الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً} . هذا خبر أصدق القائلين وهذا قول حق وقد جعل الله بكل ما شوهد في أيامه وعوين في زمانه ممن رفعوا ثم وضعوا وعلوا ثم صرعوا ودارت عليهم الدوائر ونابتهم النوائب ما في بعضه مقنع لمعتبر وبلاغ لمدكر.
قَالُوا وأشرف أبو الدرداء صاحب رَسُولِ اللهُ صلى الله عليه وسلم على أهل حمص فَقَالَ يا أهل حمص أتبنون ما لا تسكنون وتأملون ما لا تدركون وتجمعون ما لا تأكلون.
إن من كان قبلكم بنوا شديدا وأملوا بعيدا وجمعوا كثيرا فأصبحت اليوم مساكنهم قبورا وأملهم غزورا وجمعهم بورا.
وقد قَالَ أحد فصحاء الملوك في خطبته: ألم تروا مصارع من كان قبلكم كيف استدرجتهم الدنيا بزخارفها ونفتهم ثم تركتهم وقد تخلت عنهم فهم في حيرة وظلمة مدلهمة تركوا الآهلين والأولاد والعيال والأموال.
مساكنم القبور وقد خلت منهم الدور وتقطعت منهم الأوصال والصدور وصاروا ترابا باليا وكان الله لهم ناهيا قَالَ تعالى {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
(موعظة)
عباد الله سرور المؤمنين يعتبرون القناطر ويأمنون العواثر فذلك يوم عيدهم ومادوا في دار الغرور فلا غبطة ولا سرور.
وأي سرور لمن الموت معقود بناصيته والذنوب راسخة في آنيته والنفس تقوده إلى هواها والدنيا تتزين في عينه بمشتهاها.
والشيطان مستبطن فقار ظهره لا يفتر عن الوسوسة في صدره ونفسه وماله بعرضه للحوادث ولا يدرى في كل نفس ما عليه حادث.
شِعْرًا:
…
فِعَالِي قَبِيحٌ وَظَنِّي حَسَنٌ
…
وَرَبِّي غَفُورٌ كَثِيرُ الْمِنَنْ
.. تُبَارِزْ مَوْلاكَ يَا مَنْ عَصَى
…
وَتَخْشَى مِنْ الْجَارِ لَمَّا فَطِنْ
رَكِبْتُ الْمَعَاصِي وَشِيبِي مَعِي
…
فَوَاللهِ يَا نَفْسُ مَاذَا حَسَنْ
فَقُومِي الدَّيَاجِي لَهُ وَارْغَبِي
…
وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الْمَنَنْ
وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الرَّجَا
…
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْفُ عَنِّي فَمَنْ
آخر:
…
إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا
…
إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي
إِبلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى
…
كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي
ومن ورائه المغير ومسألة منكر ونكير ويتوسد التراب إلى يوم النشور {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} يوم لا يبلغ وصف أهواله ولا شرح أحواله ما لا يسع المؤمن به أن يستقر له قرار ولا يخلد إلى هذه الدار ولا يكون له هم في هذه الدنيا إلا التقرب بأنواع القرب واجتناب الفواحش والريب وإقامة الدين الَّذِي في إقامته النجاة وفي تضييعه العطب العظيم.
يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ
…
لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانِ
يَوْمٌ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَوْلِهِ
…
وَتَشِيبُ مِنْهُ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ
يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ شَرُّهُ
…
فِي الْخَلْقِ مُنْتَشِرٌ عَظِيمُ الشَّانِ
يَوْمٌ يَجِيءُ الْمُتَّقُونَ لِرَبِّهِمِ
…
وَفْدًا عَلَى نُجُبٍ مِنَ الْعِقيَاتِ
وَيََجِيءُ فِيهِ الْمُجْرِمُونَ إِلَى لَظَى
…
يَتَلَمَّظُونَ تَلَمُّظَ الْعَطْشَانِ
وَالْجَنَّةُ الْعُلْيَا وَنَارُ جَهَنَّمِ
…
دَارَانِ لِلْخَصْمَيْنِ دَائِمَتَانِ
اللَّهُمَّ أتمم علينا نعمتك الوافية وارزقنا الإخلاص في أعمالنا والصدق في أقوالنا وعد علينا بإصلاح قلوبنا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل)
كتب بعضهم إلى أخ له فَقَالَ له: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله سبحانه والعمل بما علمك الله تعالى والمراقبة حيث لا يراك إلا الله عز وجل والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة ولا ينتفع بالندم عند نزوله.
شِعْرًا:
…
تَفُوزُ بِنَا الْمَنُونَ وَتَسْتَبِدُّ
…
وَيَأْخُذُنَا الزَّمَانُ وَلا يَرُدُّ
وَأَنْظُرُ مَاضِيًا فِي عَقْبِ مَاضٍ
…
لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ جِدُّ
رُوَيدًا بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَنَايَا
…
فَلَيْسَ يَفُوتُهَا السَّارِي الْمُجِدُّ
فاحسر عن رأسك قناع الغافلين وانتبه من رقدة الموتى وشمر للسباق غداً فإن الدنيا ميدان المسابقين ولا تغتر بمن أظهر النسك وتشاغل بالوصف وترك العمل بالموصوف.
واعلم يا أخي أنه لابد لي ولك من المقام بين يدي الله عز وجل يسألنا عن الدقيق الخفي والجليل الخافي ولست آمن أن يسألني وإياك عن وسوسة الصدور ولحظات العيون والإصغاء للاستماع.
واعلم أنه لا يجزي من العمل القول ولا من البذل العدة ولا من التوقي التلاوم.
قَالَ نافع خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحابه فوضعوا سفرة لهم فمر بهم راعي فَقَالَ عبد الله بن عمر يا راعي هلم فأصب من هذه السفرة. فَقَالَ إني صائم فَقَالَ عبد الله في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وبين هذه الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم. فَقَالَ الراعي أبادر أيامي فعجب ابن عم وَقَالَ هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها نطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها.
قَالَ إنها ليست لي إنها لمولاي قَالَ فما عسيت أن يقول مولاك إن قلت أكلها الذئب.
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول فأين الله قَالَ فلم يزل ابن عمر يقول الراعي فأين الله فما عدا أن قدم المدينة فبعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم. ودعا قوم رجلاً إلى طعامٍ في يوم قائظ حره فَقَالَ إني صائم فقَالُوا أوفي مثل هذا اليوم قَالَ أفاغبن أيامي.
ونزل روح بن زنباع منزلاً بين مكة والمدينة في يوم صائف وقرب غداءه راع من جبل فَقَالَ يا راع هلم إلى الغداء قَالَ إني صائم.
قَالَ له روح بن زنباع أو تصوم في هذا الحر الشديد قَالَ الراعي أفأدع أيامي تذهب باطلاً فأنشأ روح يقول:
لَقَدْ ضَنَنْتَ بِأَيَّامِكَ يَا رَاعِي
…
إِذْ جَادَ بِهَا رَوْحُ بنُ زِنْبَاعِ
ودعا قوم رجلاً إلى طعام فَقَالَ إني صائم فقَالُوا أفطر وصم غداً قال ومن لي بأن أعيش إلى غد.
وري أن الحسن رأى رجلاً متعبداًً فَقَالَ يا عبد الله ما يمنعك من مجالسة الناس قَالَ شغلني عن الناس قَالَ فما منعك أن تأتي الحسن فَقَالَ ما أشغلني عن الحسن قَالَ فما الَّذِي أشغلك عن الحسن.
قَالَ إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي بالاستغفار للذنب والشكر لله تعالى على النعمة فَقَالَ أنت عندي أفقه من الحسن.
وَقَالَ بعض العلماء حاثاً على شكر الله جل وعلا فَقَالَ إخواني اشكروا الله على ما أنعم عليكم به من الألسن بكثرة التلاوة لكتاب الله وذكره.
فإن فرطتم في ذلك فاستحيوا من الله أن تخوضوا بالألسن في فنون الآثام فقد ورد عن النبي ? أنه قَالَ: «هل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
فالرجل العاقل المستقيم لا يستخدم لسانه إلا في الحق والخير من ذكر الله والثناء عليه وتلاوة كتابه الكريم والنصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولأئمة المسلمين وعامتهم ويجتنب الكذب والافتراء والغيبة والنميمة ويجتنب القبيح وتقبيح الحسن والتملق والنفاق والرياء قَالَ ?: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كل هذه منِ آفاتِ الِلّسَان» .
ألا واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الأنصار بالنظر إلى الحق بالاعتبار شكراً الله على له فإن رغبتم عن ذلك فراقبوا الله أن تنظروا بالأبصار إلى الحرام
فتغضبوا الله بنعمه كفعل الكثير من الناس فاتقوا الله عباد الله.
إلا فراقبوه واشكروه على ما أنعم به عليكم من السمع بالاستماع إلى القرآن الكريم وكلام سيد المرسلين والمواعظ الحسنة.
فإن ضيعتم ذلك وفرطتم فيه فاستحيوا من الله أن تنصتوا بأسماعكم إلى الهوى والملاهي والأغاني وجميع المنكرات فإنكم عن جميع ذلك مسؤولون.
واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الأيدي ببسطها إلى الخيرات فإن قصرتم عن ذلك فاستحيوا أن تبسطوها إلى الظلم والأذى كفعل كثير من الناس فإن الظلم ظلمات يوم القيامة قَالَ الله جل وعلا وتقدس {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء} ألا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما أنعم به عليكم من الأرجل بالسعي بها إلى الطاعات فإن قصرتم في ذلك فراقبوا الله ولا تسعوا بها إلى الآثام.
فالرجل المستقيم لا يستخدم سمعه وبصره وجميع حواسه ومشاعره إلا فيما أحل الله له وقد جمع الله كثيراً من صفات المؤمنين المستقيمين وعدهم مفلحين مستحقين للخلود في جنات النعيم في قوله عز وجل {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إلى قوله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قَالَ الله جل وعلا {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فكيف بِكَ والأكبال في الأقدام والأغلال في الأعناق، قَالَ الله جل وعلا {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} .
إلا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما أنعم به عليكم من الأقوات فلا تتقووا بها على معاصي الله ألا يا عباد الله فاتقوا الله على ما أنعم به عليكم من اللباس وذلك بأن تبلوه في رضى الله فإن قصرتم عن ذلك فاستحيوا أن تبلوا لباسكم في ما يكره الله.
شِعْرًا:
…
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ
…
تَجِدْ نَفْعَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ الْمُطَوَّلِ
إلَا إنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ بِضَاعَةٍ
…
وَأَفْضَلُ زَادِ الضَّاعِنِ الْمُتَحَّمِلِ
.. وَلَا خَيْرَ فِي طُولِ الْحَيَاةِ وعَيْشِهَا
…
إذَا أنْتَ مِنْهَا بالتُّقى لَمْ تَزَوَّدِ
ألا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما وهبكم من الأموال وذلك بأن تبلوها في سبيل الله فإن بخلتم عن ذلك فاستحيوا من الله أن تنفقوا ما وهبكم من المال في معاصيه.
واشكروا الله على نعمته العظمى وهو ما أنعم به عليكم من الإيمان به وبكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
واشكروه على ما أنعم به عليكم من العقل بالتفكير والتدبر واعتقاد حسن النية والاعتبار وشدة الخوف والحزن وسلامة الصدر للعامة.
واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من العقل بأن تعظموا الله عز وجل وتجلوه وتستحيوا منه وتهابوه وتتقوه وتطيعوه على حسب ما عقلتم من عظمته وكبريائه وعظيم قدره سبحانه وتعالى.
فإن قصرتم في ذلك فراقبوا الله تعالى ولا تكونوا كالَّذِينَ لا يعظمونه ولا يجلونه ولا يهابونه ويستحيون منه ولا يتقونه ولا يطيعونه ولا يقدرونه حق قدره بل يستهينون بكثير من أمره.
فاتقوا الله عباد الله أن تعودوا بعد العلم جهالاً وبعد المعرفة والفهم ظلالاً ويعود العقل والعلم عليكم وبالا.
