المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس

‌ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس

؟

ش: أي هذا باب في بيان حكم المني في الطهارة والنجاسة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحَكَمِ، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث:"أنه كان نازلا على عائشة رضي الله عنها فاحتلم، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبَرتْ بذلك عائشة، فقالت عائشة: لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والحَكَم هو ابن عُتَيْبَة الكوفي، وإبراهيم هو النخعي.

وأخرجه مسلم (1): ثنا يحيى بن يحيى، أنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي مدثر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود:"أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر؛ نضحت حوله؛ ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام فركا، فيصلي فيه".

ثنا [عمر بن حفص](2) بن غياث، ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وهمّام، عن عائشة في المني قالت:"كنت أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام".

قوله: "أثر الجنابة" المراد من الأثر: البقية، ومن الجنابة: المني.

قوله: "لقد رَأَيْتُني" بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي وأنا أفركه، ويجوز كسر التاء على كونه خطابا للجارية.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 238 رقم 288).

(2)

في "الأصل، ك": حفص بن عمر، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم".

ص: 435

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وَهْب بن جرير، قال: ثنا شعبة، أخبرنا الحكم، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ولقد أخرج الطحاوي حديث عائشة هذا من اثنين وعشرين طريقا وستقف على الكل إن شاء الله تعالى.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث:"أنه كان عند عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبرت عائشة، فقالت: لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن الحكم، عن إبراهيم النخعي، عن همام، عن عائشة

نحوه.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حمّاد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام

فذكر نحوه.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح.

وأخرجه الترمذي (2) عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، قال:"ضاف عائشة ضيف، فأَمَرَت له بملحفة صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يُرسِل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِمَ أفسدَ علينا ثوبنا؟! إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله عليه السلام بأصابعي".

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 101 رقم 371).

(2)

"جامع الترمذي"(1/ 198 - 199 رقم 116).

ص: 436

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن الأعمش

فذكر مثله بإسناده.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وعبيد الله هو ابن عمرو الرَّقِيِ.

وزيْدُ: هو ابن أبي أُنَيْسة.

والأعمش: سليمان.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أخبرني حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وهمام، عن عائشة

مثله.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وحفص هو ابن غياث.

وأخرجه مسلم (1): عن حفص، عن أبيه، عن الأعمش

إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه آنفا.

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحمّاني، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله، (غير أن في حديث يحيى قال:"رأيتُني وما أزيد على أن أَحُتُّه من الثوب، فإذا جَفَّ دلكته") (2).

ش: هذا أيضًا صحيح، والحمّاني هو يحيى بن عبد الحميد.

وأخرج النسائي (3): عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة قالت:"كنت أراه في ثوب رسول الله عليه السلام فأحكه".

قوله: "أَحُتُّه" من الحَتَّ، والحَتُّ والحك والقشر سواء.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 238 رقم 288)، وفيه: عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، وسبق تخريجه والتنبيه على الخطأ.

(2)

كذا في "الأصل"، وليست في "شرح المعاني".

(3)

"المجتبى"(1/ 156 رقم 299).

ص: 437

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن حماد، عن إبراهيم، عن همام عن عائشة مثله، غير أنه قال:"لقد رأيتني وما أزيد على أن أحته من الثوب فإذا جفّ دلكته".

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي.

والمَسْعوديّ اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي ونسبته إلى والد عبد الله بن مسعود. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلَّا أنه اختلط في آخر عمره، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة.

وحماد هو ابن سلمة.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(1): وقال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم:"أن همام بن الحارث كان نازلا على عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة يغسل أثر الجنابة من ثوبه، فأخبرت عائشة، فأرسلت إليه عائشة: لقد رأيتني وما أزيد أن أفركه من ثوب رسول الله عليه السلام".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا مَهْدّي بن مَيْمون، قال: ثنا وَاصِل الأحْدَبُ، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود قال:"رأتني عائشة رضي الله عنها أغسل جنابة أصابت ثوبي، فقالت: لقد رأيتني وإنه ليصيبُ ثوب رسول الله عليه السلام، فما نزيد على أن نقول به هكذا- تعني نفركه".

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا عفان، نا مهدي، نا واصِلٌ الأحدب الأسدي الكوفي، عن إبراهيم النخعي

إلى آخره نحوه سواء؛ غير أن في آخره" (ووصف) (3) حك يده على الأخرى".

(1)"مسند الطيالسي"(1/ 199 رقم 1401).

(2)

"مسند أحمد"(6/ 101 رقم 24746).

(3)

كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند أحمد":"ووصفه مهدي".

ص: 438

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دُحَيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن عائشة قالت:"كنت (أفرك) (1) من ثوب رسول الله عليه السلام تَعْني المَنيُّ".

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وإسناده شامي، ودُحَيْم -بضم الدال وفتح الحاء المهملتين- عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قاضي الأردن وفلسطن، شيخ البخاري وغيره.

والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو.

وعطاء هو ابن أبي رباح.

وأخرجه البزار في "مسنده": من حديث عطاء، عن عائشة، وقال: ثنا إسماعيل، نا موسى، نا خطّاب، عن عبد الكريم، عن عطاء

إلى آخره نحوه، وزاد:"ولا أغسله".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة، مثله.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو هاشم اسمه يحيى بن دينار الزِّمَّاني، روى له الجماعة.

وأبو مجلز -بكسر الميم وسكون الجميع وفي آخره زاي معجمة- واسمه لاحق بن حميد، روى له الجماعة.

والحارث بن نوفل ذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وقال المزي في التهذيب الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد [المطلب](2) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، والد عبد الله بن الحارث بن نوفل، له ولأبيه صحبة.

(1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار":"أفركه".

(2)

كذا في "تهذيب الكمال"(5/ 292)، وفي "الأصل، ك": مناف، ولعله انتقال نظر من المؤلف رحمه الله.

ص: 439

وأخرجه النسائي (1): أنا قتيبة، ثنا حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة قالت:"كنت أفرك الجنابة- وقالت مرة أخرى: المني- من ثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابنُ أبي السَّريّ، قال: ثنا مُبَشَّر بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن بُرْقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:"كنت أفرك المني من مرطْ رسول الله عليه السلام وكانت مروطنا يومئذ الصوف".

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وابن أبي السريّ هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان القرشي الهاشمي المعروف بابن أبي السري العسقلاني، أخو الحسن بن أبي السري، شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان.

ومبشر بن إسماعيل الحلبي، روى له الجماعة.

وجَعْفرُ بن بُرْقان الدالاني، أبو عبد الله الجزري الرقي، روى له مسلم.

والزهري هو محمَّد بن مسلم.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا عمر بن أيوب المَوْصِلي، عن جعفر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان يراه في مْرط إحدانا ثم يفركه، ومُروطهن يومئذ الصوف، تعني النبي عليه السلام".

قوله: "أفرك" من فركت الثوب بيدي، أفركها فركا، من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ.

"والمِرطُ" بكسر الميم وسكون الراء: واحد المروط، وهي أكسية من صوف أوخَزّ، كانوا يأتزرونها.

