الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: فرض مسح الرأس في الوضوء
ش: أي هذا باب في بيان أحكام فرض مسح الرأس في الوضوء، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَدَفي وعبد الغني بن أبي عقيل وأحمد بن عبد الرحمن قالوا: أبنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، عن رسول الله عليه السلام:"أنه أخذ بيده في وضوئه للصلاة ماء فبدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بيده إلى مؤخر الرأس، ثم ردهما إلى مقدّمه".
قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في ذلك، وأعمّه في مسح الرأس.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعبد الأعلى وأحمد عبد الرحمن كلاهما من شيوخ مسلم، ولقب أحمد بَحشَلْ، وعبد الله بن وهب عمّه، والصَدَفي -بفتح الصاد والدال نسبة- إلى الصَدِف -بفتح الصاد وكسر الدال- واسمه عمرو بن مالك بن دَعْمِي بن زياد بن حضرموت.
وعبد الغني بن أبي عقيل من شيوخ أبي داود، واسم أبي عقيل: رفاعة بن عبد الملك الجمحي المصريّ.
والحديث أخرجه الجماعة، فالبخاريّ (1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك
…
إلى آخره.
وأبو داود (2): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك
…
إلى آخره.
والترمذي (3): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك.
(1)"صحيح البخاري"(1/ 80 رقم 183).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 29 رقم 118).
(3)
"جامع الترمذي"(1/ 47 رقم 32).
والنسائي (1): عن محمَّد بن [سلمة](2) والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك.
وابن ماجه (3): عن الربيع بن سليمان وحرملة بن يحيى، كلاهما عن الشافعي، عن مالك.
ومسلم (4): عن محمَّد بن الصباح، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن يزيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة.
وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه"(5): وقال: أنا مالك بن أنس، قال: أنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه يحيى، أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم- وكان من أصحاب رسول الله عليه السلام قال:"هل تستطيع أن تُرِيني كيف كان رسول الله عليه السلام يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوَضوء، فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه"، قال محمَّد: هذا حسن، والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أفضل الوضوء، والاثنتان تجزئان، والواحدة إذا أَسْبغَت تجزئ أيضًا، وهو قول أبي حنيفة.
واستنبط منه أحكام:
الأول: استدلّت به جماعة على أن الواجب مسح جميع الرأس، على ما يجيء بيانه مستقصي قريب -إن شاء الله تعالى.
(1)"المجتبى"(1/ 71 رقم 97).
(2)
في "الأصل، ك": مسلمة، وهو تحريف، والمثبت من "سنن النسائي"، وهو المرادي أبو الحارث المصري.
(3)
"سنن ابن ماجه"(1/ 149 رقم 434).
(4)
"صحيح مسلم"(1/ 210 رقم 235).
(5)
"الموطأ" رواية محمَّد بن الحسن (ص 33 رقم 5).
الثاني: فيه استيعاب الرأس بالمسح، والإجماع قائم على مطلوبيّته لكن هل ذلك على وجه الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف نذكره إن شاء الله، والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة، وبه استدل أصحابنا على أن السنة في مسح الرأس البداية من مقدّم الرأس، وقال الحسن البصري: السنة البداية من الهامة فيضع يديه عليها ويُمِرُّهما إلى مقدّم الرأس، ثم يُعيدها إلى القفا، وهكذا روي هشام، عن محمَّد، والصحيح قول العامة؛ للحديث المذكور.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): حدثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوب، عن نافع:"أن ابن عمر كان يمسح رأسه هكذا، ووضع أيوب كفّه وسط رأسه، ثم أمرّها إلى مقدم رأسه".
ثنا (2) حماد بن مسعده، عن يزيد، قال:"كان سلمة يمسح مقدم رأسه".
ثنا (3) يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه "أنه كان يمسح رأسه هكذا: من مقدّمه إلى مؤخره، ثم ردّ يديه إلى مقدمه".
وقال عبد الرزاق في "مصنفه"(4): ثنا ابن جريج قال: أخبرني نافع "أن ابن عمر كان يضع بطن كفه اليمنى على الماء ثم لا ينفضها، ثم يمسح بها ما بين قرنَيْه إلى الجبين مرةً واحدةً لا يزيد عليها".
عبد الرزاق (5): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر:"كان يدُخْل يده في الوَضُوء فيمسح بها مسحةً واحدةً اليافوخ فقط".
الثالث: أن المذكور في حديث الجماعة هو مسح الرأس مرةً واحدةً، وبه قال
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 23 رقم 154).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 23 رقم 155).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 23 رقم 152).
(4)
"مصنف عبد الرزاق"(1/ 6 رقم 6).
(5)
"مصنف عبد الرزاق"(1/ 6 رقم 7).
أصحابنا، ولهذا قال أبو داود في "سننه" (1): أحاديث عثمان رضي الله عنه الصحاح تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا ب [فيها: و] (2) مسحَ رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره.
وعند الشافعي يُسن تكراره كالغسل.
ويستدل بما رواه أبو داود (3): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن آدم قال: أنا إسرائيل، عن عامر [بن](4) شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة قال:"رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله فعل هذا".
وقال ابن قدامة في "المغني": ولا يسن تكرار مسح الرأس في الصحيح من المذهب، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والنخعي، ومجاهد، وطلحة بن مصّرف، والحكم، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي عليه السلام ومَنْ بَعدهم، وعن أحمد أنه يسن تكراره، وهو مذهب الشافعي، وروي عن أنس، وقال ابن عبد البرّ: كلهم يقول: يمسح الرأس مسحة واحدة، إلَّا الشافعي قال: يمسح برأسه ثلاثًا؛ لحديث أبي داود المذكور آنفًا، ولنا أن عبد الله بن زيد وصف وضوء النبي عليه السلام قال:"ومسح برأسه مرةً واحدةً" متفق عليه، وحديث علي رضي الله عنه قال فيه:"ومسح برأسه مرةً واحدة".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والربيع، كلهم قالوا: ومسح برأسه مرة واحدةً، ولم يصح من أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح، أما حديث عثمان رضي الله عنه فرواه
(1)"سنن أبي داود"(1/ 26).
(2)
في "الأصل، ك": وفيها. والمثبت من "سنن أبي داود".
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 27 رقم 110).
(4)
في "الأصل، ك": عن، وهو تحريف، والمثبت من "سنن أبي داود" ومصادر ترجمة عامر بن شقيق.
يحيى بن آدم، وخالفه وكيع فقال: توضأ ثلاثًا ثلاثًا فقط، والصحيح عن عثمان أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره، وبقية أحاديثهم إنما [أرادوا](1) بها توضأ ثلاثًا ثلاثًا في غير المسح، فإن رواتها حين فصلوا الوضوء قالوا: ومسح برأسه مرةً (2).
