المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل

‌ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل

ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل يجامع ولا يُنْزِل من المني، كيف يكون حكمه؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفي.

ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجُهني:"أنه سأل عثمان رضي الله عنه عن الرجل يجامع فلا ينزل، قال: ليس عليه إلَّا الطهور، ثم قال: سمعته من النبي عليه السلام -قال: وسألت علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب رضي الله عنهم فقالوا ذلك".

قال: وأخبرني أبو سلمة، قال حدثني عروة، أنه سأل أبا أيوب فقال ذلك".

ش: إسناده صحيح، ورجالُه رجال الصحيحين ما خلا يزيد، وهو أيضًا ثقة، وروى عنه النسائي.

وأخرجه البخاري (1): ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا عبد الوارث، عن الحسين المعلم، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسَار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: "أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره.

وقال عثمان رضي الله عنه سمعته من رسول الله عليه السلام فسألت [عن](2) ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك" وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع

ذلك من رسول الله عليه السلام.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 111 رقم 288).

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري".

ص: 472

وأخرجه مسلم (1): عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسن

إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه:"قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره".

قوله: "ليس عليه إلَّا الطهور" أراد به: الوضوء، كما جاء مفسرا في رواية الشيخين.

ص: حدثنا يزيدُ، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الوارث

فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر عليّا، ولا سؤال عروة أبا أيوب.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل التَبُوذكي البصري، شيخ البخاري.

وأخرجه البزار في "سننه"(2) وقال: ثنا محمَّد بن عثمان بن كرامة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني:"أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا يُنْزِل، فقال: ليس عليه إلَّا الوضوء. وقال عثمان أشْهَدُ أني سمعتُ ذلك من رسول الله عليه السلام".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الوارث، عن حُسَين المعلم، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يَسار، عن زيد بن خالد، قال: "سألت عثمان عن الرجل يُجامعُ أهله ثم يكسل، قال: ليْس عليه غُسْل.

فأتيتُ الزبير بن العوام وأبي بن كعب، فقالا مثل ذلك، عن النبي عليه السلام".

ش: هذا طريق آخر عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني

إلى آخره.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 270 رقم 347).

(2)

كذا في "الأصل، ك": "سننه"، والصواب:"مسنده"، فإنه مرتب على مسانيد الصحابة ومن هنا سُمي "مسندا" وليس "سننًا" كما هو معلوم من علم أصول الحديث.

والحديث في "مسند البزار"(2/ 13، 14 رقم 351).

ص: 473

وأخرجه البيهقي (1) من حديث حسين المعلم، عن يحيى، أن أبا سلمة حدثه، أن عطاء بن يسَار حدثه، أن زيد بن خالد الجهني حدثه:"أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقال: ليس عليه غسل، ثم قال: سمعته من رسول الله عليه السلام فسألت بعد ذلك عليَّا والزبيرَ وطلحةَ وأُبَيّا، فقالوا مثل ذلك، عن النبي عليه السلام".

قوله: "يكسل" من الإكسال؛ يُقال: أكسل الرجل في الجماع، إذا خالط أهله ولم يُنْزل، وأصله من الكَسَلِ، وهو التثاقلُ عن الأمْر، وقد كَسِلَ -بالكسر- فهو كسلان، وقوم كسالى، وإن شئت كسرت اللام.

ص: حدثنا يزيد، قال ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة.

قال: وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب الأنصاري، عن أُبي بن كعب رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس في الإكسال إلَّا الطُهُور".

ش: هذان طريقان صحيحان من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه الأول: عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام

إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا سُوَيْد بن عَمْرو، عن حماد بن سلمة

إلى آخره نحوه سواء.

الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة

إلى آخره.

وأخرجه مسلم (3): ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن هشام بن عروة، ونا أبو كريب -واللفظ له - قال ثنا: أبو معاوية، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 164 رقم 748).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 87 رقم 964).

(3)

"صحيح مسلم"(1/ 270 رقم 346).

ص: 474

أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال:"سألت رسول الله عليه السلام عن الرجل يُصيب من المرأة ثم يكْسل، فقال: يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصل".

ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم، قال: أنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري، عن أبي بن كعب، قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع فيكسل، قال: يغسل ما أصابه، ويتوضأ وضوءه للصلاة".

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ونعيم هو ابن حماد الأعْوَر، نزيل مصر، روى له البخاريّ.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يحيى بن سعيد، أنا هشام بن عروة، أخبرني أَبي، أخبرني أبو أيوب، أن أُبَيّا حدّثه قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: الرجل يجامع أهله فلا ينزل. قال: يَغْسل ما مسّ المرأة منه، ويتوضأ ويصلي".

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بَشّار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن عياض، عن أبي سعيد الخدريّ، قال:"قلت لإخواني من الأنصار: اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء؛ أرأيتم إن أَغْتَسِلُ؟ فقالوا: لا والله، حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله".

ش: إسناده صحيح، وعروة بن عياض بن عمرو بن عبد القاري، روى له مسلم.

وأبو سعيد الخدري: اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته.

وأخرجه أبو العباس السراج في "مسنده": ثنا روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن ابن عياض أخبره، أن أبا سعيد كان ينزل في دارهم، وأن أبا سعيد أخبره: "أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم لو اغتسلتُ وأنا

(1)"مسند أحمد"(5/ 113 رقم 21125).

ص: 475

أعرف أنه كما تقولون؟ قالوا: لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، في الرجل يأتي امرأته ولا يُنزل".

قوله: "اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء" أي: اتركوا العمل بهذا القول، أو اتركوا أمركم للناس، بألَّا تغتسلوا إلَّا من الإنزال.

قوله: "أرأيتم" معناه أخبروني.

قوله: "إن أَغْتسل" خبر إن محذوف، يعني: إن أغتسل أنا من الاكسال، ماذا يترتب عليَّ؟ فقالوا- أي الأنصار: لا، والله ما نترك قولنا بهذا، ولا نأمرك بالاغتسال، حتى لا يكون في نفسك حرج -أي ضيق- مما قضى الله ورسوله- أي مما حكم الله ورسوله.

ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري:"أن رسول الله عليه السلام مرَّ على رجل من الأنصار، فدعاه؛ فخرج إليه ورأسه يقطرُ ماء، فقال: لعلَّنَا أعجلناك؟ قال: نعم. قال: فإذا أُعجلت أو قُحِطْتَ فعليك الوضوء".

ش: إسناده صحيح، والحكم: هو ابن عُتَيْبَة.

وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا غُنْدر، عن شعبة.

ونا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري:"أن رسول الله عليه السلام مرّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر ماء، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: إذا أُعْجلْت أو (قُحِطت) (2) فلا غسل عليك، وعليك الوضوء".

(1)"صحيح مسلم"(1/ 269 رقم 345).

(2)

في "صحيح مسلم": أقحطت.

ص: 476

وأخرجه البخاري (1): عن إسحاق بن منصور، عن النضر، عن شعبة

إلى آخره نحوه.

قوله: "ورأسه يقطر" جملة إسمية وقعت حالا.

قوله: "فإذا أُعْجلْت" بضم الهمزة وكسر الجيم، يقال: أعجله وتَعَجَّله وعَجَّله، تعجيلا: إذا استحثَّه.

قوله: "أو قُحِطْتَ" بدون الألف، وكذا في رواية الشيخين؛ قاله ابن بطال، ويقال بالألف، وذكر صاحب "الأفعال": أنه يقال: أُقْحِط الرجل: إذا أَكْسَلَ في الجماع عن الإنزال، ولم يذكر قُحِطَ.

وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحِطْتَ بفتح القاف. وقال عبد الله بن أحمد النحوي: أصحابي يقولون: بضم القاف.