وهب الله لنا ولكم القيام بطاعته ووفقنا وإياكم شكر نعمه وحسن عبادته إنه جواد كريم رؤوف رحيم وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة)
إن العجب كل العجب من إنسان عاقل أخبر أنه سيسلك طريقاً شائكاً وعراً مليئاً بالمخاوف والمزعجات والمهالك وإن عليه أن يتصور هذه المخاوف والمخاطر والمهالك ويتصور آثارها على مستقبله الأبدي والَّذِي أخبره أصدق القائلين وأوفى الواعدين الَّذِي أحاط بكل شيء علماً.
شِعْرًا:
…
أَمَا وَاللهِ لَوْ عَرَفَ الأَنَامُ
…
لِمَا خُلِقُوا لَمَا غَفَلُوا وَنَامُوا
لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أَبْصَرَتْهُ
…
عُيُونُ قُلُوبِهِمْ سَاحُوا وَهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ
…
وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ
لِيَوْمِ الْحَشْرِ قَدْ خُلِّقَتْ رِجَالٌ
…
فَصَلُّوا مِنْ مَخَافَتِهِ وَصَامُوا
وَنَحْنُ إِذَا أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا
…
كَأَهْلِ الْكَهْفِ أَيْقَاظُ نِيَامُ
ومع ذلك تراه غافلاً لا اهتمام له بذلك منصرفاً عن الابتعاد عن هذه المهالك والمزلات الفظيعة ومشتغلاً بالدنايا والأمور التافهة من شؤون الدنيا الملعونة الملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه.
وما أصيب الإنسان بمرض أشد من الغفلة الَّذِي ربما تحول إلى جمود وقسوة ثم إلى لجاج وعناد ثم إلى كفر وجحود نسأل الله تعالى العافية.
ومن أكبر الأدلة على حمق الإنسان وغباوته وجهله أنه يكد ويشقى من أجل مستقبل مهما طال فلن يجاوز الثمانين غالباً وإن تجاوزها فهو كالمعدوم ،
ومع هذا فيهمل إهمالاً كلياً أو جزئياً العمل من أجل مستقبل لا نهاية له مستقبل الأبد الخلود فيا لها من خسارة لا عوض لها ولا جبر منها ولا أمل في تلافيها.
فيا الغافل انتبه واستعد لما أمامك وتصوره تصوراً صحيحاً يظهر أثره في جدك واجتهادك فيما يقربِكَ إلى الله لا يفاجئك الأمر وأنت غافل فيفوتك زمن الإمكان وتندم وتتحسر قَالَ تعالى وتقدس {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} .
وَقَالَ الله جل وعلا {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ} وَقَالَ تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وَقَالَ تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ} وَقَالَ تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الآيات.
إن الَّذِينَ غمر الإيمان قلوبهم واستحوذت معرفتهم على مشاعرهم ووجدانهم هم الَّذِينَ أيقنوا بلقاء ربهم وسماع الحكم منه في مصائرهم، هؤلاء
هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم الله ينفقون.
الذين قال الله تعالى مخبرًا عنهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} {الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} .
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} الآية {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الآيتين.
{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} الآيات. هؤلاء هم الذين رعوا للدين حرمته واحترموا آدميتهم وكرامتهم ووفقهم الله جل وعلا فبنو لأنفسهم صروح المجد الخالد والعز الباقي والسعادة الأبدية.
ولا يبعد أن يكون من هؤلاء المذكورين الموصوفين بالصفات الحميدة القائل: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدون عليه بالسيوف. ومنهم الباكي حين حضرته الوفاة القائل: إني لم أبكي جزعًا من الموت حرصًا على الدنيا ولكن أبكي على عدم قضاء وطري من طاعة ربي وقيام الليل أيام الشتاء. ومنهم الباكي عند ما تفوته تكبيرة الإحرام مع الجماعة ومنهم الذي يمرض إذا فاتته الصلاة مع الجماعة. ومنهم القائل: لم أصل الفريضة منفردًا إلا مرتين وكأني لم أصلهما. مع أنه قارب التسعين سنة.
ومنهم من لم تفته صلاة الجماعة أربعين سنة إلا مرة واحدة حين ماتت والدته اشتغل بتجهيزها.
والقائل حين ما قال له رجل: أراك تكثر من حمد الله وشكره مع أنه ابتلاك ببلاءٍ ما ابتلا أحدًا بمثله الجذام في أطرافك وتمزقت الثياب على جسدك ولا زوجة لك ولا ولد لك ولا دار ولا أهل فما شأنك؟ فقال المبتلي:
شِعْرًا:
…
حَمِدْتُ اللهَ رَبِّي إِذْ هَدَانِي
…
إِلَى الإِسْلامِ وَالدِّينِ الْحَنِيفِي
فَيَذْكُرُهُ لِسَانِي كُلَّ وَقْتٍ
…
وَيَعْرَفُهُ فُؤَادِي بِاللَّطِيفِ
بينما أبو شريح العابد يمشي جلس فتنع بكسائه وجعل يبكي، فقِيلَ ما يبكيك قَالَ تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي.
وكان بعض الموفقين المحاسبين لأنفسهم يكتل الصلوات الخمس في قرطاس ويدع بين كل صلاتين بياضاً.
وكلما ارتكب خطيئة من كلمة غيبة أو استهزاء أو كذب كذبة أو تكلم فيما لا يعنيه أو نظر إلى ما لايحل نظره إليه أو استمع إلى ما لا يحل الاستماع إليه أو أكل مشتبها أو مشي إلى ما لا يحل أو مد يده إلى ما لا يجوز مدها إليه.
ذكره في هذا البياض ليعتبر ذنوبه ويحصيها حسب قدرته لتضيق المحاسبة مجارى الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
ومقام محاسبة النفس يقلل الكلام فيما لا يعني ويحمل الإنسان على تقليل الذنوب وعلى الإكثار من الطاعات لمقابلة ما صدر منه ولكن هذا الطراز يعز وجوده في زماننا هذا.
نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قَالَ: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا للعرض الأكبر على الله {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} .
فالمحاسبة تكون بضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات وحفظ الأنفاس والحرص على أداء العبادات كاملة وبالأخص الصلاة فيكملها بشروطها المذكورة وأركانها وواجباتها وسننها بخشوع وخضوع وطمأنينة وسكون.
والعبد يحتاج إلى السنن الرواتب لتكميل الفرائض ويحتاج إلى النوافل
لتكمل السنن ويحتاج إلى الآداب لتكمل النوافل ومن الآداب ترك ما يشغل عن الآخرة. ومن الآداب الإكثار من زاد الآخرة من ذكر الله وما والاه.
شِعْرًا:
…
عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ
…
فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمَنِ يَذْكُرُ
قَالَ بعضهم إن الرجل ليشيل عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاه قِيلَ وكيف ذاك، قَالَ لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله علي الله فيها.
روي عن بعض أهل العلم في قول الله جل جلاله {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} قَالَ القنوت الخشوع في الركوع والسجود وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله عز وجل.
وكان العلماء إذا قام أحدهم للصلاة هاب أن يلتفت أو يعبث أو يحدث نفسه بشيء من شئون الدنيا إلا ناسياً.
وبلغنا عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: ركعتان خفيفتان مقتصدتان في تفكر وتدبر وتفهم لما يقوله ويفعله خير من قيام ليلة والقلب ساه في أودية الدنيا.
فالواجب على الإنسان إذا كان في الصلاة أن يجعلها همه ويقبل عليها مفرغاً قلبه وفكره من كل ما يشتته ليؤديها كاملة مكملة.
فإنه ليس له منها إلا ما عقل منها من معاني الفاتحة وما يقرأ من القرآن ومعاني الركوع والسجود والقيام بين يدي الله ومعاني العبودية والمناجاة ومعاني التحيات والتكبيرات.
فكم بين رجلين أحدهما قد أشعر قلبه عظمة خالقه الَّذِي هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت له عنقه واستحى من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وآخر قد انصرف قلبه إلى الدنيا يفكر فيها ملتفتاً يميناً وشمالاً ولا يفهم ما يخاطب به لأن قلبه ليس حاضراً معه فبين صلاتيهما كما قَالَ بعض أهل العلم.
إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحد وإن ما بينهما في الفصل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل بقلبه والآخر ساه غافل يفكر في البيوع والخصومات والأماني والخسارات قد ذهب قلبه كل مذهب في أودية الدنيا.
وروي أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي في نخل له فشغل بالنظر إلى النخل فسها في صلاته فاستعظم ذلك وَقَالَ أصابني في مالي فتنة فجعل النخيل في الأرض صدقة في سبيل الله فبلغ ثمن النخيل خمسين ألفاً.
فلو أن الواحد منا إذا فاتته الصلاة مع الجماعة تصدق في عشرة فقط لما فاتتنا الصلاة مع الجماعة وهذا علاج من أحسن العلاجات.
وينبغي استعماله عند ما يصدر كذب أو غيبة أو نظر محرم أو سماع محرم أو نحو ذلك مِمَّا يقوله الإنسان أو يفعله عمداً أو سهواً ليتأدب ويستقيم ويقتدي به والله الموفق.
وَحَصِّنْ عَنْ الْفَحْشَا الْجَوَارِحَ كُلَّهَا
…
تَكُنْ لَكَ فِي يَوْمِ الْجَزَا خَيْرَ شُهَّدِ
وَخَالِطْ إِذَا خَالَطْتَ كُلَّ مُوَفَّق
…
مِنَ الْعُلَمَا أَهْلُ التُّقَى وَالتَّعَبُّدِ
يُفِيدُكَ مِنْ عِلْمٍ وَيَنْهَاكَ عَنْ هَوَى
…
فَصَاحِبُهُ تُهْدَى مِنْ هُدَاهُ وَتَرْشُدِ
نصيحة: يسمو قدر الإنسان وتعلو درجته ومنزلته عند الله جل وعلا وعند خلقه بقدر ما يكون له من استقامة وطهارة قلب وسلامة صدر وحب للخير لجميع المسلمين وبعد عن الشر والأذى وتضحية بالنفس والمال في سبيل الله وما يقرب إلى الله وقد امتدح الله إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام على ما وهبه له من سلامة قلب وعزة نفس وصدق عزيمة وقوة إيمان.
قَالَ تعالى لما ذكر نوحاً عليه السلام وأثني عليه أعقبه بذكر الخليل فَقَالَ {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
ومن دعاء إبراهيم عليه السلام {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
اللَّهُمَّ مكن محبة القرآن في قلوبنا ووفقنا لتلاوته آناء الليل والنهار اللَّهُمَّ وارزقنا العمل به والدعوة إليه واجعله حجة لنا وقائداً لنا إلى جنتك وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: وسلامة القلب خلوصه من الشرك وقِيلَ هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقِيلَ هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة انتهى.
قلت والَّذِي أرى أن السلامة الكاملة للقلب هي خلوصه من الشرك والشك والنفاق والرياء وخلوه من الكبر والحقد والحسد والعجب والمكر السيئ والغل والخيلاء.
ونقاؤه من الأمراض التي تكدر الصفو وتشتت الشمل وتخل بالأمن وتقطع الروابط والصلات بين المسلمين وتورث الضغائن والأحقاد وتولد العداوة والبغضاء بين المؤمنين.
وكان ? يقول في دعائه «اللَّهُمَّ إني أسألك قلباً سليماً» فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الَّذِي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد عنه.
وقد اكتفى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذكر سلامة القلب لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله كما في الحديث و‘إذا فسد فسد الجسد كله.
ولأن القلوب إذا سلمت سلمت الجوارح اليد واللسان من الأذى والشرور وسلمت أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم وقلت الشرور والجرائم والآثام. وقِيلَ إن لقمان كان عبداً حبشياً فدفع إليه سيده شاة وَقَالَ اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها فأتاه بالقلب واللسان ثم بعد أيام أتاه بشاة أخرى.
وَقَالَ له اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه بالقلب واللسان فسأله سيده عن ذلك فَقَالَ هما أطيب شئ إذا طابا وأخبث شئ إذا خبثا.
وذكر العلماء أن صلاح القلب:
(1)
في قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فيه وفيما صح عن النبي
(2)
في تقليل الأكل.
(3)
قيام الليل وإحياؤه بالعبادة.
(4)
التضرع عند السحر.
(5)
مجالسة الصالحين.
(6)
الصمت عما لا يعني.
(7)
العزلة عن أهل الجهل والسفه ومن فرطت أعمار.
