الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد من خلال عرض مجموعة من المفهومات المتغيّرة للتنصير يمكن الخروج بمجموعة من الأهداف التي يسعى المنصورون إلى تحقيقها بوسائل شتَّى سيأتي الحديث عنها. وتتراوح الأهداف فيما يتعلق بالوصول إليها زمانا إلى أهداف قريبة المدى وأخرى بعيدة المدى غير ملموسة النتائج بوضوح. ويظهر أن من
أهم الأهداف
التي يسعى المنصرون إلى وتحقيقها، في مواجهة الإسلام خاصة، وفي نشر التنصير بعامة هي كالآتي:
[أهم الأهداف]
أهم الأهداف: 1 - الحيلولة دون دخول النصارى في الإسلام، وهذا الهدف موجه الجهود في المجتمعات التي يغلب عليها النصارى. ويعبّر عنه بعض المنصرين بحماية النصارى من الإسلام.
2 -
الحيلولة دون دخول الأمم الأخرى - غير النصرانية - في الإسلام والوقوف أمام انتشار الإسلام بإحلال النصرانية مكانه، أو بالإبقاء على العقائد المحلية المتوارثة.
3 -
إخراج المسلمين من الإسلام، أو إخراج جزء من المسلمين من الإسلام. وهذا من الأهداف طويلة المدى، لأن النتائج فيه لا تتناسب مع الجهود المبذولة له من أموال وإمكانات بشرية ومادية. ذلك لأنه يسعى إلى هدم الإسلام في قلوب المسلمين، وقطع صلتهم بالله تعالى، وجعلهم مسخًا " لا تعرف عوامل الحياة القوية التي لا تقوم إلا على العقيدة القويمة والأخلاق الفاضلة "(1) .
(1) أحمد عبد الوهاب. حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر. - القاهرة: مكتبة وهبة، 1401 هـ - 1981م. ص162.
4 -
بذر الاضطراب والشك في المثل والمبادئ الإسلامية، لمن أصروا على التمسك بالإسلام، ولم يُجْدِ فيهم الهدف الثالث سالف الذكر. وقد تكرر هذا الهدف في محاولات المنصر المعروف السموءل (صاموئيل) زويمر (1) الذي خاص تجربة التنصير في البلاد العربية بعامة وركز على منطقة الخليج العربية بخاصة. وقد أرسل إلى لو شاتليه (2) رسالة في 7 / 8 / 1329 هـ - 2 / 8 / 1911 م قال فيها:" إن لنتيجية إرساليات التبشير في البلاد الإسلامية مزيتين: مزية تشييد ومزية هدم، أو بالحري مزيتي تحليل وتركيب. والأمر الذي لا مرية فيه هو أن حظ المبشرين من التغيير - الذي أخذ يدخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية في البلاد العثمانية والقطر المصري وجهات أخرى - هو أكثر بكثير من حظ الحضارة الغربية منه، ولا ينبغي لنا أن نعتمد على إحصائيات التعميد في معرفة عدد الذين تنصروا رسميا من المسلمين، لأننا هنا واقفون على مجرى الأمور ومتحققون من وجود مئات من الناس انتزعوا الدين الإسلامي من قلوبهم واعتنقوا النصرانية من طرف خفي "(3) .
(1) السموءل أو صاموئيل شاتليهلو زويمر من أقطاب التنصير في البلاد العربية ولد سنة 1867، وتوفي سنة 1952م ويعد رئيس المستشرقين في الشرق الأوسط تولى تحرير مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها مع ماكدونالد، وله أثار في العلاقات بين الإسلام والنصرانية. انظر: نجيب العقيقي المستشرقون - مرجع سابق - 3 / 138 حيث عده العقيقي من المستشرقين الأمريكيين.
(2)
أ. لو شاتليه أستاذ المسائل الاجتماعية الإسلامية في فرنسا وأحد المنصرين المستشرقين الفرنسيين في هذا القرن الميلادي. رأس تحرير مجلة العالم الإسلامي الفرنسية. انظر ترجمته في: الغارة على العالم الإسلامي. - مرجع سابق. - ص 5.
(3)
أ. ل. شاتليه. الغارة على العالم الإسلامي. مرجع سابق. ص 8.
ويعقب شاتليه على رسالة زويمر بقوله: " ولا شك أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوروبية، فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يتحكك الإسلام بصحف أوروبا وتتمهد السبل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها (1) .
5 -
الإيحاء بأن المبادئ والمثل والتعاليم النصرانية أفضل من أي مثل ومبادئ أخرى، لتحل هذه المثل والمبادئ النصرانية محل المبادئ والمثل الإسلامية.
6 -
الإيحاء بأن تقدم الغربيين الذي وصلوا إليه إنما جاء بفضل تمسكهم بالنصرانية، بينما يُعزى تأخر العالم الإسلامي إلى تمسكهم بالإسلام، وهذا منطق المنصرين المتمسكين بنصرانيتهم، أما العلمانيون فإنهم يقررون أن سر تقدم الغرب إنما جاء لتخليهم عن النصرانية، وأن تخلف المسلمين يعود إلى إصرارهم على التمسك بدينهم. (2) .
