الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولهذا يتسع المجال أمام علماء هذا المذهب لحركة الاختيار والترجيح الذي قد يتجاوز حدود المذهب، كما هو معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله في اختياراتهما التي انفردا بها عن جمهور الحنابلة.
وكذلك العلامة ابن قدامة رحمه الله صاحب كتاب "المغني" الذي درج في كتابه العظيم، على أن يعرض في المسألة الواحدة كل المذاهب بأدلتها ثم يرجح بعد ذلك أقواها دليلاً ولو كان غير مذهبه الحنبلي.
فأين إذاً تلك الخصومة المذهبية في الحركة الوهابية وأين مظاهرها؟
الوهابية والتراث الإسلامي:
ثم يقول سعادته: "لم نقصد أول الأمر أن تكون حركة "عود على بدء" على معتنى تصفية العصبية للمذاهب الفقهية ونخلها في التشريع والمعاملات، ولمذاهب العقيدة في تصور الله والاعتقاد به عن طريق علمي"1.
ومعنى هذا الكلام - فيما بلغه فهمي- أن الدكتور عفا الله عنه، كان يريد من الحركة الوهابية أن تشن الثورة على جميع المذاهب الفقهية التي استحدثت في الإسلام، فتقوم ينخل هذه المذاهب لتأخذ منها ما تراه صالحاً، ثم تلغي ما بقي، وبذلك تكون قد صفت العصبة المذهبية.
والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام الخطير من دكتور فيلسوف يؤمن بحركة الرأي، ويدعو إلى بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، لأن إغلاقه -
1 انظر مشكوراً: الفكر الإسلامي في تطوره ص 85.
كما ذكر في كتابه - قد أدى إلى الركود والتخلف وعدم القدرة على مواجهة المستجد من أحداث الحياة.
إن الحركة الوهابية لو قامت - لا قدر الله- بمثل هذه الحماقة، لارتكبت أعظم خطأ في تاريخها، ولجلبت على نفسها نقمة العالم الإسلامي المتحضر كله.
وإذا كان الدكتور يرمي الحركة بالتعصب المذهبي، وهي لم تفعل ذلك، فبماذا كان يرميها لو قامت بمثل تلك المحاولة التخريبية لتصفية مذاهب لها كيانها واحترامها، ولها أئمتها الكبار الذين أفنوا أعمارهم في الاجتهاد، ولها قواعدها في التعليل والاستنباط والموازنة.
إن الفقه الإسلامي بما تضمنه من ثروة هائلة في التشريع، وبما اتسم به من مرونة وقدرة على تكييف الأحداث، ومواجهة متطلبات الحياة، يعد مفخرة من أعظم مفاخر هذه الأمة يشهد لها بالأصالة والجدة في هذه الناحية التشريعية.
فكيف يراد من حركة إسلامية قامت للبناء لا للهدم، أن تقضي على هذا التراث الضخم، فتسجل بذلك قصوراً في النظر وضيقاً في التفكير.
وكيف تتفق دعوة الدكتور إلى هذا التخريب، مع قوله في كتابه يمدح الحركة الفقهية وتطورها: "وكذلك الشأن بالنسبة للعامل الثالث وهو مواجهة أحداث الحياة وتطور المجتمع الإسلامي، فإن تفاعل الإسلام مع هذا العامل كان تفاعلاً خصباً منتجاً، وبرهن على مرونة الإسلام
في مبادئه بفضل الاجتهاد، وعلى سعة استيعابه للمستجد من مشاكل الحياة، فالفقه الإسلامي تدل على كثرة مذاهبه ومدارسه على سعة المحاولة لتكييف الأحداث من وجهة نظر الإسلام".
"والخلاف الذي بينها في اعتبار بعض أصول التفقه والمراجع التي ترد إليها أحكام الحوادث، لم يكن إلا خلافاً ناشئاً عن رغبة المختلفين في ضرورة الحرص على بقاء الجماعة الإسلامية آخذة بالإسلام في منهاج حياتها اليومي".
وأما في مذاهب العقيدة في تصور الله عز وجل والاعتقاد به، فقد حققت هذه الحركة المباركة مبدأك "عود على بدء" كما يريد الدكتور.
فقد عادت بالناس إلى العقيدة الإسلامية الأولى في بساطتها ونقائها، وحاربت كل ما أحدث في هذا الجانب العقدي من مذاهب ومقالات.
وكانت نشاطاتها في هذه الناحية امتداداً صحيحاً لحركة التصحيح الكبرى التي بدأها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.