ص: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، قال: ثنا الحْميدي، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة،

(1)"المجتبى"(1/ 156 رقم 296).

(2)

"مسند أحمد"(6/ 263 رقم 26307).

ص: 440

قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام إذا كان يابسا، وأغسله -أو أمسحه- إذا كان رطبا" شك الحميديّ.

ش: هذا أيضًا طريق صحيح، والحمُيديّ هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد، أبو بكر المكي، شيخ البخاري.

والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو.

وأخرجه الدارقطني (1): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي

إلى آخره، نحوه سواء.

قوله: "شك الحميديّ" يعني في قوله: "وأغسله أو أمسحه".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عَبْثَر بن القاسم، عن بُرْد أخي يزيد بن أبي زياد، عن أبي سَفَّانَةَ النخعي، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام".

ش: يوسف بن عدي بن زُريق الكوفي، شيخ البخاريّ.

وعَبْثَر -بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح الثاء المثلثة وفي آخره راء- ابن القاسم الزبيدي الكوفي، روى له الجماعة.

وبُرْد -بضم الباء الموحدة- ابن أبي زياد، أبو العلاء الكوفي، وثقه النسائي وروى له.

وأبو سَفَّانة -بفتح السين المهملة، وتشديد الفاء، وبعد الألف نون- قال ابن أبي حاتَم: شيخ مجهول، كوفي لا يعرف اسمه، ماله راوٍ غير بُرْد بن أبي زياد.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب ذاهبون إلى أن المني طاهر، وأنه لا يُفسد الماء وإن وقع فيه، وإن حكمه في ذلك حكم النُّخَامة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

ش: أراد بالذاهبين هؤلاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، فإنهم ذهبوا إلى

(1)"سنن الدارقطني"(1/ 125 رقم 3).

ص: 441

أن المَني طاهر، وحكى صاحب "البيان" في نجاسته قولين، وزعم بعضهم أن القولين في مني المرأة، وفي مني غير الآدمي أقوال ثلاثة:

أحدهما: طاهر جميعه إلَّا مني الكلب والخنزير.

الثاني: كله نجس.

الثالث: مني مأكول اللحم طاهر، وغيره نجس.

وفي "الروضة": أما المني فمن الآدمين طاهر، وقيل: فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة. والمذهب: الأول.

وفي "الحاوي" في فقه أحمد: ومني الآدمي طاهر، وعنه: نجسر يجزئ فرك يابسه من الرجل -وقيل: مطلقا- ويمسح رطبه، وعنه: يغسل، وعنه: أنه كالدم؛ فيعفى عن يسيره، وذكر في غيره عن أحمد: في منيها قولان، وفي مني غير الآدمي ثلاثة أوجه، مثل الأقوال الثلاثة.

قوله: "وأن حكمه في ذلك حكم النخامة" لأنه أصل آدمي مكرم، وليس من كرامته تنجيس أصله.

وروى الدارقطني (1): ثنا ابن مخلد، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا سعيد بن يحيى بن الأزهر، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال:"سئل النبي عليه السلام عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة".

لم يرفعه غير إسحاق الأزرق.

قلت: لم يصح رفعه. قاله الذهبي.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس.

ش: أبي خالف هؤلاء الذاهبين إلى طهارة المني جماعة آخرون، وأراد بهم:

(1)"سنن الدارقطني"(1/ 124 رقم 1).

ص: 442

الأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكا، والليث، والحسن بن حي؛ فإنهم قالوا: هو نجس، وهو رواية عن أحمد أيضًا، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد.

وقال مالك: لا بد من غسله، رطبا كان أو يابسا.

وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه.

وقال الحسن بن صالح: لا تعاد من المني في الثوب وإن كان كثيرا، وتعاد منه في الجسد وإن قَلَّ.

ص: وقالوا: ولا حجة لكم في هذه الآثار؛ لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب يَنام فيها، ولم تأت في ثياب يُصلى فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نُبيحُ ذلك، ونُوافقُ ما رَوَيْتُم عن النبي عليه السلام في ذلك، ونقى من بعد: لا تصلحُ الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئًا مما رُوي، في ذلك عن النبي عليه السلام.

ش: أي قال الآخرون: "لا حجة لكم في هذه الآثار". أي الأحاديث التي رُويت عن عائشة فيما مضى.

"لأنها إنما جاءت في ثياب يَنَامُ فيها" أبي النبي صلى الله عليه وسلم "ولم تأت في ثياب يصلي (عليها) (1) " فإذا لم تكن هذه الآثار في الثياب التي يُصل فيها فيجوز أن يكون حكمها حكم الثياب النجسة بالغائط أو البول أو الدم، فإن هذه الثياب لا بأس بالنوم فيها، ولا يجوز الصلاة فيها، فيكون حكم المني كذلك، وباقي كلامه ظاهر.

فإنْ قيل: إذا كان المني نجسا عندكم كان ينبغي ألَّا يجوز الفرك فيه، كما في سائر النجاسات.

(1) كذا في "الأصل، ك" ولعل الصواب: "فيها"، كما في متن الكتاب.

ص: 443

قلت: نعم، هذا هو القياس في هذا الباب، ولكن خُصَّ بحديث الفرك، ورُوي عن محمَّد أنه قال: إن كان المني غليظا فهو يطهر بالفرك، وإن كان رقيقا لا يطهر إلَّا بالغسل.

وقال: إذا أصاب المني ثوبا ذا طاقين فالطاق الأعلى يطهر بالفرك والأسفل لا يطهر إلَّا بالغسل؛ لأنه تصيبه البَلَّة دون الجرم، وهذه مشكلة فإن الفحل لا يمني حتى يمذي، والمَذْي -بالتخفيف- لا يطهر بالفرك، إلَّا أنه جعل المذي في هذه الحالة معلوما مستهلكا بالمني، فكان الحكم للمني دون المذي.

وقال الإِمام أبو إسحاق الحافظ: المني اليابس إنما يطهر بالفرك، إذا كان رأس الذكر طاهرا وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، وأما إذا لم يكن طاهرا لا يطهر، قال: وهذا رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وكذلك إنما يتطهر المصاب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل، ثم خرج المني؛ لا يطهر الثوب بالفرك، ثم إذا فرك المني اليابس عن الثوب وحُكِمَ بطهاراته، ثم أصابه الماء، هل يعود نجسا؟ فهو على الروايتين عن أبي حنيفة، كذا في "المحيط".

وعن الفَضَلي: إن مني المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنه رقيق.

فإن قيل: ما تقى في رواية الدارقطني التي ذكرناها؟

قلت: إنما شبهه بالمخاط في لزوجته وقلة تداخله في الثوب، ولهذا أمره بإماطته، لأنه إذا أماطه عنه ذهب أكثره، وبقي القليل منه، مع أنه أمره بإماطته، والأمر للوجوب، ومن يقول بأنه طاهر لا يوجب إزالته.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الأمر للإباحة؟

قلت: أعلى مراتب الأمر الوجوب، وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني؛ لأنه عليه السلام لم يتركه على ثوبه أبدا، وكذلك الصحابة من بعده، والأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ؛ ينصرف إلى الكامل، اللهم إلَّا أن يصرف ذلك عنه بقرينة تقوم، فتدل عليه حينئذ.