وفي "المطالع": ورُوي "أُقحطت" بضم الهمزة، يقال: قَحَطَ وقُحِطَ، كل ذلك إذا لم ينزل، وقَحِطت السماء، وقُحِطَت وقَحَطَت إذا لم تمطر.

وقال أبو علي: قَحِط المطرُ وقُحِط الناسُ والأرض، وأُقْحِطوا وقُحِطوا وأَقْحَطوا. انتهى.

ومعنى الإقحاط: عدم الإنزال، وهو استعارة من قحوط المطر: وهو انحباسُه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات.

ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب أخبره، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، [أن] (2) رسول الله عليه السلام قال:"الماء من الماء".

ش: إسناده صحيح، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم، وأبو سلمة: عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف.

(1)"صحيح البخاري"(1/ 77 رقم 178).

(2)

في "الأصل، ك": عن، والمثبت من "شرح المعاني".

ص: 477

وأخرجه مسلم (1) وقال: ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث

إلى آخره نحوه.

قوله: "الماء من الماء" يعني وجوب الغسل من إنزال المني، وقد استدل أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة بهذا الحديث أن التخصيص باسم العَلَم يوجب نفي الحكم عما عداه؛ وذلك لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال -وهو أن يفتر الذكر بعد الإيلاج قبل الإنزال- من قوله - علية السلام -:"الماء من الماء" أي الاغتسال واجب من المني، فالماء الأول هو المُطَهر، والثاني هو المني، "ومن" للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه، حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالأكسال؛ لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجبا للنفي عما عداه؛ لما صح استدلالهم على ذلك، والجواب عن ذلك: أنه ليس ذلك من دلالة التنصيص على التخصيص، بل إنما هو من اللام المعرّفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول هذا الكلام للاستغراق والانحصار كما فهمها الأنصار، لكن لما دل الدليل -وهو الإجماع- على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس، أيضًا نفي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمَني، وصار المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني تنحصر فيه لا تثبت لغيره.

فإن قيل: فعل هذا ينبغي ألَّا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء.

قلت: الماء فيه ثابت تقديرا؛ لأنه تارة يثبت عيانا كما في حقيقة الإنزال، ومرة دلالة كما في التقاء الختانين؛ فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه؛ لكونه أمرا خفيّا كالنوم أقيم مقام الحدث، لتعذر الوقوف عليه.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان بن عُيينة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الرحمن بن سُعاد، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي عليه السلام مثله.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 269 رقم 343).

ص: 478

ش: رجاله ثقات وعبد الرحمن بن السائب، ويقال: ابن السائبة، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي (1) وابن ماجه هذا الحديث.

وأبو أيوب الأنصاري: اسمه خالد بن يزيد.

وأخرجه ابن ماجه (2)، عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن ابن السائب، عن عبد الرحمن بن سعاد، عن أبي أيوب قال: قال النبي عليه السلام: "الماء من الماء".

ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا العلاء بن محمد بن سنان، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "بعث رسول الله عليه السلام إلى رجل من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصيب من أهلي فلما جاء رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئًا. فقال رسول الله عليه السلام: الماء من الماء، والغسل على من أنزله.

ش: العلاء بن سنان المازني ضعفه يحيى وغيره.

ومحمد بن يحيى بن علقمة فيه مقال.

وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. وقد رأيت أن الطحاوي أخرج حديث: "الماء من الماء" عن ثلاثة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة.

وفي الباب عن: عتبان الأنصاري، وحديثه عند أحمد (3): رواه بإسناده عن عتبان أو ابن عتبان الأنصاري قال: "قلت: يا نبي الله؛ إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك، أقلعتُ، فاغتسلت. فقال رسول الله عليه السلام: الماء من الماء".

(1)"المجتبى"(1/ 115 رقم 199).

(2)

"سنن ابن ماجه"(1/ 199 رقم 607).

(3)

"مسند أحمد"(4/ 342 رقم 19035).

ص: 479

وعن رافع بن خديج، وحديثه عند الطبراني (1) وأحمد (2) عنه، قال:"ناداني رسول الله عليه السلام وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنْزِل، فاغتسلت، فأخبرته: إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم (أُمْنِ) (3) فاغتسلت. فقال رسول الله عليه السلام: لا عليك، الماء من الماء"(4).

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وحديثه عند أبي يعلي (5) بإسناده عنه قال: "انطلق رسول الله عليه السلام في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله عليه السلام ما لرأسك؟ قال: دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت، فقمت وَصَبَبتُ عليَّ الماء، ثم خرجت. فقال: هل كنتَ أنزلتَ؟ قال: لا. قال: إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن؛ اغسل ما مسّ المرأة منك، وتوضأ وضؤك للصلاة، فإن الماء من الماء" وأخرجه البزار أيضًا.

وعن عبد الله بن عباس، وحديثه عند البزار: بإسناده عنه قال: "أرسل رسول الله عليه السلام إلى رجل من الأنصار، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ قال: كنتُ حين أتاني رسولك على المرأة، فقمت، فاغتسلت. فقال: وما كان عليك ألَّا تغتسل ما لم تنزل؟ قال: فكان الأنصار يفعلون ذلك".

وأخرجه أبو يعلى (6) أيضًا وفي إسناده أبو سعيد وهو ضعيف.

وعن عبد الله بن عبد الله بن عقيل وحديثه عند معمر بن راشد في "جامعه"(7): عنه قال: "سلم النبي عليه السلام على سَعد بن عبادة ثلاثا فلم يأذن له؛ كان على حاجته،

(1)"المعجم الكبير"(4/ 267 رقم 4374) بنحوه، و"المعجم الأوسط"(6/ 318 رقم 6213) بنحوه أيضًا.

(2)

"مسند أحمد"(4/ 143 رقم 17327).

(3)

في "مسند أحمد": أنزل.

(4)

وقال رافع بن خديج في آخر الحديث: "ثم أمرنا بعد ذلك بالغسل".

(5)

"مسند أبي يعلى"(2/ 163 رقم 857).

(6)

"مسند أبي يعلى"(5/ 62 رقم 2654).

(7)

"جامع معمر بن راشد"(10/ 382 رقم 19426).

ص: 480

فرجع النبي عليه السلام، فقام سَعد سريعا، فاغتسل، ثم تبعه فقال: يا رسول الله، إني كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت. فقال صلى الله عليه وسلم:"الماء من الماء".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن من وطئ في الفرج ولم يُنزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وأبا سلمة وهشام بن عروة وسليمان الأعمش وداود.

وفي "المحلى": وممن رأى ألَّا غسل في الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشر، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصار رضي الله عنهم وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظاهر.

قوله: "واحتجوا في ذلك" أي في عدم وجوب الغسل بالايلاج بلا إنزال.

ص: وخالفهم ذلك آخرون، فقالوا: عليه الغسل وإن لم يُنزل.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وبعض أصحاب الظاهر. وقال ابن حزم (1): ورُوي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والمهاجرين رضي الله عنهم.

وقال أيضًا: الأشياء الموجبة غسل البدن كله إيلاج الحشفة، أو إيلاج مقدارها من الذكر الذاهب الحشفة أو الذاهب أكثر الحشفة في فرج امرأة الذي هو مخرج الولد منها بحرام أو حلال، إذا كان بعمد، أنزل أو لم ينزل، فإن عمدت هي أيضًا كذلك

(1) انظر "المحلى"(2/ 2 - 5).