قلت: ولهذا قال البيهقي (3): قد روي من أوجه غريبة عن عثمان ذكر التكرار في مسح الرأس، إلَّا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإنْ كان بعض أصحابنا يحتج بها.
فإن قلت: قد روى الدارقطني في "سننه"(4): عن محمَّد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي رضي الله عنه: "أنه توضأ
…
" الحديث، وفيه: "ومسح برأسه ثلاثًا، ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة [عن خالد بن علقمة](5)، وخالفه جماعة (من)(6) الحفاظ الثقات فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه:"ومسح رأسه مرة واحدة". ومع خلافه إياهم قال: إنَّ السُّنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة (7).
قلت: الزيادة عن الثقة مقبولة ولا سيما من مثل أبي حنيفة (8)، وأما قوله: فقد خالف في حكم المسح غير صحيح؛ لأن تكرار المسح مسنون عند أبي حنيفة أيضًا صرّح بذلك صاحب الهداية، ولكن بماء واحد.
(1) في "الأصل، ك": أراد، والمثبت من "المغني" وهو الأليق بالسياق.
(2)
انتهى من "المغني" بتصرف واختصار (1/ 88).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 62).
(4)
"سنن الدارقطني"(1/ 89 رقم 1).
(5)
سقطت من المصنف، واستدركها في الحاشية، ولكن قال: عن علقمة بن خالد، وقال العيني: في "المغاني" وفي هذا الكتاب (1/ 238): ويقال له: علقمة بن خالد، والمثبت من "سنن الدارقطني".
(6)
تكررت في "الأصل".
(7)
انتهى كلام الدارقطني باختصار وتصرف من المصنف رحمه الله.
(8)
لا جرم أن هذا تكلف شديد من المصنف، فهذه ليست زيادة؛ إنما هي خلاف في اللفظ يعارض ما رواه الحفاظ، راجع كلام الدارقطني.
الرابع: احتج الشافعي بما في حديث مسلم من هذا الحديث، وهو:"فمضمض، واستنشق من كف واحد يفعل ذلك ثلاثًا"، أن السنة في الوضوء أن يتمضمض، ويستنشق ثلاثًا من كف واحد، وهو وجه عنده.
وفي "الروضة": وفي كيفيته وجهان: أصحهما: يتمضمض من غرفة ثلاثًا، ويستنشق من أخرى ثلاثًا، والثاني: بست غرفات.
قلت: فعلى هذا ثلاثة أوجه عند الشافعي في المضمضة والاستنشاق، وهذه الأوجه الثلاثة منقولة عن أحمد، وأما مذهب مالك، فقد قال في "الجواهر": حكى ابن سابق في ذلك قولين: أحدهما: يغرف غرفة واحدة لِفيه وأنفه، والثاني: يتمضمض ثلاثًا في غرفة، ويستنشق ثلاثًا في غرفة فقال: وهذا اختيار مالك، والأول اختيار الشافعي.
وفي "المغني": وهو مخيَّر بين أن يمضمض ويستنشق ثلاثًا من غرفة أو بثلاث غرفات فإن عبد الله بن زيد روى عن النبي عليه السلام: "أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات"، متفق عليه، وروي البخاري عنه:"أن النبي عليه السلام مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من غرفة من واحدة"، وروى الأثرم، وابن ماجه:"أن رسول الله عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد"، وإنْ أفرد لكل عضو ثلاث غرفات جاز؛ لأن الكيفية في الغسل غير [واجبة](1).
وفي "التلويح"(2) شرح البخاري: والأفضل أن يتمضمض، ويستنشق بثلاث غرفات كما في الصحاح وغيرها.
ووجه ثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثا، رواه علي بن أبي طالب، عن النبي عليه السلام عند ابن خزيمة وابن حبان، ورواه أيضًا وائل بن حجر بسند ضعيف عند البزار.
(1) تكررت في "الأصل".
(2)
هو كتاب "التلويح شرح الجامع الصحيح" للحافظ علاء الدين مغلطاي صاحب "إكمال تهذيب الكمال". انظر "كشف الظنون"(1/ 546).
وثالث: يجمع بينهما بغرفة، وهو أن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة.
رواه عبد الله بن زيد، عن النبي عليه السلام عند الترمذي، وقال: حسن غريب.
ورابع: يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض من إحداهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الاخرى ثلاثًا.
وخامس: يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث، ويستنشق بثلاث انتهى.
قلت: استدل أصحابنا على ما قالوا بما رواه الترمذي (1): ثنا هنّاد وقتيبة، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليًّا رضي الله عنه توضأ، فغسل كفيه حتى أَنْقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام بأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله عليه السلام وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فإن قيل: لم يُحك فيه أن كل واحدة من المضامض، والاستنشاقات بماء واحد بل حكي أنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا.
قلت: مدلوله ظاهرًا ما ذكرناه، وهو أن يتمضمض ثلاثًا، يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البُويطي عن الشافعي؛ فإنه روى! عنه أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في "الأم" يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفةً يتمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة يتمضمض منها ويستنشق، فيَجْمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصّه في الكيفيَّتن، فنصّ في "الأمّ" -وهو نص مختصر المزني- أن الجمع أفضل، ونصّ البُويطي أن الفصل أفضل، ونقله الترمذي عن الشافعي.
(1)"جامع الترمذي"(1/ 67 رقم 48).
قال النووي: قال صاحب "المهذب": القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أيضًا أكثر في الأحاديث "الصحيحة" والجواب عن كل ما روي من ذلك فهو محمول على الجواز.
وقال المرغيناني: لو أخذ الماء بكفه وتمضمض ببعضه واستنشق بالباقي جاز، وعلي عكسه لا يجوز لصيرورة الماء مستعملًا، والجواب عما ورد في الحديث "فتمضمض واستنشق من كف واحد" أنه مجمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكفٍ واحدٍ بماء واحدٍ، ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا تقوم به حجة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد: استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال؛ إنَّه فعلهما باليد اليمنى؛ ردَّا على قول من يقول يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في "المبسوط".
وفيه نظر لا يخفى، وأما وجه الفصل بينهما كما هو مذهبنا:
فما رواه الطبراني (1). عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جدّه كعب بن عمرو اليامي:"أن رسول الله عليه السلام توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا".
وكذا روى عنه أبو داود في "سننه"(2): وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحة.
ثم اعلم أن السُنَّة أن تكون المضمضة والاستنشاق باليمني، وقال بعضهم: المضمضة باليمني والاستنشاق باليسار؛ لأن الفم مطهرة والأنف مقذرة، واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنه: "أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية: جهلت السنة فقال: كيف أجهل والسُّنة من بيوتنا خرجت
(1)"المعجم الكبير"(19/ 180 رقم 409).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 34 رقم 139).
