الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أى: هو- سبحانه- الذي يوسع الرزق لمن شاء أن يوسعه له، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه.
إِنَّهُ- تعالى-: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها، على وحدانية الله- تعالى- وكمال قدرته.
ثم أكد- سبحانه- الحقيقة التي افتتحت بها السورة الكريمة، وهي وحدة الأديان في جوهرها وأصولها، وبين الأسباب التي أدت إلى اختلاف الناس في عقائدهم، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الأساليب في الدعوة إلى الحق، فقال- تعالى-:
[سورة الشورى (42) : الآيات 13 الى 16]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلَاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)
قال الفخر الرازي: أعلم أنه- تعالى- لما عظم وحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:
كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
…
أى: شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى.. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع الكثيرة «1» .
والمراد بما شرعه- سبحانه- على ألسنة هؤلاء الرسل: أصول الأديان التي لا يختلف فيها دين عن دين، أو شريعة عن شريعة، كإخلاص العبادة لله- تعالى- والإيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، والتحلي بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف.
أما ما يتعلق بفروع الشرائع، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير لهم، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل في الأصول الثابتة في جميع الأديان، وإنما يختلف باختلاف الظروف والأحوال.
ويؤيد ذلك قوله- تعالى-: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «2» .
وقوله- سبحانه- حكاية عن عيسى- عليه السلام وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ «3» .
والمعنى: سن الله- تعالى- لكم- يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من العقائد ومكارم الأخلاق، ما سنه لنوح- عليه السلام الذي هو أول أولى العزم من الرسل، وأول أصحاب الشرائع الجامعة.
وشرع الله- تعالى- لكم- أيضا ما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من آداب وأحكام وأوامر ونواه.
(1) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 282.
(2)
سورة المائدة الآية 48.
(3)
سورة آل عمران الآية 50.
وشرع لكم كذلك ما وصى به- سبحانه- أنبياءه: إبراهيم وموسى وعيسى، من وصايا تتعلق بوجوب طاعة الله- تعالى-، وإخلاص العبادة له، والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم.
وقوله- سبحانه-: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ تفصيل وتوضيح لما شرعه- سبحانه- لهؤلاء الكرام، ولما أوصاهم به.
والمراد بإقامة الدين: التزام أوامره ونواهيه، وطاعة الرسل في كل ما جاءوا به من عند ربهم طاعة تامة.
قال صاحب الكشاف: والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله- تعالى- وطاعته، والإيمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى- لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً.
ومحل أَنْ أَقِيمُوا إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه، وإما الرفع على الاستئناف، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. «1» .
أى: أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما اشتمل عليه دين الإسلام من عقائد وأحكام وآداب.. وأصول أجمعت عليها جميع الشرائع الإلهية، كما أوصاكم بعدم الاختلاف في أحكامه التي لا تقبل الاختلاف أو التفرق.
ثم بين- سبحانه- موقف المشركين من الدين الحق فقال: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
أى: شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى وحدانية الله- تعالى-، وإلى ترك ما ألفوه من شرك، ومن تقاليد فاسدة ورثوها عن آبائهم.
وقوله- تعالى-: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ بيان لكمال قدرته- تعالى- ونفاذ مشيئته. والاجتباء: الاصطفاء والاختيار. أى: الله- تعالى- بإرادته وحكمته يصطفى ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ويهدى إلى الحق من ينيب إليه، ويرجع إلى طاعته- عز وجل ويقبل على عبادته.
ثم بين- سبحانه- الأسباب التي أدت إلى اختلاف المختلفين في أمر الدين، وإلى تفرقهم شيعا وأحزابا فقال. وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ.
(1) تفسير الكشاف ج 4 ص 215.
والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال والضمير في قوله تَفَرَّقُوا يعود على كل الذين اختلفوا على أنبيائهم، وأعرضوا عن دعوتهم.
وقوله بَغْياً مفعول لأجله، مبين السبب الحقيقي للتفرق والاختلاف.
أى: وما تفرق المتفرقون في أمر الدين. وأعرضوا عما جاءتهم به رسلهم، في كل زمان ومكان، إلا من بعد أن علموا الحق، ووصل إليهم عن طريق أنبيائهم، ولم يحملهم على هذا التفرق والاختلاف إلا البغي الذي استولى على نفوسهم، والحسد لرسل الله- تعالى- على ما آتاهم الله من فضله.
فقوله- تعالى-: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ زيادة في ذمهم، فإن الاختلاف بعد العلم، أدعى إلى الذم والتحقير، لأنه يدل على أن هذا الاختلاف لم يكن عن جهل، وإنما كان عن علم وإصرار على الباطل.
وقوله- تعالى- بَغْياً بَيْنَهُمْ زيادة أخرى تحمل كل عاقل على احتقارهم ونبذهم، لأن هذه الجملة الكريمة تدل على أن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق، وإنما كان الدافع إليه، البغي والحسد والعناد.
أى: أن اختلافهم على أنبيائهم كان الدافع إليه الظلم وتجاوز الحد، والحرص على شهوات الدنيا ولذائذها، والخوف على ضياع شيء منها من بين أيديهم.
ثم بين- سبحانه- بعض مظاهر فضله ورحمته بهذه الأمة فقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
والمراد بهذه الكلمة: ما وعد الله- تعالى-: نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه لن يهلك أمته بعذاب يستأصل شأفتهم، كما أهلك قوم نوح وغيرهم، ومن أنه- تعالى- سيؤخر عذابهم إلى الوقت الذي يختاره ويشاؤه- سبحانه-.
أى: ولولا كلمة سبقت من ربك- أيها الرسول الكريم-، بعدم إهلاكهم بعقوبة تستأصل شأفتهم، وبتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى في علمه- تعالى- لقضى بينهم بقطع دابرهم بسبب هذا الاختلاف الذي أدى بهم إلى الإعراض عن دعوتك، وإلى عكوفهم على كفرهم.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ وهم أهل الكتاب المعاصرين لك من اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِهِمْ أى: من بعد الذين سبقوهم في الاختلاف على أنبيائهم.
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أى: لفي شك من هذا القرآن. ومن كل ما جئتهم به من عند
ربك، هذا الشك أوقعهم في الريبة وقلق النفس واضطرابها وتذبذبها، ولذلك لم يؤمنوا بما جئتهم به من عند ربك.
ثم حض- سبحانه- نبيه صلى الله عليه وسلم على المضي في دعوته فقال: فَلِذلِكَ فَادْعُ.
واسم الإشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق، ومن الأمر بإقامة الدين، أى: فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذي بعثناك به، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد، التي تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين.
وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أى: واستقم على الصراط الذي كلفناك بالسير على نهجه، والزم المنهج القويم الذي أمرناك بالتزامه.
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ أى: ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
وَقُلْ لهم بكل ثبات وقوة آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ أى: آمنت بكل ما أنزله- تعالى- من كتب سماوية. فالمراد بالكتاب: جنسه.
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ أى: وأمرنى ربي أن أعدل بينكم في الحكم عند رفع قضاياكم إليّ، فإن العدل شريعة الله تعالى.
اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ أى: الله- تعالى- وحده هو الخالق لنا ولكم، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التي لا تحصى.
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أى: لنا أعمالنا التي سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة، ولكم أنتم أعمالكم التي ستحاسبون عليها، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا.
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أى: لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق قد ظهر، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم.
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أى. الله- تعالى- يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، وإليه وحده، مصيرنا ومصيركم، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله- تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة.
ثم بين- سبحانه- سوء عاقبة الذين يجادلون بالباطل فقال: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