ص: 481

فكذلك، أنزلت أو لم تُنزل، فإن كان أحدهما مجنونا، أو سكرانا، أو نائما أو مغمي عليه، أو مكرها، فليس على من هذه صفته منهما إلَّا الوضوء فقط إذا أفاق أو استيقظ، إلَّا أَنْ يُنزل، فإن كان أحدهما غير بالغ فلا غسل عليه ولا وضوء، فإذا بَلَغَ؛ لزمه الغسل فيما يحدث لا فيما سلف له من ذلك والوضوء.

وفي "المغني"(1) لابن قدامة: تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل، سواء كانا مُخْتَتَنَيْن أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه ختانها أو لم يُصبه، ولو ألصق الختان بالختان من غير إيلاج فلا غسل بالاتفاق.

ويجب الغسل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا، من كل حيوان آدمي أو بهيم حيّا أو ميتا، طائعا أو مُكْرَها، نائما أو مستيقظا، وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء البهيمة والميتة.

وقال أيضًا: فإن أولج بعض الحشفة، أو وطئ دون الفَرْج أو في السرة، لم يجب الغسل؛ لأنه لم يوجد إلتقاء الختانين، فإن انقطعت الحشفة فكان الباقي من ذكره قدر الحشفة فأولج؛ وجب الغسل، وتعلقت به أحكام الوطء من المهر وغيره.

فإن أولج في قبل خنثى مشكل، أو أولج الخنثى ذكره في فرج، أو وطئ أحدهما الآخر في قبله فلا غسل على واحد منهما؛ لأنه يحتمل أن تكون خلقة زائدة، فلا نزول عن يقين الطهارة بالشك.

وإذا كان الواطيء صغيرا، أو الموطوءة صغيرة، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل. وقال: إذا (أتى)(2) على الصبية تسع سنين ومثلها يوطأ، وجب عليها الغسل.

وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة يكون عليهما جميعًا الغسل؟ قال: نعم. قيل له: أنزل أو لم يُنزل؟ قال: نعم.

(1)"المغني"(1/ 131) بتصرف.

(2)

ليست في "الأصل" وكتبت في حاشية "الأصل" وكتب فوقها لعله، وهي هكذا في "المغني"(1/ 132).

ص: 482

وحَمَل القاضي كلام أحمد على الاستحباب، وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور. انتهى.

وقال أصحابنا: والتقاء الختانين يوجب الغسل، أي مع تواري الحشفة فإن نفس ملاقاة الفرج، الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء عندهما، خلافا لمحمد، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى. وفي "المحيط": ولو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت، فعليهما الغسل؛ لوجود الإنزال؛ لأنه لا حَبَل بدونه.

ص: واحتجوا في ذلك بما:

حدثنا محمَّد بن الحجّاج وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا بشْر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها:"أنها سُئلتْ عن الرجل يجامع فلا يُنْزل. فقالت: فعلته أنا ورسول الله عليه السلام فاغتسلنا منه جميعًا".

ش: إسناده صحيح، والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو.

وأخرجه الترمذي (1): عن محمَّد بن المثنى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي

إلى آخره نحوه، ولفظه:"إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله عليه السلام، فاغتسلنا". وقال (2): هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه ابن ماجه (3): عن علي بن محمَّد وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي

إلى آخره نحو رواية الترمذي.

(1)"جامع الترمذي"(1/ 180 رقم 108).

(2)

قول الترمذي هذا ذكره بعد الحديث رقم (109) وهو من طريق سفيان بن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ولفظه:"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 199 رقم 608).

ص: 483

واحتج به جماعة المهاجرين على وجوب الغسل بالإيلاج وإن لم يُنزل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، وهم الذين ذكرناهم، ثم انعقد الإجماع على الوجوب مطلقا، وكان ما ذكروه في أى الإسلام رخصة لقلة ثياب الناس، ثم نسخ ذلك وأمر بالغسل بالإكسال، ولكن بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة؛ لم يبلغهم خبر التقاء الختانين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد ابن خالد الجهني.

وقد خالف بعض الظاهرية لداود ووافق الجماعة.

ومستند داود: "إنما الماء من الماء"(1).

وقد جاء في الحديث: "إنما كان الماء من الماء رخصة في أى الإسلام ثم نسخ"(2). رواه الترمذي (3) وصححه، فزال ما استندوا إليه.

وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه ليس منسوخ، بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم يُنزل.

وقال ابن العربي: وقد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا، حتى روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"مَنْ خالف في ذلك جعلته نكالا"، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يُعبأ بخلاف داود في ذلك؛ فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد حكماء الدين، والعجب منه أنه يُساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بإلتقاء الختانين، وبين حديث عثمان وأبي في نفيه إلَّا بإنزال، وحديث عثمان ضعيف وكذلك حديث أُبَيّ؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما كان أقوى منه، وقد

(1) سبق تخريجه.

(2)

"جامع الترمذي"(1/ 183 رقم 110).

(3)

كذا في "الأصل، ك" وهو من كلام الترمذي بعد الحديث، ولفظ الحديث:"ثم نهى عنها" راجع "جامع الترمذي".

ص: 484

قيل: يحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط" يعني في الدين وهو باب مشهور في الأصول، وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه.

وروى مالك (1)، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أم المؤمنين، كانوا يقولون:"إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل".

وقال ابن بطال: وقد رُوي عن عثمان وعلي وأبي بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه، والله أعلم.

ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال ثنا حماد بن سلمة (ح).

وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه السلام إذا التقى الختانان اغتسل".

ش: هذان طريقان آخران، رجالهما ثقات.

الأول: عن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي أبي بكر البزّاز، عن سليمان بن حرب البصري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن عبد الله بن رباح - بالباء الموحدة - عن عبد العزيز بن النعمان.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): عن عفان، عن حماد بن سلمة

إلى آخره، نحوه سواء.

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد، عن ثابت

إلى آخره (3).

(1)"موطأ مالك"(1/ 45 رقم 102).

(2)

"مسند أحمد"(6/ 123 رقم 24958).

(3)

أخرجه أحمد أيضًا (6/ 227 رقم 25944) عن أبي كامل، عن حماد، عن ثابت به.

ص: 485

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال:"ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ألتقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وَتَبِعْتُه حتى أَتَى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين، إني أُريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي أن أسألك. قالت: فإنما أنا أمك. قال: إذا ألتقى الختانان أيجب الغسلُ؟ فقالت: كان رسول الله عليه السلام إذا التقى الختانان اغتسل".

ش: إسناده صحيح، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس.

وأخرجه البيهقي في "المعرفة"(1): أنا أبو عبد الله، وأبو زكريا، وأبو بكر، قالوا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب:"أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب رسول الله عليه السلام في أمر إني لأُعظم أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلا عنه أمك فَسَلْني عنه. فقال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا يُنزل. قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: لا أسأل أحدا عن هذا بعدكِ أبدا".

قال الإِمام أحمد (2): هذا إسناد صحيح إلَّا أنه موقوف على عائشة.

وقال أبو عُمر (3): هذا الحديث موقوف في "الموطأ"(4) عند جماعة من رواته.

وروى موسى بن طارق وأبو قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد

(1)"معرفة السنن والآثار"(1/ 259 رقم 250).

(2)

هذا ليس الإمام أحمد بن حنبل، وإنما هو أحمد بن الحسين البيهقي صاحب "معرفة السنن والآثار" ولعله اشتبه على المؤلف: راجع "معرفة السنن والآثار".

(3)

"التمهيد"(23/ 100).

(4)

"موطأ مالك"(1/ 46 رقم 104) وعنه الشافعي في "مسنده"(1/ 158) وفي اختلاف الحديث له (1/ 90).

ص: 486

ابن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة أن النبي عليه السلام قال:"إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل". ولم يتابع على رفعه عن مالك.