ص: 444

فإن قيل: قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} (1) سماه ماءً وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل أنه أراد به الشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرا.

قلت: إن تسميته ماءً لا يدل على طهارته؛ فإن الله سمّى مني الدواب ماء بقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} (2) ولا يدل ذلك على طهارة ماء كل الحيوان.

وقد قال الخطابي: حديث الفرك يدل على طهارة المني، وحديث الغسل لا يخالفه، إنما هو استحباب واستظهار بالنظافة، كما قد يغسل من النخامة والمخاط، والحديثان إذا أمكن استعمالهما؛ لم يجز أن يحملا على التناقض.

قلت: ما ادعى أحد المخالفة بين الحديثين ولا التناقض، وإنما يدل حديث الغسل على نجاسة المني، بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في بابه، ولكنه خُصَّ بحديث الفرك كما قلنا، ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاط.

لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطني في "سننه"(3): "يا عمار، ما نخامتك ولا دموعك إلَّا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما يُغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والمني، والدم، والقيء" فانظر كيف ذكره بين الغائط والدم؟! والاستدلال به: أنه أمره بغسل الثوب عن المني بكلمة "إنما" وهي لإثبات المذكور ونفي ما عداه، وإثبات المذكور بنفي ما عداه يدل على التحقيق لا على البدل.

والثاني: أنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع (4)؛ فكان حكمه حكم ما قرن به؛ لأن القرآن في الجملة الناقصة.

فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدًّا.

(1) سورة الفرقان، آية:[54].

(2)

سورة النور، آية:[45].

(3)

"سنن الدارقطني"(1/ 127 رقم 1) بتقديم وتأخير في المتن.

(4)

الدم والقيء يختلف في نجاستهما، وإن نقل البعض فيهما الإجماع.

ص: 445

قلت: قال البزار: وثابت بن حماد كان ثقة.

فإن قيل: قد قال البيهقي: وأما حديث عمار بن ياسر "أن النبي عليه السلام قال: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك

" الحديث فهو باطل لا أصل له؛ إنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن عمار. وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع.

قلت: كفاك أن الدراقطني أخرجه.

قلت: علي بن زيد غير محتج به لا تُفيد دعواه؛ لأن مسلما روى له مقرونا بغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي، وقال رجل لابن معين: اختلط علي بن زيد؟ قال: ما اختلط علي بن زيد قط وهو أحب إلى من ابن عقيل، ومن عاصم بن عبد الله. وقال العجلي: لا بأس به. وفي موضع آخر: يكتب حديثه. وروى له الحاكم في المستدرك، وقال الترمذي: صدوق.

وفي "الجوهر النقي": وأما كون ثابت بن حماد متهما بالوضع فما رأيت أحدا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقي، وقد ذكر هو أيضًا هذا الحديث في كتاب المعرفة، وضعّف ثابتا هذا ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع.

فإن قيل: إنه أصل الأنبياء والأولياء فيجب أن يكون طاهرا.

قلت: هو أصل الأعداء أيضًا كنمروذ وفرعون وغيرهم، على أَنَّا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني وهي أيضًا أصل الأنبياء، ومع هذا لا يقال طاهرة: فَعُلم أن كون المني أصل الأنبياء عليهم السلام لا عبرة له في الطهارة، أو نقول: الواجب في خروج المَني أكبر الطهارتين -وهو الغسل- والبول لا يجب بخروجه إلَّا الوضوء، فلو لم تكن نجاسته أقوى من نجاسة البول لم يكن حكمه أغلظ من حكمه.

فرضنا أنه طاهر، لكن مخرجه مخرج النجس لأنه يخرج من حيث يخرج البول فينجس؛ لاتصال النجس به.

فإن قيل: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط.

ص: 446

قلت: لا نسلم أن القياس صحيح؛ لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلًا، والمَني موجب لاكبر الحدثين، وهو الجنابة، ولا نسلم أن سقوط الغَسْل يدل على الطهارة كما في موضع الاستنجاء.

فإن قيل: ما حكم المني إذا جفّ على البدن؟

قلت: قال مشايخ بخارى وسمرقند فيه: إنه كالثوب؛ لأن البلوى فيه أشد من البلوى في الثوب، فَيطَهَّر البدن كالثوب دفعا للحرج.

وفي "مبسوط السرخسي" رُوي عن أبي حنيفة في المنى إذا أصاب البدن: لا يطهر إلَّا بالغَسْلِ؛ لأن لين البدن يمنع زوال أثره بالحتّ.

ص: وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها فيما كانت تفعل بثوب رسول الله عليه السلام الذي كان يُصلّي فيه إذا أصابه المني:

حدثنا يونسُ، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل، عن عَمرو بن ميمون، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كنت أغسل المني من ثوب رسول الله عليه السلام فيخرج لي الصلاة، وإن بُقَعَ الماء لفي ثويه".

ش: لما ذكر فيما مضى أن هذه الآثار إنما جاءت في ثياب النوم ولم تأت في ثياب الصلاة؛ بيّن هنا ما جاء من الآثار التي فيها ما كانت عائشة رضي الله عنها تفعل بثوب رسول الله عليه السلام إذا أصابه المني، وقد بَيَّنَت عائشة رضي الله عنها ها هنا أنها كانت تغسل الثوب الذي كان يصلي فيه إذا أصابه المني، وتفرك من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وفعلها هذا دلّ على نجاسة المني.

ثم إسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الجماعة، فالبخاري (1): عن عبدان، عن عبد الله بن المبارك

إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه:"كنت أغسل الجنابة" موضع: "المني".

(1)"صحيح البخاري"(1/ 91 رقم 227).

ص: 447

ومسلم (1) عن ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن عمرو بن ميمون، قال:"سألت سليمان بن يَسار عن المني يصيب [ثوب] (2) الرجل أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: أخبرتني عائشة أن رسول الله عليه السلام كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل فيه".

وأبو داود (3): عن النفيلي، عن زهير.

وعن محمَّد بن عبيد البصري، عن سليم، كلاهما عن عمرو بن ميمون، قال: سمعت سليمان بن يَسَار يَقُولُ: سمعت عائشة تقى: "إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله عليه السلام قالت: ثم أَرَاهُ فيه بقعة أو بقعا".

والترمذي (4): عن ابن منيع، عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون

إلى آخره، ولفظه:"أنها غسلت مَنِيّا (من) (5) ثوب رسول الله عليه السلام".

والنسائي (6): عن سويد بن نصر، عن عبد الله، عن عمرو بن ميمون

إلى آخره نحو رواية البخاري.

وابن ماجه (7): عن ابن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، عن عمرو بن ميمون

إلى آخره نحو: رواية مسلم.

قوله: "وإن بقع الماء" جمع بقعة، والمراد منها: آثار الغسل التي في القماش، والجنابة: المني.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 239 رقم 289).

(2)

في "الأصل": الثوب، والمثبت من "صحيح مسلم".

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 102 رقم 117).

(4)

"جامع الترمذي"(1/ 201 رقم 117).

(5)

في "الأصل": في، والمثبت من "جامع الترمذي".