(8)
ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني.
(9)
أكل الحلال وهو رأسها فإنه ينور القلب ويصلحه فتزكوا بذلك الجوارح وتدرأ المفاسد وتكثر المصالح فأكل الحرام والمشتبه يصدي القلب ويظلمه ويقسيه وهو من موانع قبول الدعاء.
وقد قِيلَ يخاف على أكل الحرام والشبهةِ أن لا يقبل له عمل ولا يرفع دعاء لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}
روى عن بعض أهل العلم أن الشيطان يقول خصلة من ابن آدم أريدها ثم أخلي بينه وبين ما يريد من العبادة أجعل كسبه من غير حل إن تزوج تزوج من حرام وإن أفطر أفطر على حرام، وإن حج حج من حرام أهـ.
فالحذر الحذر من الحرام في طلب القوت، فقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّباً، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ:{يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} وَقَالَ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} .
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ويقول: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذلك.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: تليت هذه الآية عند رسول الله ?: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً} .
فَقَامَ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فَقَالَ النَّبِيُّ ?:«يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والَّذِي نفس مُحَمَّد بَيّدِهِ إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» .
رواه الطبراني في الصغير.
وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ عز وجل لَهُ صَلاةً مَادَامَ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ? سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ رواه أحمد.
شِعْرًا:
…
فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الرِّبَا فَلَدِرْهَمُ
…
أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ زِنَاكَ بِنُهَّدِ
وَتُمْحَقُ أَمْوَالُ الرِّبَاءِ وَإِنْ نَمَتْ
…
وَيَرْبُو قَلِيلُ الْحِلِّ فِي صِدْق مَوْعِدِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم
(فَصْلٌ)
قَالَ الله جل وعلا وتقدس {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
وَقَالَ عز من قائل {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
وَقَالَ جل وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} وَقَالَ تبارك وتعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
وَقَالَ جل وعلا {وَاتَّقُواْ يَوْماً لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} .
شِعْرًا:
…
يَا نَفْسُ مَا الْوَقْتُ إِلا مَا عَلِمْتِ فَكَمْ
…
أَلَسْتَ حَدَّثَتْنِي أَنِّي أَتُوبُ فَلَمْ
إِيَّاكِ إيَّاكِ مِنْ سَوْفَ فَكَمْ خَدَعَتْ
…
وَأَهْلَكَتْ أُمَمَّا مِنْ قَبْلِهَا وَأُمَمُ
تُوبِي يَكُنْ لَكِ عِنْدَ اللهِ جَاهَ تُقَى
…
وَقَدِّمِي مِنْ فِعَالِ الصَّالِحِينَ قَدَمُ
يَا رَاقِدٌ لِلْبَلَى حَثّ الْمَشِيبُ بِهِ
…
أَلا فَكُنْ خَائِفًا لا تَقْعُدَنْ وَقُمْ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ? فيما يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ جل وعلا، أَنَّهُ قَالَ:«وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ: إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ في الآخرة» رواه ابن حبان في صحيحه.
وَقَالَ إذا قشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقُها.
وَقَالَ الحسن رضي الله عنه إن الرجل ليذنب فما ينساه ولا يزال متخوفاً حتَّى يدخل الجنة وَقَالَ ابن جبير الخشية هي أن تخشى الله حتَّى تحول خشيته بيتك وبين معاصيه.
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ? قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ» . رواه مسلم.
وعنه قَالَ: قرأ رسول الله ?: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} ثم قَالَ " «أتدرون ما أخبارها» . قَالُوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ.
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ
فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» .
وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ? خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فَقَالَ:«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» . قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ? وُجُوهَهُمْ ولَهُمْ خَنِينٌ. رواه البخاري ومسلم.
عَنْ أبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ? قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِي» . رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله ?: «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجوا أحد منكم بعمله» . قَالُوا: ولا أنت يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة وفضل» . رواه مسلم.
فيا عباد الله من خاف الله جل وعلا في دنياه أمنه الله في أخراه ولو آمن الإنسان حقّاً بالله الواحد الأحد الفرد الصمد وجزم بما بعد الحياة من الجنة والنار وما أعد الله لأهلهما إجمالاً وتفصيلاً.
ولو خاف وعيد الله كما يخاف وعيد أحر الأشرار لما اجترأ يوماً أن يتخطى شريعة الله أو ينتهك محارم الله التي حذره من تخطيها بقوله عز وجل: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .
وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
فاتق الله أيها المسلم وعظ نفسك في كل وقت بما بعده من الشدائد
والكروب والعقبات وحاسب نفسك على ما تقترفه وتفعله من السيئات واتخذ من تقوى الله ستراً يقيك من غضب الله وعذابه.
فما أسعد من جعل التقوى رأس ماله وما أرشد من راقب الله في جميع أحواله فيا ويح من نسي الآخرة وأجهد نفسه في طلب الدنيا وكان بها جل اشتغاله.
أما وعظه من رحل من أعمامه وأخواله فالعجب ممن أفصحت له العبر وليس عنده سمع ولا بصر أيبكي فاقد الإلف وينسى نفسه أين مضى رفقاؤنا أين ذهب معارفنا وأصدقاؤنا هذه دورهم فيها سواهم وهذا محبهم فقد نسيهم وجفاهم.
فتفكروا إخواني في الراحلين واعتبروا بالسالفين وتأملوا في البصائر حال الدفين وتأهبوا فأنتم في أثر الماضين.
فيا مطلقاً اذكر قيودهم ويا متحركاً قد عرفت همودهم فخلص نفسك من أسر الذنوب وتأهب لخلاصك فإنك مطلوب وتذكر بقلبِكَ يوم تقلب القلوب.
واحذر حسرات الموت عند انقضاء المدة واحذر تسويف الَّذِينَ ذهبوا وما تأهبوا.
فكأني بِكَ أيها الغافل في لهوه ولعبه الرافل في أثواب غيه وطربه السعي في معصية ربه وغضبه فلم يشعر إلا وقد نزل به من الموت أسباب عطبه.
فدبت الأمراض في جسده وأبدل من لذيذ العيش بمر السقم ونكده وانتزعه المنون من ماله وأهله وولده.
فزود من ماله كفنا واعتاظ عن القصور محلة الأموات وطنا يتمنى الرجعة إلى الدنيا ليجتهد في الأعمال الصالحات فيقال له: هَيْهَاتَ هيهات حيل بينك وبين الأعمال النافعات.
ألم يأتك خبر هذا المصير ألم تسمع قول أصدق القائلين: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} فاحذر أن تكون ممن يمتنون الرجعة فلا يقدرون ولا يجابون.
أنشد رجل من أهل الزهد هذه الأبيات:
وَيَوْمَ تَرَى الشَّمْسَ قَدْ كُوِّرَتْ
…
وَفِيهِ تَرَى الأَرْضَ قَدْ زُلْزِلَتْ
وَفِيهِ تَرَى كُلُّ نَفْسٍ غَدًا
…
إِذَا حُشِرَ النَّاسُ مَا قَدَّمَتْ
أَتَرْقُدُ عَيْنَاكَ يَا مُذْنِبًا
…
وَأَعْمَالُكَ السُّوءُ قَدْ دُوِّنَتْ
فَإِمَّا سَعِيدٌ إِلَى جَنَّةٍ
…
وَكَفَّاهُ بِالنُّورِ قَدْ خُضِّبَتْ
وَإِمَّا شَقِيٌّ كُسِيَ وَجْهَهُ
…
سَوَادًا وَكَفَّاهُ قَدْ غُلِّلَتْ
آخر:
صَرَفْتُ إِلَى رَبِّ الأَنَامِ مَطَالِبِي
…
وَوَجْهَتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَمَآرَبِّي
إِلَى الْمَلِكِ الأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهْ
…
مَلِيكٌ يُرَجَّى سَيْبُهُ فِي الْمَتَاعِبِ
إِلَى الصَّمَدِ الْبَرِّ الَّذِي فَاضَ جُودُهُ
…
وَعَمَّ الْوَرَى طُرًا بِجَزْلِ الْمَوَاهِبِ
مُقِيْلي إِذَا زَلَّتْ بِي النَّعْلُ عَاثِرًا
…
وَاسْمَحْ غِفَارٍ وَأَكْرمَ وَاهِبِ
فَمَا زَالَ يُولِينِي الْجَمِيلَ تَلَطُّفًا
…
وَيَدْفَعُ عَنِّي فِي صُدُورِ النَّوَائِبِ
وَيَرْزُقُنِي طِفْلاً وَكَهْلاً وَقَبْلَهَا
…
جَنِينًا وَيَحْمِينِي وَبِيَّ الْمَكَاسِبِ
إِذَا أَغْلَقَ الأَمْلاكَ دُونِي قُصُورَهُمْ
…
وَنَهْنَهَ عَنْ غِشْيَانِهِمْ زَجْرُ حَاجِبِ
فَزِعْتُ إِلَى بَابِ الْمُهَيْمِنِ طَارِقًا
…
مُدِلاً أُنَادِي بِاسْمِهِ غَيْرَ هَائِبِ
فَلَمْ أَلْفِ حُجَّابًا وَلَمْ أَخْشَ مِنْعَةً
…
وَلَوْ كَانَ سُؤْلِي فَوْقَ هَامِ الْكَوَاكِبِ
كَرِيمٌ يُلَبِّي عَبْدَهُ كُلَّمَا دَعَا
…
نَهَارًا وَلَيْلاً فِي الدُّجَى وَالْغَيَاهِبِ
سَأَسْأَلُهُ مَا شِئْتُ إِنَّ يَمِينَهُ
…
تَسِحُّ دِفَاقًا بِاللُّهَى وَالرَّغَائِبِ
فَحَسْبِي رَبَّي فِي الْهَزَاهِزِ مَلْجَأً
…
وَحِرْزًا إِذَا خِيفَتْ سِهَام النَّوَائِبِ
اللَّهُمَّ هب لنا ما وهبته لعبادك الأخيار وأنظمنا في سلك المقربين والأبرار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم مكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وأعنا على القيام
بطاعتك والانتهاء عن معصيتك اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة فإنا ندعوك دعاء من كثرت ذنوبه وتصرمت آماله وبقيت آثامه وانسلبت دمعته وانقطعت مدته دعاء من ما لكسره جابراً إلا أنت يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : عن إبراهيم التيمي قَالَ: ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قَالُوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن يكون من أهل الجنة لأنهم قَالُوا: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} .
وعن الفضيل بن عياض قَالَ: قِيلَ لسليمان التيمي أنت وأنت أي يثنون عليه قَالَ: لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل سمعت الله عز وجل يقول: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما أكن أحتسب.
وعن عكرمة عن مُحَمَّد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقِيلَ له: لم تجزع فَقَالَ: أخشى آية من كتاب الله عز وجل قَالَ الله تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قلت: وفيه آيات أخرى ينبغي أن تكون نصب عيني العاقل اللبيب وذلك قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، قوله تعالى:{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ} وقوله: {ن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} .
وَقَالَ عبد الأعلى التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل.
وعن أبي إسحاق قَالَ: أوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل إلى فراشه فَقَالَ: يا ليت أمي لم تلدني فقالت له امرأته: أبا ميسرة أليس الله قد أحسن إليك هداك للإسلام وفعل بِكَ كذا قَالَ: بلى ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار ولم يبين لنا أنا صادرون عنها.
شِعْرًا:
…
هَلِ الْوَقْتُ إِلا مَا عَرَفْنَا وَأَدْرَكَنَا
…
فَجَائِعُهُ تَبْقَى وَلَذَّاتُهُ تَفْنَى
إِذَا أَمْكَنَتْ فِيهِ مَسَرَّةُ سَاعَةٍ
…
تَوَلَّتْ كَمَرِّ الطَّرْفِ وَاسْتَخْلَفَتْ حُزْنَا
إِلَى تُبَعَاتٍ فِي الْمَعَادِ وَمَوْقِفٌ
…
نَوَدُّ لَدَيْهِ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كُنَّا
حَصَلْنَا عَلَى هَمٍّ وَإِثْمٍ وَحَسْرَةٍ
…
وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا فَلَذَّ بِهِ عَنَّا
كَأَنَّ الَّذِي كُنَّا نُسَرُّ بِكَوْنِهِ
…
إِذَا حَقَّقَتْهُ النَّفْسُ لَفْظٌ بِلا مَعْنَى
وَقَالَ الحسن: إن المؤمن يصبح حزيناً وينقلب باليقين في الحزن ويكفيه ما يكفى العنيزة الكف من التمر والشربة من الماء.
