الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى: ما فيه اختبار وامتحان ظاهر، ليتميز الخبيث من الطيب، والكافر من المؤمن.
ومن هذه الآيات: فلق البحر بالنسبة لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص، بالنسبة لعيسى.
ومن هذه الآيات الكريمة نرى جانبا من قصة موسى- عليه السلام، وكيف أنه بلغ رسالة ربه على أكمل وجه، وسلك مع فرعون وقومه أحكم السبل في الدعوة إلى الحق..
كما نرى فيها فضل الله- تعالى- على نبيه، وعلى بنى إسرائيل، حيث نجاهم من ظلم فرعون وطغيانه، وأهلكه ومن معه أمام أعينهم، وأورثهم كنوز أعدائهم..
وبعد هذا الحديث عن موسى- عليه السلام وعن قومه، وعن فرعون وشيعته.. بعد كل ذلك انتقلت السورة، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور، وردت عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته. وأنه واقع لا محالة، وبينت سوء عاقبة من ينكر ذلك، ومن يصر على كفره وجحوده فقال الله- تعالى-:
[سورة الدخان (44) : الآيات 34 الى 50]
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38)
ما خَلَقْناهُما إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَاّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43)
طَعامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48)
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ يعود إلى مشركي مكة، الذين سبق الحديث عنهم في قوله- تعالى-: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ إلخ.
وذكر- سبحانه- قصة فرعون وقومه في الوسط، للإشارة إلى التشابه بين الفريقين في التكذيب للحق، وفي الإصرار على الضلال.
وكانت الإشارة للقريب، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم.
وإِنْ في قوله- تعالى-: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى
…
نافية. أى: إن هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث: ما الموتة التي نموتها في نهاية حياتنا الدنيوية، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث ولا نشور.
ومرادهم من الأولى: السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث والنشور.
قال بعض العلماء: وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين.
الأولى منهما الموت، والأخرى حياة البعث، أثبتوا الحالة الأولى وهي الموت، ونفوا ما بعدها.
وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شيء بعدها، لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم.. «1» .
وقوله: وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ تأكيد لما سبقه. أى: قالوا ليس هنا من موت سوى الموت المزيل لحياتنا، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك.
يقال: أنشر الله- تعالى- الموتى نشورا، إذا أحياهم بعد موتهم، فهم منشرون.
ثم بين- سبحانه- مطالبهم المتعنتة، وأدلتهم الباطلة فقال: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والفاء للإفصاح، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين كانوا يؤمنون بالبعث.
أى: إن هؤلاء الكافرين قالوا- أيضا- للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: إن كان الأمر
(1) راجع تفسير الكشاف وحاشيته ج 4 ص 379.
كما تقولون من أن هناك بعثا وحسابا.. فأعيدوا الحياة إلى آبائنا الأولين، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم.
وقوله- سبحانه-: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ
…
تهديد لهم على جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم.
والمراد بتبع: أبو كريب أسعد بن مليك، ويسمى بتبع الحميرى. وهو أحد ملوك حمير.
وكان مؤمنا، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله. وإليه ينسب الأنصار، ولفظ تُبَّعٍ يعد لقبا لكل ملك من ملوك اليمن، كما أن لقب فرعون يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا.. «1» .
أى: إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك- أيها الرسول الكريم- ليسوا خيرا من قوم تبع، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، فلما لجوا في طغيانهم أهلكهم الله- تعالى- وإن مصير هؤلاء المشركين- إذا ما استمروا في عنادهم- سيكون كمصير قوم تبع..
فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادي في الضلال، لأن هذا التمادي سيؤدي بهم الى الخسران، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى أمرهم عليهم.
والمراد بمن قبلهم في قوله- تعالى-: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ: الأقوام السابقون على قوم تبع، كقوم عاد وثمود وغيرهم. أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
أى: والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين.
ثم لفت- سبحانه- أنظار الناس إلى التفكر في خلق السموات والأرض فقال: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما.. من مخلوقات لا يعلمها إلا الله- تعالى- ما خلقنا ذلك لاعِبِينَ أى: عابثين أو لغير غرض صحيح.
وقوله- تعالى-: ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ استثناء مفرغ من أعم الأحوال.
أى: ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا بالحكمة..
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك، لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم.
ثم بين- سبحانه- أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وسيحكم- سبحانه- في هذا اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ وهو يوم القيامة الذي يفصل فيه الله
(1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 242. [.....]
- عز وجل بين المحق والمبطل، وبين المهتدى والضال..
هذا اليوم مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ أى: وقت اجتماعهم للحساب جميعا دون أن يتخلف منهم أحد.
ثم وصف- سبحانه- هذا اليوم بقوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
وقوله: يَوْمَ لا يُغْنِي
…
بدل من يوم الفصل. والمولى: يطلق على القريب والصديق والناصر..
أى: في هذا اليوم، وهو يوم الفصل، لن يستطيع قريب أن ينفع قريبه، أو صديق أن ينفع صديقه شيئا من النفع، ولا هم ينصرون من عذاب الله- تعالى- إذا ما أراد- سبحانه- إنزال عذابه بهم.
وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ
…
في محل رفع على أنه بدل من ضمير يُنْصَرُونَ. أو في محل نصب على الاستثناء منه أى: لا يستطيع صديق أن يدفع العذاب عن صديقه، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره، إلا من رحمه الله تعالى-، وذلك بأن يعفو- سبحانه- عنه، أو يقبل شفاعة غيره فيه.
إِنَّهُ- سبحانه- هو الْعَزِيزُ الذي لا يغلب الرَّحِيمُ الذي وسعت رحمته كل شيء.
ثم بين- سبحانه- طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
…
والمراد بشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله- تعالى- في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، ليكون طعام أهل النار منها.
ولفظ الزقوم: اسم لتلك الشجرة، أو من الزقم بمعنى الالتقام والابتلاع للشيء.
والأثيم: الكثير الآثام والسيئات. والمراد به الكافر لدلالة ما قبله عليه.
والمهل: هو النحاس المذاب، أو رديء الزيت الحار.
أى: إن الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم، خلقها الله- تعالى- لتكون طعاما للإنسان الكافر، الكثير الآثام والجرائم..
فتنزل في بطنه كما ينزل النحاس الحار المذاب، فيغلي فيها كغلي الماء البالغ نهاية الحرارة.
فقوله: كَغَلْيِ الْحَمِيمِ نعت لمصدر محذوف. أى: غليا كغلي الحميم.