(6)

"المجتبى"(1/ 156 رقم 295).

(7)

"سنن ابن ماجه"(1/ 178 رقم 536).

ص: 448

ص: حدثنا أبو بشر الرَقّي، قال: ثنا أبو معاوية، عن عمرو

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان بن إسماعيل الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن عمرو بن ميمون

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة رضي الله عنها:"أنها غسلت مَنِيّا أصاب ثوب رسول الله عليه السلام".

ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أبنا عمرو

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا يزيد، أبنا عمرو بن ميمون، نا سليمان بن يسار، أخبرتني عائشة:"أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله عليه السلام فيخرج ويصلي، وأنا أنظر إلى البقع في ثوبه من أثر الغَسْلِ".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فهكذا كانت عائشة تفعل بثوب النبي عليه السلام الذي كان يُصلي فيه، تغسل المني عنه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يُصلّي فيه، وقد وافَقَ ذلك ما رُوي عن أمّ حَبية:

حّدّثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بن بَكرْ بن مُضَر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيد بن قَيْس، عن مُعاويةَ بن حُدَيْج، عن معاوية بن أبي سفيان:"أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان النبي عليه السلام يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يُصبه أذى".

(1)"مسند أحمد"(6/ 47 رقم 24253).

(2)

"مسند أحمد"(6/ 142 رقم 25141).

ص: 449

ش: لما بَيَّنَ الفرق بين الغسْل والفرك في المني الذي يُصِيب الثوب، بما كانت تفعل عائشة رضي الله عنها في ثوب النبي عليه السلام حيث كان فركها في ثوبه الذي كان ينام [فيه](1) وغسلها في ثوبه الذي كان يصلي فيه، وأن ذلك يدل على نجاسة المَني؛ أكدَّ ذلك بما روي عن أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، أخت معاوية بن أبي سفيان، إحدى زوجات النبي عليه السلام وذلك أن معاوية لما سألها هل كان النبي عليه السلام يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت أم حبيبة: نعم؛ إذا لم يُصبْه أذى. وأرادت به المني -على ما نذكره- فدلّ ذلك أن ما كان من الثوب الذي أصابه المني لم يكن يصلي فيه إلَّا بالغسل، وهذا يدل على نجاسة المَني.

وإسناد الحديث المذكور صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا الربيع وسُوَيد ابن قيس؛ فإنهما أيضًا ثقتان، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين- الخولاني المصري، الأصح أن له صحبة، فهذا الحديث فيه ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم.

وأخرجه الثلاثة؛ فأبو داود (2): عن عيسى بن حماد المصري، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب

إلى آخره نحوه، غير أن لفظه:"في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم يَرَ فيه أذى".

والنسائيُّ (3): عن حماد بن عيسى أيضًا إلى آخره، نحو: رواية أبي داود؛ غير أن في لفظه: "في الثوب (الذي) (4) يجامع فيه".

وابن ماجه (5): عن محمَّد بن رمح، عن الليث بن سَعد، عن يزيد بن أبي حبيب

إلى آخره نحو: النسائي.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 100 رقم 366).

(3)

"المجتبى"(1/ 155 رقم 29).

(4)

"المجتبى": (الذي كان).

(5)

"سنن ابن ماجه"(1/ 179 رقم 540).

ص: 450

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد

إلى آخره، ولفظه:"قلت لأم حبيبة زوج النبي عليه السلام: كان رسول الله عليه السلام يصلي في الثوب الذي ينام معك فيه؟ قالت: نعم، ما لم يَرِ فيه أذى".

قوله: "يُضاجعك فيه" أي يجامعك، وهكذا في رواية أبي داود مُصرّحا كما ذكرنا.

قوله: "أذى" يتناول سائر النجاسات كالمني والدم والبول والغائط ونحوها، ولكن المراد منه ها هنا المني؛ بقرينة ذكر المضاجعة، فإن قلت: المراد منه الدم، ولهذا جاء مصرحا في بعض روايات أبي داود:"إذا لم يَرَ فيه دمًا".

قلت: قد قلت لك: إن لفظة الأذى عام؛ لأنه من أذاه يؤذيه أَذِيَّه وأذى وإِذايَة، وهو إيصال شيء مكروه إلى غيره، ألا ترى إلى قوله عليه السلام:"أميطوا عنه الأذى"(2) أراد به الشعر والنجاسة، وما يخرجَ على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم سابعه.

وقوله عليه السلام: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق"(3) وهو ما يؤذي فيها، كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، قلت تعالى {قُلْ هُوَ أَذًى} (4) أراد به الدم؛ فحينئذ لا يرجح معنى خاص فيه إلَّا بقرينة كما في الآية؛ فإنه أريد به الدم؛ بقرينة قوله:{عَنِ الْمَحِيضِ} (4) فقال: {قُلْ هُوَ أَذًى} (4) أي دم مستقذر يؤدي، وكما في الحديث فإنه أريد به المني بقرينة قوله:"يضاجعك" لأن ثوب المضاجعة قد يُصيبه المني وهذا لا يُنْكر. فإن قلت: لِمَ لا يتعين الدم ها هنا لاحتمال الحال ذلك؟

قلت: لا يتأتى ذلك ها هنا؛ لأن المضاجعة حالة الدم حرام، فكان ثوب المضاجعة بعيدا عن الدم، ولكن ليس ببعيد عن المني.

(1)"مسند أحمد"(6/ 325 رقم 26803).

(2)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(6/ 325 رقم 26803).

(3)

رواه مسلم في "صحيحه"(1/ 63 رقم 35) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

سورة البقرة، آية:[222].

ص: 451

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون دم الاستحاضة، فإن المضاجعة غير ممنوعة؟ قلت: الكلام في مضاجعة النبي عليه السلام وشأنه أجلّ من أن تكون مضاجعته نحو ذلك، ورواية أبي داود مسألة بذاتها مستقلة، فافهم؛ فإنه مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية ولله الحمد.

ص: حدثنا يُونسُ، قال: أبنا ابن وهب، قال: أخبرني (ابن لهيعة)(1) والليث، عن يزيد، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط مسلم، وذكر عبد الله بن لهيعة لا يَضُره؛ فإنه مذكور متابعة، ويزيد هو ابن أبي حبيب المذكور.

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد الله بن عبد الحكم، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيج، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: "سألت أم حبيبة، هل كان رسول الله عليه السلام يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذي".

ص: وقد رُوي عن عائشة أيضًا ما يوافق ذلك: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدَّميُّ، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في لُحُف نسائه.

ش: أي ما يوافق حديث أم حبيبة؛ لأن امتناعه عن الصلاة في لحف نسائه كان مخافة أن يكون أصابها شيء من دم الحيض أو المني، فهذا يدل أيضًا أنه كان يجانب الثوب الذي يجامع فيه؛ لاحتمال أن يكون قد أصابه شيء من المني، وذا دليل

(1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار":"عمرو، وابن لهيعة"، فزاد مع ابن لهيعة والليث عَمْرًا.

(2)

"المعجم الكبير"(23/ 220 رقم 405).

ص: 452

النجاسة، وإسناد الحديث المذكور صحيح، والمُقدَّمِي هو محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مُقَدَّم -بفتح الدال-.