وَقَالَ حبيب بن أبي ثابت ما استرقت من أحد شيئاً أحب إلى من نفسي أقول لها أمهلي حتَّى يجيء من حيث أحب.
شِعْرًا:
…
إِذَا رُمْتَ أَنْ تَسْتَقْرِضَ الْمَالَ مُنْفِقًا
…
عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ فِي زَمَنِ الْعُسْرِ
فَسَلْ نَفْسَكَ الإِنْفَاقَ مِنْ كِنْزِ صَبْرِهَا
…
عَلَيْكَ وَإِنْضَارًا إِلَى زَمَنِ الْيُسْرِ
فَإِنْ فَعَلْتَ كُنْتَ الْغَنِيَّ وَإِنْ أَبَتْ
…
فَكُلُّ مَنُوعُ بَعْدَهَا وَاسِعُ الْعُذْرِ
وَقَالَ الثوري: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة. وسأل رجل سفيان الثوري فلم يكن معه ما يعطيه فبكى سفيان فَقَالَ له مسعر بن كدام: ما يبكيك قَالَ: وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه عندك.
وبكى ثابت حتَّى كادت عينه تذهب فجاؤا برجل يعالجها فَقَالَ الرجل: أعالجها على أن تعطيني قَالَ: وأي شيء. قَالَ: على أن لا تبكي قَالَ: فما خيرهما إن لم تبكيا وأبى أن يعالجها.
وكان شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته ينشج نشيجاً - أي يخشع ويبكي - ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يسمعه أو يراه ما فعله – أي يخشى من الرياء. والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وَقَالَ بعضهم يخاطب نفسه ويوبخها على تفريطها وإهمالها:
يَا نَفْسُ هَذَا الَّذِي تَأْتِينَهُ عَجَبٌ
عِلْمٌ وَعَقْلٌ وَلا نُسْكٌ وَلا أَدَبُ
وَصَفُ النِّفَاقِ كَمَا فِي النَّصِّ نَسْمَعُهُ
عِلْمُ اللِّسَانِ وَجَهْلُ الْقَلْبِ وَالسَّبَبُ
حُبُّ الْمَتَاعِ وَحُبُّ الْجَاهِ فَانْتَبِهِي
مِنْ قَبْلُ تُطْوَى عَلَيْكَ الصُّحُفُ وَالْكُتُبُ
وَتَصْبَحِينَ بِقَبْرٍ لا أَنِيسَ بِهِ
الأَهْلُ وَالصَّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوا ذَهَبُوا
وَخَلَّفُوكِ وَمَا أَسْلَفْتِ مِنْ عَمَلٍ
الْمَالُ مُسْتَأْخِرٌ وَالْكَسْبُ مُصْطَحَبُ
وَاسْتَيْقِنِي أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مُجْتَمِعًا
لِلْعَالَمِينَ فَتَأْتِي الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ
وَالْخَلْقُ طُرًا وَيَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا
فِي يَوْمِ لا يَنْفَعُ الأَمْوَالُ وَالْحَسَبُ
وَأَخْشَى رُجُوعًا إِلَى عَدْلٍ تَوَعَدَ مَِنْ
لا يَتَّقِيهِ بِنَارٍ حَشْوُهَا الْغَضَبُ
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالأَحْجَارُ حَامِيَةٌ
لا تَنْطَفِي أَبَدَ الآبَادِ تَلْتَهِبُ
وَالْبُعْدِ عَنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ الَّتِي حُشَيَتْ
بِالطَّيِّبَاتِ وَلا مَوْتٌ وَلا نَصَبُ
فِيهَا الْفَوَاكِهُ وَالأَنْهَارُ جَارِيَةٌ
.. وَالنُّورُ وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ وَالْقُبَبُ
وَهَذِهِ الدَّارُ دَارٌ لا بَقَاءَ لَهَا
لا يَفْتِنَنَّكِ مِنْهَا الْوَرَقُ وَالذَّهَبُ
وَالأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْمَرْكُوبُ تَرْكَبُهُ
وَالثَّوْبُ تَلْبَسُهُ فَالْكُلُّ يَنْقَلِبُ
لا بَارَكَ اللهُ فِي الدُّنْيَا سِوَى عَوَضٍ
مِنْهَا يُعَدُّ إِذَا مَا عُدَّتِ الْقُرُبُ
يُرِيدُ صَاحِبُهُ وَجْهَ الإِلَهِ بِهِ
دُونَ الرِّيَا إِنَّهُ التَّلْبِيسُ وَالْكَذِبُ
لا يَقْبَلُ اللهُ أَعْمَالاً يُرِيدُ بِهَا
عُمَّالُهَا غَيْرَ وَجْهِ اللهِ فَاجْتَنِبُوا
تَمَّتْ وَصَلُّوا عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا
وَالآلُ وَالصَّحْبُ قَوْمٌ حُبُّهُمْ يَجِبُ
ومِمَّا أشير فيه إلى بعض المعجزات التي وردت في القرآن ما يلي:
هُوَ اللهُ مَنْ أَعْطَى هُدَاهُ وَصَحَّ مِنْ
هَوَاهُ أَرَاهُ الْخَارِقَاتِ بِحِكْمَةِ
بِذَاكَ عَلَى الطُّوفَانِ نُوحٌ وَقَدْ نَجَا
بِهِ مَنْ نَجَا فِي قَوْمِهِ فِي السَّفِينَةِ
وَغَاضَ لَهُ مَا فَاضَ عَنْهُ اسْتِجَابَةٌ
وَجَدَّ إِلَى الْجُودِي بِهَا وَاسْتَقَرَّتِ
وَسَارَ وَمَتْنُ الرِّيحِ تَحْتَ بِسَاطِهِ
.. سُلَيْمَانُ بِالْجَيْشَيْنِ فَوْقَ البَسْطَةِ
وَقَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ أُحْضِرَ مِنْ سَبَا
لَهُ عَرْشُ بِلْقِيسٍ بِغَيْرِ مَشَّقَةِ
وَأَخْمَدَ لإِبْرَاهِيمَ نَارَ عَدُوِّهِ
وَفِي لُطْفِهِ عَادَتْ لَهُ رَوْضَ جَنَّةِ
وَلَمَّا دَعَا الأَطْيَارَ فِي رَأْسِ شَاهِقٍ
وَقَدْ قُطِّعَتْ جَاءَتْهُ غَيْرَ عَصِيَّةِ
وَفِي يَدِهِ مُوسَى عَصَاهُ تَلَقَّفَتْ
مِنَ السِّحْرِ أَهْوَالاً عَلَى النَّفْسِ شَقَّةِ
وَمِنْ حَجَرٍ أَجْرَى عُيُونًا بِضَرْبَة
بِهَا دَائِمًا سَقَّتْ وَلِلْبَحْرِ شَقَّتِ
وَيُوسُفُ إِذْ أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَهُ
عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبٍ عَلَيْهِ بِأَوْبَةِ
رَآهُ بِعَيْنٍ قَبْلَ مَقْدَمِهِ بَكَى
عَلَيْهِ بِهَا شَوْقًا إِلَيْهِ فَكَفَّتِ
وَفِي آلِ إِسْرَائِيلَ مَائِدَةُ السَّمَا
لِعِيسَى بنِ مَرْيَمْ أُنْزِلَتْ ثُمَّ مُدَّتِ
وَمِنْ أَلَمٍ أَبْرَى وَمِنْ وَضَحٍ غَدَا
شَفَى وَأَعَادَ الطَّيْرَ طَيْرًا بِنَفْخَةِ
وَصَحَّ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ
أَمَاتَ وَأَحْيَا بِالدُّعَا رَبَّ مَيِّتِ
.. وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا عَنْ السِّحْرِ أَنَّهُ
رَضِيعٌ يُنَادِي بِاللِّسَانِ الْفَصِيحَةِ
يُنَزِّهُ عَنْ رَيْبِ الظُّنُونِ عَفِيفَةً
مُبَرَّأَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَرِيبَةِ
وَقَالَ لأَهْلِ السَّبْتِ كُونُوا إِلَهُنَا
قُرُودًا فَكَانُوا عِبْرَةً أَيَّ عِبْرَةِ
وَصَرَّعَ أَهْلَ الْفِيلِ مِنْ دُونِ بَيْتِهِ
بِطَيْرِ أَبَابِيلٍ صِغَارٍ ضَعِيفَةِ
وَأَحْرَقَ رَوْضَ الْجَنَّتَيْنُ عُقُوبَةً
بِكَافٍ وَنُونٍ عِبْرَةً لِلْبَرِيَّةِ
وَقَالَ يوسف بن مُحَمَّد الصرصري رحمه الله:
مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً
يُشَيِّدُ مَا أَوْهَى الضَّلالُ وَيُصْلِحُ
لَئِنْ سَبَّحَتْ صُمُّ الْجِبَالِ مُجِيبَةً
لِدَاوُدَ أَوْ لانَ الْحَدِيدُ الْمُصَفَّحُ
فَإِنَّ الصُّخُورَ الصُّمَّ لانَتْ بِكَفِّهِ
وَإِنَّ الْحَصَى فِي كَفِّهِ لَيُسَبِّحُ
وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَنْبَعَ الْمَاءَ مِنَ الْحَصَى
فَمِنْ كَفِّهِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَاءُ يَطْفَحُ
وَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ الرُّخَاءُ مُطِيعَةً
سُلَيْمَانَ لا تَأْلُو تَرُوحُ وَتَسْرَحُ
.. فَإِنَّ الصَّبَا كَانَتْ لِنَصْرِ نَبِيِّنَا
بِرُعْبٍ عَلَى شَهْرٍ بِهِ الْخَصْمُ يَكْلَحُ
أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ وَسُخِّرَتْ
لَهُ الْجِنُّ تَشْفِي مَا رِضِيهِ وَتَلْدَحُ
فَإِنَّ مَفَاتِيحَ الْكُنُوزِ بِأَسْرِهَا
أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِدُ الْمُتَرَجِّحُ
وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُعْطِيَ خُلَّةً
وَمُوسَى بِتَكْلِيمٍ عَلَى الطُّورِ يُمْنَحُ
فَهَذَا حَبِيبٌ بَلْ خَلِيلٌ مُكَلَّمٌ
وَخُصِّصَ بِالرُّؤْيَا وَبِالْحَقِّ أَشْرَحُ
وَخُصِّصَ بِالْحُوضِ الْعَظِيمِ وَباللِّوَا
وَيَشْفَعُ لِلْعَاصِينَ وَالنَّارُ تَلْفَحُ
وَبِالْمَقْعَدِ الأَعْلَى الْمُقَرَّبِ عِنْدَهُ
عَطَاءٌ بِبُشْرَاهُ أُقِرُّ وَأَفْرَحُ
وَبِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا الْوَسِيلَةِ دُونَهَا
مَرَاتِبُ أَرْبَابِ الْمَوَاهِبُ تَلْمَحُ
وَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ أَوَّلُ دَاخِلٍ
لَهُ سَائِرُ الأَبْوَابِ بِالْخَيْرِ تُفْتَحُ
اللَّهُمَّ وفقنا لأتباع الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والشقا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(قصص رائعة)
عن بِلَالُ بن رباح قَالَ: مَا كَانَ لرَسُولِ اللهُ ? شَيْءٌ إلا أَنَا الَّذِي كُنْتُ ألِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ فَرَآهُ عَائلاً يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي الْبُرْدَةَ وَالشَّيْءَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ، حتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: يَا بِلَالُ إِنَّ نَدِي عِنْدِي سَعَةً فَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ مِنِّى فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأتُ ثُمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا الْمُشْرِكُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا حَبَشِي،ُّ قُلْتُ: يَا لَبَّيْهُ؛ فَتَجَهَّمَنِي، وَقَالَ قَوْلاً غَلِيظاً - أَو غَلِيظاً قَالَ: أَتَدْرِى كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ؟ قُلْتُ: قَرِيبٌ.
