المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 66] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ١٣

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث عشر]

- ‌تفسير سورة الشّورى

- ‌مقدّمة

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 7 الى 12]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 13 الى 16]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 21 الى 24]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 25 الى 36]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 37 الى 43]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 44 الى 48]

- ‌[سورة الشورى (42) : الآيات 49 الى 53]

- ‌تفسير سورة الزّخرف

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 9 الى 14]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 15 الى 25]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 26 الى 35]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 36 الى 45]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 46 الى 56]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 66]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 67 الى 80]

- ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 81 الى 89]

- ‌تفسير سورة الدّخان

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 9 الى 16]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 17 الى 33]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 34 الى 50]

- ‌[سورة الدخان (44) : الآيات 51 الى 59]

- ‌تفسير سورة الجاثية

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 6 الى 11]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 16 الى 20]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 21 الى 26]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 27 الى 37]

- ‌تفسير سورة الأحقاف

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 11 الى 14]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى 28]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 29 الى 32]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 33 الى 35]

- ‌تفسير سورة محمّد

- ‌مقدمة

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 4 الى 6]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 7 الى 13]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 14 الى 15]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 16 الى 19]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 20 الى 24]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 25 الى 31]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 32 الى 38]

- ‌تفسير سورة الفتح

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 8 الى 10]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 11 الى 17]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 25 الى 26]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 27 الى 28]

- ‌[سورة الفتح (48) : آية 29]

- ‌تفسير سورة الحجرات

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 6 الى 8]

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 9 الى 10]

- ‌[سورة الحجرات (49) : آية 11]

- ‌[سورة الحجرات (49) : آية 12]

- ‌[سورة الحجرات (49) : آية 13]

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 14 الى 18]

- ‌تفسير سورة ق

- ‌مقدمة وتمهيد

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 16 الى 22]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 23 الى 35]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 36 الى 45]

- ‌فهرس المجلد الثالث عشر

الفصل: ‌[سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 66]

فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً أى قدوة لمن بعدهم في الكفر في استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم مَثَلًا أى: عبرة وموعظة لِلْآخِرِينَ الذين يعملون مثل أعمالهم..

وبذلك نرى في هذه الآيات الكريمة، جانبا من قصة موسى- عليه السلام مع فرعون وملئه.

ويتجلى في هذا الجانب من القصة طغيان فرعون، واستخفافه بعقول قومه، ومجاهرته بالكذب والفجور.. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار.

ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى- عليه السلام فقال- تعالى-:

[سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 66]

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)

وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (66)

ص: 90

ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى-: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا

روايات منها: أنه لما نزل قوله- تعالى-: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا

تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن نتخذه إلها، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله- تعالى- وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا....

وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية، نزلت في مجادلة ابن الزبعرى- قبل أن يسلم- مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما نزل قوله- تعالى-: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ....

قال ابن الزبعرى خصمتك- يا محمد- ورب الكعبة. أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار؟.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أجهلك بلغة قومك؟ أما فهمت أن ما لما لا يعقل» ؟. وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال له: «إنهم يعبدون الشيطان» وأنزل الله- تعالى-: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ.. «1» .

وكلمة يَصِدُّونَ قرأها الجمهور بكسر الصاد. وقرأها ابن عامر والكسائي بضم الصاد. وهما بمعنى واحد. ومعناهما: يضجون ويصيحون فرحا. يقال: صد يصد- بكسر الصاد وضمها- بمعنى ضج- كعكف- بضم الكاف وكسرها.

ويرى بعضهم أن يَصِدُّونَ- بكسر الصاد- بمعنى: يضجون ويصيحون ويضحكون

وأن يَصِدُّونَ- بضم الصاد- بمعنى يعرضون. من الصد بمعنى الإعراض عن الحق.

والمعنى: وحين ضرب ابن الزبعرى، عيسى ابن مريم مثلا، وحاجك بعبادة النصارى له، فاجأك قومك- كفار قريش- بسبب هذه المحاجة، بالصياح والضجيج والضحك، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك في الخصومة والمجادلة.

فمن في قوله مِنْهُ الظاهر أنها للسببية، كما في قوله- تعالى-: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً....

والمراد بالمثل هنا: الحجة والبرهان.