أما علمت أن النبي عليه السلام قال: اليمين للوجه، واليسار للمقعد" كذا ذكره صاحب "البدائع".
والترتيب بينهما سُنّة، ذكره في الخلاصة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي عليه السلام في صفة وضوئه إلَّا هكذا، وهما سنتان في الوضوء، واجبتان في الغسل عندنا، وبه قال الثوري.
وقال الشافعي: هما سنتان فيهما جميعًا. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهريّ، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيي بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، وهو رواية عن عطاء، وأحمد.
وقال أحمد -في المشهور عنه-: إنهما واجبتان فيهما. وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، ورواية عن عطاء.
والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول.
واحتجوا بما رواه البخاري (1)، ومسلم (2): عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "من توضأ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر".
قلنا: هذا محمول على الاستحباب.
ثم "المضمضة" تحريك الماء في الفم، قال ابن سيده: مضمض، وتمضمض. وكماله أن يجعل الماء في فيه ثم يُدِيره ويَمُجّه، وأقله أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على مشهور مذهب الشافعي، وقال جماعة من أصحابه: يشترط، وفي "شرح البخاري للركني": المضمضة أصلها مُشْعِرٌ بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء في الفم.
وأما "الاستنشاق": فهو إدخال الماء في الأنف، وقال ابن طريف: نثر الماء في أنفه: دفعه، وأما الاستنثار فزعم ابن سيده أنه يقال: استنثر إذا استنشق الماء ثم
(1)"صحيح البخاري"(1/ 72 رقم 160).
(2)
"صحيح مسلم"(1/ 212 رقم 237).
استخرج ذلك بِنَفَسِ الأنف، والنثرة: الخيشوم وما والاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبّه في أنفه، وفي "جامع القزاز": نثرت الشيء أنثِره وأنثُره إذا بددته، فأنت ناثر، والشىء منثور، قال: والمتوضئ يستنشق إذا جذب الماء بريح أنفه، ثم يستنثره، وفي "الغريبين": يستنشق أبي يبلغ الماء خياشيمه، ويقال: نثر، وانتثر، واستنثر، إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف، وذكر ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار واحد.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي وحفص بن غياث، عن ليث، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، عن أبيه، عن جده قال:"رأيت النبي عليه السلام يمسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه".
ش: عبد الصمد روى له الجماعة.
وأبوه عبد الوارث بن سعيد البصري روى له الجماعة.
وحفص بن غياث قاضي الكوفة من أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة.
وليث هو ابن أبي سليم القرشي الكوفي، روى له مسلم مقرونًا بغيره وروى عنه أبو حنيفة، وعن يحيى لا بأس به.
وطلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي، روي له الجماعة.
وأبوه مصُرّف بن عمرو بن كعب يقال: له صحبة.
وجده عمرو بن كعب رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا محمَّد بن عيسي، ومسدد قالا: ثنا عبد الوارث، عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال:"رأيت رسول الله عليه السلام يمسح رأسه مرةً واحدةً حتى بلغ القذال، وهو أول القفا -وقال مُسدّد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه-" قال أبو داود: فحدثت به يحيى فأنكره. قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن عيينة زعموا أنه كان
(1)"سنن أبي داود"(1/ 32 رقم 132).
ينكره، ويقول أَيْشْ طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده؟ قلت: قال ابن أبي حاتم: مصرف بن كعب بن عمرو اليامي روى عن أبيه، قال بعضهم: صحبة، روى عنه ابنُه طلحة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هذا خطأ، طلحة رجل من الأنصار وليس هو ابن مصرف، ولو كان ابن مصرف لم نختلف فيه.
قوله: "مقدم رأسه" ذكر ابن جني: أن الجمع أَرْؤُس و [آراس](1) -على القلب و (رُؤُس)(2). قال ابن السكيت: ورُءْسٌ على الحذف. وأنشد (3):
فيومًا إلى أهلي ويومًا إليكُم
…
ويومًا أحُطُّ الخيل من رُؤْسِ أجْبال
قوله: "حتى بلغ القذال" بفتح القاف، والذال المعجمة، جماع مؤخر الرأس، وهو معقد العذار من الفرس خلف الناصية، ويقال: القذالان: ما اكتنف فأس القفا عن يمين وشمال، ويجمع على أَقْذِلة وقُذُل، وقذلته: ضربت قذاله.
ويُستفاد منه: أن كيفية المسح أن يكون من مقدم الرأس إلى أن يبلغ القذال من مقدم عنقه، وروي في كيفية المسح أحاديث كثيرة. فعند النسائي (4): من حديث عبد الله بن زيد: "ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه".
وعند ابن أبي شيبة (5): من حديث الربيع "بدأ بمؤخره، ثم رَدّ على ناصيته".
وعند الطبراني (6): "بدأ بمؤخر رأسه ثم جَرّه إلى قفاه، ثم جره إلى مؤخره".
(1) في "الأصل، ك": اارُس، والمثبت من "لسان العرب" (مادة: رأس).
(2)
كذا في "الأصل، ك"، وفي "لسان العرب": رؤوس، بزيادة واو قبل السين.
(3)
عزاه في "لسان العرب" لامرئ القيس.
(4)
"المجتبى"(1/ 71 رقم 98).
(5)
"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 23 رقم 153).
(6)
"المعجم الأوسط"(3/ 35 رقم 2389) من حديث الربيع أيضًا.
وعند أبي داود (1): "يبدأ بمؤخره ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما".
وفي لفظ (2): "مسح الرأس كله، من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته".
وفي لفظ (3): [مسح رأسه وما أقبل](4) وما أدبر، وصدغيه".
وعند البزار (5): من حديث بكار بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي بكرة يَرْفعه-:"توضأ ثلاثًا ثلاثًا"، وفيه:"مسح برأسه، يقبل (بيده) (6) من مقدمه إلي مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدّمه" وبَكارٌ ليس به بأس.
وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة: "وضع يديه على النصف من رأسه، ثم جرّهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، وجزهما إلى صُدْغيه".
وعند أبي داود (7): من حديث أنس: "أدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقدّم رأسه".
وفي كتاب ابن السكن: "فمسح باطن لحيته وقفاه".
وفي "معجم البغوي"، وكتاب ابن أبي خيثمة:"مسح رأسه إلى سالفته".
وفي كتاب النسائي (8): عن عائشة، ووصفت وضوئه عليه السلام:"ووضعت يدها في مقدّم رأسها، ثم [مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره، ثم أمرّت يديها بأذنيها، ثم مرّت] (9) على الخدين".
(1)"سنن أبي داود"(1/ 31 رقم 126).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 31 رقم 128).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 32 رقم 129).
