المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌دروس ونتائج وأحكام: - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٣

[مأمون حموش]

الفصل: ‌دروس ونتائج وأحكام:

‌دروس ونتائج وأحكام:

1 -

الأصل حسن ظن المسلم بأخيه.

ومنه قول معاذ بن جبل في كعب: (والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا).

وفي التنزيل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].

وفي المسند عن أسماء بنت يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[مَنْ ذَبَّ عن عِرض أخيه بالغَيْبَة، كان حقًا على الله أن يُعْتِقَهُ من النار](1).

2 -

جواز الهجر أكثر من ثلاثة أيام لسبب شرعي.

ففي حديث البخاري عن كعب قال: (حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشُرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا](2).

وفي التنزيل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10].

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يحل لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار](3).

قال أبو داود: (إذا كانت الهجرةُ لله تعالى، فليس من هذا في شيء).

3 -

أهمية الصدق وشؤم الكذب.

فقيمة الصدق عالية ورفيعة، ومنزلة الصادقين كبيرة وعظيمة، وقد أمر الله بذلك المؤمنين فقال في سورة التوبة:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} .

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند - انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (6116).

(2)

حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (2565) - كتاب البر والصلة.

(3)

حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (4914). انظر صحيح أبي داود (4106)، وانظر تخريج مشكاة المصابيح (5035)، وصحيح الجامع الصغير (7535).

ص: 579

ومنه قول كعب - كما روى البخاري عنه -: (يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صِدْقًا ما بقيت).

أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليَصْدُق حتى يُكْتَبَ عند الله صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفُجور، وإن الفُجورَ يهدي إلى النار، وإن الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتى يُكْتَبَ عند الله كَذّابًا](1).

4 -

سعة رحمة الله وقبوله للتائبين.

ففي قصة المخلفين وتوبتهم درس لأهل الذنوب والمعاصي والآثام، أن يطرقوا باب الكريم الغفور المنّان، ليلتمسوا منه العفو عما مضى والتجاوز والإحسان.

قال تعالى في سورة الزمر: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها](2).

وهناك دروس كثيرة أخرى سطرتها في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، عقب غزوة تبوك (3/ 1554 - 1578) ولله الحمد والمنة.

120 -

122. قوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (10/ 423)، ومسلم (2607)، وأبو داود (4989)، والنسائي (1972) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (2759)، من حديث أبي موسى.

ص: 580

كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}.

في هذه الآيات: إعلام من الله تعالى عباده المؤمنين في المدينة وما حولها أنه لا ينبغي لأحد التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو والرغبة بنفسه عن مشاركته مشقة الجهاد وقتال الأعداء، وأنه لا يصيب أحدًا في خروجه عطش أو تعب أو جوع، ولا ينزلون أرضًا أو موقعًا يُرهب العدو ولا يصيبون منه إلا كتب لهم به عمل صالح والله لا يضيع أجر المحسنين.

وكذلك لا يبذلون في سبيل الله نفقة صغيرة أو كبيرة، ولا يقطعون واديًا في طريقهم إلى الغزو أو في عودتهم إلا سُجِّلَ لهم ذلك في صحائفهم بأعطر وأجزل الثواب.

إنه لا ينبغي إخلاء المواقع في سبيل الله، بل إذا خرجت فِرَقُ السرايا إلى الغزو، جلس الباقون ليتفقهوا في دينهم، ليقوموا بواجب الإنذار والبلاغ في قومهم لعلهم يحذرون.

قال قتادة: (قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ}، هذا إذا غزا نبيُّ الله بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف).

والآية عتاب من الله تعالى للمتخلفين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، من أهل المدينة وممن حولها من أحياء العرب وسكان البوادي، فإنه ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، وما ينبغي لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن مشاركته صلى الله عليه وسلم الجهاد وأعباء الغزو ومشقة السفر. فإنه:{لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} وهو العطش. {وَلَا نَصَبٌ} وهو: التعب. {وَلَا مَخْمَصَةٌ} وهي المجاعة أو الجوع. {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في طريق إقامة دين الله ونصرته، وإبطال الباطل وهدم منار الكفر. {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} أي: لا ينزلون أرضًا أو منزلًا يُرهب عدوهم ويغيظه ويغضبه. {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} أي: ولا يصيبون من عدوهم ظفرًا أو موقفًا أو قهرًا في الأموال أو الأنفس. {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} - أي: إلا احتسب لهم ضمن معالي الأعمال ورفيع الدرجات وثواب العمل الصالح، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} - أي: لا يبطل ثوابهم.