قوله: "فنهض" أي أبو موسى، أي قام، يقال: نهض ينهض نهضا ونهوضا إذا قام، وأَنْهَضته أنا فانتهَضَ. قوله:"أستحي" بياء واحدة، ويجوز فيه:"استحيي" بيائين.

قوله: "سَلْ" أمر، من سأل يسأل، وأصله: اسأل، فخففت الهمزة بالحذف بعد أن أعطيت حركتها للسين، واستغني عن همزة الوصل فحذفت، فصار: سَلْ، على وزن فَلْ؛ لأن المحذوف منه: عين الفعل.

ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.

وأخرجه عبد الرزاق (1): عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال:"كان أصحاب رسول الله عليه السلام يختلفون في الرجل يطأ امرأته، ثم ينصرف عنها قبل أن يُنزل، فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب النبي عليه السلام في أمر، إني لأعظمك أن أستقبلك به. قالت: ما هو [مرارا] (2) فقال: الرجل يصيب أهله، ثم ينصرف ولم ينزل، قال: فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا".

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله القرشي وابن لهيعة، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد اللهَ، قال: أخبرتني أم كلثوم، عن عائشة رضي الله عنها:"أن رجلًا سأل رسول الله عليه السلام عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله عليه السلام إني لافْعلُ ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل".

(1)"مصنف عبد الرزاق"(1/ 248 رقم 954).

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق".

ص: 487

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ولا يضره عبد الله بن لهيعة؛ لأنه متَابَع، وأبو الزُبير اسمه محمَّد بن مسلم بن تَدْرس المكي، وأم كلثوم: بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهي تابعية، روى لها مسلم.

وأخرجه مسلم (1): عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، كلاهما عن ابن وهب

إلى آخره نحوه سواء.

قوله: "وعائشة جالسة" جملة وقعت حالا.

قوله: "وهذه" إشارة إلى عائشة، وهو عطف على الضمير الذي في "لأَفعل".

وقال القاضي عياض: وفيه غاية في البيان للسائل، بإخباره عن فعل نفسه، وأنه مما لا يرخص فيه.

وفيه حجة على أن أفعاله - علية السلام - على الوجوب، ولولا ذلك لم يكن فيه حجة ولا بيان للسائل، وفيه أن ذكر مثل هذا على جهة الفائدة غير منكر من القول، وإنما ينكر عنه الإخبار عنه بصورة الفعل، وكشف ما يُستر به من ذلك ويحتشم من ذكره.

ص: قالوا: فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله عليه السلام أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم يُنزل، فقيل لهم: هذه الآثار إنما تُخبر عن فعل رسول الله عليه السلام وقد يجوز أن يَفْعَل ما ليس عليه، والآثار الأول تُخْبُر عما يجبُ وما لا يجب؛ فهي أولى، فكان من الحجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأول أن الآثار التي رويناها في الفصل الأول من هذا الباب على ضربين: فضرب منهما "الماء من الماء" لا غير.

وضرب منهما: أن رسول الله عليه السلام قال: "لا غسل على من أكسل حتى يُنْزِل" فأما ما كان من ذلك فيه ذكر "الماء من الماء" فإن ابن عباس رضي الله عنهما قد روي عنه في ذلك: أن مراد رسول الله عليه السلام[به قد](2) كان غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 273 رقم 350).

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

ص: 488

حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسّان، قال: ثنا شريك، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله:"الماء من الماء؛ إنما ذلك في الاحتلام إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل؛ فلا غسل عليه".

فهذا ابن عباس قد أخْبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ فضاد قوله قولهم.

وأما ما روي فيما بيّن فيه الأمر (1)، وأخْبَر فيه بالقصد وأنه لا غُسل [عليه](2) في ذلك حتى يكون الماء، فإنه قد روي عن النبي عليه السلام خلاف ذلك.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "إذا قعدَ بين شُعَبها الأربع ثم اجتهد، فقد وجب الغسل".

ش: أي قالت الآخرون القائلون بوجوب الغسل بالايلاج مطلقا.

"فهذه الآثار" أرادَ بها التي رُويت عن عائشة رضي الله عنها تخبر صريحا عن رسول الله عليه السلام أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، فثبت أن بمجرد الإيلاج يجب الغسل.

قوله: "فقيل لهم

" إلى آخره، اعتراض على أهل المقالة الثانية، تحريره أن يقال: ما ذكرتم من الآثار إنما تخبر عن فعل رسول الله عليه السلام وقد يجوز أن يكون عليه السلام إنما كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها على ما ادعيتم، وأما الآثار الأولى فإنها تخبر صريحا عما يجب وعما لا يجب، فتكون هذه أولى.

(1) كُتب في الحاشية بعد قوله بَيَّنَ: "النبي عليه السلام" ولم يكتب فوقها "صح" علامة أنها من "الأصل"، وإنما كتب فوقها:"ح" أي إنها حاشية، ولم يعلم كاتبها، وليست في "شرح المعاني". ولعلها حاشية توضيحية من بعض من اطلع على الكتاب والله أعلم.

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

ص: 489

قوله: "فكان من الحجة"

إلى آخره، جواب عن الاعتراض المذكور، ملخصه: أن آثاركم على قسمين:

أحدهما: المذكور فيه: "الماء من الماء" فهذا ابن عباس رضي الله عنهما قد روي عنه أن مراد رسول الله عليه السلام من هذا هو أن يكون في الاحتلام، فهذا القول منه يُضادّ قولهم فلا تبقى لهم حجة.

والآخر: ما بُيِّن فيه الأمر، وأنه لا يجب الغسل في ذلك إلا بالإنزال، فهذا أيضًا يخالفه ما روي عن النبي عليه السلام من قوله:"إذا قعد بين شعبها الأربع، وجهدها؛ فقد وجب الغسل". فلا تبقى لهم حجة، فالقسم الأول ليس فيه النسخ، والثاني فيه النسخ، ومنهم من أثبت النسخ في القسمين جميعًا.

ثم إسناد الحديث الأول جيّد حسن؛ لأن رجاله ثقات.

وأبو غسّان اسمه مالك بن إسماعيل الكوفي، شيخ البخاري.

وداود هو ابن أبي عوف أبو الجحّاف، وثقه ابن معين.

وأخرجه الترمذي (1): عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"إنما الماء من الماء في الاحتلام".

وإسناد الحديث الثاني صحيح، وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ.

وأخرجه النسائي (2): عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف، عن عيسى بن يونس، عن أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة

إلى آخره نحوه سواء.

وأخرجه البخاري (3): عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن،

(1)"جامع الترمذي"(1/ 186 رقم 112).

(2)

"المجتبى"(1/ 111 رقم 192).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 110 رقم 287).

ص: 490

عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهّدها؛ فقد وجب الغسل".

وأخرجه مسلم (1): عن زهير بن حرب (وآخرين)(2) عن معاذ بن هشْام، عن أبيه، عن قتادة إلى آخره نحوه.

وأخرجه أبو داود (3) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام وشعبة، عن قتادة

إلى آخره، ولفظه:"إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل".

وأخرجه ابن ماجه (4): عن ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي، عن قتادة

إلى آخره نحوه.

قوله: "بين شُعَبها" بضم الشين: النواحي، جمع شعبة، ويروى أشعبها جمع شعب. وقال ابن الأثير: الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه.

واختلفوا في المراد بالشُعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان.

وقيل: الرجلان والفخذان. وقيل: الرجلان والشفران.

واختار القاضي عياض أن المراد: شعب الفرج الأربع، أي نواحيه الأربع، وكأنه يحوم على طلبه الحقيقة الموجبة للغسل.

والأقرب أن يكون المراد: اليدين والرجلن، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنَّيا عنه بذلك، يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينها، والضمير يرجع إلى المرأة وإن لم يمض ذكرها لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى:{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (5).