قال الآلوسى: والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة، قيل لها مثل. أو المثل بمعنى

(1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 220. والشوكانى ج 4 ص 561. والآلوسى ج 25 ص 94.

ص: 91

المثال. أى: جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله صلى الله عليه وسلم: إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى- عليه السلام نفسه مثلا من باب: الحج عرفة «1» .

ثم بين- سبحانه- أقوالهم التي بنوا عليها باطلهم فقال: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ

؟ والضمير هُوَ يعود إلى عيسى- عليه السلام.

ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى- عليه السلام على آلهتهم، مجاراة للنبي صلى الله عليه وسلم.

فكأنهم يقولون: لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله- تعالى- وأنه خير من آلهتنا.. فإن كان في النار يوم القيامة لأن الله- تعالى- يقول: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار.

وقد أبطل الله زعمهم هذا بقوله: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا.

أى: لا تهتم- أيها الرسول الكريم- بما قالوه، فإنهم ما ضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك بالباطل، وليس من أجل الوصول إلى الحق.

وقوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل بالباطل، لا لطلب الحق، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم في خصومتهم.

أى: ذرهم- أيها الرسول الكريم- في باطلهم يعمهون، فإنهم قوم مجبولون على الخصومة، وعلى اللجاج في الباطل.

فقوله: خَصِمُونَ جمع خصم- بفتح فكسر- وهو الإنسان المبالغ في الجدل والخصومة، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق.

وجاء التعبير في قوله: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بصيغة الجمع، مع أن ضارب المثل واحد، وهو ابن الزبعرى، لأن إسناد فعل الواحد إلى الجماعة، من الأساليب المعروفة في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

فسيف بنى عبس وقد ضربوا به

نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس، مع تصريحه بأن الضارب واحد، وهو ورقاء..

ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى في قوله، فكأنهم جميعا قد قالوه..

ثم بين- سبحانه- حقيقة عيسى- عليه السلام فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.

(1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 92.

ص: 92

أى: ليس هو أى: عيسى- عليه السلام إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أى: أمرا عجيبا، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال لِبَنِي إِسْرائِيلَ الذين أرسلناه إليهم، حيث خلقناه من غير أب، وأعطيناه المعجزات الباهرات التي منها: إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله

وهذا كله دليل على وحدانيتنا، وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا.

فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى- عليه السلام، وتحدد منزلته، وتنفى عنه غلو المغالين في شأنه، وإنقاص المنقصين من قدره.

ثم أكد- سبحانه- كمال قدرته فقال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ.

و «من» في قوله- تعالى- مِنْكُمْ يصح أن تكون للبدلية، فيكون المعنى: ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم بعد موتكم، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها.

ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى: ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجال قريش ملائكة، بطريق التوليد منكم، من غير واسطة نساء، فهذا أمر سهل علينا، مع أنه أعجب من حال عيسى الذي تستغربونه، لأنه جاء من غير أب، مع أن الأم من طبيعتها الولادة.

فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله- تعالى- لا يعجزها شيء، وأن ما تعجبوا منه، الله- تعالى- قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه.

قال صاحب الكشاف: قوله وَلَوْ نَشاءُ لقدرتنا على خلق عجائب الأمور، وبدائع الفطر، لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أى: لولدنا منكم يا رجال مَلائِكَةً يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام.. وذات الله- تعالى- متعالية عن ذلك «1» .

ثم بين- سبحانه- بعض ما يتعلق بعيسى- عليه السلام فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ.

فالضمير في إِنَّهُ يعود إلى عيسى لأن السياق في شأنه، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف ذلك لأن الكلام في شأن عيسى.

(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 261.

ص: 93

والمراد بالعلم: العلامة، واللام في قوله لِلسَّاعَةِ بمعنى على. والكلام على حذف مضاف.

والمعنى: وإن عيسى- عليه السلام عند نزوله من السماء في آخر الزمان حيا، ليكونن علامة على قرب قيام الساعة، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع..

قال الآلوسى: وَإِنَّهُ أى: عيسى عليه السلام لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أى: أنه بنزوله شرط من أشراطها.

وقد نطقت الأخبار بنزوله- عليه السلام في آخر الزمان، فقد أخرج البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لينزلن ابن مريم، حكما عدلا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد «1» .