ص: 581

وقوله: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} .

قال النسفي: ({وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً} في سبيل الله {صَغِيرَةً} ولو تمرة {وَلَا كَبِيرَةً} مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا} أي: أرضًا في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال، ومنه الودي، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} من الإنفاق وقطع الوادي).

وقوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . أي: أرفع المراتب وأعلى الدرجات. وقد نال عثمان رضي الله عنه من هذه البشائر الحصة العظمى.

فقد أخرج الترمذي وأحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: [جاء عثمان، إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جَهَّزَ النبي صلى الله عليه وسلم جيش العُسرة - قال: فَصَبَّها في حِجْر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: ما ضرَّ ابن عفانَ ما عملَ بعد اليوم. يرددها مرارًا](1).

وفي رواية: (فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: ما ضَرَّ عُثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم مرتين).

وأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن في الشواهد عن عبد الرحمن بن خَبّاب السلمي قال: [خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فَحَثَّ على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: عليَّ مئةُ بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علىّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حَثَّ، فقال عثمان بن عفان: عَلَيَّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا - يحركها - "ما على عثمان ما عمل بعد هذا"](2).

قال ابن القيم في "زاد المعاد"(3/ 559): (ومنها: ما برز به عثمانُ بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة، وسبِق به الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا عثمانُ ما أسْرَرْتَ، وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ، وما أبْدَيْتَ. ثم قال: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم، وكان قد أنفق ألف دينار، وثلاث مئة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابها).

(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (3967) - مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وانظر صحيح سنن الترمذي (2920)، وأخرجه أحمد (5/ 63)، والحاكم (3/ 102) بسند حسن.

(2)

حديث حسن. أخرجه أحمد (4/ 75)، والترمذي (3700)، وإسناده لا بأس به في الشواهد.

ص: 582

وذكر قتادة بإسناد صحيح مرسل أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله، في تجهيز جيش العسرة (1).

كما أنفق أبو بكر وعمر والعباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وغيرهم أموالًا كبيرة، وجاء الفقراء بما استطاعوا ولم يوفروا اليسير الذي عندهم، فتعرضوا للمز المنافقين.

وقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} ، فيه أقوال:

1 -

قيل: هم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى البوادي يعلمون الناس الإسلام. فلما نزل قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} انصرفوا عن البادية خشية دخولهم في تحذير الآية.

قال مجاهد: (ناس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}، يبتغون الخير، {لِيَتَفَقَّهُوا}، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ}، الناس كلهم، {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}).

2 -

قيل: المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوهم، ويتركوا نبيّهم صلى الله عليه وسلم وحده.

قال ابن زيد: ({وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، قال: ليذهبوا كلهم، فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة، {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}، ليتفقه المتخلفون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) - وهو اختيار ابن جرير.

3 -

قيل: بل المعنى: لو كانوا مؤمنين لم ينفروا جميعهم بل هم منافقون، وهذا قول بعيد.

4 -

قيل: بل هو تكذيب من الله لمنافقين أزْرَوا بأعراب المسلمين وغيرهم في

(1) انظر تفسير الطبري (10/ 195)، وكتابي: السيرة النبوية (3/ 1505 - 1508) لتفصيل أكبر.

ص: 583

تخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ممن عذره الله بالتخلف.

5 -

قيل: بل المعنى: لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله قاعد، فإذا غزا بنفسه صلى الله عليه وسلم لم يحل لأحد التخلف إلا بعذر.

قال الضحاك: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا لم يَحِلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل بعدكم على نبيّه قرآنًا. فَيُقرئُونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}، يقول: إذا أقام رسول الله {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تَسَرّت السرايا، وقعد معه عظْمُ الناس).

6 -

قال الحسن البصري: (ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).

قلت: والراجح في معنى الآية أنه لولا نفر للجهاد من كل فرقة طائفة، لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد عند رجوعهم إليهم فيخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي. فإن النفير في لغة العرب إنما يستعمل للخروج للجهاد لا لطلب العلم.

والمقصود: أهمية انصراف جموع المؤمنين لطلب العلم والتفقه في الدين ودعوة الخلق إلى إقامة منهاج الإسلام في حياتهم، وإنما يكتفى للجهاد بنفير فئة يقوم بها أمر مجاهدة الأعداء.

وأكثر من حَلّق في آفاق هذا المعنى بتحليل لطيف الإمام ابن القيم رحمه الله، فلنستمع إلى روائع التأويل في ذلك.

قال ابن القيم في "أعلام الموقعين"(2/ 178 - 179): (قولكم: "وقد قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} .

فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم".

جوابه من وجوه:

أحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل

ص: 584

في غيبتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي.

الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة، فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين، أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم، فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رَجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار مَنْ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا للناس في الآية قولان:

أحدهما: أن المعنى فَهَلّا نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدَد التواتر.

والثاني: أن المعنى فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح، لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا استنفرتم فانفروا"، وأيضًا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًا بالغائبين عنه فقط، والمعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة، وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراج للفظ عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه، فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير مَنْ أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سَمَّيْتُم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فَسَمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نَصْبَ رجل معين يُجْعَلُ قولُه عيارًا على القرآن والسنن، فمَا وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معهُ، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره وذمه وذم أهله).

ص: 585

123.

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} .

في هذه الآية: أمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين في دولة الحق قتال الكفرة المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله والقسوة عليهم والله ولي المتقين.

قال ابن كثير: (أمر تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرَغَ منهم وفتح الله عليه مكة، والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهّز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهْد الناس وجَدْب البلاد وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام.

ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجّة الوداع.

ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد الحجة بواحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده. وقام بالأمر بعده وزيرُه وصديقه وخليفته أبو بكر رضي الله عنه وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل (1)، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم.

ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطَّغام، وبيَّنَ الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله.

ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عَبَدَة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله.

وكان تمامُ الأمر على يدي وصيه من بعده، وَوَليِّ عهده الفاروق الأوّاب، شهيد

(1) انجفل الظل: انحسر.

ص: 586

المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحُملت إليه خزائنُ الأموال من سائر الأقاليم بُعْدًا وقربًا، فَفَرَّقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضيِّ.

ثم لما مات شهيدًا وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار.

فكُسِيَ الإسلامُ بحالةِ رياسته حُلَّة سابغة، وأُمِدَّتْ في سائر الأقاليم على رقاب العباد حُجَّةُ الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما عَلَوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار} ، وقوله تعالى:{وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} ، أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوّه الكافر، كما قال تعالى:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، وقال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]).

قلت: ولا شك أن هذه الآية خطاب للدولة المسلمة ممثلة بالخليفة ذي الشوكة ليقوم بمقتضاها على مدار الزمان، فيعز الحق في الأرض ويذل الشرك والكفر والباطل، ومن ثمَّ فليس الخطاب لأفراد غُرباء في أرجاء المعمورة يفرون بدينهم وليس لأمتهم كيان ولا شوكة وهم لم يقيموا الإسلام أولًا في بيوتهم ومساجدهم وأحيائهم ومجتمعاتهم، فيتهورون بفتح النار على أعدائهم قبل تميّز الصفوف وإقامة دولة الحق، فيقعون في الفتنة والضياع.

وإنما الواجب على المسلمين اليوم إقامة الدين في طائفة الحق التي ستفرز يومًا قريبًا بإذن الله الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي سيكون وصولها نذير سوء لكل مناهج الكفر والظلم وجيوش البغي في الأرض.

وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ص: 587

[لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك](1).

وله شاهد عنده من حديث المغيرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لن يزالَ قَوْمٌ من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون].

الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:[لن يَبْرَحَ هذا الدينُ قائمًا، يُقاتل عليه عِصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة](2).

وله شاهد عنده من حديث جابر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة].

وشاهد آخر من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة]. وأهل الغرب: هم أهل الشام.

وشاهد ثالث من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرّهم مَنْ خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك].

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت](3).

وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . أي: توكل سبحانه بالنصر والتأييد لأهل

(1) حديث صحيح. رواه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (1920) - كتاب الإمارة -. وانظر للشاهد الحديث (1921) من الباب نفسه.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (1922) - كتاب الإمارة -. وانظر للشواهد بعده: حديث رقم (1923) - إلى - (1925).

(3)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (4/ 273)، وأخرج الطيالسي في مسنده (438)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (5).

ص: 588

استقامة المنهج، ووعدهم الظهور على عدوهم في كل زمان، إذا ما أقاموا أمره ورفعوا لواء دينه الحق على منهاج النبوة.

124 -

127. قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)}.

في هذه الآيات: كَشْفٌ من الله تعالى لسلوك المنافقين عند نزول سورة من سور القرآن، إذ يقول قائلهم: أيكم زادته هذه السورة تصديقًا؟ فالمؤمنون يزدادون بها إيمانًا وهم يستبشرون.

وأما المنافقون فيزدادون مرضًا ورجسًا في قلوبهم ويموتون كافرين.