(1)"صحيح مسلم"(1/ 271 رقم 348).

(2)

هم: أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، وابن بشار، كما في "صحيح مسلم".

(3)

"سنن أبي داود"(1/ 56 رقم 216).

(4)

"سنن ابن ماجه"(1/ 200 رقم 610).

(5)

سورة ص، آية:[32].

ص: 491

قوله: "ثم جَهَدها" بفتح الهاء، أي بلغ جهده فيها. وقيل: بلغ مشقتها. وقيل: كدها بحركته.

قوله: "وألزق الختان" أي: موضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، أي ألزق موضع الختان بموضع الختان منها.

ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبان، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط الشيخين.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا همام وأبان، قالا: ثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام:"إذا جلس بين شعبها الأربع وأجْهد نفسه؛ فقد وجب الغسل أَنْزَلَ أو لم يُنزِلْ".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

ش: هذا طريق آخر أيضًا، وهو أيضًا صحيح.

عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): حدثني عمرو بن الهيثم أبو قطن، ثنا هشام، عن قتادة [عن الحسن](3) عن أبي رافع، عن أبي هريرة -قال أبو قطن: في الكتاب مرفوع-: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جَهَدها؛ فقد وجب الغسل".

(1)"مسند أحمد"(2/ 347 رقم 8557) من طريق عفان، عن همام وأبان به.

(2)

"مسند أحمد"(2/ 234 رقم 7197).

(3)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

ص: 492

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال رسول الله عليه السلام: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل".

ش: إسناده حسَن.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن إسماعيل بن عُلَيّةَ، عن علي بن زيد بن جدعان

إلى آخره نحوه.

ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن حبان بن واسع، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله عليه السلام قال:"إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل".

ش: أحمد بن عبد الرحمن: المعروف ببَحْشَل، وعمّه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وحَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة.

ص: قال أبو جعفر: فهذه الآثار تُضَاد الآثار الأول، وليس في شيء من ذلك دليل على: الناسخ في ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك؛ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب قال:"إنما كان الماء من الماء في أول الإِسلام، فلما أحكم الله الأمور نهي عنه".

ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رُويت عن أبي هريرة وعائشة المذكورة آنفا، ومضاددتها الآثار الأول ظاهرة؛ لأن فيها عدم الغُسل بلا إنزال، وها هنا وجوبه مطلقا، ولكن ليس في هذه الآثار شيء صريح يدل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ فنظرنا، فوجدنا حديث أبي بن كعب يصرح بانتساخ أحاديث "الماء من الماء" وهو الذي رواه الطحاوي عن علي بن شيبة،

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 84 رقم 929).

ص: 493

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد الصحابي رضي الله عنه.

وأخرجه الترمذي (1): عن أحمد بن منيع، عن عبد الله بن المبارك

إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث صحيح (2).

ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال أخبرني عمرو بن الحارث، قال: قال ابن شهاب: حدثني بعض مَنْ أرضى، عن سهل بن سعد، أن أبي بن كعب الأنصاري أخبره:"أن رسول الله عليه السلام جعل الماء من الماء رخْصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل".

ش: عمه هو عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث روى له الجماعة، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.

قلت: "بعض من أرضى" مجهول، والظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج.

لأن البيهقي روى هذا الحديث (3) ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.

ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم.

ورواه معمر عن الزهري موقوفا على سهل، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب.

أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" انتهى كلامه.

وقال بعض شراح البخاري: فهذا كما ترى ابن شهاب قد صرح بعدم سماعه من سهل، وإن كان معروفا بالسماع منه. وقال البَيهقي: وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سعد.

(1)"جامع الترمذي"(1/ 183 رقم 110).

(2)

في النسخة المطبوعة من "الجامع": حسن صحيح.

(3)

"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 165 رقم 752).

ص: 494

وقال الحازمي: وقفه بعضهم على سهل، وروي بإسناد آخر موصى عن أبي حازم عن سهل.

ولم يجر فيه الحازمي على الاصطلاح الحديثي، فإن قول سَهْل:"كان القول في الماء من الماء رخصة" داخل في المرفوع، وقول الزهري:"من أرضى"، ليس تعديلا للمحدث المبهم عند الجُمهور، ولسنا من تقليد الزهري في إيراد ولا صدر، الفهم إذا بَيَّين اسمه وعَدَّله.

وقال: ابن حزم: هذا الرجل الذي لم يسمّه عمرو بن الحارث يُشبه أن يكون سلمة بن دينارة لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسّان محمدْ بن طريف، عن أبي حازم عن سهل.

وقال ابن حبان في "صحيحه"(1) يشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سَهْلٍ -كما قاله غُنْدُر- وسمعه عن بعض منْ يَرْضاه عن سهل، فرواه مرة عن سهل ومرة عن الذي رضيه عنه، وقد تتبّعتُ طرق هذا الحديث على أن أَجد أحدا رواه عن سهل؛ فلم أجد أحدا في الدنيا رواه إلَّا أبا حَازم، فيُشْبه أن يكون المُبْهَم هُو، والله أعلم.

وقال موسى بن هارون (2): وقد روى أبو حازم هذا الخبر عن سَهْل، وأظن ابن شهاب سمعه منه؛ لأنه لم يسمعه من سهل، وقد سمع من سهل أحاديث، فإن سمعه من أبي حازم؛ فإنه رَضِيٌّ كما قال.

وقال ابن عبد البر في "الاستذكار"(3): إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.

وأخرجه أبو داود (4): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عَمرو-

(1)"صحيح ابن حبان"(3/ 447).

(2)

انظر "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 84، 85).

(3)

"الاستذكار"(3/ 94).

(4)

"سنن أبي داود"(1/ 55 رقم 214).

ص: 495

يَعْني ابن الحارث- عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض مَنْ أرضى، أن سهل بن سعد الساعديّ أخبره، أن أبي بن كعب أخبره:"أن رسول الله عليه السلام إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإِسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل، ونهى عن ذلك". قال أبو داود: يَعني "الماء من الماء".

ص: حدثنا يّزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: قال سهل بن سَعْد الساعدي، قال: حدثني أبي بن كعب، ثم ذكر مثله.

ش: هذا طريق آخر، وعبد الله بن صالح: كاتب الليث بن سعد، وعُقيل -بضم العين وفتح القاف-: هو ابن خالد الأيلي، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم الزهريّ.

ولم يصرح ابن شهاب في هذا بالسماع عن سهل بن سَعْدٍ، وإنما علّقه حيث قال: قال ابن سعد.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): مُعَنْعَنا، ولكنه موقوف على سهل، فقال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سهل بن سَعد قال:"إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم كان الغُسل بَعْدُ".

وكذا أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(2) وقال: نا معمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي -وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم- قال:"إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء؛ رخصه في أول الإِسلام، ثم أخذنا بالغسل بعد ذلك إذا مسّ الختان الختان".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا هو أبي يُخبر أن هذا هو الناسخ لقوله: الماء من الماء". وقد رُوي عنه بعد ذلك من قوله: ما يَدُل على هذا أيضًا.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 86 رقم 952).

(2)

"مصنف عبد الرزاق"(1/ 248 رقم 951).

ص: 496

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب. (ح).

وحدثنا يونس، أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد:"أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكْسِل ولا يُنْزل؛ فقال زيد رضي الله عنه: يَغْتسلُ. فقلت له: إن أبي بن كعب كان لا يرى فيه الغسل. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت".

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا أبي رضي الله عنه قد قال هذا، وقد رَوى عن النبي عليه السلام خلاف ذلك؛ فلا يجوز (هذا)(1) إلَّا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ش: أي هذا أبي بن كعب يُخْبر في حديثه الذي روى عنه سهل بن سعد: أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ لأنه صرح فيه أنه كان رخصة في أول الإسلام.

