الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى هذا القرآن الذي أنزلناه إليك- أيها الرسول الكريم- بَصائِرُ لِلنَّاسِ لأن ما فيه من حجج وبراهين، تكشف للقلب طريق الحق، كما تكشف العين للإنسان مساره وهو- أيضا- هُدىً أى: هداية عظيمة إلى الرشاد والسعادة وَرَحْمَةٌ واسعة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أى: لقوم من شأنهم الإيقان بأنه من عند الله- تعالى-، وبأنك- أيها الرسول الكريم- صادق فيما تبلغه عن ربك.
وخص الموقنين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم، وبهداياته، أما الذين في قلوبهم مرض أوشك، فإنهم لا ينتفعون بذلك.
قال- تعالى-: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ «1» .
وقال- سبحانه-: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «2» .
ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات، وحال الذين يعملون الصالحات، وحكت جانبا من أقوال المشركين، وردت عليهم بما يبطلها، فقال- تعالى-:
[سورة الجاثية (45) : الآيات 21 الى 26]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) وَقالُوا ما هِيَ إِلَاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَاّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ (24) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25)
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26)
(1) سورة التوبة الآية 124- 125.
(2)
سورة فصلت الآية 44.
وأَمْ
في قوله- تعالى-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
منقطعة، وتقدر ببل والهمزة، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان.
والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدى. ويقال: فلان جارحة أهله، أى: هو الذي يكتسب لهم أرزاقهم.
وحسب: فعل ماض، والذين فاعله، وجملة أَنْ نَجْعَلَهُمْ
ساد مسد المفعولين.
والمعنى: بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصي، أن نجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات في دار الدنيا أو في الدار الآخرة؟
كلا!! لا يستوون فيهما، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون في الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإحن ببركة إيمانهم، وفي الآخرة ينالون رضا الله- تعالى- وحسن ثوابه.
أما الذين اجترحوا السيئات فهم في شقاء في الدنيا وفي الآخرة.
قال الشوكانى قرأ الجمهور سَواءً
بالرفع على أنه خبر مقدم. والمبتدأ محياهم ومماتهم. والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص سَواءً
بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله: كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أو على أنه مفعول ثان لحسب «1» .
وقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أى بئس حكما حكمهم هذا الذي زعموا فيه تسويتنا بين
(1) تفسير فتح القدير للشوكانى ج 5 ص 8.
الذين اجترحوا السيئات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة، توبيخهم على أحكامهم الباطلة، وأفكارهم الفاسدة.
قال الآلوسى: قوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ
أى: ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوي، فما مصدرية، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود.
ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن ساءَ
بمعنى بئس، فتكون كلمة ما
نكرة موصوفة، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أى: بئس شيئا حكموا به ذلك «1» .
ثم أكد- سبحانه- عدم المساواة بين الفريقين فقال: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أى خلقهما خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل.
وقوله وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام.
أى: خلقهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته. ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال.
ويصح أن يكون معطوفا على قوله بِالْحَقِّ. أى: خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد، ولتجزى كل نفس بما كسبت، فهو من عطف المسبب على السبب.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أى: الخلائق المدلول عليهم بقوله كُلُّ نَفْسٍ لا يلحقهم شيء من الظلم يوم القيامة، لأن الله- تعالى- قد كتب على نفسه أنه لا يظلم أحدا.
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ للتعجب من حال هؤلاء المشركين، ولتسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى.
والمراد بهواه: ما يستحسنه من تصرفات، حتى ولو كانت تلك التصرفات في نهاية القبح والشناعة والجهالة.
والمعنى: انظر وتأمل- أيها الرسول الكريم- في أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم، مهما كان قبح تصرفهم، وانحطاط تفكيرهم، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده.
قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا. فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.
(1) تفسير الآلوسى ج 25 ص 151.
وقوله: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أى: وأضل الله- تعالى- هذا الشقي، بأن خلق فيه الضلالة، على علم منه- سبحانه- بأن هذا الشقي أهل لذلك لاستحبابه العمى على الهدى.
فيكون قوله عَلى عِلْمٍ حال من الفاعل، أى أضله- سبحانه- حالة كونه عالما بأنه من أهل الضلال.
ويصح أن يكون حالا من المفعول، أى: وأضل الله- تعالى- هذا الشقي، والحال أن هذا الشقي عالم بطريق الإيمان، ولكنه استحب الغي على الرشد.
وقوله وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ والختم: الوسم بطابع ونحوه، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء، وطبعه فيه للاستيثاق، لكي لا يخرج منه ما بداخله ولا يدخله ما هو خارج عنه.
أى: وطبع على سمعه وقلبه، فجعله لا يسمع سماع تدبر وانتفاع، ولا يفقه ما فيه هدايته ورشده.
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً أى: وجعل على بصره غطاء، يحجب عنه الرؤية السليمة للأشياء وأصل الغشاوة ما يغطى به الشيء، من غشاه إذا غطاه.
والاستفهام في قوله- تعالى-: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ للإنكار والنفي.
أى: لا أحد يستطيع أن يهدى هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه من بعد أن أضله الله- عز وجل.
أَفَلا تَذَكَّرُونَ أى: أفلا تتفكرون وتتأملون فيما سقت لكم من مواعظ وعبر، تفكرا يهديكم إلى الرشد، ويبعثكم على الإيمان.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة، تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من المشركين، وتعجيب من أحوالهم التي بلغت الغاية في الجهالة والضلالة. ودعوة لهم إلى التذكر والاعتبار، لأن ذلك ينقلهم من الكفر إلى الإيمان.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك جانبا من أقوالهم الباطلة فقال: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.
أى: وقال هؤلاء المشركون على سبيل الجهل والعناد والجحود للحق، ما الحياة إلا هذه الحياة الدنيوية التي نحياها فيها، وليس هناك حياة سواها، فنحن نموت ثم يحيا أولادنا من
بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا في أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة.
وَما يُهْلِكُنا عند انتهاء آجالنا إِلَّا الدَّهْرُ أى: إلا مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام.
قال ابن كثير ما ملخصه «يخبر- تعالى- عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا
…
أى: ما ثمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثمّ معاد ولا قيامة
…
ولهذا قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ- أى: إلا مرور الأيام والليالى- فكابروا المعقول وكذبوا المنقول
…
وفي الحديث الصحيح- الذي رواه الشيخان وغيرهما- عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله- تعالى-: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره.
والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر، لأن الله- تعالى- هو الخالق له، فمن يسب الدهر، فكأنما سب الله- تعالى- لأنه- سبحانه- هو الذي يقلب الليالى والأيام.
وقد كان العرب في الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه «1» .
وقوله- تعالى-: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب.
أى: وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أى: وإذا تليت عليهم آيات القرآن، الواضحة في دلالتها على أن يوم القيامة حق، وأن الحساب حق.
ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أى: ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا لهم: أعيدوا إلينا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في قولكم:
إن هناك بعثا وحسابا وثوابا وعقابا.
(1) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 253.