7 -
تعميق فكرة سيطرة الرجل الغربي الأبيض على بقية الأجناس البشرية الأخرى، وترسيخ مفهوم الفوقية والدونية، تعضيدا للاحتلال بأنواعه والتبعية السياسية من الشعوب والحكومات الإسلامية للرجل الأبيض، ومن ثَمَّ يستمر إخضاع العالم
(1) أ. ل: شاتليه. الغارة على الإسلام ـ المرجع السابق ـ ص9.
(2)
وهنا التقاء واختلاف، حيث يلتقي المنصرون والعلمانيون على الحكم بتأخر المسلمين لتمسكهم بالإسلام، ويختلفون في سر تقدم الغرب.
الإسلامي لسيطرة الاحتلال، ويستمر التحكم في مقدراته وإمكاناته (1) .
8 -
ترسيخ فكرة قيام دولة ووطن قومي لليهود في أي مكان أولا، ثم في فلسطين المحتلة بعدئذ، أخذًا في الحسبان أن الإنجيل [العهد الجديد بعد تحريفه بأيدٍ يهودية يتضمن تعاليم تدعو إلى هذه الفكرة، وأنها أضحت واجبا مقدسا على النصارى (2) ومن ناحية أخرى التخلص من الجنس اليهودي من أوروبا ثم أمريكا الشمالية، وتجميعهم في مكان واحد، وهذا هدف فرعي لذلك الهدف العقدي، ولم يتم هذا رغم استمرار تجمع اليهود في فلسطين المحتلة.
9 -
التغريب، وذلك بالسعي إلى نقل المجتمع المسلم في سلوكياته وممارساته، بأنواعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري والعقدي، من أصالتها الإسلامية، إلى تبني الأنماط الغربية في الحياة، وهي المستمدة من خلفية دينية نصرانية أو يهودية. وفي هذا يقول سيرج لاتوش، في كتابه تغريب العالم: " إن تغريب العالم كان لمدة طويلة جدا ـ ولم يكف كليا عن أن يكون ـ عملية تنصير: إن تكريس الغرب نفسه للتبشير بالمسيحية يتضح تماما، قبل الحروب الصليبية الأولى، في انطلاقات التنصير قسرا، وإن مقاومة شارل مارتل في بواتييه، وأكثر من ذلك تحويل السكسون إلى المسيحية بوحشية، على يد القديس بونيفاس (680ـ 754م) : ألا يشكل ذلك الحرب الصليبية الأولى، وأقصد القول بأنه شهادة لتأكيد ذاتية الغرب كقعيدة وكقوة؟ . وهكذا، نجد أن ظاهرة المبشرين بالمسيحية هي بالتأكيد حقيقة ثابتة
(1) أحمد عبد الوهاب، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر ـ مرجع سابق ـ ص 162.
(2)
محمد علي أبو حمدة، الأخطبوط الصهيوني رأي العين ـ عمّان: مكتبة الرسالة، 1403هـ ـ 1983م ـ ص 101 - 108.
للغرب، باقية في ضميره بكل محتواها الديني، يجدها الإنسان دائما في العمل تحت أكثر الأشكال تنوعا، واليوم أيضا، فإن أغلب مشروعات التنمية الأساسية في العالم الثالث تعمل بطريق مباشر أو غير مباشر تحت شارة الصليب (1) .
10 -
والهدف الذي يذكر هنا متأخرا قصدا هو إدخال النصرانية أو إعادتها إلى عدد كبير من البلاد الإسلامية وغيرها، وبخاصّة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وفي هذا يقول روبرت ماكس أحد المنصِّرين من أمريكا الشمالية " لن تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة ويقام قُدَّاس الأحد في المدينة "(2) .
ويأتي هذا الهدف متأخرا في الترتيب؛ لأنه قد تبين من تجارب المنصرين في المجتمعات الإسلامية بخاصة، والتي وصل إليها الإسلام بعامة، أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا الهدف هو إدخال الآخرين في النصرانية، بقدر ما هو محاولة لضمان استمرار سيطرة النصرانية على الأمم الأخرى.
ويمكن القول بأن هذه الأهداف المذكورة أعلاه تمثل مجمل ما يسعى المنصرون بعامة إلى تحقيقه في حملاتهم التنصيرية.
(1) نشر كتاب سيرج لاتوش تغريب العالم في باريس 1989م ونقل عنه أحمد عبد الوهَّاب بعض المقتطفات. انظر أحمد عبد الوهَّاب: التغريب طوفان من الغرب ـ القاهرة: مكتبة التراث الإسلامية، 1411هـ ـ 1990م ـ ص13.
(2)
عبد الودود شلبي: الزحف إلى مكة، حقائق ووثائق عن مؤامرة التنصير في العالم الإسلامي ـ القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1409هـ ـ 1989م ـ ص 13.