(4)
في "سنن أبي داود": فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه.
(5)
"مسند البزار"(9/ 134 رقم 3687).
(6)
في "مسند البزار": بيديه.
(7)
"سنن أبي داود"(1/ 36 رقم 147).
(8)
"المجتبى"(1/ 72 رقم 100).
(9)
في "الأصل، ك": مسحت بماء مؤخره، ثم مدَّت بيديها بأذنيها ثم مدَّت. والمثبت من "المجتبى".
فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار بعض أصحابنا رواية عبد الله بن زيد، وقال السغناقي في شرح الهداية: وكيفيّته: أن يبلّ كفّيه وأصابع يَدَيه، ويضع بطون ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبّابتن والإبهامين، ويجافي الكفن، ويجرهما إلي مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين بالكفين، ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتن، ويمسح رقبته بظاهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببل لم يَصِرْ مستعملًا، كذا علمنا الأستاذ الشفيق فخر الدين المَايْمرُغي، إلَّا أن الرواية في "المبسوط" على أن الماء لا يعطي له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال فقال: ألا ترى أن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات، فكما في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملًا، فكذلك في حكم إقامة السُنَّة في الممسوح، ولكن يجب أن تستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب؛ ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح ناصيته بجوانبها الأربع لا يجوز -في الأصح- لعدم استعمال أكثر الأصابع.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ليث
…
فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله ابن عمرو التميمي المقعد البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث ابن سعيد البصري، عن ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): وقال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال:"رأيت النبي عليه السلام توضأ فمسح رأسه هكذا، وأَمرَّ حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 23 رقم 150).
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ولفظه: "أنه رأى رسول الله عليه السلام يمسحُ رأسه حتى بلغ القذال، وما يليه من مقدم العنق مرةً، قال: القذال السالفة".
قال الجوهري: السالفة ناحية مقدّم العنق، من لدن معلق القرط إلى قلب الترقوة.
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عليّ بن بحر، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر، عن معاوية رضي الله عنه:"أنه أراهم وضوء رسول الله عليه السلام فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، ثم مرّ بهما حتى بلغ القفا، ثم ردَّهما حتى بلغ المكان الذي منه بدأ".
ش: أحمد بن داود وثقه ابن يونس.
وعلي بن بَحْر بن بَريّ القطان وثقه يحيى وغيره، روى له الترمذي.
والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي روى له الجماعة.
وعبد الله بن العلاء بن زَبْر أبو عبد الرحمن الدمشقي روى له الجماعة.
وأبو الأزهر اسمه المغيرة بن فروة الثقفي وثقه ابن حبان، روى له أبو داود.
وأخرجه أبو داود (2): عن المؤمل بن فضل الحراني، عن الوليد بن مسلم إلى آخره بأتم منه، ولفظه:"ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه".
وأخرجه البيهقي في سننه (3): من طريق أبي داود، وأخرجه أحمد (4)، والطبراني (5) أيضًا.
ص: فذهب ذاهبون إلي مسح الرأس كله واجب في وضوء الصلاة، لا يجزئ ترك شيء منه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
(1)"مسند أحمد"(3/ 481 رقم 15993).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 31 رقم 124).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 59 رقم 276).
(4)
"مسند أحمد"(14/ 94 رقم 16900).
(5)
"المعجم الكبير"(19/ 384 رقم 900).
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: مالكًا، وابن عليّة، وأحمد في رواية، فإنهم ذهبوا إلى أن مسح جميع الرأس فرض، واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكورة، والمروي عن مالك فرض الكل، ولكن أصحابه اختلفوا، فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وقال غيره الثلث فصاعدًا.
وفي "المغني": اختلف في قدر الواجب، فروي عن أحمد وجوب مسح جميعه في حق كل أحد، وهو ظاهر كلام الخرقي، ومذهب مالك، والرواية الثانية: يجزئ مسح بعضه، وممن قال بمسح البعض: الحسن، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلَّا أن الظاهر عن أحمد في حق الرجل وجوب الاستيعاب، وفي حق المرأة يجزئها مقدم الرأس، قال الخلال: العمل في مذهب أبي عبد الله أنَّهَا إنْ مسحت بمقدّم رأسها أجزأها.
وقال مهنَّى: قال أحمد: أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل.
قلت له: ولم؟ قال: كانت عائشة رضي الله عنها تمسح مقدم رأسها.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الذي في آثاركم هذه إنما هو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه كله في وضوئه للصلاة، (فلهذا)(1) نأمر المتوضيء أن يفعل ذلك في وضوءه للصلاة، ولا نوجب ذلك، بكماله عليه فرضًا، وليس في فعل النبي صلى الله عليه وسلم إياه ما قد دلّ على أن ذلك كان منه لأنه فرض، وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا لا لأن ذلك فرض لا يجزى أقل منه، ولكن منه فرض ومنه نفل.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، والشافعي، وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الذي في آثاركم أي الأحاديث المتقدمة، والباقي ظاهر.
قوله: "ومنه نفل" أي ومن المسح، وفي بعض النسخ:"ومنه فضل" أي زائد على الفرض، وكلاهما في المعني سواء؛ لأن معنى النفل في اللغة: الفضل والزيادة.
(1) في "شرح المعاني" المطبوع: فهكذا.
ص: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآثار الدالة على ما ذهبوا إليه في الفرض في مسح الرأس أنه على بعضه ما قد حدثنا الربيع المؤذن، ثنا يحيى بن حسّان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وعليه عمامة فمسح على عمامته، ومسح بناصيته".
ش: رواته ثقات، وأيوب هو السختياني.
وأخرجه الدارقطني (1): عن أبي بكر النيسابوري، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن يحيى بن حسان
…
إلى آخره مثله، وزاد: و"خفَّيْه".
وكذا رواه البيهقي في "المعرفة"(2): عن أبي زكريا بن أبي إسحاق، وأبي بكر أحمد بن الحسن، وأبي سعيد بن عمر قالوا: أنا أبو العباس قال: أنا الربيع قال: أنا الشافعي
…
إلى آخره نحوه.
ورواه الطبراني في "الكبير"(3): عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، عن محمد بن بكار، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن محمَّد بن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال:"مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناصيته وعمامته، ومسح على خفيه وأنا شاهد على ذلك".
والحديث أخرجه مسلم (4) أيضًا: من غير هذا الوجه، وقال: حدثني محمَّد بن عبد الله بن بزيع قال: ثنا يزيد -يعني ابن زريع- قال: ثنا حميد الطويل قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه قال: "تخلف رسول الله عليه السلام وتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسرُ عن ذراعيه فضاق كمّ الجبّة، فأخرج يده من
(1)"سنن الدارقطني"(1/ 192 رقم 1).
