المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(تقسيم المتكلمين إلى ثلاثة أقسام بالنسبة للصفات ونفيها) - نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين

[أحمد بن حجر آل بوطامي]

الفصل: ‌(تقسيم المتكلمين إلى ثلاثة أقسام بالنسبة للصفات ونفيها)

(تقسيم المتكلمين إلى ثلاثة أقسام بالنسبة للصفات ونفيها)

(أولًا) المتكلمون في العقائد، وسموا بالمتكلمين، لكثرة كلامهم حول كلام الله، وحول صفات الله، قد انقسموا إلى فرق:

(1)

منهم من لم يثبت للَّه صفة ولا اسما كالجهمية.

(2)

ومنهم من أثبت له الأسماء دون الصفات وهم المعتزلة، وقالوا عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونفوا الكلام لله، وقالوا بل يخلق اللَّه الكلام منفصلًا عنه، كما سيأتي بيانه.

(3)

ومنهم من أثبت للَّه الأسماء وصفات المعاني فقط، وهي سبعة: الحياة والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، ومشتقاتها وهي الأسماء -أعني- كونه حيا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا

إلخ.

ونفوا بعد ذلك الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة كالاستواء واليد ونحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر الأشاعرة والماتريدية.

ص: 33

والسلف الصالح والذي أظهر مذهبهم وناضل عنه الإمام أحمد، يثبتون للَّه ما جاء في القرآن وصح في الحديث، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تشبيه، فيقولون:

الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. فقالوا للَّه علم يليق به، وللمخلوق علم يليق به، وليس علم اللَّه كعلم المخلوق، واشتراك شيئين في لفظ لا يوجب اتحادهما في الحقيقة.

فالعرش موجود، والبعوض موجود، فهل وجود العرش كوجود البعوض؟. وإذا كان الجواب بالسلب، فالله موجود، والمخلوق موجود فهل وجود اللَّه كوجود المخلوق؟ لا يقول هذا من يفهم ما يقول، لأنه يقول لهم إن كان وجود اللَّه كوجود المخلوق، فهذا هو التشبيه بعينه، وإن كان له وجود خاص أبدي يليق به لم يزل ولا يزال، وللمخلوق وجود يليق به، فكذلك يقال: للَّه صفات تليق به، وللمخلوق صفات تليق به.

فإذا أثبتنا للَّه صفة تليق به، كصفة العلم والإرادة أو الاستواء فليس معنى هذا أن إرادة الله

ص: 34

كإرادة المخلوق، أو أن علمه تعالى كعلم المخلوق، أو أن استواءه -سبحانه- كاستواء المخلوق، وذلك أن علم اللَّه شامل للجزئيات وللكليات، ولما كان ولما يكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل للمخلوقين مثل هذا العلم؟

وإرادة اللَّه تخصص ما يريد من الممكنات من العدم إلى الوجود، ومن الوجود إلى العدم، وما يريده بإرادته الكونية لا راد لها، وقدرته شاملة لكل ما يريد، ليست محدودة وكذلك إرادته، فهل للمخلوق مثل تلك الإرادة أو القدرة؟ وهكذا القول في سائر الصفات.

لكن تنسب مقالة تشبيه اللَّه بخلقه إلى هشام بن الحكم، وداود الجواربي، وهما من غلاة الروافض، وإلى محمد بن كرام كما حكاه

ص: 35

الشهرستاني وغيره بأنهم شبهوا اللَّه بخلقه، حتى قال شيخنا الشيخ أحمد نور في منظومته:

فأثبتوا لذاته الجوارحا

مما عدا الفروج والقبائحا

لكن في نفس الوقت قال بعضهم: جسم لا كالأجسام، ولم نقف على كتبهم، ونقل أهل الكلام يحتمل الصدق وضده، ولا أظن للمجسمة أو للمشبهة وجودا في هذا العصر، ولعلهم قد انقرضوا من قرون.

وقال بعض الكلاميين: إن أولئك الذين عبروا بقولهم (جسمًا لا كالأجسام) .

معنى قولهم جسمًا، أي قائم بنفسه لا بغيره، لأن الموجودات إما جسم، وهو الجوهر عند المناطقة وهو القائم بنفسه - أو عرض قائم بغيره، والله ليس بعرض، فزعموا أنه جسم قائم بنفسه، وأخطئوا وضلوا؛ حيث أطلقوا على اللَّه الجسمية، وتعالى اللَّه عن ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة إطلاق الجسم على الله.

ومن المسلم به والمعروف بالبداهة والعقل السليم أن الخالق لا يكون مماثلًا للمخلوق، فالمشبه يعبد صنمًا والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء.