وأشعث هو ابن عبد الملك الحُمْراني.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأشعث، عن محمَّد بن سيرين، عن [عبد الله](2) بن شقيق، عن عائشة، قالت:"كان النبي عليه السلام لا يصلي في شُعرنا- أو لُحُفِنَا" قال عبيد الله: شك أبي.

وفي رواية لأبي داود (3): "كان لا يصلي في ملاحفنا".

وأخرجه الترمذي (4): نا محمَّد بن [عبد](5) الأعلى، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث -وهو ابن عبد الملك- عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه السلام لا يصلي في لحف نسائه" قال: هذا حديث حسن صحيح.

قوله: "في لُحُف" بضم اللام والحاء، جمع لحاف، وهو اسم لما يلتحف به، وكل شيءٌ تغطيت به فقد التحفت به.

و"الشُعُر" بضمتين: جمع شعار، مثل كتُب وكِتَاب، وهو الثوب الذي يَسْتَشْعره الإنسانُ، أي يجعله مما يلي بدنه.

"والدثار" ما نلبسه فوق الشعار.

و"الملاحف" جمع مِلحفة -بكسر الميم- وهي ما يلتحف به.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 101 رقم 367).

(2)

"الأصل، ك": محمَّد، وهو تحريف أو انتقال نظر من المؤلف، والمثبت من "سنن أبي داود".

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 101 رقم 368).

(4)

"جامع الترمذي"(2/ 496 رقم 600).

(5)

ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "جامع الترمذي".

ص: 453

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حُميد، قال: ثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أشعث

فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"في لحفنا".

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأحمد بن حميد الطُرَيْثِيثي، أبو الحسن الكوفي، شيخ البخاري.

وغُنْدَر -بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وفي آخره راء - وهو لقب محمَّد بن جعفر الهُذلي، روى له الجماعة.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فثبت بما ذكرنا أن رسول الله عليه السلام لم يكن يصلي في الثوب الذي ينام فيه، إذا أصابه شيء من الجنابة، وثبت أن ما ذكر الأسود وهمام، عن عائشة، عن النبي عليه السلام إنما هو في ثوب النوم؛ لا في ثوب الصلاة.

ش: أبي بما ذكرنا من حديث أم حبيبة، وحديث عائشة الموافق لحديث أم حبيبة، والباقي ظاهر.

وهمام هو ابن الحارث، وقد مضى في الأحاديث الأول.

ص: فكان من (حجة أهل)(1) القى الأول على أهل القول الثاني في ذلك:

ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: أبنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام يابسا بأصابعي، ثم يصلي فيه ولا يغسله".

ش: هذا اعتراض من جهة الفريق الأول على ما ذكره الفريق الثاني، من قولهم: إن ما ذكره الأسود وهمام عن عائشة من حديث الفرك إنما كان في ثوب النوم لا في ثوب الصلاة، وأن عائشة إنما كانت تفرك المني من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وأنها قالت:"كان عليه السلام لا يصلي في لحف نسائه" وأن كل ذلك دليل على نجاسة المني.

(1) كذا في "الأصل"، وفي "شرح المعاني": الحجة لأهل.

ص: 454

وجه الاعتراض: أن قول عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام يابسا

" إلى آخره. صريح أنه كان - علية السلام - يصلي في ثوب نومه، بعد فرك المني عنه، بدون الغَسْل، فهذا يدل على طهارة المني، ثم إسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم.

وخالد الأول: هو ابن عبد الله الطحان الواسطي.

وخالد الثاني: هو ابن مهران الحذاء البصري.

وأبو معشر اسمه زياد بن كليب الكوفي.

وإبراهيم هو النخعي.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عفان، ثنا حماد، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة:"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام ثم يذهبُ فيُصلي فيه".

وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" أيضًا: عن زهير، عن عثمان بن عمرو، عن هشام، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"سألت عائشة رضي الله عنها عن الجنابة تكون في الثوب، فقالت: كنا نفركه من ثوب رسول الله عليه السلام ثم يصلي فيه".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث.

ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج وسليمان بن شعيب، قالا: نا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت:"كنت أفركه من ثوب رسول الله - علية السلام - ثم يُصلي فيه".

(1)"مسند أحمد"(6/ 132 رقم 25052).

ص: 455

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.

قوله: حماد بن سلمة، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، أحد مشايخ أبي حنيفة.

قوله: "كنت أفركه" أي: المني.

ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قزعة بن سُوَيْد، قال: حدثني حميد الأعرج وعبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة، مثله.

ش: قزعة فيه مقال.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن يحيى الأزدي، نا عاصم بن [مهجع](1) نا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، عن عائشة قالت:"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله عليه السلام" وليس فيه: "ثم يصلي فيه".

ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا عيسى بن ميمون، قال: ثنا القاسم بن محمَّد، عن عائشة مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو الثاني والعشرون من الطرق التي رويت عن عائشة كما ذكرنا، وعيسى بن ميمون مولى القاسم، ضعيف وقال أبو حاتم: متروك الحديث.

وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده"(2): ثنا عباد بن منصور، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة قالت:"لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله عليه السلام ولا يغسل مكانه".

(1) في "الأصل، ك": مهج، وهو تحريف، والمثبت من "الجرح والتعديل"(6/ 350) و"ثقات ابن حبان"(8/ 506).

وقد روى البزار في "مسنده" -في الأجزاء المطبوعة حتى الآن- من طريق الحسن بن يحيى الأزدي عن عاصم بن مهجع في ثلاثة مواضع (3/ 303 رقم 1093)، و (6/ 31 رقم 2099)، و (8/ 402 رقم 3478).

(2)

"مسند الطيالسي"(1/ 202 رقم 1420).

ص: 456

ص: قالوا: ففي هذه الآثار أنها كانت تفرك المني من ثوب الصلاة، كما تفركه من ثوب النوم.

قال أبو جعفر: وليس في هذا عندنا دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا، فيطهر بذلك الثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى.

حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله؛ فطهورهما التراب".

قال أبو جعفر رحمه الله: فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روينا في المني، يحتمل أن يكون كان حكمه عندهم كذلك، يطهر الثوب بإزالتهم إياه عنه بالفرك، وهو في نفسه نجس، كما كان الأذى يطهر النعل بإزالتهم إياه عنها وهو في نفسه نجس.

ش: أي قالت أهل المقالة الأولى: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها علقمةُ والأسود وهمامٌ ومجاهدُ والقاسمُ بن محمَّد عن عائشة: "أنها كانت تفرك المَني من ثوب الصلاة كما كانت تفركه من ثوب النوم" فهذا يدل على طهارة المَني، وأجاب عن ذلك بقوله:"وليس في هذا" أي فيما قلتم

إلى آخره، وهو ظاهر.

قوله: "أن يكون كانت" أي عائشة رضي الله عنها والضمير في "أن يكون" يرجع إلى الشأن أو الأمر المقدر، وهو اسمه.

قلت: "كانت تفعل به" في محل النصب، خبره.

قوله: "والمني نجس في نفسه" جملة إسمية وقعت حالا.