قوله: "وقد روي عنه بعد ذلك من قوله: ما يدل على هذا أيضًا" أي قد روي عن أبي بن كعب بعد هذا الحديث المرفوع من قول نفسه ما يدل على أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ وذلك لأن أُبَيّا كان ممن روى هذا الحديث عن النبي عليه السلام.

ثم قوله بعد هذا ما يخالف ما رواه يدلّ على أن النسخ قد ثبت عنده من رسول الله عليه السلام. إذ لو لم يثبت عنده هذا؛ لما وسعه أن يخالف ما رواه.

ثم إنه أخرج حديث أبي من طريقين صحيحين:

أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت البصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن كعب الحميري مولى عثمان بن عفان، عن محمود بن لبيد بن عقبة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد قال: "سألت زيد بن ثابت عن الرجل

(1) في "شرح معاني الآثار": هذا عندنا.

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 86 رقم 949).

ص: 497

يجامع ثم لا ينزل؛ قال: عليه الغسل. قال: قلت له: إن أُبَيّا كان لا يرى ذلك. فقال: إن أُبَيّا نزع عن ذلك قبل أن يموت".

وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه"(1): عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن محمود بن لبيد، قال:"قلت لزيد بن ثابت: إن أبي بن كعب كان يفتي بذلك. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت".

والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد بن الحسن العدل، أنا أبو بكر محمَّد بن جعفر المزكي، نا محمَّد بن إبراهيم العبدي، ثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك

إلى آخره نحوه.

قوله: "قد نزع [عن] (3) ذلك" أبي قد أَقلع وأمسك عن عدم الغسل من الإكسال.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة زوج النبي عليه السلام كانوا يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل".

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا عثمان أيضًا يقول هذا، وقد رَوَى عن رسول الله عليه السلام خلافه، فلا يجوز هذا إلَّا وقد ثبت النسخ عنده.

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(1)"مصنف عبد الرزاق"(1/ 250 رقم 960).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 166 رقم 754).

(3)

في "الأصل، ك": من، والصواب ما أثبتناه كما في متن الحديث.

ص: 498

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال:"كان عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون، يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان وجب الغسل".

وأخرجه البيهقي (2): من حديث مالك نحوه.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حميد الصائغ، قال: ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال:"سألت أبا هريرة رضي الله عنه: ما يوجب الغسل؟ فقال: إذا غابت المُدَوَّرة".

وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك.

ش: إسناده صحيح، وحميد بن أبي زياد، وحبيب بن شهاب بن مُدْلج العنبري التميمي البصري.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا ابن علية، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه قال: قال أبو هريرة: "إذا غابت المدورة فقد وجب الغسل".

قوله: "المُدَّورة" بضم الميم: حشفة الذكر.

قوله: "وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك" أي: وعن أبي هريرة في باب الغسل ما يخالف هذه الرواية، وذلك أنه قد روى فيما مضى عن النبي عليه السلام حديث:"الماء من الماء".

فقوله هذا بعد روايته ما يخالفها يدل على ثبوت النسخ عنده، وفي بعض النُّسَخ:"وقد رَوَي عن رسول الله عليه السلام ما قد ذكرنا، فهذا أيضًا دليل على نسخ ذلك".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، وعن زيد بن أنيسة، عن عمرو بن مرة الجملي، عن سعيد بن المسيب قال: "كان

(1)"مصنف عبد الرزاق"(1/ 245 رقم 936).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(1/ 166 رقم 755).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 84 رقم 937).

ص: 499

رجال من الأنصار يفتون أن الرجل إذا جامع المرأة ولم ينزل فلا غسل عليه، وكان المهاجرون لا يتابعونهم على ذلك.

قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا يدل على نسخ ذلك أيضًا؛ لأن عثمان والزبير من المهاجرين، وقد سمعا من رسول الله عليه السلام ما قد روينا عنهما في أول هذا الباب، ثم قد قالا بخلاف ذلك، فلا يجوز ذلك منهما إلا وقد ثبت النسخ عندهما، ثم قد كشف ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فلم يثبت ذلك عنده، فحمل الناس على غيره، وأمرهم بالغسل، ولم يعترض عليه في ذلك أحد، وسلموا ذلك له، فذلك دليل على رجوعهم أيضًا إلى قوله.

ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح؛ ما خلا فهذا وعلي بن معبد.

وأكَّدَ ما ذكره من النسخ بشيئين آخرين أيضًا؛ أحدهما: بعدم متابعة المهاجرين لإفتاء الأنصار.

والثاني: بكشف عمر عن ذلك، وحمله الناس بعده على الغسل، وتسليم الصحابة له بذلك، فهذا كله مما يثبت النسخ.

ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حيَّة، قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت رضي الله عنه فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر رضي الله عنه فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله عليه السلام فيهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما فقال له عمر: كنت عُدَيُّ نفسه، تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد أَمَ والله ما ابتدعته، ولكني سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاريَ،

ص: 500

فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم، وأنتم أهل بدرٍ الأخيار؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فأرسل إلى أزواج النبي عليه السلام؛ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها، فقالت لا علم لي بذلك. ثم أرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر رضي الله عنه عند ذلك: لا أعلم أحدا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا".

ش: هذا بيان قوله: "وقد كشف ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه" فهذا عمر قد كشف ذلك [عند](1) الصحابة بعد أن أنكر على زيد بن ثابت فتواه، ثم لما جاءه خبر عائشة رضي الله عنها حمل الناس على وجوب الغسل من الإكسال، وأوعد من لم يغتسل [منه](2) بالنكال، ووافقته الصحابة على ذلك، فانعقد إجماعا على وجوب الغسل بالإيلج وإن لم ينزل.

ثم رجال الأثر المذكور ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا.

وأبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد.

ومعمر بن أبي حَيَّةَ -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ويقال: ابن أبي حُيَيَّة-بضم الحاء وفتح الياء الأولى، وعبيد بن رفاعة، ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال ابن الأثير: قيل: إنه أدرك النبي عليه السلام، في صحبته خلاف.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة مولى ابنة صفوان، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: "بينا أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن

(1) في "الأصل، ك": "عن".

(2)

في "الأصل، ك": "عنه".

(3)

مصنف ابن أبي شيبة (1/ 85 رقم 947).

ص: 501

ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عَلَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر رضي الله عنه قال: أي عدوَّ نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا، فحدثت به، من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأتنا من الله فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله عليه السلام فيه نهي، قال: رسول الله عليه السلام يعلم ذلك؟ قال لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له، فشاورهم، فأشار الناس: ألَّا غسل في ذلك؛ إلَّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فقال عمر رضي الله عنه: هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فَمَنْ بعدكم أشدُّ اختلافا، قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله عليه السلام من أزواجه، فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها؛ فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر رضي الله عنه: لا أسمع برجل فعل ذلك إلَّا أوجعته ضربا".

قوله: "أنت عُدَيّ نفسه" بضم العين، وفتح الدال، مصغر عَدوّ؛ لأن العدو إذا صُغِّر يكون على عُدَيْو، على وزن فعيل ثم تقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء، وقد جاء في رواية ابن أبي شيبة وغيره بالتكبير.

قوله: "أَمَ والله" أصله "أمَاَ" بالفتح والتخفيف، وهو في كلام العرب على وجهين:

أحدهما: أن يكون حرف استفتاح، بمنزلة "ألا"، ويكثر قبل القسم، وقد يحذف الألف مع ترك الإبدال، وها هنا كذلك.

والثاني: أن يكون بمعنى حقّا، وفيه خلاف.