ص: 36

ويرحم اللَّه ابن القيم حيث قال:

إن لمشبه عابد الأوثان إن المعطل عابد البهتان فهو النسيب لمشرك نصراني فهو الكفور وليس ذا إيمان لسنا نشبه وصفه بصفاتنا كلا ولا نخليه عن أوصافه من شبه اللَّه العظيم بخلقه أو عطل الرحمن عن أوصافه

ص: 37

(إلزام المتكلمين لأهل السنة في قولهم بأن اللَّه على عرشه استوى يلزم منه التجسيم والتشبيه ورد الحنابلة عليهم وإلزامهم بما لا مفر منه)

فقالت الحنابلة، (أولًا) معاذ اللَّه أن نقول بالجسمية، أو أن نشبهه بخلقه، أو أن نقول يحويه عرش أو مكان.

ولكن نقول: استوى على عرشه كما يليق بجلاله، وأنتم إذا نفيتم أن يكون اللَّه عاليًا على خلقه، بل إنكم صرحتم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال يلزمكم أن يكون معدوما؛ لأن هذه صفات المعدوم وبهذا خالفتم صريح الكتاب والسنة، وعقائد الصحابة والتابعين وجميع المسلمين بل والكتابيين.

(ثانيًا) : هذا الإلزام ليس بلازم لنا، لأن لازم المذهب ليس بلازم، فإن كان إلزامكم لازمًا لنا، فكذلك إلزامنا لكم ولا محيص لكم.

(ثالثًا) : هذا الإلزام، أو نقول هذه الشبهة لا ترد على اللَّه من حيث هو مستو على العرش، ومن حيث هو في السماء، بل هي واردة عليه،

ص: 38

من حيث هو موجود ولا شك. كأن يقال: اللَّه موجود، والموجود إما أن يكون جسمًا قائمًا بنفسه، أو عرضًا قائمًا بغيره، ولا ثالث لهذين الأمرين؛ إذ الموجودات كلها كذلك.

والله موجود، فإما أن يكون جسمًا، وإما أن يكون عرضًا، وباطل أن يكون عرضًا، فلم يبق إلا أن يكون جسمًا فهو جسم إذن، سواء أقيل أنه في السماء أم لا في السماء ولا في غيرها.

فلا ضرر إذا من القول بأنه في السماء، أو بأنه مستو على العرش، لأنه لا يلزم هذا معنى فاسد من حيث الصفة.

وحينئذ يقال: إن أمكن أن يكون ثم موجود ليس جسمًا، أمكن أن يكون ثم موجود في السماء.

أو نقول فوق العرش وليس جسمًا بالضرورة وتعالى اللَّه عن الجسمية والتشبيه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

ص: 39

(تفرق المسلمين ورمي بعضهم بعضًا بالتفسق أو التكفير لتركهم الاستدلال بالكتاب والسنة ورجوعهم إلى القواعد الفلسفية والمنطقية)

من المحن التي ابتلي بها المسلمون النزاع والجدل، التفرق والاختلاف، ورمي بعضهم بعضًا بالتفسيق تارة، وبالتكفير أخرى؛ وذلك لأن أكثرهم ترك الاستدلال بالكتاب والسنة، ورجعوا إلى القواعد المنطقية والفلسفية، فآل بهم الأمر إلى ما آل.

وإلا لو رجعوا إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه وقالوا كلنا متفقون على أن اللَّه ربنا وخالقنا ومعبودنا، لا شبيه له، ولا نظير له ولا مثيل له:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .

وعلينا أن نتبع القرآن والسنة الصحيحة، فما ورد في القرآن وفي السنة الصحيحة من صفات اللَّه نؤمن به، ولا نكيف ولا نشبه ولا نمثل، وما لم يرد لا نخوض فيه.

ص: 40

مثلًا: ورد أن اللَّه له علم وسمع وبصر وقدرة وإرادة، فنقول: هذه صفات نؤمن بها، أما كونها هي عين الذات، أو غير عين الذات -كما يقول المتكلمون- ويطيلون الأبحاث والنقاش والجدل حولها، فهذا من فضول الكلام، ولسنا بمكلفين عن ذلك.

لو مشوا على هذا الصراط المستقيم، لما حصل ما حصل من التفرق والانقسام، وما نتج عنهما من هذه النسب الكاذبة، والإلزامات الباطلة.

(رابعًا) : هذه كتب الحنابلة طبعت في هذا العصر أكثر من قبل، وسارت بها الركبان شرقًا وغربًا فهل في إمكان أحد أن يأتي بحرف مما يؤيد تلك المزاعم الضالة؟

وعلى سبيل المثال والتوضيح والبيان أورد للقارئ ما يلي:

ص: 41