ثم الحديث المذكور صحيح، ومحمد بن كثير الصنعاني وإن كانوا تكلموا فيه ولكن ابن حبان وثقه.

ص: 457

وروى الحديث في "صحيحه"(1): بغير هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري.

والحاكم في "مستدركه"(2): وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

وأبو داود (3): رواه بهذا الإسناد حيث قال: ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب".

وقال النووي في "الخلاصة": رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان: هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة.

ورواه أبو داود (4) أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها: ثنا محمود بن خالد، ثنا محمَّد يعني ابن عائذ، نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، قال: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله عليه السلام معناه، أبي معنى حديث أبي هريرة.

وقال المنذري: حديث عائشة حديث حسن، غير أنه لم يذكر لفظه.

قلت: رواه ابن عدي في "الكامل"(5): عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي، عن سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"سألت رسول الله عليه السلام[عن] (6) الرجل يطأ بنعليه في الأذى، قال: التراب لهما طهور".

فإن قلت: قال الدارقطني: مدار الحديث علي ابن سمعان وهو ضعيف. قال ابن الجوزي: قال مالك: هو كذاب. وقال أحمد: متروك الحديث.

(1)"صحيح ابن حبان"(4/ 250 رقم 1404).

(2)

"مستدرك الحاكم"(1/ 271 - 272 رقم 590، 591).

ولكن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 105 رقم 386).

(4)

"سنن أبي داود"(1/ 105 رقم 387).

(5)

"الكامل" لابن عدي (4/ 126).

(6)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "الكامل" لابن عدي.

ص: 458

قلت: ذكر صاحب "الكمال": قال أبو زرعة، حدثني أحمد بن صالح، قال: قلت لابن وهب: ما كان يقول مالك في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. وروى له الترمذي مقرونا بيونس بن يزيد.

ورواه أيضًا أبو داود (1): من حديث أبي سعيد الخدري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال:"بينما رسول الله عليه السلام يُصلي بأصحابه؛ إذ خَلَع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله عليه السلام صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟! قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله عليه السلام: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرا. وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى، فلْيمسحه، وليصلي فيهما".

وأخرجه ابن حبان (2) أيضًا نحوه.

قوله: "الأذى" أرادَ به النجاسة.

و"النعل" الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نعيلة.

وقال ابن الأثير: وهي التي تلبس في المشي وتُسمى الآن تاسُومة.

واستدلت أصحابنا بهذه الأحاديث أن الخف ونحوه إذا أصابته النجاسة التي لها جرم كالروث، والعذرة، والدم، والمني، فجفَّت، فدلكه بالأرض جاز؛ خلافا لمحمد، وكان الأوزاعي يستعمل هذه الأحاديث على ظاهرها، وقال: يجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب، ويصلي فيه. وروي مثله عن عروة بن الزبير، وكان النخعي يمسح النعل والخف يكون فيه السِّرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم، وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا: رجوت أن يجزئه.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 175 رقم 650).

(2)

"صحيح ابن حبان"(5/ 560 رقم 2185).

ص: 459

وقال الشافعي: لا تطهر النجاسات إلَّا بالماء، سواء كانت في ثوب أو حذاء. وبه قال مالك وأحمد وزفر، والحديث حجة عليهم، ثم بإطلاق الحديث أَخذَ أبو يُوسف، حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح، سواء كان النجس رطبا أو يابسا.

وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارا وتلوثا.

فإن قيل: الحديث مطلق؛ فلِمَ قيده أبو حنيفة هذا القيد؟

قلت: التي لا جرم لها خرجت بالتعليل، وهو قوله:"فطهورهما التراب" في رواية أبي جعفر، وفي رواية أبي داود:"قال: الشراب طهور" أي يزيل نجاسته، ونحن نعلم يقينا أن النعل والخف إذا تشرب البول أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه من أجزاء الجلد، فقال: إطلاق الحديث مصروف إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو الشراب فجف؛ فإنه يطهر أيضًا بالمسح -على ما قال شمس الأئمة؛ وهو الصحيح- فلا فرق أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها، هكذا ذكره الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإِمام أبو بكر محمد بن الفضل عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك؛ إلَّا أنه لم يشترط الخفاف.

وذكر في "الجامع الصغير" في النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف والنعل وحَكّه أو حته بعد ما تبيّن؛ أنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر في الأصل: إذا مسحهما بالتراب تَطْهر.

قال مشايخنا: لولا المذكور في "الجامع الصغير" لكنا نقول لا يطهران ما لم يمسحهما بالتراب؛ لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فالمذكور في "الجامع الصغير" أن الحك له أثر. وقال القدوري في شرحه: ومعنى قول أبي حنيفة في هذه المسألة: إن الخف والنعل يطهران في حق جواز الصلاة معه،

ص: 460

أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا -على إحدى الروايتين- وأصل المسألة الأرض إذا ذهب أثر النجاسة عنها ثم أصابها الماء فإنه يعود حكم النجاسة على إحدى الروايتين. والله أعلم.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فالذي وقَفْنا عليه من هذه الآثار المروية في المنّي: هو أن الثوب يطهر مما أصابه من ذلك بالفرك إذا كان يابسا، ويُجزِئ ذلك من الغسل، وليس في شيء من هذا دليل على حكمه هو في نفسه؛ طاهر هو أم نجس؟ فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة رضي الله عنها ما يدل على أنه كان عندها نجسا، فذكر في ذلك.

ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في المني إذا أصاب الثوب:"إذا رأيته فاغسله، وإن لم تره فانضحه".

ش: لما ذكر أن أحاديث الفرك لم تَدلّ قطعا على طهارة المني؛ لاحتمال أَنْ يَطهر الثوب بالفرك والمني في نفسه نجس، كما في مسألة النعل؛ فإنه يَطْهُر بالمسح والذي أصابه في نفسه نجس، وأن ذلك كان احتمالا، وبالاحتمال لا تقوم الحجة؛ أشار هنا إلى أن الذي يُوقفُ عليه من الآثار المذكورة: هو أن الثوب يَطهُر مما أصابه من المني بالفرك إذا كان يابسا، وليس فيه دليل يَدُل على حكم المَني في نفسه، هل هو طاهر أم نجس؟ يعني الدليل الصريح، وذكر أن طائفة من الأصحاب قالوا: إنه نجس في نفسه، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة هذا؛ لأن قولها:"اغسله" يدل على أنه كان عندها نجسا؛ إذ لو لم يكن نجسا لما أمرَت بغسله عند الرؤية، وبالنضح عند عدمها، فرد الطحاوي هذا بقوله: قيل له ما في ذلك دليل على ما ذكرت على ما يأتي، ثم تبين أن نجاسته بطريق النظر والقياس على ما نحرره، إن شاء الله تعالى.

وإسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.

ص: 461

قوله: "فانضحه" أبي انضح عليه شيئا من الماء، والنضح: الرش بالحاء المهملة، وأما بالمعجمة فهو الأثر يبقى في الثوب وغيره، قال أبو زَيد: النضح بالحاء المهملة الرش مثل النضخ بالخاء المعجمة وهما سواء، وإنما أَمَرَت بالنضح عند عدم الرؤية؛ للاحتياط، وقطعا للوسوسة.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.

ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: أنا أبو بكر بن حفص، قال: سمعت عمتي تُحدِّث، عن عائشة رضي الله عنها مثله.

ش: عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، أبو عبد الله، ثقة.

وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سَعْد بن أبي وقاص القرشي الزهري، واسمه عبد الله، روى له الجماعة.

وعمته: الظاهر أنها عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وهي عمة أبيه فقال: عمتي تجوزا؛ لأنه لا يُعْرف في آل سَعْدٍ امرأة لها رواية غيرها، وقد أدركها أبو بكر بن حفص؛ لأنه روى عن جده عمر بن سَعْد؛ فبالضرورة يكون روى أيضًا عن أخت عمر التي هي عمة أبيه، وعائشةُ هذه روى لها البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.

إسناد صحيح، وقد روي عن أبي هريرة وسالم نحوه.

ص: 462

قال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة:"أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم تدر أصاب الثوب أم لا فانضحه".

ثنا (2) محبوب القواريري، عن مالك بن حبيب، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال:"سأله رجل فقال: إني احتلمت في ثوبي. قال: اغسله. قال: خفي عليَّ. قال: انضخه بالماء".

ص: قال: فهذا قد دلّ على نجاسته عندها.

قيل له: ما في ذلك دليل [على ما ذكرت](3) لأنه لو كان حكمه عندها حكم سائر النجاسات من الغائط والبول والدم؛ لأمرت بغسل الثوب كله إذا لم يعرف موضعه منه، ألا ترى أن ثوبا لو أصابه بول فجف مكانه، أنه لا يطهره النضح؛ فإنه لا بد من غسله كله حتى يعلم طهوره من النجاسة، فلما كان حكم المني عند عائشة إذا كان موضعه من الثوب غير معلوم النضح؛ ثبت بذلك أن حكمه كان عندها بخلاف سائر النجاسات.

ش: أي قال هذا الذاهب المذكور عند قوله: "فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه كان عندها نجسا، وأشار بقوله: "قيل له". أبي: لهذا الذاهب: ما فيما قلت دليل على ما ادّعيت، والباقي ظاهر.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: وقد اختلف أصحاب النبي عليه السلام في ذلك، فروي عنهم في ذلك: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا حُصَينٌ، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه:"أنه كان يفرك الجنابة عن ثوبه".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 81 رقم 899).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 82 رقم 907).

(3)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

ص: 463

فهذا يحتمل أن يكون كان يَفُعل ذلك؛ لأنه عنده طاهر، ويحتمل أن يكون كان يَفعلُ ذلك كما يَفعلُ بالرَوث المحكوك من النعل؛ لا لأنه عنده طاهر.

ش: "في ذلك". أبي في حكم المني هل هو طاهر أم نجس؟ فمن ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه "أنه كان يفرك الجنابة" فهذا يحتمل مثل احتمال ما في بعض أحاديث عائشة رضي الله عنها، فلم يدل على أنه طاهر عنده أو نجس.

وإسناد حديثه صحيح على شرط الشيخين وسعيد: هو ابن سليمان الواسطي المعروف بسَعْدُويه. وحُصن -بضم الحاء- هو ابن عبدِ الرحمن.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن هشيم، عن حصين، عن مصعب بن سَعد، عن سعد:"أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" والجنابة: المني.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدّثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه:"أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر- رضي الله عنه عرس ببعض الطريق، قريبا من بعض المياه، فاحتلم عمر بن الخطاب، وقد كاد أن يصبح، فلم يجد ماءً في الركب، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك. فقال عمر رضي الله عنه: بل أغسل ما رأيت، وانضح ما لم أره".

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ويونس شيخه.

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه"(2): عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح، قال: أترونا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟ قالوا: نعم فأسرع المسير حتى أدرك، فاغتسل، وجعل يغسل ما رأى من الجنابة في

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 83 رقم 918).

(2)

"مصنف عبد الرزاق"(1/ 370 رقم 1446).

ص: 464

ثوبه، فقال له عمرو بن العاص: لو لبست ثوبا غير هذا وصليت؟ فقال له عمر: إن وجدت ثوبا وجده كل إنسان؟! إني لو فعلت لكان سُنة، ولكني أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر".

قوله: "في رَكبْ" بفتح الراء، وهم أصحاب الإبل في السفر، دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أَرْكُبْ، والرَّكَبَةُ -بالتحريك-: أقل من الركب، والأركوب -بالضم-: أكثر من الركب، والركبان الجماعة منهم، والرُكَّاب: جمع راكب، يقال: هم رُكَّابُ السفينة.

قوله: "عَرَّس" بتشديد الراء: من التعريس، وهو نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقفون وقفة للاستراحة، ويرتحلون، وأَعْرَسَ: لغة فيه قليلة، والموضع: مُعرِّسٌ ومُعْرَسٌ، والعِرِّيس: موضع الأسد.

قوله: "إن وجدتُ وجده كل إنسان؟ " يعني إن وجدت أنا الثوب، فهل وجده كل إنسان؟!.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت، أنه قال:"خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرَف، فنظر فإذا هو قد احتلم ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلَّا احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغَسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم يَرَ".

ش: هذا أيضًا إسناده صحيح، وزُيَيّد -بضم الزاي المعجمة وبيائين آخر الحروف، أولاهما مفتوحة، والأخرى ساكنة- ابن الصلت الكندي، وثقة ابن حبان.

وأخرجه ابن أبي شيبة (1) مختصرا: عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُييد بن الصلت:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غسل ما رأى، ونضح ما لم ير، وأعاد بعد ما أضحى متمكنا".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 82 رقم 901).

ص: 465

قوله: "إلى الجُرف" بضم الجيم والراء: موضع قريب من المدينة، وهي في الأصل ما تجرفه السيول وأكلته من الأرض.

قوله: "ما أراني" أي ما أرى نفسي.

قوله: "وما شعرت" أي وما علمتْ.

قوله: "ما رأى في ثوبه" أي من المني.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فأما ما رُوي عن يحيى بن عبد الرحمن، عن عمر، فهو يدل على أن عمر فعل ما لا بد له منه؛ لضيق وقت الصلاة ولم ينكر ذلك عليه أحد ممن كان معه، فدل ذلك على متابعتهم إياه على ما رأى من ذلك، وأما قوله:"وأنضح ما لم أر" فإن ذلك يحتمل أن يكون أراد به: وانضح ما لم أره مما أتوهم أنه أصابه ولا أتيقن ذلك؛ حتى يقطع ذلك (الشك عنه)(1) فيما يستأنف، ويقول: هذا البلل من الماء.

ش: ملخص هذا الكلام: أن هذا من عمر رضي الله عنه لا يدل على طهارة المني عنده، ولا على نجاسته، كما هو هكذا في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال في المني يصيب الثوب:"إَنْ رأيته فاغسله، وإلَّا فاغسل الثوب كله".

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا يدل على أنه قد كان يراه نجسا.

ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وغيره.

والزهري: هو محمَّد بن مسلم.

(1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح المعاني": عنه الشك.

ص: 466

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة، أنه كان يقول في الجنابة في الثوب:"إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم [تدر] (2) أصاب الثوبَ أم لا؟ فانضحه".

ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب -يعني ابن أبي ثابت- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:"امسحه بإذخر". فهذا يدل على أنه قد كان يراه طاهرا.

ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين.

وسفيان هو الثوري.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): عن وكيع، عن سفيان

إلى آخره نحوه.

قوله: "امسحه" أي المني، والدليل عليه في رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس في المني:"امسحه -ويُروى امسحوا- بإذخرة".

ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، نحوه.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وعبد الرحمن: هو ابن زياد الرّصاصي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4): ثنا هُشيم، أنا حجاج وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، في الجنابة تصيب الثوب قال:"إنما هو كالنخامة أو النخاعة، أَمِطْه عنك بخرقةٍ، أو بإذخرة".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 81 رقم 899).

(2)

في "الأصل، ك": تدري، وهو خلاف العبادة، والمثبت من "المصنف".

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 83 رقم 923).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 83 رقم 924).

ص: 467

قوله: "أَمِطْه" أي أزله، من أَمَاطَ يُمِيطُ.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن مِسْعر، عن جبلة بن سحيم:"قال: سألت ابن عمر عن المني يُصيبُ الثوب. قال: انضحه بالماء".

قال أبو جعفر رحمه الله: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح: الغَسْل؛ لأن النضح قد يُسَمي غسلا، قال رسول الله عليه السلام:"إني لاعرف مدينة ينضح البحر بجانبها" يعني يضرب البحر بجانبها، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد غير ذلك.

ش: هذا أيضًا إسناد صحيح.

وأخرجه عبد الرزاق (1): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله.

قوله: "لأن النضح قد يُسَمّي غَسْلا"، وفي "المطالع" قوله: ونضح الدمَ عن جبينه أي غسله ونزعه، والنضح الصَبُّ أيضًا، والنضخُ: الرَشّ، ومنه حديث بول الصبي:"فنضحه ويقال: غسله".

وقوله: "وانضح فرْجَك بالماء" أي رُشَّه؛ مخافة الوسواس. وقيل: اغسله. وهو أظهر هنا، وفي حديث دم الحيض "تقرصه بالماء ثم لتنضَحْه" أي تغسله، فإن قلت: أصَل النضح الرشّ. يقال: نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه.

قلت: قد يستعمل في معنى الغسل كما ذكرنا، وإذا أكثر الرش يكون غسْلا.

واستدل الطحاوي على أن النضح قد يُسَمّي غَسْلا بحديث نضح البحر، أخرجه أحمد في "مسنده" (2): ثنا يزيد، أنا جرير، أنا الزبير بن خِرّيت، عن أبي لبيد، قال: "خرج رجل من ضاحية مهاجرا، يقال له: بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله عليه السلام فرآه عمر رضي الله عنه فعلم أنه غريب، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من

(1)"مصنف عبد الرزاق"(1/ 369 رقم 1443).

(2)

"مسند أحمد"(1/ 44 رقم 308).

ص: 468

أهل عُمان. قال: من أهل عمان؟! قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر رضي الله عنه -فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلم أرضا يَقال لها: عُمان، ينضحُ بناحيتها البحرُ بها [حي من العرب](1) لو أتاهم رسولي ما رَمَوْهُ بسهم ولا حجر".

وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده"(2).

قوله: "ويحتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما أراد غير ذلك" كأن يريد من النضح الرش لا الغَسل، ويكون ذلك محمولا على ما إذا خفي مكانه.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك ابن عمير، قال: سئل جابر بن سمرة، عن الرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله. قال:"صَلِّ فيه؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا فتغسله ولا تنضحه؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا شرا".

ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة: بكار.

وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك.

وأبو عوانة: الوضّاح اليشكري.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3) مرفوعًا: عن عبد الله بن ميمون، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو- وعن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال:"سمعت رجلًا يسأل النبي عليه السلام قال: أُصلِّي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا، فتغسله". وقال أبو عبد الرحمن: [قال أبي](4) هذا الحديث لا يُرْفَعُ عن عبد الملك.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

(2)

"مسند أبي يعلى"(1/ 101 رقم 106).

(3)

"مسند أحمد"(5/ 89 رقم 20857).

(4)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

ص: 469

قوله: "فَتَغْسِلَهُ" بالنصب؛ عطفا على قوله: "أن ترى".

وكذا قوله: "ولا تَنْضَحَه" بالنصب عطفا عليه، ويجوز الجزم فيه؛ على النهي.

قوله: "إلَّا شَرا" أراد به الأقذار.

كما في رواية ابن أبي شيبة (1): عن ابن عليه، عن أيوب، عن الحكَم -في الجنابة في الثوب- قال:"إن رأيته فاغسله، وإن لم تره فدعْه، ولا تنضحه بالماء؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا قذرا".

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا السريٌّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، قال: سْئِل أنس بن مالك عن قطيفة أصابتها جنابة لا ندْري أين موضعها؟ قال: اغسِلْها".

ش: هذا إسناد صحيح بصريُّ.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن وكيع، عن السري بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، عن أنس:"في رجل أجنب في نومه لم يَرَ أثره- قال: يغسله كله".

فهذا يدل على أن أنسا كان يراه نجسا.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فلما اختلف فيه هذا الاختلاف؛ ولم يكن فيما روينا عن رسول الله عليه السلام دليل على حكمه كيف هو؟ اعتبرنا ذلك من طريق النظر، فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث؛ لأنه يُوجبُ أكبر الطهارات، فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث، كيف حكمها في نفسها؟ فرأينا الغائطَ والبولَ خروجهما حدثٌ، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، ودمُ العروق كذلك في النظر، فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما كان خروجه حدثا فهو نجسٌ في نفسه، وقد ثبت أن خروج المني حدث،

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 82 رقم 911).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة (1/ 82 رقم 902).

ص: 470

ثبت أيضًا أنه في نفسه نجسٌ، فهذا هو النظر فيه، غير أنَّا اتَّبَعْنَا في إباحة حكه إذا كان يابسا ما روي في ذلك عن النبي عليه السلام وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله.

ش: ملخصه: لَمَّا لم يدل دليل قطعا من الأحاديث المذكورة والآثار المروِّية على نجاسة المني ولا على طهارته؛ لكثرة الاختلاف فيها؛ رجعنا إلى بيان حكمه بالنظر والقياس، فنقى: المني حدث؛ لأنه خارج من سبيل، وكل خارج من سبيل نجس؛ فالمني نجس.

قوله: "غير أنا اتبعنا

" إلى آخره. جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا ثبت كون المني نجسا كان الواجب غسله مطلقا، رطبا كان أو يابسا كسائر النجاسات.

فأجاب عنه: بأن القياس كان يقتضي ما ذكرتم، ولكنا تركناه بالأحاديث الواردة بالفرك في يابسه.

قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أي: كون المني نجسا، قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول مالك أيضًا كما ذكرنا، وفي "الجواهر" للمالكية: المني نجس، وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجيس هل هو رَدُّه إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وعلى تحقيقه يخرج حكم طهارة مني ما يؤكل من الحيوان. والله أعلم.

ص: 471