(2)
"معرفة السنن والآثار"(1/ 160 رقم 59).
(3)
"المعجم الكبير"(20/ 426 رقم 1030).
(4)
"صحيح مسلم"(1/ 230 رقم 274).
تحت الجبَّة فألقى الجبَّة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه
…
" الحديث.
ورواه أبو داود (1)، والنسائي (2) أيضًا.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ابن عون، عن عامر، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه.
وابنُ عَون عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة بن شعبة رفعه إليه قال:"كنا مع رسول الله عليه السلام في سفر، فتوضأ للصلاة، فمسح على عمامته، وقد ذكر الناصية بشيء".
ش: أخرج الطحاوي هذا عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، ويزيد هذا أخرجه من طريقين:
الأول: عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، عن عامر الشعبي، عن ابن المغيرة، واسمه حمزة، ويقال: عروة، وقال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح، وعروة بن المغيرة في الأحاديث الأخرى، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مرويّ عنهما جميعًا لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة ابن المغيرة.
قلت: رواية بكر بن عبد الله عنه رواها أبو داود، والطبراني، ولكن أبا داود ما صرّح بحمزة وإنما قال: ابن المغيرة، كرواية الطحاوي، وصرّح الطبراني بحمزة ابن المغيرة، وبعروة بن المغيرة أيضًا، وكذا صرّح النسائي بحمزة بن المغيرة في رواية بكر بن عبد الله المزني عنه، وصرّح بعروة بن المغيرة في رواية عامر الشعبيّ عنه وكذا صرح مسلم في رواية بكر بعروة بن المغيرة على ما مر عن قريب فعلي هذا يحتمل في رواية الطحاوي أن يكون حمزة، ويحتمل أن يكون عروة؛ لأن روايته ليس فيها بكر بن عبد الله المزني فافهم.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 38 رقم 150).
(2)
"المجتبى"(1/ 76 رقم 108).
الثاني: عن ابن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة ابن شعبة.
فكالطريق الأول أخرجه الطبراني (1): عن معاذ بن المثنى بن معاذ، عن أبيه، عن ابن عون، عن محمَّد والشعبي، عن عروة بن المغيرة في حديث طويل، وفيه قال ابن عون:"وذكر من ناصيته وعمامته شيئًا لا أدري أصبته أم لا، ومسح على خفيه".
وأخرجه أيضًا (2): عن محمَّد بن أحمد بن البراء، ثنا المعافي بن سليمان، نا موسى بن أعين، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة بن شُعبة، عن أبيه قال: "كنت أسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً
…
" الحديث، وفيه: "فتوضأ فغسل يديه ووجهه وذراعيه، ومسح على خفيه".
وكالطريق الثاني: أخرجه أحمد في "مسنده"(3): عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمَّد، عن عمرو بن وهب الثقفي في حديث طويل، وفيه:"ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين".
قوله: "في سفر" صرّح في رواية أبي داود (4): أنه كان في غزوة تبوك قال: ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد، أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره [أنه سمع أباه] (5) المغيرة بن شعبة يقول: "عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه، فأناخ النبي عليه السلام فتبرّز، ثم جاء فسكبتُ على يديه من الاداوة، فغسل كفيه، ثم غسل وجهه، ثم حَسَر عن ذراعيه فضاق كمَّا جُبّته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خفيه
…
" الحديث.
(1)"المعجم الكبير"(20/ 373 رقم 870).
(2)
"المعجم الكبير"(20/ 372 رقم 869).
(3)
"مسند أحمد"(4/ 247 رقم 18189).
(4)
"سنن أبي داود"(1/ 37 رقم 149).
(5)
في "الأصل، ك": أن أباه. والمثبت من "سنن أبي داود".
ثم إنهم استدلوا بهذه الأحاديث أن فرض المسح هو مقدار الناصية، وقال النووي: هذا مما احتج به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي ولا يشترط الجميع.
قلت: هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن الفرض عندهم أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح، وها هنا قد نصّ على الناصية، وهو مقدار الربع، وقال ابن قدامة: احتج من أجاز البعض بأن المغيرة بن شعبة روى أن النبي عليه السلام مسح بناصيته، وعمامته، ولأن من مسح ببعض رأسه يقُال: مسح برأسه كما يقال: مسح برأس اليتيم، وقبَّل رأسه، وزعم بعض من ينصر ذلك أن الباء للتبعيض، ولنا ظاهر قوله تعالى:{بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (1)، والباء للإلصاق فكأنه قال: امسحوا رؤسكم. فيتناول الجميع، كما قال [في التيمم] (2):{بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (3)، قال بعض أهل العربية: من جعل الباء للتبعيض أدخل في اللغة ما ليس منها، وقال ابن بَرْهان:(من زعم)(3) أن "الباء" تُفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه، وحديث المغيرة يدل عل جواز المسح على العمامة، ونحن نقول به، وأيضًا فإن النبي عليه السلام لما توضأ مسح برأسه كله، وهذا خرج من النبي عليه السلام مخرج البيان؛ فدل علي وجوبه، وما ذكروه من اللفظ مجاز، لا يعدل إليه عن الحقيقة إلا بدليل. انتهى.
قلت: اتفق الشافعي مع أبي حنيفة في البعضية، ولكن عند الشافعي أقله ما ينطلق عليه اسم المسح، ولو بعض شعره.
وفي "الروضة" الواجب في مسح الرأس ما ينطلق عليه الاسم ولو بعض شعره أو قدره من البشرة، وفي وجه شاذ: يشترط ثلاث شعرات، وشرط الشعر الممسوح ألَّا يخرج عن حد الرأس لو مُدّ، سَبطا كان أو جعدَّا انتهى.
(1) سورة المائدة، آية:[6].
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المغني"(1/ 87).
(3)
تكررت في "الأصل".
وعند أبي حنيفة: الفرض مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، قال صاحب "الهداية": والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وفي بعض الروايات قدَّره أصحابنا بثلاث أصابع، وهو ظاهر الرواية، وهو المذكور في الأصل، وهو رواية عن محمَّد، ذكرها ابن رستم في نوادره، وإذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدّها؛ جاز في قول محمَّد في الرأس والخف جميعًا، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى يمدّها مقدار ما تصيب البلة ربع رأسه، فهما اعتبرا الممسوح عليه، ومحمد اعتبر الممسوح به، وهو عشر أصابع ربعها أصبعان ونصف، إلَّا أن الإصبع الواحدة لا تُجَزَّأ، فجعل المفروض قدر ثلاث أصابع لهذا، فالحاصل أن علمائنا اتفقوا في اعتبار الربع، لكنهما اعتبرا ربع المحل، ومحمد اعتبر ربع الآلة، وما قالاه مُرَجَّح؛ لأن المذكور في النص هو الرأس، فالاعتبار لما هو المذكور فيه أولى.