قوله: "ظهرن عليه" بمعنى أحطن به علمًا، من قولهم: ظهرنا عليهم. أي غلبناهم وأحطنا بهم، وأصل الظهور: التبيّن.

ص: 502

قوله: "نكالا" أي عبرة لغيره، بمعنى يوقع به نكالا حتى يصير عبرة لغيره.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن نمير، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق

(1) عن أبي جعفر محمَّد بن علي، قال: "أجمع المهاجرون أنه ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم؛ أوْجَب الغُسْلَ، أبو بكر، وعمر، وعثمان وعَليّ رضي الله عنهم.

ش: رجاله ثقات، والحجاج هو ابن أرطاة الكوفي القاضي، روى له مسلم مقرونا بغيره (2).

ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم المعروف بالباقر.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3) عن حفص، عن حجاج

إلى آخره نحوه.

قوله: "ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم" أي: كل شيء أوجب عليه الحد إما جلد وإما رجم فهو يوجب الغسل، ومجاوزة الختان الختان توجب الجلد في غير المحصن، والرجم في المحصن، فكذا توجب الاغتسال، وكذا يثبت بها التحليل للزوج الأول، والإنزال ليس بشرط؛ ولهذا يحصل التحليل بإدخال المراهق.

ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله:"في الرجل يُجامع فلا ينزل، قال: إذا بلغتُ ذلك اغتسلت".

ش: رجاله ثقات أَجِلَّاء، وهو من مراسيل إبراهيم النخعي؛ لأن إبراهيم لم يدرك عبد الله بن مسعود.

(1) سقط من "الأصل، ك" بمقدار ورقة.

(2)

في حديثه لين، وكان يدلس ولم يصرح بالتحديث في هذا الإسناد، وانظر ترجمته في "ميزان الاعتدال"(2/ 197، 198).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 85 رقم 941).

ص: 503

وأخرجه الطبراني في "الكبير"(1): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال:"سئل عبد الله عن الرجل يجامع (المرأة) (2) فلا يُمْنِي. قال: أما أنا فإذا بلغت ذلك من المرأة اغتسلت".

قوله: "في الرجل" أي في حكم الرجل الذي يجامع من غير إنزال.

قوله: "يجامع" جملة وقعت حالا عن الرجل، ويجوز أن تكون صفة، باعتبار زيادة الألف واللام، أو باعتبار أن الألف واللام إذا كان لتعريف الجنس يكون قريبا من النكرة.

قوله: "إذا بلغتُ ذلك" بضم التاء، أي إذا بلغت أنا ذلك، أي الفعل المذكور في المرأة، يعني إذا جامعت أنا ولم أنزل؛ اغتسلت.

فهذا عبد الله أيضًا يَرَى الاغتسالَ لمجرّد الإيلاج.

ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، مثله.

ش: هذا طريق آخر صحيح مسند؛ لأن إبراهيم في هذا روى عن علقمة، عن عبد الله، وسفيان: هو الثوري، والأعمش: سليمان.

وأخرجه ابن أبي شيبة (3): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:"أما أنا فإذا بلغت ذلك منها اغتسلت".

ص: حدثنا يونُسُ، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"إذا خلف الختان الختان؛ فقد وجب الغسل".

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مالك في "موطأه"(4).

(1)"المعجم الكبير"(9/ 253 رقم 9253).

(2)

في "المعجم الكبير": امرأته.

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 84 رقم 938).

(4)

"موطأ مالك"(1/ 47 رقم 106) بلفظ: "إذا جاوز الختان

" إلخ.

ص: 504

قوله: "إذا خَلَفَ الختان الختان" معناه: إذا صار أحدهما موضع الآخر، وهو عبارة عن مجاوزة أحدهما الآخر بعد الملاقاة، كما يقال: خلافُ فلان فلانا إذا كان عوضه خليفة عنه، وهو بتخفيف اللام. وأما بالتشديد فمعناه التأخير، يقال: خَلَّفتُ فلانا ورائي فَتَخَلَّف عني، أي تأخر. فافهم.

ص: حدثنا رَوْحٌ، قال: حدثنا ابن بُكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن الصَقْعَب، عن (عبد الرحمن)(1) بن الأسود، قال:"وكان أبي يَبْعثني إلى عائشة رضي الله عنها قبل أن احتلم، فلما احتلمت، جئت فناديتُ، فقلتُ: ما يوجَب الغسل؟ قالت: إذا التقت المواسي".

ش: إسناده صحيح، وروح: هو ابن الفرج القطان.

وابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير.

والصقعب بن زهير بن عبد الله، وثقة ابن حبان.

وعبد الرحمن بن الأسود النخعي الكوفي، وقد رأيت في نسخ عديدة عبد الله ابن الأسود موضع عبد الرحمن، وهو غلط أو تحريف، وأبوه: الأسود بن زيد، صاحب عبد الله بن مسعود، تابعي مشهور.

وأخرجه محمد بن سعد في "الطبقات"(2): أنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال:"بعثني أبي إلى عائشة أسألها سنة احتلمت فأتيتها، فناديتها من وراء الحجاب، فقالت: أفعلتَها أَيْ لُكَعُ؟ قلت: قال لك أبي: ما يوجب الغسل؟ قالت إذا التقت المواسي".

وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه": ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن زيد، ثنا الصقعب

إلى آخره نحوه.

(1) في "شرح معاني الآثار": عبد الله، وهو تحريف، نبه عليه المؤلف في شرحه.

(2)

"الطبقات الكبرى"(6/ 289).

ص: 505

ورواه البخاريّ في "تاريخه"(1): من وجه آخر: عن أبي نعيم، عن العلاء بن زهير، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: "كنت أدخل على عائشة رضي الله عنها بغير إذن وأنا غلام، حتى إذا احتلمت استأذنت

" الحديث (2).

قوله: "إذا التقت المواسي" كناية عن التقاء الختانين؛ لأن الختان يكون بالمُوسَى، فذكرت المواسي وأرادت بها المواضع التي تختن بها، وهذه من أحسن الكلمات، حيث صدرت من امرأة عظيمة الشأن، لشاب أَوّل ما احتلم، وكلاهُما بصدد الحياء والخجل، فَخَاطَبَتْهُ بما يُفْهِمُه من غير ذكر لما يُسْتَحى منه، ونظير ذلك من الكناية: ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه "أن يقتلوا من جرت عليه المواسي"(3) أراد به من نبتت عانته؛ لأن المواسي إنما تجري على مَنْ أَنْبتَ، والمواسي جمع مُوسَى. قال الجوهري: الموُسَى: ما يحلق به، ذكره في باب وَسَيَ؛ ليدل على أن ميمه زائدة، يقال: أوسى رأسه أي حَلقَ.

ص: حدثنا يُونَس، قال: ثنا ابنُ وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال:"سألت عائشة رضي الله عنها ما يوجب الغسل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغُسل".

ش: إسناده صحيح مصريّ ومدنيّ، وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- واسمه سالم بن أبي أمية القرشي المدني.

وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما

(1)"التاريخ الكبير"(5/ 852).

(2)

وأخرجه الدارقطني في "سننه" من طريق أبي نعيم عن العلاء

إلى آخره بنحوه (2/ 189 رقم 41).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(6/ 483 رقم 33119).

وكذا في (6/ 484 رقم 33129).

وأخرجه البيهقي في "الكبرى"(9/ 198 رقم 18480). وغيرهم.

ص: 506

وأخرج ابن أبي شيبة (1): نحوه من حديث عطاء عن عائشة.

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت:"إذا التقى الختانان وجب الغسل".

ش: إسناده صحيح، وعبيد الله: هو ابن عَمروَ الرَّقي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري الحراني.