ثم في الآيات توبيخ لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم كل عام مرة أو مرتين ليصدقوه الإيمان والعمل، ومع ذلك فلا هم يتوبون ولا هم يتعظون.

بل إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تغامزوا بالعيون والتفت بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا من مجلسه صلى الله عليه وسلم خشية الفضيحة، والله تعالى بعدله وحكمته يصرف قلوبهم عن تدبر هذا القرآن لأنهم قوم لا يفقهون.

قال ابن عباس: (قوله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا}، قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها، فزادهم الله إيمانًا وتصديقًا، وكانوا يستبشرون).

وعن الربيع: ({فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، قال: خشية).

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله في هذه السورة من يقول: أيها الناس، أيكم زادته هذه السورة إيمانًا؟ يقول: تصديقًا بالله وآياته. يقول الله: {فَأَمَّا

ص: 589

الَّذِينَ آمَنُوا}، من الذين قيل لهم ذلك، {فَزَادَتْهُمْ} ، السورة التي أنزلت، {إِيمَانًا} ، وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين).

وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ، أي: نفاق وشك وريبة وسوء ظن بالله ودينه، {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} أي: زادهم نزول تلك الآيات مرضًا إلى مرضهم، ونفاقًا ونتنًا في تصورهم، وقبحًا في منهاجهم، {وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}. أي: هلكوا وفارقوا الدنيا على الكفر بالله ورسوله، والشك والريبة والنفاق.

وقوله تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} .

توبيخ من الله لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم في أحد الأعوام مرة وفي بعضها مرتين، ثم هم مع ذلك البلاء والاختبار لا يرجعون من نفاقهم ولا يتوبون ولا يتعظون.

ومن أقوال المفسرين في ذلك:

1 -

عن مجاهد قال: (يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين). وقال: (بالسنة والجوع).

2 -

وعن قتادة قال: (يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين).

3 -

عن حذيفة قال: (كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضلُّ بها فئام من الناس كثير). أو قال: (كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان).

والمقصود أن المنافقين يفتنون بما يشيعه المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيمشون بالكذب والضلال.

ويجمع هذه الأقوال فَصْل شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير رحمه الله حيث يقول: (إن الله عجَّبَ عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، وَوَبَّخَ المنافقين في أنفسهم بقلّة تذكرهم، وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظُ الشدائدَ التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائزٌ أن تكون ما يريهم من نُصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائزٌ أن تكون ما يظهرُ للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم، بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه).

ص: 590

وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} .

إخبار منه سبحانه عن سلوك هؤلاء المنافقين عند نزول سورة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يتلفتون بين بعضهم، ويتغامزون فيما بينهم، هل يراكم أحد إن تناجيتم بمعايب القوم فيخبرهم، ثم يقومون منصرفين ولم يستمعوا التنزيل الذي فيه خزيهم وذكر معايبهم، لقد صرف الله قلوبهم عن الحق وأزاغها بأنهم قوم لا يفقهون.

قال النسفي: ({وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} تغامزوا بالعيون إنكارًا للوحي وسخرية به قائلين {هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ} من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم، أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته عليه السلام {ثُمَّ انْصَرَفُوا} عن حضرة النبي عليه السلام مخافة الفضيحة {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} عن فهم القرآن {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} لا يتدبرون حتى يفقهوا).

128 -

129. قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)}.

في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العرب أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم لا من غيرهم، يَعِزُّ عليه مشقتهم، حريص على هدايتهم ونجاتهم وسعادتهم، بالمؤمنين رفيق رحيم.

فإن أعرضوا عما جئتهم به - يا محمد - من الشريعة العظيمة السمحة فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعليه اعتمدت، فهو ناصري ومؤيدي ومعيني، وهو رب العرش العظيم.

فقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للعرب: لقد جاءكم، أيها القوم، رسول الله

ص: 591

إليكم، {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ، تعرفونه، لا من غيركم فتتهمونه على أنفسكم في النصيحة لكم).

وفي التنزيل:

1 -

قال تعالى - يحكي دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة -: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} [البقرة: 129].

2 -

وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} [آل عمران: 164].

ومن أقوال المفسرين:

1 -

عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ} ، قال:(لم يصبه شيء من شركٍ في ولادته). وقال: (لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية).

2 -

وقال قتادة: ({لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ}، قال: جعله الله من أنفسهم، فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة).

ومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:

الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس: [- في سؤال هرقل لأبي سفيان - كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. . . فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه؟ فذكرْتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبْعَثُ في نسب قومها](1).