قَالَ: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُ لَيَالٍ، فَآخُذُكَ بِالَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَمْ أُعْطِكَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ مِنْ كَرَامَتِكَ وَلَا مِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِكَ، وإنما أَعْطَيْتُكَ لِتَصيَر َ لِي عَبْداً فَأَرُدُّكَ تَرْعَى في الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَخَذَني فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، فَانْطَلَقْتُ فناَديْتُ بِالصَّلَاةِ، حتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ، رَجَعَ رَسُولِ اللهُ ? إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنِّي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِى عَنِّي وَلَا عِنْدِي وَهُوَ فَاضِحِي، فَأْذَنْ لِي أَنْ آتِيَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهِ ? مَا يَقْضِي عَنِّى.
فَخَرَجْتُ حتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَرُمْحِي وَنَعْلِي عِنْدَ رَأْسِي، فَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيََ الأُفُقَ فَكُلَّمَا نِمْتُ انْتَبَهْتُ، فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلاً نِمْتُ حتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ. فَإِذَا إِنْسَانٌ يَدْعُو: يَا بِلَالُ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ? فَانْطَلَقْتُ حتَّى آتِيهِ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنْتُ فَقَالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ?:«أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَاءِ دينكَ» . فَحَمِدْتُ اللَّهَ.
وَقَالَ: «أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ؟» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَإِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ» . فإِذَا عَلَيْهِنَّ كِسْوَةٌ وَطَعَامٌ أَهْدَاهُنَّ لَهُ عَظِيمُ فَدَكَ - «فَاقْبِضْهُنَّ إِلَيْكَ
، ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ» . فَفَعَلْتُ فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ ثُمَّ عَقَلْتُهُنَّ، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ? خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ إِصْبَعَيَّ فِي أُذُنَيَّ فقُلْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ? دَيْناً فَلْيَحْضُرْ.
فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِي وَأُعَرِّضُ حتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ? دَيْنٌ فِي الأَرْضِ حتَّى فَضَلَ عِنْدِي أُوقِيَّتَاْنِ أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ? قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي:«مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ? فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ قَالَ: «فَضَلَ شَيْءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ دِينَارَانِ، قَالَ:«انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهَما، فَلَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حتَّى تُرِيحَنِي مِنْهمَا» . فَلَمْ يَأْتِنَا أحَدُ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حتَّى أَصْبَحَ، وَظَلَّ فِي الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ حتَّى كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَ رَاكِبَانِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَكَسَوْتُهُمَا وَأَطْعَمْتُهُمَا، حتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ:«مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟» . قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقاً مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ حتَّى أَتَى فِي مَبِيتَهُ.
اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسننا من الكذب وأعيننا من الخيانة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن عبد الله بن عمر قَالَ: بعثت رَسُولِ اللهُ ? جيشاً فيهم رجل يقال له «حدير» ، وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام؛ فزودهم رَسُولِ اللهُ ? ونسي أن يزود حديراً. فخرج حدير صابراً وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هو يا رب؛ فهو يرددها، وهو في آخر الركب.
فجاء جبريل إلى النبي ? فَقَالَ له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابَكَ ونسيت أن تزود حديراً، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويقول: نعم الزاد هو يا رب؛ فكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد، فدعا النبي ? رجلاً، فدفع إليه زاد وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول.
ويقول له: إن رَسُولَ اللهِ ? يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وأن ربي تبارك وتعالى أرسل إلى جبريل يذكرني بِكَ، فذكره جبريل وأعلمه مكانك.
فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب؛فدنا منه، ثم قَالَ له: إن رَسُولَ الله ? يقرئك السلام ورحمة الله.
وقد أرسلني أليك بزادٍ معي، ويقول: إني إنما نسيتك، فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بِكَ؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ? ثم قَالَ: الحمد لله رب العامين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي.
يا رب كما لم تنس حديراً فاجعل حديراً لا ينساك؛ فحفظ ما قَالَ، ورجع إلى النبي ? فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قَالَ حين أخبره، فَقَالَ رَسُولِ اللهُ: أما أنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نوراً ساطعاً ما بين السماء والأرض. والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح
والمعائب التي تعلمها منا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن محمود بن لبيد قَالَ: أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل ‘ حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ? إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قَالَ: كيف أصبحت؟ فيخبره.
حتَّى كانت الليلة التي نقله قومه فيها؛ فاحتملوه إلى بني الأشهل، إلى منازلهم، وجاء رَسُولِ اللهُ ? كما كان يسأل عنه، وقَالُوا: قد انطلقوا به.
فخرج رَسُولُ اللهُ ? وخرجنا معه، فأسرع المشي حتَّى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قشكا ذلك إليه أصحابه: يَا رَسُولَ اللهِ، أتعبتنا في المشي.
فَقَالَ: أني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة فانتهى رَسُولُ اللهُ ? إلى البيت وهو يغسل وأمه تبكيه، وهي تقول:
وَيْلَ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا
…
حَزَامَةً وَجِدَّا
فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ?: كل نائحة تكذب إلا أم سعد.
ثم خرج به، فَقَالَ له القوم – أو من شاء الله منهم – يَا رَسُولَ اللهِ، ما حملنا ميتاً أخف علينا من سعد.
فَقَالَ: ما يمنعكم من أن يخف عليكم، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، قد سمى عدة كثيرة لم أحفظها، لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم.
عن الحجاج بن علاط قَالَ قلت لرَسُولِ الله: يَا رَسُولَ اللهِ، إن لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة
…
ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، فأذن يَا رَسُولَ اللهِ؛ (فأذن لي) ، قلت إنه لا بد لي يَا رَسُولَ اللهِ من أن أقول، قَالَ: قل.
فخرجت حتَّى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رَسُولِ اللهُ ? وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز، ريفاً ومنعة ورجالاً، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الركبان.
فلما رأوني قَالُوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا مُحَمَّد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي يهود وريف الحجاز.
قلت: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسركم، فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج! قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وأسر مُحَمَّد أسراً.
وقَالُوا: لا نقتله حتَّى نبعث به إل أهل مكة، فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم؛ فقاموا وصاحوا بمكة، وقَالُوا: قد جاءكم الخبر، وهذا مُحَمَّد، إنما تنظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم.
قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي،فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب مَن فَلَّ مُحَمَّدٌ وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك؛ فقاموا، فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به.
وجئت صاحبتي فقلت: ما لي، وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي الحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر، وجاءه عني، أقبل حتَّى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار.
فَقَالَ: يا حجاج، ما هذا الخبر الَّذِي جئت به؟ فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قَالَ: نعم قلت: فاستأجر عني حتَّى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتَّى أفرغ.
حتَّى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس، فقلت: أحفظ علي حديثي يا أبا الفضل – فإني أخشى الطلب – ثلاثاً ثم قل ما شئت، قَالَ: أفعل قلت: فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم.
ولقد افتتح خيبر وانتثلَ ما فيها، وصارت له ولأصحابه، فَقَالَ: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إي والله، فاكتم عني، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي، فرقاً من أن أغلب عليه.
فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله ما تحب. حتَّى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتَّى أتي الكعبة، فطاف بها.
فلما رأوه قَالُوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة، قَالَ: كلا، والله الَّذِي خلفتم به، لقد افتتح مُحَمَّد خيبر وترك عروساً على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه.
قَالُوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قَالَ: الَّذِي جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً، فأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمُحَمَّد وأصحابه، فيكون معه، قَالُوا: يا لعباد الله! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن؛ ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.
والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن أنس بن مالك قَالَ: أعرس رسول الله ?، ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيساً ثم حطته في تور، فقالت: اذهب إلى رسول الله ? وأخبره أن هذا منا له قليل. والناس يومئذ في جهد
فجئت به فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك
السلام وتقول: إن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قَالَ: ضعه فوضعته في ناحية البيت، ثم قَالَ: اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً فسمى رجالاً كثيراً.
قَالَ: ومن لقيت من المسلمين فدعوت من قَالَ لي، ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس فَقَالَ لي رسول الله ? جيء به؛ فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وَقَالَ: ما شاء الله.
ثم قَالَ: ليتحلق عشرة ويسموا وليأكل كل إنسان مِمَّا يليه، فجعلوا يسمون ويأكلون حتَّى أكلوا كلهم، فَقَالَ لي رسول الله ? ارفعه فجئت فأخذت التور، فنظرت فيه فلا أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين رفعته!
وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ? وزوج رسول الله ? التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله ? وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزاً، فَقَامَ رسول الله ? فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب، فخرجوا.
وجاء رسول الله ? حتَّى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ? في بيته يسيراً وأنزل الله عليه القرآن فخرج وهو يقرأ هذا الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} فقرأهن علي قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهداً
اللَّهُمَّ مكن محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان وثبتنا
على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وزحزحنا عن النار وأدخلنا الجنة دار القرار ومتعنا بالنظر إلى وجهك يا أكرم الأكرمين وأرحم الرحمين وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن عبد الله بن عباس قَالَ: خرج أبو بكر بالهاجرة، فسمع بذلك عمر فخرج فإذا هو بأبي بكر، فَقَالَ يا أبا بكر، ما أخرجك هذه الساعة؟ فَقَالَ: أخرجني والله ما أجد في بطوننا من حاق الجوع.
فَقَالَ: وأنا والله ما أخرجني غيره، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ? فَقَالَ: ما أخرجكما هذه الساعة؟ فقالا: أخرجنا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأنا والَّذِي نفسي بَيّدِهِ ما أخرجني غيره فقاموا فانطلقوا حتَّى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري وكان أبو أيوب ذكر لرسول الله ? طعاما أو لبنا فأبطأ يومئذ فلم يأت لحينه فأطعمه أهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه.
فلما أتوا باب أبي أيوب خرجت امرأته فقالت: مرحبا برسول الله ? وبمن معه فَقَالَ لها رسول الله ? فأين أبو أيوب؟ فقالت: يأتيك يا نبي الله الساعة.
فرجع رسول الله ? فبصر به أبو أيوب - وهو يعمل في نخل له - فجاء يشتد حتَّى أدرك رسول الله ? فَقَالَ: مرحبا بنبي الله وبمن معه.
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، ليس بالحين الَّذِي كنت تجيئني فيه، فرده، فجاء إلى عذق النخل فقطعه، فَقَالَ له رسول الله ?: ما أردت إلى هذا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أحببت أن تأكل من رطبه وبسره وثمره وتذنوبه، ولأذبحن لك مع هذا.
فَقَالَ: إن ذبحت، فلا تذبحن ذات در، فأخذ عناقاً له، أو جدياً؛
فذبحه، وَقَالَ لامرأته: اختبزي وأطبخ أنا، فأنت أعلم بالخبز فعمد إلى نصف الجدي فطبخه، وشوى نصفه.
فلما أدرك بالطعام وضع بين يدي رسول الله ? وأصحابه، فأخذ رسول الله ? من الجدي فوضعه على رغيف، ثم قَالَ: يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام.
فلما أكلوا وشبعوا قَالَ النبي ? خبز ولحم وبسر وتمر ورطب، ودمعت عيناه، ثم قَالَ: هذا من النعيم الَّذِي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه، فَقَالَ رسول الله ? إذا أصبتم مثل هذا، وضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله وبركة الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الَّذِي أشبعنا وأروانا، وأنعم وأفضل، فإن هذا كفاف بهذا.
وكان رسول الله ? لا يأتي إليه أحد معروفاً إلا أحب أن يجازيه؛ فَقَالَ لأبي أيوب: ائتنا غداً فلم يسمع، فَقَالَ له عمر إن رسول الله ? يأمرك أن تأتيه، فلما أتاه أعطاه وليدة، فَقَالَ: يا أبا أيوب، استوص بهذه خيراً فإنا لم نر إلا خيراً ما دامت عندنا؛ فلما جاء بها أبو أيوب قَالَ: ما أجد لوصية رسول الله ? شيئاً خيراً من أن أعتقها؛ فأعتقها.
والله أعلم وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وسلم.