وفي "البدائع": ولو مسح بثلاثة أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز، لأنه لم يأت بالقدر المفروض، ولو مدّها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عندنا وعند زفر يجوز، وعلي هذا الخلاف إذا مسح بأصبع أو أصبعين ومدهما حتى بلغ مقدار المفروض، ولو مسح بأصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ، فقال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وهو الأصح، ولو مسح علي شعره وكان شعره طويلًا فإن مسح على ما تحت أذنيه لم يجز، وإنْ مسح على ما فوقهما يجوز، ولو أصاب رأسه من ماء المطر مقدار المفروض سقط عنه فرض المسح -والله أعلم- ثم إنَّ أصحابنا استدلوا على فرضية ربع الرأس في المسح بحديث المغيرة؛ لأن الكتاب مجمل في حق المقدار فقط لأن الباء في {وَامْسَحُوا} للإلصاق باعتبار أصل الوضع، فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح، فيتناول جميعه، كما يقول الرجل: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قرنت بمحل المسح، يتعدى الفعل بها إلى الآلة، فلا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادةً، ثم أكثر الآلة ينزل منزلة الكل، فيتأدي المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل
المسح، ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق، لا بمعني أن الباء للتبعيض كما قاله البعض، وتحرير الكلام في هذا المقام ما ذكره النحاة: أن الباء تستعمل لمعانٍ كثيرة: أحدها الإلصاق، وقد جعلها الجرجانيّ أصلًا فيه بحيث إنها إذا استعملت في غيره فإنما تكون بقرينة زائدة مع الإشعار بمعنى الإلصاق، فإذا قلت: كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم فالباء للاستعانة أي كتبت مستعينًا بالقلم، وعملت مستعينًا بالقدوم، وفي ذلك معنى الإلصاق، وغير الجرجاني يجعل لها معاني كثيرة، كل واحد منها برأسه، منها أن تكون للتبعيض، ذكره أبو علي في "التذكرة"، ويحكي عن الأصمعي في قول الشاعر:
شربن بماء البحر ثم ترفعت .... متى لجج خضر لهن نئيج (1)
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (2)، وقوله:{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} (3)، وقال ابن هشام: أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقُتبي، وابن مالك -قيل: والكوفيون- وجعلوا منه: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (2) قيل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (4)، والظاهر أن الباء فيهما للإلصاق، وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإن "مسح" يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباء، فالأصل امسحوا رؤسكم بالماء، ونظيره بيت اللباب:
كنواح ريش حمامة نجديّة ...... ومسحت باللثَتين عَصْف الأثمد
يقول: إنَّ لبابك تضرب إلى سُمْرة فكأنك مسحتها بمسحوق الأثمد، فَقلبَ مَعْمول مَسحَ.
وقال الزمخشري في {يَشْرَبُ بِهَا} : المعنى يشرب بها الخمر كما تقول شربتُ الماء
(1) عزاه في "لسان العرب"(مادة: مخر) لأبي ذؤيب.
(2)
سورة الإنسان، آية:[6].
(3)
سورة المطففين، آية:[28].
(4)
سورة المائدة، آية:[6].
بالعسل، فإن قيل: سلمنا أن خبر الواحد يصحّ به بيان مجمل الكتاب، ولكن لا نسلّم أن آية الوضوء فيها إجمال؛ لأن بيان المُجْمَل: ما لا يدرك بيانه إلَّا من جهة المُجْمِل، ونحن لا نحتاج إلى البيان إذا قلنا بالاستيعاب كما قال مالك، أو بأقل ما ينطلق عليه المسح كما قال الشافعي؛ لأن في الأول عملًا بالأقاويل كلها، وفي الثاني عملًا بالمتيقن.
قلت: الأول: إنما يكون عملًا بالأقاويل إذا كان الاستيعاب فرضًا عند الكل، وليس بفرض عند الكل، ولهذا قال أحمد: ومن يمكنه أن يأتي على الرأس كله؟! فحينئذ ينفي الإجمال، والثاني: إنما يكون عملًا بالمتيقن إذا كان ذلك الأقل معتبرًا، وقد يحصل بغسل الوجه ولا اعتبار له فيبقى الإجمال أيضًا، وأما وجه التقدير بالناصية، فلأن مسح جميع الرأس ليس بمراد بالإجماع؛ لأن عند مالك لو مسح جميع الرأس إلَّا قليلًا منه جاز، فلا يمكن حمل الآية على جميع الرأس، ولا على بعض مطلق، وهو أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما قال الشافعي؛ لأن ماسح شعره أو ثلاث شعرات لا يُسّمي ماسحًا في العرف، فلا بد من الحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحًا في التعارف، وذلك غير معلوم، فصار فعله عليه السلام حديث المغيرة بيانًا لمجمل الكتاب؛ إِذْ البيان يكون تارة بالقول وتارة بالفعل، كفعله في هيئة الصلاة، وعدد ركعاتها، وفعله في مناسك الحج، وغير ذلك، فكان المراد من المسح بالرأس مقدار الناصية ببيان النبي عليه السلام -فإن قيل: أليس -أي في التميم- حكم المسح ثبت بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (1) ثم الاستيعاب فيه شرط، قلت: أمَّا على رواية الحسن، عن أبي حنيفة لا يشترط فيه الاستيعاب، لهذا المعنى الذي ذكرناه، وأما على ظاهر الرواية فإنما عرفنا الاستيعاب هناك إما بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذر الغسل، والاستيعاب في الغسل فرض بالنص، فكذا فيما قام مقامه، أو عرفنا ذلك بالسنة، وهو قوله: عليه السلام لعمار: "يكفيك ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين".
(1) سورة المائدة، آية:[6].
فإن قيل: المسح فرض، والمفروض مقدار الناصية، ومن حكم الفرض أن يكفر جاحده، وجاحد المقدار لا يكفر فكيف يكون فرضًا؟
قلت: بلى جاحد الفرض كافر، وجاحد المقدار لا يكفر؛ لأنه في حق المقدار ظني، وأصل المسح قطعي وجاحده كافر. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الناصية كل الرأس كما في قوله تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} (1)، فإن المراد بها ها هنا الرءوس فيكون المراد من قوله:"ومسح بناصيته": مسح برأسه؟
قلت: الأصل استعمال اللفظ فيما وضع له، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز بلا فائدة ولا قرينة لا يجوز، ولا قرينة ها هنا على أن المراد من الناصية كل الرأس، فإن قيل: كيف استدل أبو حنيفة ببعض الحديث، وترك البعض، ولم يجوز المسح على العمامة؟.