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح من حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الهجرة إلى الحبشة ومخاطبة جعفر للنجاشي - قال له: [أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل المَيْتَةَ ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (7) - كتاب بدء الوحي - في أثناء حديث طويل.

ص: 592

منا، نعرف نَسَبَه وصدقه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى الله تعالى. .] الحديث (1).

الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[خرجت من نكاح، ولم أخرج من سِفاح، من لدنْ آدم، إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء](2).

الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم من حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم](3).

وقوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ} .

قال القرطبي: (أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة).

وقال القاسمي: (أي شديد عليه شاق، لكونه بعضًا منكم، عنتُكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب).

ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أشد ما لقي من قومها في يوم العقبة - قال: [فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله عز وجل قد سمع قولَ قومِكَ لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمعَ قولَ قومكَ لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - هما جبلا مكة أبو قبيس والمقابل -؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرجَ الله من أصلابهم من يَعْبُدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا](4).

(1) حديث صحيح. رواه أحمد (5/ 290)(1/ 202 - 292) بسند صحيح عن زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصححه أحمد شاكر في التعليق على المسند، حديث رقم (1740).

(2)

حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث علي رضي الله عنه. انظر "المجمع "(8/ 214)، و"الدر"(3/ 525)، وصحيح الجامع الصغير (3220).

(3)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2276)، وأحمد (4/ 107)، والترمذي (3605)، وابن حبان (6242) من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.

(4)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (3/ 1420)، ورواه البخاري (انظر فتح الباري 6/ 312 - 313).

ص: 593

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن ابن عباس قال:[سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الحنيفية السمحة. وفي لفظ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة](1).

الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس مرفوعًا: [يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا](2).

وكان إذا بعث أحدًا من أصحابه أوصاه بذلك، وقال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن:[يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا](3).

وقوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} . أي: على هدايتكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة.

قال قتادة: ({حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، حريص على ضالهم أن يهديه الله). وقال: (حريص على من لم يسلم أن يسلم).

وقال ابن جرير: (حريص على هدى ضُلّالِكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق).

ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: [تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بقي شيءٌ يُقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم](4).

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مثلي ومثلُ ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: رأيت الجيش بِعَيْني، وإني

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد (2108)، وعلقه البخاري في صحيحه "كتاب الإيمان"، ووصله في "الأدب المفرد"(283)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم (881).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (7/ 101)، ومسلم في الصحيح (5/ 141)، وأخرجه أحمد في المسند (3/ 131).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 26)، (5/ 108)، ومسلم في الصحيح (5/ 141)، وأحمد في مسنده (4/ 412)، وغيرهم.

(4)

حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (5/ 153 - 162) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، والطيالسي (479)، وابن حبان (65)، والطبراني (1647)، وإسناد ابن حبان والطبراني رجاله رجال الصحيح غير محمد المقري، وهو ثقة.

ص: 594

أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فأطاعه طائفة فأدلجوا على مَهْلِهم فنَجوا، وكذّبته طائفة فَصَبَّحَهُم الجيش فاجتاحهم] (1).

الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:[إنما مثلي ومثل الناس: كمثلِ رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقَعْنَ فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فأنا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النار وأنتم تَقَحَّمُونَ فيها](2).

وقوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . أي: رفيق رحيم.

قال النسفي: (قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وفي التنزيل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: 215 - 217].

وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)} .

أي إن أعرضوا وأنكروا ما جئتهم به من الشريعة العظيمة والدين الحق فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، فهو ناصري ومعيني، وهو رب العرش العظيم الذي كل مخلوق آخر دونه.

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل](3).

وفي الصحيحين عنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: [اللهم لك أسلمتُ وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزّتك، لا إله إلا أنت أن تضِلّني، أنت الحَيُّ الذي لا يموتُ، والجنُ والإنس يموتون](4).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (6482) - كتاب الرقاق - باب الانتهاء عن المعاصي.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (6483) - كتاب الرقاق - الباب السابق.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (8/ 172)، من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(4)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (11/ 101)، وأخرجه مسلم (2717)، واللفظ لمسلم.

ص: 595

وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس أيضًا: [أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات والأرض وربُّ العرش الكريم].

وفي رواية: [كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات، وربُّ الأرضِ، ورَبُّ العرش الكريم](1).

تم تفسير سورة التوبة

بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

° ° °

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (11/ 123)، وأخرجه مسلم (2730)، وانظر صحيح سنن الترمذي (3/ 154)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 596