فَهَا سُنَّةُ الْمَعْصُومِ خَيْرَةِ خَلْقِهِ
…
شَكَتْ بِلِسَانِ الْحَالِ طُولَ جِفَاهَا
فَنَسْأَلُ رَبُّ الْعَرْشِ تَيِسِيرَ مُخْلِص
…
يُزِيلُ ظَلامًا قَدْ طَمَا وَعَلاهَا
فَتَى قَدْ جَنَى مِنْ كُلِّ فَنٍ ثِمَارَهُ
…
وَأَمَّ إِلَى هَامِ الْعُلَى فَعَلاهَا
قَرِيبٌ إِلَى أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وَالتُّقَى
…
وَيَبْعُد عَمَّنْ يَرْتَضِي بِسِوَاهَا
عَفِيفٌ عَن الأَمْوَالِ إِلا بِحَقِّهَا
…
وَعَنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا يُطِيلُ جِفَاهَا
يُوَالِي وَيُدْنِي أَهْلَ سُنَّةَ أَحْمَدِ
…
بَعِيدٌ لِمَنْ يَهْدِي بِغَيْرِ هُدَاهَا
يَحُفُّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى كُلِّ سَابِحٍ
…
مُنَاهُمْ مُنَاوَاةُ الْعِدَى وَلِقَاهَا
يَقُودُ أُسُودًا فِي الْحَرْبِ ضَيَاغِمًا
…
تَعُدُّ الْمَنَايَا فِي الْحُرُوبِ مُنَاهَا
وَيَعْرُوهُمُوا عِنْدَ الْمُلاقَاتِ هِزِّةً
…
وَيُسْكِرُهُمْ دَمْعُ الْعِدَا وَدِمَاهَا
وَيَطْرِبُهُمْ هَزُّ الْقَنَا بِأَكُفِّهِمْ
…
وَوَقْعُ الْعَوَالِي فِي صُدُورِ عِدَاهَا
وَلا جَمَعُوا مَالاً وَلا كَسَبُوا لَهُمْ
…
مَسَاكِنَ لا يَرْضَى الإِلَهُ بَنَاهَا
وَمَا قَصَدُوا مِنْ سَفْكِهِمْ لِدَمِ الْعِدَى
…
وَضَرْبِ طَلاهَا بِالطِّلا لِرَدَهَا
سِوَى أَنَّهُمْ يُحْيُونَ شِرْعَةِ أَحْمَدٍ
…
وَيُعْلُونَ مِنْهَا مَا وَهَى لِعُلاهَا
وَلا هَمَّهُمْ جَمْعُ الْحُطَامِ فَزَخْرَفُوا
…
قُصُورًا وَلا بَاهَوْا بِرَفْعِ بِنَاهَا
وَلا قَصْدَهُمْ مِمَّنْ أَبَادُوهُ بِالْقَنَا
…
وَتَطْوِيقِهِمْ بِالسَّيْفِ بيضَ طَلاهَا
سِوَى رَفْعُ أَعْلامِ الشَّرِيعَةِ فِي الْوَرَى
…
وَيَنْفُونَ عَنْهَا بَاطِلاً بِدَوَاهَا
سَيَنْجَابُ عَنْهَا بِالصَّوَارِمِ مَا دَجَا
…
فَيُشْرِقُ فِي الآفَاقِ نُورُ سَنَاهَا
وَتَنْفُذُ فِي الطَّاغِي سِهَامُ قَسِيِّهِمْ
…
فَتَظْهَرُ أَحْكَامُ الْهُدَى بِهُدَاهَا
فَيَا مَنْ لَهُمْ فِي الدِّينِ أَقْصَرُ هِمَّةٍ
…
إِلَى كَمْ تُمَنُّوَن النُّفُوسَ مُنَاهَا
نَرَى كُلَّ يَوْمٍ مُنْكَرَاتٍ فَظِيعَةً
…
وَلا نَتَحَامَى عَارَهَا وَعَرَاهَا
وَمَا حَصَلَ الإِنْصَافُ مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ
…
فَحَيَّ هَلا يَا مَنْ يُرِيدُ حِمَاهَا
تَعَالَوْا بِنَا نُحْيِي رِيَاضًا مِنَ الْعُلَى
…
وَنَرْفَعُ أَعْلامَ الْهُدَى وَذُرَاهَا
وَفُكُّوا عَنِ الأَفْكَارِ أَقْيَادَ شُغْلِهَا
…
لِتَنْظُرَ فِي عُقْبَى مَآلِ عُلاهَا
فَمَا اللهُ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِغَافِلٍ
…
سَيَجْزِي الْعِدَى يَوْمَ الْجَزَا بِجَزَاهَا
فَفِي الذِّكْرِ أَخْبَارٌ بِسُوءِ مَآلِهِمْ
…
إِذَا رَامَهَا مَنْ شَاءَهَا سَيَرَاهَا
بِرَبِّكُمُوا رُدُّوا سَلامِي عَلَى أَمْرِي
…
عَنْ السُّنَّةِ الْغَرَا أَمَاطَ قَذَاهَا
خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ سَامِعٍ لِشَكِّيَّتِي
…
إِذَا بُحْتُ بِالشَّكْوَى يَبُلُّ صَدَاهَا
فَإِنْ تَجِدَاهُ فَاكْشِفَا عَنْ نِقَابِهَا
…
وَإِلا فَبِالْكُفْءِ الْكَرِيمِ عِدَاهَا
أَلَمْ تَسْمَعُوا تَجْرِيفَ سُنَّةِ أَحْمَدٍ
…
وَسَومِ الأَعَادِي فِي مُرُوجِ حِمَاهَا
إِذَا قِيلَ قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ
…
يَقُولُونَ قَالَ الأَكْثَرُونَ سِوَاهَا
بِلادٌ جَبِينَاهَا وَسُسْنَا أُمُورَهَا
…
فَنَحْنُ كَمَنْ قَدْ سَاسَهَا وَجَبَاهَا
وَإِنْ قِيلَ مَا شَأْنُ الْمَزَامِيرِ وَالْغِنَا
…
بَلِ الظُّلْمُ قَالُوا كَيْ نُخِيفَ عِدَاهَا
وَآذَانُهُمْ صُمُّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى
…
وَأَبْصَارُهُمْ قَدْ طَالَ عَنْهُ عَمَاهَا
فَصَدُّوا وَمَا رَدُّوا شَرِيدًا وَهَدَّمُوا
…
قَوَاعِدَ خَيْرُ الْمُرْسَلِينَ بَنَاهَا
فَتَبًّا لَهَا تَبًّا وَسُحْقًا لِفِرْقَةٍ
…
جَمِيعُ الضَّلالاتِ اشْتَرَتْ بِهُدَاهَا
وَبُعْدًا لَهَا بُعْدًا وَتَبًّا لَهَا وَمَنْ
…
يُحَاوِلُ مِنْهَا فِي الْجَهَالَةِ جَاهَا
فَغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ هَلْ مِنْ مُثَابِرٍ
…
يُزِيلُ قَذَاهَا سَيْفُهُ وَشَجَاهَا
إذَا سُلَّ مِنْ نُورِ الشَّرِيعَةِ صَارِمًا
…
عَلَى ظُلْمَةٍ لِلْظَّالِمِينَ جَلاهَا
فَيَا لِلْعُقُولِ السَّامِيَاتِ إلَى الْعُلا
…
وَيَا مَنْ مَنَحْتُمْ أنْفُسًا وَهُدَاهَا
ألَسْنَا نَرَى في كُلِّ يَوْمٍ مَنَاكِرًا
…
فَنُعْرِضُ لا نَنْهَى وَلا نَتَنَاهَا
وَمَا كَانَ مِنَّا صَادِمٌ لِمُشَاغِبْ
…
أَدَارَ مِنْ الْحَرْبِ الضَّرُوسِ رَحَاهَا
فَحيِّ هَلا نُحْيِي مِنَ الْوَحْيِ سُنَّةً
…
وَقَدْ سَنْحَتْ عَيْنٌ تُطِيلُ كَرَاهَا
وَهُبُّوْا فَقَدْ طَالَ الْمَنامُ وَشَمِّرُوْا
…
لِنَسْبَحْ في غَمْرَاتِها وَحَلاهَا
فَقَدْ وَعَدَ الرَّحْمَنُ نُصْرَةَ دِيْنِهِ
…
وَلَكِنْ قَضَى أنْ لِلأُمُورِ مَدَاهَا
وَأَنْزَلَ في التَّنْزِيلِ أَخْبَارَ مَنْ طَغَى
…
وَكَمْ ضُمِّنَتْ (طَسْ) مِنْه وَ (طَاهَا)
فَيَالَ عِبَادِ اللهِ هَلْ مِنْ مُحَقِّقٍ
…
عَلَى شِرْعَةِ الْمُخْتَارِ رَدَّ رُوَاهَا
خَلِيلِي هَلا قَدْ وَجَدْتُمْ مُهَذَّبًا
…
إِذَا بَُثَّتِ الشَّكْوَى إِلَيهِ وَعَاهَا
فَإِنْ تَجِدَاهُ فَالْمَرَامُ وَجَدْتُمَا
…
وَإِلا فَصُونَا وَجْهَهَا وَقَفَاهَا
فَوَا حَزَنًا مِنْ هَجْرِ سُنَّةِ أَحْمَدٍ
…
بِغَيْرِ تَحَاشٍ وَانْتِهَاكِ حِمَاهَا
.. إِذَا قِيلَ مَا هَذِي الْمَقَايِسُ وَالْهَوَى
…
يَقُولُونَ عَادَاتٌ وَنَحْنُ نَرَاهَا
وَمُلْكٌ وَأَرَاض قَدْ جَبَيْنَا خَرَاجَهَا
…
كَمَا سَاسَهَا مِنْ قَبْلَنَا وَجَبَاهَا
وَإِنْ قِيلَ مَا شَأْنُ الْمَظَالِمِ جَهْرَةً
…
يَقُولُونَ إِرْهَابُ فَقُلْتُ بَلاهَا
قُلُوبٌ لَهُمْ لا تَعْقِلُ الْحَقَّ بَلْ وَلا
…
تَلِينُ لِذِكْرِ اللهِ عِنْدَ قَسَاهَا
اللهُمَّ أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك سميع الدعاء.
اللهُمَّ مكن محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان وألهمنا ذكرك وشكرك بحضور قلب واجعلنا هداة مهتدين وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قَالَ: جاءنا رسول الله ? في منازلنا بمنى، ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، وهو على راحلته مردفاً خلفه زيد بن حارثة. فدعانا؛ فوقف ما استجبنا له ولا خير لنا، وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي.
فَقَالَ لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتَّى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فَقَالَ القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول الله ? في ميسرة، فكلمه؛ فَقَالَ ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجل بقومه، فإذا لم يعضدوه، فالعدى أبعد.
فانصرف رَسُولِ اللهُ ? وخرج القوم صادرين إل أهليهم؛ فَقَالَ لهم ميسرة: ميلوا نأتي فدك؛ فإن بها يهوداً نسائلهم عن هذا الرجل؛ فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سفراً لهم فوضعوه. ثم درسوا ذكر رَسُولِ اللهُ ? النبي الأمي العربي، يركب الحمار، ويجتزي بالكسرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد، ولا بالبسط، في عينيه حمرة، مشرق
اللون، فإن كان هو الَّذِي دعاكم، فأجيبوه، وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه وإنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه، وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه.
فَقَالَ ميسرة: يا قوم ألا إن هذا الأمر بين، فَقَالَ القوم: نرجع إلى الموسم ونلقاه، فرجعوا إلى بلادهم، وأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رَسُولِ اللهُ ? المدينة مهاجراً وحج حجة الوداع لقيه ميسرة فعرفه.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ما زلت حريصاً على إتباعك من يوم أنخت بنا، حتَّى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الَّذِينَ كانوا معي، فأين مدخلهم يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ? كل من مات على غير دين الإسلام فهو في النار.
فَقَالَ: الحمد لله الَّذِي أنقذني؛ فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر مكان.
اللهُمَّ وفقنا لسلوك مناهج المتقين وخصنا بالتوفيق المبين واجعلنا بفضلك من عبادك المخلصين الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يخزنون وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
عَنْ أَبِى مُوسَى الأشْعَري قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ? أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ:«وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ» . وَوَافَقْتُهُ، وَهْوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ.