قلت: لو عمل بكل الحديث لكان تلزم به الزيادة على النص؛ لأن هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ، فلا يجوز، وأما المسح على الرأس فقد ثبت بالكتاب، فلا يلزم ذلك، ولهذا قال مالك في "موطأه": بلغني عن جابر بن عبد الله: "أنه سئل عن العمامة فقال: لا حتى يمسّ الشعر الماء".
ورواه عنه محمد في موطأه (2): ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وأما مسحه عليه السلام على العمامة فأوّله البعض بأن المراد به ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأَوَّله البعض بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي عليه السلام -فمسح النبي عليه السلام على رأسه ولم يضع العمامة في رأسه، فظن الراوي أنه مسح على العمامة، وقال القاضي عياض: وأحسن ما حمل عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة أنه عليه السلام لعلّه كان به مرض مَنَعه كشفَ رأسه فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة، وقال ابن حزم: إنَّ ذلك كان في مرات مختلفة لا أنه مسح على ناصيته وعلى العمامة
(1) سورة الرحمن، آية:[41].
(2)
"الموطأ" رواية محمَّد بن الحسن (ص 45 رقم 52).
معًا، بل مسح على العمامة مرةً، ومسح على الناصية في مرة أخرى. وفيه نظر؛ لأنه ليس للتفقه فيه مجال فلا بدّ من النقل على ذلك، ويمكن أن يقال أنه مسح مرتين، مرةً على الناصية، ومرةَّ عَلى العمامة، كما نقل عنه المسح في غير هذا الحديث تارة مرةً، وتارة ثلاثًا، ويدل على ذلك تكرار قوله:"فمسح بناصيته" بعد قوله: "فمسح على عمامته"، ولم يقل: فمسح على عمامته وناصيته، فافهم.
وقال ابن حزم أيضًا ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في مسح الرأس، فقال مالك بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة بمسح مقدار ثلاث أصابع، وعنه ربع الرأس، وقال الثوري: يجزئ في الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزئ مسحه بأصبع، وببعض أصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزئ من مسح الرأس بشعرتين، ويجزئ بأصبع وببعض أصبع، وأحب ذلك إلى الشافعي: العموم ثلاث مرات.
وقال أحمد بن حنبل: يجزئ للمرأة أن تمسح بمقدم رأسها. وقال الأوزاعي والليث: يجزئ مسح مقدم الرأس فقط، وقال داود: يجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم مسح، وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر، وأحب إليه العموم، وهذا هو الصحيح، وعن النخعي: إنْ أصاب هذا يعني مقدم رأسه، وصدغيه، وعن الشعبي: إنْ مسح جانب رأسه أجزأه، وروي أيضًا عن عطاء، وصفية بنت أبي عبيد، وعكرمة، والحسن، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم، ثم قال: ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة خلاف لما روينا عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يدخل يده في الوضوء فيمسح به مسحة واحدة اليافوخ فقط، ولا حجة لمن خالفنا يعني مَن روي عنه من الصحابة وغيرهم: مسح جميع رأسه؛ لأنا لا ننكر ذلك بل نستحبه.
ثم قال: وأما تخصيص أبي حنيفة لربع الرأس، ولمقدار ثلاث أصابع ففاسد، لأنه لا دليل عليه، فإن قالوا: هو مقدار الناصية قلنا لهم: ومن أين لكم بأن هذا هو مقدار الناصية والأصابع تختلف، وتحديد ربع الرأس يحتاج إلى تكسير ومساحة، وهذا باطل.
قلت: قوله: لأنه لا دليل عليه باطل؛ لأن مذهب أبي حنيفة الذي روى عنه الطحاوي والكرخي هو مقدار الناصية لحديث المغيرة المذكور، ولهذا قال أبو الحسين القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وسكت عليه، ولا يلزم من هذا أن تكون الناصية ربع الرأس تحقيقًا، وأما إذا كان تقريبًا فلا يحتاج إليه؛ نعم روى الحسن عن أبي حنيفة أن مقدار الناصية هو الربع كما قال به زفر باعتبار أن الرأس لها أربعة أركان: الناصية، والقفا، والفودان، فبهذا الاعتبار تكون الناصية ربع الرأس، ولا يلزم من هذه القسمة أن تكون الناصية ربعًا حقيقيًا حتى يلزم ما ذكره ابن حزم، وقد قال ابن فارس: الناصية قصاص الشعر، ثم فسر القصاص بأنه نهاية منبت الشعر من مقدم الرأس، فهذا أعم من أن يكون ربع الرأس على الحقيقة، أو باعتبار أنه أحد الأركان الأربعة، وأما جوازه في غير الناصية فكما أن الرأس كله محل للمسح فلا تتعين الناصية دون غيرها، وإنما الذي تعين هو مقدار الناصية فافهم.
واستدل بعض الشافعية بالحديث المذكور على استحباب تتميم المسح بالعمامة، لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق عندهم بين أن يكون لَبِس العمامة على طهر أو على حدث، وكذا لو كان على رأسه قلنسوة ولم ينزعها ومسح بناصيته يستحب أن يتممّ على القلنسوة كالعمامة، واستدل به أحمد علي جواز المسح على العمامة.
قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة: أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن سعد بن مالك، وأبي الدرداء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور.
وقال عروة، والنخعي، والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز المسح عليها.
وفي "المغني": ومن شرائط جواز المسح على العمامة شيئان: أحدهما: أن تكون تحت الحنك، وسواء أرخي لها ذوابة أولا، قاله القاضي، ولا فرق بين الصغيرة
والكبيرة إذا وقع عليها الاسم، وقيل: إنما لم يجز المسح على العمامة التي ليس لها حنك؛ لأن النبي عليه السلام أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط، قال أبو عُبيد: الاقتعاط ألَّا يكون تحت الحنك شيء، وروي:"أن عمر رضي الله عنه رأي رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقية" وقال الخلال: أن تكون ساترةً لجميع الرأس إلَّا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نصّ عليه أحمد، وقال الخلال: وإذا نزع عمامته بعد مسحها بطلت طهارته كما لو نزع الخف بعد مسحه، وكذلك إنْ انكشف رأسه، نصّ عليه أحمد إلَّا أن يكون يسيرًا جرت العادة بمثله، مثل: إنْ حك رأسه أو رفعها لأجل الوضوء، فإن انتقضت العمامة بعد مسحها بطلت طهارته وإنْ انتقض بعضها، وقال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت طهارته، وهو المنصوص، وقال ابن عقيل: فيه رواية آخري: لا تبطل.
وأما القلانس فإن كانت طاقية لم يمسح عليها، وأما القلانس المبطنات كَدَنِّيَات القضاة والنوميات فقال إسحاق بن إبراهيم: قال أحمد: لا يمسح على القلنسوة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة، إلَّا أن أنسًا مسح على قلنسوته، وروي الأثرم بإسناده، عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"إنْ شاء حسر عن رأسه، وإنْ شاء مسح على قلنسيته وعمامته".
وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان: إحداهما: يجوز، والثانية: لا يجوز، قاله نافع، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لا يشق نزعها والله أعلم (1).
ص: ففي هذا الأثر أن رسول الله عليه السلام مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل على أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان
(1) انتهى من "المغني" لابن قدامة بتصرف وتقديم وتأخير (1/ 184 - 186).
الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة لكان كالمسح على الخفين فلم يكن ألَّا وقد غُيِّيت الرجلان فيهما، ولو كان بعض (الرجل)(1) باديًا لما أجزأه أن يغسل ماظهر (منها)(2)، ويمسح على ما غاب منهما [فجعل حكم ما غاب منهما مضمنًا](3) لحكم ما بدا منهما [فلما](4) وجب غسل الظاهر؛ وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين إذا غيّب بعضهما في الخفين حكمًا واحدًا، فلما أكتفى النبي عليه السلام في هذا الأثر بمسح الناصية عن مسح ما بقي من الرأس، دلَّ ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلًا على الفضل لا على الوجوب؛ حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضّاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أشار بهذا الأثر إلى حديث المغيرة بن شعبة، تحريره أنه عليه السلام مسح على بعض رأسه في هذا الحديث، وهو الناصية، وظهورها من بين أجزاء الرأس دليل على أن حكم بقية الرأس من الفودين والقفا كحكم ما ظهر منه، وأن الحكم قد ثبت بالمسح على الناصية إِذْ لو ثبت بالمسح على العمامة لكان حكمه كحكم المسح على الخفين ولم يكن المسح (على)(5) الخفين إلَّا عند تغيب الرجلين فيهما إِذْ لو كان بعض الرجل ظاهرًا لما أجزأه أن يغسل ما ظهر من ذلك ويمسح ما غاب لعدم [جواز](6) الجمع بين الغسل والمسح من غير ضرورة، فإذا وجب غسل ما ظهر، وجب غسل ما بطن، فكذلك الرأس، لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه تحت العمامة ونحوها، ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين
(1) في "شرح المعاني": "الرجلين".
(2)
في "شرح المعاني": "منهما".
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".
(4)
في "الأصل، ك": "فلو". والمثبت من "شرح المعاني".
(5)
تكررت في "الأصل".
(6)
في "الأصل، ك": الجواز.
كما ذكرنا، ثم إنَّ النبي عليه السلام لما اكتفى في هذا الحديث بالمسح على الناصية عن مسح ما بقي من رأسه دل فعله ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، إِذ لو كان غيرها منها فرضًا لما اكتفي بها، ودلّ ذلك أيضًا أن مسحه جميع رأسه في الأحاديث المتقدمة كان ذلك منه على سبيل الفضل والنفل، لا على سبيل الوجوب، إِذْ لو لم يكن الأمر كذلك يلزم التضاد بين هذه الآثار؛ لأن حديث المغيرة يدل على وجوب البعض، وأحاديث غيره تدل على وجوب الكل فإذا حملنا على المعنى المذكور يرتفع التضاد، وتستوي معاني الآثار.
ص: وأما من طريق النظر: فإنا رأينا الوضوءَ يجبُ في أعضاء، فمنه ما حكمُه أن يغسل، ومنها ما حكمُه أن يمسح، فأما ما حكمه أن يغسل فالوجه، واليدان، والرجلان في قول من يوجب غسلهما، فكل قد أجمع أن ما وجب غسله من ذلك فلا بد من غسله كله، ولا يجزى غسل بعضه دون بعض، فكان ما وَجب مسحه من ذلك هو الرأس، فقال قوم حكمهُ أن يُمسح كله كما تغسل تلك الأعضاء كلها.
وقال آخرون: يمسح بعضه دون بعض، فنظرنا فيما حكمه المسح كيف هو؟ فرأينا حكم المسح على الخفين قد اختلف فيه، فقال قوم: يمسح ظاهرهما وباطنهما، وقال آخرون: يمسح ظاهرهما دون باطنهما، فكل قد اتفق أن فرض المسح في ذلك هو على بعضهما دون مسح كلهما، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم مسح الرأس هو على بعضه دون بعض، قياسًا ونظرًا على ما بينا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن رحمهم الله.
ش: أي وأما حكم هذا الباب من وجه النظر والقياس وهذا قياس اقتراني جملي مشتمل على مقدمتين؛ لأن تقديره: فرض الرأس في الوضوء مسح كفرض الرجل التي في الخف، وكل رجل في الخف لا يجب استيعاب مسحه، ينتج فرض الرأس لا يجب استيعاب مسحه وكلام الطحاوي ظاهر.
قوله: "والرجلان في قول من يوجب غسلهما" وهم جمهور العلماء خلافًا لابن جرير الطبري وطائفة يسيرة، فإنهم خيروا بين الغسل والمسح، وخلافًا للروافض فإنهم أوجبوا المسح، وما جوّزوا الغسل على ما سيأتي مفصلًا- إنْ شاء الله تعالى.
قوله: "فقال قوم" وهم مالك، وابن عُلية، وأحمد في رواية.
قوله: "وقال آخرون" وهم: أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وغيرهم.
قوله: "فقال قوم يمسح ظاهرهما" وهم: مالك، والشافعي، والزهري وغيرهم.
قوله: "وقال أخرون" وهم: النخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وغيرهم.
ص: وقد روي في ذلك عمّن بعد النبي عليه السلام أيضًا ما يُوافقُ ذلك، حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الزُبَيْدي، عن الزُهْريّ، عن سالم، عن أبيه:"أنه كان يمسح بمقدم رأسه إذا توضأ".
ش: أي قد روي فيما ذكرنا من التوفيق بين الأحاديث، وتعيّن بعض الرأس في الوجوب، "ما رُوي" عن بعض الصحابة "ما يوافق ذلك"، أي ما ذكرنا، ثم بين ذلك بقوله: "حدثنا
…
" إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.
والزُّبَيْدي هو: محمَّد بن الوليد، صاحب الزهريّ، نسبة إلى زُبَيد بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وهو: منبه بن مصعب، وهذا هو زبيد الاكبر، إليه ترجع قبائل زُبيد.
والزهري هو: محمَّد بن مسلم.
وسالم هو: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر "كان يدخل يده في الوَضُوء فيمسح بها مسحةً واحدةً [علي] (2) اليافوخ فقط".
قلت: اليافوخ اسم لمقدم الرأس، يفعول، والجمع اليآفخ، وأَفَخْتُه: ضربت يافوخه، ويافوخ الليل معظمه.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(1/ 12 رقم 30).
(2)
ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "مصنف عبد الرزاق".