140)(2/ 141)، وابن ماجه (849)، وأحمد (2/ 284)، وابن حبان في صحيحه (1849) من طرق عن الزهري به، وإسناده جيد.
(2)
أخرجه مالك والحميدي وأبو داود والمحاملي (6/ 139/ 1) وحسنه الترمذي. وانظر صفة الصلاة - ص (80) - الألباني، وقال: وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيم.
القرآن؟ ! أما يكفي أحدكم قراءة إمامه؟ ! إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا] وسنده حسن (1).
الحديث الثاني: أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني وأحمد عن جابر مرفوعًا: [من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة](2).
3 -
والآية تشمل مجالس العلم والذكر والعيدين والجمعة وحيث يُقرأ القرآن أثناء لقاء مشروع غير مبتدع.
فعن مجاهد: ({وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}، قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة). وعن الحسن قال: (في الصلاة وعند الذكر). وقال: (إذا جلست إلى القرآن فأنصت له).
وقال سعيد بن جبير: ({وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}، قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة).
واختار ابن جرير - شيخ المفسرين - أن المراد بالآية الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة.
قلت: وأما القراءة المبتدعة فلا يجب الإنصات لها، كأن يوضع القرآن على المنائر قبيل الصلوات في المساجد، أو يوضع على المكبرات في تعازي الناس ومآتمهم، أو يرفع الصوت ليسمع في السوق من بعض المحلات، فلا يجب على المارة الإنصات لذلك.
أَمْرٌ من الله تعالى بإخفاء الذكر والدعاء وعدم الاعتداء في ذلك، وحثٌ على العبادة في هذين الوقتين {بِالْغُدُوِّ} أوائل النهار، {وَالْآصَالِ} أواخر النهار وفي العشيات.
قال مجاهد: ({وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} ، الآية،
(1) رواه البيهقي في "كتاب وجوب القراءة في الصلاة" كما في "الجامع الكبير"(3/ 344/ 2).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 97/ 1)، والدارقطني وابن ماجه والطحاوي وأحمد من طرق كثيرة، مسندة ومرسلة، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفروع" لابن عبد الهادي (ق 28/ 2). وصحَّحَ بعض طرقه البوصيري. وانظر صفة الصلاة - الألباني ص (81)، والإرواء (حديث - 500).
قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعًا وخيفة). وقال ابن جريج: (يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء).
قال ابن جرير: (وأما قوله: {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}، فإنه يعني: بالبُكَر والعَشِيَّات).
والآصال جمع أصيل، كما الأيمان جمع يمين - هكذا في كلام العرب. والآصال هي وقت ما بين العصر إلى المغرب. قال ابن زيد:({بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: بالبكر والعشي).
وقال مجاهد: ("الغدو" آخر الفجر، صلاة الصبح، و"الآصال"، آخر العشي، صلاة العصر. قال: وكل ذلك لها وقت، أو الفجر وآخره. وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}. وقيل: "العشي" مَيْل الشمس إلى أن تغيب، و"الإبكار"، أول الفجر).
والخلاصة: في الآية نهي صريح عن رفع الصوت بالذكر والدعاء، أو التشويش على المؤمنين. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مالك في الصلاة، من حديث البياضي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج على أصحابه وهم يرفعون أصواتهم بالقرآن، فكره ذلك - وقال:[لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن](1).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: [اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة](2).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: [كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكُنّا إذا أشرفنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارتَفَعَتْ أصواتُنا،
(1) حديث صحيح. رواه مالك في الصلاة، باب العمل في القراءة (1/ 80) - رقم (29).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، رقم (1332)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(2/ 543)، رقم (2658).
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس! ارْبَعُوا على أنْفُسكم، فإنكم لا تَدْعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب] (1).
وأما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2). فالجواب عنه كما قال الشافعي في الأم (1/ 127): (وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه). قال ابن الحاج: (فهذا الإمام الشافعي حمل ذلك على سبيل التعليم، فإن حصل التعليم أمسك).
قال ابن جرير: (وأما قوله: {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}، فإنه يقول: ولا تكن من اللَّاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره وما فيه من عجائبه، ولكن تدبر ذلك وتفهمه، وأشعره قلبك بذكرٍ لله، وخضوع له، وخوفٍ من قدرة الله عليك إن أنت غفلت عن ذلك).
وقال قتادة: (أمر الله بذكره، ونهى عن الغفلة).
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} .
قال القاسمي: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي: لا يتعظمون عنها. وقوله: {وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي: فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا كان أولئك - وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة - حالهم في عبادته تعالى وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم).
قال ابن كثير: (وإنما ذكرهم بهذا ليُتَشَبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم. ولهذا شرع لنا السجود ها هنا لما ذكر سجودهم لله عز وجل. كما جاء في الحديث: "ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها، يُتِمُّون الصفوفَ الأوَل، ويتراصون في الصف". وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بالحث والترغيب على سجود التلاوة، في أحاديث:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (2992) - كتاب الجهاد والسير - باب ما يُكرَهُ من رَفْعِ الصوت في التكبير.
(2)
رواه البخاري في الأذان (841)، ورواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (583)(122).
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرتُ بالسجود فأبيت فلي النار](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته، في غير وقت صلاة](2).
الحديث الثالث: روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة](3).
تم تفسير سورة الأعراف
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في - كتاب الإيمان - حديث رقم - (81). وفي رواية: (فعصيت فليَ النار). وهو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (1079) - كتاب سجود القرآن، وانظر (1075)، ورواه مسلم.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (488) - كتاب الصلاة. باب فضل السجود والحث عليه، من حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.