وأخرج العدني في "مسنده" نحوه موقوفا ومرفوعا.

ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جُويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"وإذا أخلف الختان الختان فقد وجب الغسل".

ش: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2): ثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال:"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".

قوله: "أخلف" لغة في خلف، والمعنى: إذا جاوز الختان الختان وقد ذكرنا تحقيقه عن قريب.

ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن زرّ، عن علي رضي الله عنه، مثله.

ش: إسناده صحيح، وأحمد: هو ابن داود المكي، شيخ الطبراني ثقة.

ومُسَدد: هو ابن مُسرهد، شيخ البخاري وأبي داود.

وعاصم: هو ابن بَهْدلة، وهو ابن أبي النجود الكوفي المقرئ، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة الشيخان مقرونا بغيره.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 84 رقم 930).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة "(1/ 86 رقم 951).

ص: 507

وزِرّ -بكسر الزاي وتشديد الراء-: هو ابن حبيش الكوفي، مخضرم، روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة "مصنفه"(1): ثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن زرّ، عن عليّ قال:"إذا التقى الختانان (وجب) (2) الغسل".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أَغْلظ الأحداث فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل.

وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات، وهو الوضوء، فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين؛ هل هو أغلظ الأشياء فنُوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك؟ فوجدنا أشياء يُوجبها الجماع، وهي: فساد الصوم والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال، ويوجب ذلك في الحج الدم وقضاء الحج، ويوجب في الصيام القضاء والكفارة في قول مَنْ يوجبها.

ولو كان جامع فيما دون الفرج؛ وجب عليه في الحج دم فقط، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلَّا أن ينزل، وكلُ ذلك محرَّمٌ عليه في حجه وصيامه.

وكان من زَنَى بامرأةٍ حُدَّ وإن لم يُنَزل، ولو فعل ذلك على وجه شبهة فسقط بها الحدّ عنه؛ وجب عليه المهر.

وكان لو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه حَدٌّ ولا مهر، ولكنه يعزَّر إذا لم تكن هناك شُبهة.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 84 رقم 933).

(2)

في "المصنف": فقد وجب.

ص: 508

وكان الرجل إذا تزوج امرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج، ثم طلقها، كان عليه المهر، أنزل أو لم يُنزل، ووجبت عليها العدة، وأحلّها ذلك لزوجها الأول، ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب [عليه](1) في ذلك شيء، وكان عليه في الطلاق نصف المهر إن كان سمّى لها مهرا، أو المتعة إذا لم يكن سمّى لها مهرا، فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا التي لا إنزال معها، أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال من الحدود والمهور وغير ذلك.

فالنظر على ذلك، أن يكون كذلك هو في [حكم](2) الأحداث، أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث، وهو الغسل.

ش: مُلَخّص وجه النظر والقياس: أنه مبني على مقدمة مُسلَّمَةٌ عند الكل، وهي أن الجماع في الفرج بلا إنزال حديث، ولكن الخلاف في صفته، فقال قومُ وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم: هو حدث غليظٌ؛ فَيجب فيه طهارة غليظة وهو الغسل.

وقال قوم وهم عطاء، والأعمش، وهشام، وداودُ: هو حدث خفيف، فتجب فيه طهارة خفيفة، وهو الوضوء.

ثم نظرنا فيه فوجَدْنا أشياء تتعلقٌ به كما تتعلق بالجماع في الفرج بالإنزال، وهي: فساد الصوم والحج، ووجوب الحدّ والمهر عند سقوطه بالشبهة، ووجوب العدة والتحليل للزوج الأول، فإذا تساويا في هذه الأشياء فالنظر عليه تساويهما في أغلظ الطهارات؛ وهي الغُسل.

ويؤيد ذلك ما روي عن عكرمة: "توجب القتل والرجم، ولا توجب إناء من ماء؟ ".

(1) في "الأصل، ك": "شيء عليم" ولعل "شيء عليه" هذه زائدة أو سبق قلم من المؤلف، أو تكون هذه من أصل الكلام وتحذف الأخيرة من الجملة

(2)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

ص: 509

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن ابن عُلَيّه عنه.

وروى أيضًا (2): عن وكيع، عن ابن عون، عن الشعبي قال: قال شريح: "أتوجب أربعة آلاف، ولا توجب إناء من ماء؟ يعني في الذي يخالط ثم لا ينزل" وفي رواية عبد الرزاق (3): "ولا توجب قدحا من ماء؟ ".

ص: وحجة أخرى في ذلك: أنا رأينا هذه الأشياء التي وجبت بالتقاء الختانين إذا كان بعدها الإنزال، لم يجب بالإنزال حكم ثان، وإنما الحكم لالتقاء الختانين، ألا ترى أن رجلًا لو جامع امرأة جماع زنا فالتقى ختاناهما وجب الحد عليهما بذلك؟ ولو أقام عليها حتى أنزل لم يجب عليه في ذلك الإنزال شيء بعدما وجب بالتقاء الختانين، وكان ما يحكم به في هذه الأشياء على من جامع فأنزل هو ما يحكم به عليه إذا جامع ولم يُنْزل، وكان الحكم في ذلك لالتقاء الختانين لا للإنزال الذي يكون بعده، فالنظر على ذلك أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل هو بالتقاء الختانين، لا بالأنزال الذي يكون بعده، فثبت بذلك قول الذين قالوا: إن الجماع يوجب الغسل كان معه إنزال أو لم يكن، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، وعامّة العلماء رحمهم الله.

ش: مُلخَّص هذه الحجة: أن الأشياء التي ذكرناها في الحجة الأولى وجدناها متعلقة بمجرد التقاء الختانين، فالنظر عليه أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل بالتقاء الختانين لا بالإنزال الذي يكون بعده، وتعليق الأشياء المذكورة بالتقاء الختانين والغسل بالإنزال في محل واحد في حكم واحد خارج عن القياس والنظر.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 85 رقم 944).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(1/ 85 رقم 943).

(3)

"مصنف عبد الرزاق"(1/ 246 رقم 944).

ص: 510

ص: وحجة أخرى في ذلك: أن فهذا حدثنا، قال: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن جابر -هو بن يزيد- عن أبي صالح قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال: "إن نساء الأنصار يُفْتَين أن الرجل إذا جامع فلم يُنْزل كان على المرأة الغسل، وأنه لا غسل عليه، وأنه ليس كما أُفْتَيْن؛ إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".

قال أبو جعفر رحمه الله: معنى هذا أن الأنصار كانوا يَروْن أن الماء من الماء، إنما هو في الرجال المجامعين، لا في النساء المجامَعَات، وأن المخالطة توجب على النساء وإن لم يكن معها إنزال، وقد رأينا الإنزال يستوي فيه حكم النساء والرجال في وجوب الغسل عليهم، فالنظر على ذلك: أن يكون حكم المخالطة التي لا إنزال معها يستوي فيها حكم الرجال والنساء في وجوب الغسل عليهم.

ش: تحرير هذه الحجة: أن الأنصار كانوا يفتون لنسائهم بوجوب الغسل عليهن عند الإكسال، ولا يَروْن ذلك على الرجال، والدليل على ذلك ما رواه أبو صالح عن عمر، وهو مولاه، ولا يعرف له اسم، وثقه ابن حبان.

روى عنه جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال كثير، ومنهم من وثقه.

وروي عنه عبيد الله بن عمرو الرقيّ.

وقد وجدنا حكم الرجال والنساء سواء في الجماع الذي بالإنزال؛ فالنظر عليه: أن يكون حكمهما سواء في الأكسال.

قوله: "يفْتَيْنَ" على صيغة المجهول من المضارع.

قلت: "أُفْتَيْن" على صيغة المجهول في الماضي، فافهم.

ص: 511