فَرَجَعْتُ حَزِيناً مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللهِ ? وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولِ اللهِ ? قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولِ اللهِ ?، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَاّ سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاً يُنَادِى أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ. فَأَجَبْتُهُ.
فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ? يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْت رَسُولَ اللهِ ?، قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ.
فَقُلْ: إِنَّ اللهَ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ» . فَانْطَلَقْتُ إِلى أصْحابي بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ رسول الله ? يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ.
وَلَكِنِّي وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ ? حينَ سَألْتُهُ لكُمْ، ومَنْعَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ إعْطاءَهُ إَّيايَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً لَمْ يَقُلْهُ.
فَقَالُوا لِي: والله إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ؛ فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ? مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى.
وعن كعب بن مالك قَالَ: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفُقِّهْنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة.
قَالَ البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت رأياً، فوالله ما أدري أتوافقونني عليه، أم لا؟ قلنا: وما ذاك؟ قَالَ: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها.
فقلنا: والله ما بلغنا أن نبيناً ? يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، فَقَالَ: إني لمصل إليها فقلنا له: لكنا لا نفعل، فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتَّى قدمنا مكة.
وقد كنا قد عتبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله ? حتَّى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع فِي نَفْسِي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
فخرجنا نسأل عن رسول الله ? وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلاً من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله ? فَقَالَ: هل تعرفانه؟ قلنا: لا.
قَالَ: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم - وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً - قَالَ: فإذ دخلتما المسجد؛ فهو الرجل الجالس مع العباس. قَالَ: فدخلنا المسجد، فإذا العباس جالس، ورسول الله ? جالس معه، فسلمنا، ثم جلسنا إليه.
فَقَالَ رسول الله ? للعباس: ((هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل» ؟ قَالَ: نعم، هذا البراء بن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك؛ فوالله ما أنسى قول رسول الله ?: ((الشاعر)) ؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ له البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتَّى وقع فِي نَفْسِي من ذلك شيء؛ فما ترى يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها؛ فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ? وصلى معنا. إلى الشام وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتَّى مات، وليس ذلك كما قَالُوا، نحن أعلم به منهم. والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد اللهُمَّ اسلك بنا سبيل الأبرار، واجعلنا من عبادك المصطفين الأخبار، وامنن علينا بالعفو والعتق من النار، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ? فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ:«مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ? وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ؛ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ» ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ» . فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِى الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِىِّ - وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النَّخْلِ والشَّجَرِ وَالشَّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ - فَلَمْ يَجِدُوهُ.
فَقَالُوا لاِمْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ فَقَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ ? وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.
ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ، فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?:«أَفَلَا تَنَقيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ» . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا - أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا - مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ.
فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?:«وَالَّذِي نَفْسِي بَيّدِهِ مِنَ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظِلٌّ بَارِدٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ» . فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ ِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَاماً فَقَالَ النَّبيُّ ?: «لَا تَذْبَحَنَّ لنا ذَاتَ دَرٍّ» . فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً - أَوْ جَدْياً - فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ? «هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟» . قَالَ: لَا، قَالَ:«فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَائْتِنَا» . فَأُتِيَ النَّبِيُّ ? بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبيُّ ?:«اخْتَرْ مِنْهُمَا» . فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّى، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفاً» . فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ: فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ?.
فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ? إِلَاّ أَنْ تَعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?:«إِنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً وَلَا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالاً وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» . والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد وأله وسلم.
اللهُمَّ إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا،
وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها كل سوء يا أرحم الراحمين.
اللهُمَّ ارزقنا من فضلك، وأكفنا شر خلقك، وأحفظ علينا ديننا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ? خَيْبَرَ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالاً وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلاً وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ أفَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ أو قُلتُ شَيْئاً.
فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ? أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِىَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ.
وَفَشَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحاً وَسُرُوراً. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَقِرَ وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ
…
فَأَخَذَ ابْناً لَهُ يُقَالَ لَهُ قُثَمٌ وَاسْتَلْقَي، وَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ شَبِيهُ ذِي الأَنْفِ الأَشَمْ
…
نَبِيِّ ذِي النِّعَمْ يَزْعُم مَنْ زَعَمْ
ثُمَّ أَرْسَلَ غُلَاماً لَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ وَيْلَكَ جِئْتَ بِهِ! وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ فَقَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ فَلْيَخْلُ لِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ.
فَجَاءَ غُلَامُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحاً حتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ فَأَعْتَقَهُ.
ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ? صَفِيَّةَ بِنْتَ
حُيَىٍّ وَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ.
وَلَكِنِّى جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ هَا هُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ? فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ فَأخْفِ عَنِّى ثَلَاثاً، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ فَجَمَعَتِ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِىٍّ أَوْ مَتَاعٍ فَجَمَعْتهُ ودَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاث أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنْكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ، قَالَ: أَجَلْ فَلَا يُحْزِنُنِي اللهُ ولَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلا مَا أَحْبَبْنَا، فَتَحَ اللهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ? صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ.
فَإِنْ كَانَت لَكِ حَاجَةً فِي زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقاً؟ قَالَ: فَإِنِّي لصَادِقٌ، وَالأَمْرُ عَلَى مَا أُخْبِرُتكِ، ثُمَّ ذَهَبَ حتَّى أَتَى مَجْلِسَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبِكَ إِلا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ.
قَالَ: لَمْ يُصِبْنِي إِلَاّ خَيْرٌ بِحَمْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ أَنَّ خَيْبَرَ فَتَحَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ? وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِىَ عَنهُ ثَلَاثاً، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ هَا هُنَا ثُمَّ يَذْهَبُ.
فَرَدَّ اللهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِباً حتَّى أَتَى الْعَبَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ الخبر، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ، وَرَدَّ مَا كَانَ مَنْ كآبةٍ أو غَيْظٍ وَحُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. والله أعلم
اللهُمَّ اسلك بنا سبيل عبادك الأبرار ووفقنا للتوبة والاستغفار واحطط عنا ثقل الأوزار يا عزيز يا غفار وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن جرير بن عبد الله البجلي قَالَ: رجل مع أبي موسى الأشعري، وكان صوت ونكاية في العدو، فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعاً، فجلده أبو موسى عشرين سوطاً، وحلقه، فجمع الرجل شعره، ثم ترحل إلى عمر بن الخطاب، حتَّى قدم عليه.
فدخل على عمر بن الخطاب، وكنت أقرب الناس من عمر، فأدخل على عمر شعره، ثم ضرب به صدر عمر بن الخطاب، ثم قَالَ: أما والله لولا النار؛ فَقَالَ عمر: صدق والله لولا النار.
فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إني كنت ذا صوت ونكاية، فأخبره بأمره، وَقَالَ: ضربني أبو موسى عشرين سوطاً، وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه.
فَقَالَ عمر – رضوان الله عليه -: لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا أحب لي من جميع ما أفاء الله علينا.
فكتب عمر إلى أبي موسى: سلام عَلَيْكَ، أما بعد؛ فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذاك في ملأ من الناس، فعزمت عَلَيْكَ لما قعدت له في ملأ من الناس حتَّى يقتص منك.
فقدم الرجل، فَقَالَ له الناس: اعف عنه، فَقَالَ: لا والله لا أدعه لأحد من الناس، فلما قعد أبو موسى ليقتص منه رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قَالَ: اللهُمَّ إني قد عفوت عنه. والله أعلم وصَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلم.
(فَصْلٌ)
عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ حتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ.
فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِيَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ? وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ.
فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ؛ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي.
ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ.
فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ - وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ - نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ.
أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ وَادِياً لَهُ عِدْوَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: خَصْبَةٌ، وَالأُخْرَى: جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ.
فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ? يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ» . فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ. والله أعلم وصَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وسلم.
اللهُمَّ حبب إلينا الإيمانَ وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ
اللهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهُمَّ إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت
تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهُمَّ أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن أنس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - إذ جاءه رجل من أهل مصر، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بِكَ، قَالَ: وما لك؟ قَالَ: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام مُحَمَّد بن عمرو فَقَالَ: فرسي ورب الكعبة؛ فلما دنا مني عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة فَقَامَ إلي فضربني بالسوط، ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين.
فوالله ما زاده عمر على أن قَالَ له: اجلس، ثم كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك مُحَمَّد؛ فدعا عمرو ابنه فَقَالَ: أأحدثت حدثاً؟ أجنيت جناية؟ قَالَ: لا، قَالَ: فما بال عمر يكتب فيك.
فقدم على عمر؛ فو الله إنا عند عمر حتَّى إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه، فإذا هو خلف أبيه، فَقَالَ: أين المصري؟ فَقَالَ: ها أنا ذا،قَالَ: دونك الدرة فاضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين، فضربه حتَّى أثخنه.
ثم قَالَ: أحلها على صلعة عمرو! فو الله ما ضربكَ إلا بفضل سلطانه فَقَالَ: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني، قَالَ: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتَّى تكون أنت الَّذِي تدعه، أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً ثم التفت إلى المصري، فَقَالَ: أنصرف راشداً، فإن رابكَ ريب فاكتب إلى.
كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص – عام الرمادة -: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي،
سلام عَلَيْكَ، أما بعد: أفتراني هالكاً ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثاه -) .
فكتب إليه عمرو بن العاص: (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص، سلام عَلَيْكَ؛ فإني أحمد إليك الله الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد: (فقد) أتاك الغوث فلبث، لأبعثن إليك بعيراً أولها عندك وآخرها عندي) .
فلما قدم أول الطعام كلم عمر بن الخطاب الزبير بن العوام فَقَالَ له: تعترض للعير فتميلها إلى أهل البادية فتقسمها بينهم؛ فو الله لعلك لا تكون أصبت بعد صحبتك رسول الله شيئاً أفضل منه؛ فأبي الزبير واعتل.
وأقبل رجل من أصحاب النبي ? فَقَالَ عمر: لكن هذا لا يأبي؛ فكلمه عمر ففعل وخرج، فَقَالَ له عمر: أما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية.
فأما الظروف فاجعلها لحُفاً يلبسونها، وأما الإبل فأنحرها لهم يأكلون من لحومها، ويحملون من ودكها، ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها الحيا، وأما الدقيق فيصطنعون ويحرزون حتَّى أمر الله لهم بالفرج.
وكان عمر يصنع الطعام وينادي مناديه: من أحب أن يحضر طعاماً فيأكل فليفعل، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأت، فليأخذه.
اللهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عن عبد الله بن عمر قَالَ: قدمت رفقة من التجار، فنزلوا المصلى فَقَالَ عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ (قَالَ: نعم) ، فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء
صبي فتوجه نحوه فَقَالَ لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك.
ثم عاد مكانه، فسمع بكاءه فأتى أمه فَقَالَ (لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتي إلى أمه فَقَالَ لها:) ويحك، إني لأراك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة (من البكاء) ؟
قالت: يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبي، قَالَ: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطم، قَالَ: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهراً، قَالَ ويحك لا تعجليه (عن الفطام) .
فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم قَالَ: يا بؤساً لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر منادياً؛ فنادى: ألا، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق، إنا نفرض لكل مولود في الإسلام.
وعن أسلم العدوي مولى عمر قَالَ: بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذا أعيا فاتكا على جانب جدار في جوف الليل، وإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك فامذقيه بالماء.
قَالَ لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامذقية بالماء فإنه بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه، الله ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء، وعمر يسمع ذلك كله، فَقَالَ: يا أسلم علم الباب، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه.
فلما أصبح قَالَ: يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل، فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا
بعل لها، وأذا تيكَ أمها ليس لها بعل.
فأتيت عمر وأخبرته، فدعي عمر ولده فجمعهم، فَقَالَ: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه، لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية.
فَقَالَ عبد الله: لي زوجة، وَقَالَ عبد الرحمن: لي زوجة، وَقَالَ عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي، فزوجني، فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم؛ فولدت له بنتاً، وولدت البنت عمرَ بن عبد العزيز – رحمه الله – والله أعلم
اللهُمَّ وفقنا لمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلَاّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّى تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبِ أَحَداً تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُون عِيرَ قُرَيْشٍ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.
وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا على الإسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا.
وكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللهِ مَا اجْتَمَعَتْ قَبْلَهَا رَاحِلَتَينِ قَطُّ حتَّى جَمَعْتُهُمَا تِلْكَ الْغَزْوَةَ.
وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ? يُرِيدُ غَزْوَةَ إِلَاّ وَرَّي بِغَيْرِهَا حتَّى كَانَتْ تِلْك
الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ? فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وأسْتَقْبَلَ عَدُوّاً كَثِيراً فَجَلَاّ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهَمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِم الَّذِي يُرِيدُ.
وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? كَثِيرٌ لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يُرِيدُ بذلك الدِّيوَانَ، قَالَ كَعْبٌ: فَقل رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَاّ ظَنَّ أَنْ ذلِك سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْىٌّ مِنَ اللهِ عز وجل وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ? تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ فَأنا إلَيْهَا أصْعَرُ فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ.
فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ. فياَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثم َلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ وَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ? يَحْزَنَنِي أَنِّى لَا أَرَى لي أسْوَةً إِلَاّ رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْهِ فيَ النِّفَاقِ أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ.
وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ? حتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ:«مَا فَعَلَ كَعْبٌ بْنُ مَالِك؟» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلِمْنَا إِلَاّ خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ?
فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَأىِ رَجُلاً مُبَيَّضَّاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ المُنافقُونَ.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثَّي فطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْىٍ مِنْ أَهْلِي.
فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدْ َظَلَّ قَادِماً رَاحَ عَنِّى الْبَاطِلُ حتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَا أنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ? قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ.
فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ عز وجل جِئْتُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ:«تَعَالَ» . فَجِئْتُ أَمْشِى حتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنِ قِد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنيْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً.
وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فيه عُقْبَي الله عز وجل. وفي رواية: عَفْوَ اللهِ.
وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٌ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ?: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِيكَ» . فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي.
فَقَالُوا: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ في أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ? بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافَِيكَ ذَنْبِكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ? لَكَ، فَوَ اللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ? فَأُكَذِّبَ نَفْسِي.
قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُم: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقِيلَ لَهُمَا مَا قِيلَ لَكَ. قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامْرِىُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُُّ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ، قَالَ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ? المُسْلمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ.
قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ لي فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِي بِالأرْضَِ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَاىَ، فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ.
وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ فَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِى رَسُولَ اللهِ ? وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأُسَلِّمُ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟ .
ثُمَّ أُصَلِّى قَرِيباً مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَىَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِى قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَ اللهِ مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلَامَ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ تَعْلَمُنِ أنَّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاي،َ وَتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ.
فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى في سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلى حتَّى جَاءَنِي، فدَفَعَ إِلَىَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ
كَاتِباً فَقَرَأتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِيكَ. قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذَه أَيْضاً مِنَ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهِ التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُا حتَّى إِذَا مَضَتْ لَنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، وَإِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ? يَأتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ? يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقْهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حتَّى يَقْضِىَ اللهُ هَذَا الأَمْرَ.
قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ ? فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ:«لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ» . قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِى مُنذْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِه هَذَا.
قَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ? فِقد إذن لأمْرَأَة هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ تَخْدُمُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ? وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ? إِذا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا؟ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ.
قَالَ: فَلَبِثْتُ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى عَنْ كَلَامِنَا.
قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الصبَّحِ صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا.
فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِة الَّتِي ذَكَرَ اللهُ عز وجل مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَىَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَىَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ! أَبْشِرْ.
قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجُ، قَالَ: وَأَذِنَ رَسُولُ اللهِ ? النَّاس بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونِنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَىَّ فَرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ.
فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعَتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبُشارَته وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أيَمَّمُ رَسُولَ اللهِ ?.
فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: وَلِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ حتَّى دَخَلْنا الْمَسْجِدَ فَإذَا رَسُولِ اللهِ ? حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ إِلَىَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ.
فَكَانَ كَعْبٌ لَايَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ?، قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، قَالَ:«أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» . قَالَ فقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ؟ قَالَ:«بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ،» . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ? إِذَا سُرَّ اسْتَنَار وَجْهُهُ حتَّى كَأَنَّ وَجْهُهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ.
قَالَ: وَكَنَّا نَعْرَفُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» .
قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا نَجَّانِي الله بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَاّ صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَوَاللهِ مَا أَعْلَمْتُ أَحَداً أبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنذْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لرَسُولَ اللهِ ? إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِىَ.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حتَّى بلغ {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حتَّى بلغ {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ لله} .
قَالَ كَعْبٌ: وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قط بَعْدَ إذْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لرَسُولَ اللهِ ? أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوهُ، إِنَّ اللهَ عز وجل قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ فَقَالَ:
قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خَلفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ? حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ? أَمْرَنَا حتَّى قَضَى اللهُ تعالى فِيهِ بِذَلِكَ.
قَالَ اللهُ عز وجل {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَه مَا خَلفَنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إلَيْه فَقَبِلَ مِنْهُ. رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، ورواه أبو داود والنسائي بنحوه مفرّقاً مختصراً، وروى الترمذي قطعة من أوله، ثم قَالَ وذكر الحديث.
اللهُمَّ وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الَّذِي يربح فيه المتقون اللهُمَّ وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهُمَّ ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قال بعضهم:
إِنَّ أُولِي الْعِلْمِ بِمَا فِي الْفِتَنْ
…
تَهَيَّبُوهَا مِنْ قَدِيْمِ الزَّمَنْ
فَاسْتَعْصَمُوا الله وَكَانَ التُّقَى
…
أَوْفَى لَهُم فِيْهَا مِنْ أوفى الْجُنَنْ
وَاِجتَمَعوا في حُسنِ تَوفيقِهِ
…
وَاِفتَرَقوا في كُلِّ سَعيٍ حَسَنْ
فَعالِمٌ مُستَجِدٌ عامِلٌ
…
يَسْلُكُ بِالنَّاسِ سَواءَ السُّنَنْ
يَْنثُرُ مِنْ فِيهِ لَهُمْ جَوهَرًا
…
مِنْ عِلْمِهِ لَيْسَ لَهُ مِنْ ثَمَنْ
يَقْسِمُهُ طُلابُهُ بَيْنَهُمْ
…
قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ بِقَدْرِ الْفِطَنْ
وَبُهْمَةٌ مُخْتَرِطٌ سَيْفَهُ
…
يُغْمِدُهُ فِي هَامِ أَهْلِ الْوَثَنْ
يَلْبَسُ مِنْ إِيمَانِهِ لأمْةً
…
فَضْفَاضَةً يَغْنَى بِهَا عَنْ مِجَّنْ
وَحَابِسٌ فِي بَيْتِهِ نَفْسَهُ
…
مُعْتَزِلٌ مُسْتَمْسِكٌ بِالسُّنَنْ
يَأْخُذُ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتًا لَهُ
…
مُقْتَنِعًا مِثْلَ عِذَارِ الرَّسَنْ
قَدْ جَعَلَ الْبَيْتَ كَقَبْرٍ لَهُ
…
وَبُرْدُهُ فِيهِ لَهُ كَالْمَفَنْ
فَهُوَ خَفِيفُ الظَّهْرِ لَكِنَّهُ
…
أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ حَضَنْ
وَهَارِبٌ شُحًّا عَلَى دِينِهِ
…
إِلَى الْبَرَارِي وَرُؤوسِ الْقُنَنْ
يَأْنَسُ بِالْوِحْدَةِ فِي بِيدِهَا
…
أَكْثَرَ مِنْ تَأْنِيسِهِ بِالسَّكَنْ
لا يَرْهَبُ الأُسَدَ وَمَنْ لَمْ يَخُنْ
…
سَيِّدَهُ فِي عَهْدِهِ لَمْ يُخَنْ
وَتَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ مُشْفِقٌ
…
يَبْكِي بُكَاءَ الْوَاكِفَاتِ الْهُتُنْ
تَخَالُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ
…
فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ كَمِثْلِ الْغُصُنْ
إِنْ مَهَّدَ النَّاسُ لِدُنْيَاهُمُ
…
شَمَّرَ فِي تَمْهِيدِهِ لِلْجَنَنْ
كَأَنَّمَا الأَرْضُ لَهُ أَيْكَةٌ
…
وَهُوَ بِهَا قُمْرِيَّةٌ فِي فَنَنْ
وَصَامِتٌ فِي قَلْبِهِ مِقْوَلٌ
…
بِالذِّكْرِ للهِ طَوِيلٌ لَسِنْ
.. تَرَاهُ كَالأَبْلَهِ فِي ظَاهِرٍ
…
وَهُوَ مِنْ أذْكَى النَّاسِ فِيمَا يَظُنْ
قَدْ نَوَّرَ اللهُ لَهُ قَلْبَهُ
…
بِالذِّكْرِ فِي السِّرِّ لَهُ وَالْعَلَنْ
فَإِنْ يَبِنْ بِالْفِكْرِ عَنْ صَحْبِهِ
…
فَجِسْمُهُ بَيْنَهُمُ لَمْ يَبِنْ
وَإِنْ لَغَوا جَلِيسٌ لَهُمْ
…
لَمْ يَلِجِ اللَّغْوُ لَهُ فِي أُذُنْ
فِي مَلَكُوتِ اللهِ سُبْحَانَهُ
…
تَجُولُ أَلْبَابُ لُبَابِ الْفِطَنْ
فَهُمْ خُصُوصُ اللهِ فِي أَرْضِهِ
…
حَقًّا بِهِمْ تُدْرَأُ عَنَّا الْمِحَنْ
سَمَوا بِفَضْلِ اللهِ نَحْوَ الَّتِي
…
مَنْ حَلَّ فِي جِيرَتِهَا قَدْ أَمِنْ
وَنَزَّهُوا الأَنْفُسَ عَنْ مَنْزِلٍ
…
نَازِلُهُ مُسْتَوْفِزٌ لِلظَّعَنْ
وَسَمَّروا الْخَيْلَ لِيَوْمٍ بِهِ
…
يُنْكَبَ مَنْ يَرْكَبُ فَوْقَ الْهُجُنْ
فَلَيْتَنِي كُنْتُ لَهُمْ خَادِمًا
…
وَلَيْتَنِي إِذْ لَمْ أَكُنْ لَمْ أَكُنْ
وَمَنْ سِوَاهُمْ فَرِجَالٌ رَجَوا
…
أَنْ يَعْبُرُوا الْبَحْرَ بِغَيْرِ السُّفُنْ
وَإِنَّمَا قَصَّرَ بِي عَنْهُمُ
…
حُبِّي لِدَارٍ مُلِئَتْ بِالْفِتَنْ
لا غَارَتِ الدُّنْيَا وَلا أَنْجَدَتْ
…
فَالْعَاقِلُ الْحُرُّ بِهَا مُمْتَحَنْ
تَمِيلُ لِلأَحْمَقِ مِنْ أَهْلِهَا
…
وَهِيَ عَلَى عَاقِلِهِمْ تَضْطَغِنْ
يَا عَجَبًا مِنْ غَفْلَتِي بَعْدَ أَنْ
…
نَادَانِيَ الشَّيْبُ أَلا فَارْحَلَنْ!
وَأَدْرِكِ الْفَائِتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ
…
يَفْجَأَكَ الْمَوْتُ فَلا تُنْظَرَنْ
أَقْبَحُ مَنْ تَرْمُقُهُ مُقْلَةٌ
…
مُبْصِرَةٌ شَيْخٌ خَليِعُ الرَّسَنْ
تَقْتَادُهُ الدَّهْرَ دَوَاعِي الْهَوَى
…
إِلَى الصِّبَا مِثْلَ اقْتِيَادِ الْبُدُنْ
يَأْمُلُ آمَالَ فَتَىً يَافِعٍ
…
كَأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْخٍ يَفَنْ
لَيْسَ جَمَالُ الشَّيْخِ إلا التَّقَى
…
وَالْمََحْوُ لِلْسُّوءِ بِفِعْلٍ حَسَنْ
شُغِلْتُ بِالْوَصْفِ وَلَوْ أَنَّنِيْ
…
أُشْغَلُ بِالْمَوْصُوْفِ كُنْتُ الفَطِنْ