وقال ابن كثير ما ملخصه: قوله: إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الصحيح أن الضمير يعود على عيسى، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال- تعالى- وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ

أى: قبل موت عيسى.

وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أخبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة، إماما عادلا، وحكما مقسطا» «2» .

وقوله: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أى: فلا تشكن في وقوعها في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى-، فقوله تَمْتَرُنَّ من المرية بمعنى الشك والريب.

وقوله: وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أى: واتبعوا- أيها الناس- ما جئتكم به من عند ربي، فإن هذا الذي جئتكم به، هو الطريق المستقيم الذي يوصلكم إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ أى: ولا يمنعنكم الشيطان بسبب وسوسته لكم، عن طاعتي واتباعى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أى: إن الشيطان عداوته لكم ظاهرة، وكيده لكم واضح، كما قال- تعالى-: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ.

ثم حكى- سبحانه- ما قاله عيسى- عليه السلام لقومه، عند ما بعثه الله إليهم

(1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 95.

(2)

تفسير ابن كثير ج 7 ص 223.

ص: 94

فقال: وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ، قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ.

والبينات: جمع بينة. وهي صفة لموصوف محذوف، والمراد بها: المعجزات التي أيد الله- تعالى- بها عيسى- عليه السلام.

والمراد بالحكمة: التشريعات والتكاليف والمواعظ التي أرشدهم إليها، عن طريق الكتاب الذي أنزله الله تعالى إليه، وهو الإنجيل.

أى: وحين جاء عيسى- عليه السلام إلى قومه، قال لهم على سبيل النصح والإرشاد:

يا قوم لقد جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التي تشهد بصدقى وجئتكم بالإنجيل المشتمل على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ومواعظ.

وقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ متعلق بمحذوف والتقدير:

قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، وجئتكم- أيضا- لأبين لكم ولأصحح لكم بعض الأمور التي تختلفون فيها.

وقال- سبحانه- وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولم يقل كل الذي تختلفون فيه، للإشعار بالرحمة بهم، وبالستر عليهم، حيث بين البعض وترك البعض الآخر، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه؟ قلت: كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم.. «1» .

وقوله- تعالى-: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.

أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، فاتقوا الله- تعالى- بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه، وبأن تطيعوني في كل ما آمركم به أو أنهاكم عنه.

وإن الله- تعالى- هو ربي وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة، وهذا الذي آمركم به أو أنهاكم عنه، هو الطريق القويم، الذي يوصلكم إلى السعادة الدنيوية والأخروية.

ثم بين- سبحانه- موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى- عليه السلام فقال:

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ....

(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 162.

ص: 95

والأحزاب: جمع حزب. والمراد بهم الفرق التي تحزبت وتجمعت على الباطل من بعد عيسى.

وضمير الجمع في قوله مِنْ بَيْنِهِمْ يعود إلى من بعث إليهم عيسى- عليه السلام من اليهود والنصارى.

وقيل: يعود إلى النصارى خاصة، لأنهم هم الذين اختلفوا في شأنه، فمنهم من قال: هو الله ومنهم من قال: هو ابن الله. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة.

قال الآلوسى: قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ أى: الفرق المتحزبة مِنْ بَيْنِهِمْ أى: من بين من بعث إليهم، وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته- عليه السلام.

وقيل: المراد النصارى، وهم أمة إجابته، وقد اختلفوا فرقا: ملكانية، ونسطورية، ويعقوبية «1» .

وقوله- تعالى-: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ بيان للعقاب الشديد الذي أعده الله- تعالى- لهم، بسبب اختلافهم وبغيهم، ونسبتهم إلى عيسى ما هو برىء منه.

أى: فهلاك وعذاب شديد للذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وبافترائهم على عيسى- عليه السلام، وما أشد حسرتهم في هذا اليوم العصيب.

والاستفهام في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ للنفي.

وينظرون بمعنى: ينتظرون. والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق.

أى: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا قيام الساعة، وهذا القيام سيأتيهم فجأة، وبدون شعور منهم بها، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم، ولو كانوا عقلاء لاتبعوا الحق الذي جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم، قبل فوات الأوان.

فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين إلى الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لما يصلحهم، من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال.

وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها. فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ.

(1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 97.

ص: 96