الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6-
خطبته في حجة الوداع:
"الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح1 بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم حرام عليكم، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدا به ربا عمى العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن
1 الاستفتاح: الافتتاح والاستنصار.
ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب1، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود2، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه3 قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، أيها الناس: إنما النسيء4 زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
1 وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته بنو هذيل.
2 القود: القصاص، أي من قتل عمدا يقتل.
3 في رواية الكامل لابن الأثير: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه يطاع فيما سوى ذلك، وقد رضي بما تحقرون من أعمالكم".
4 أي تأخير حرمة شهر إلى آخر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه، وحرموا مكانه شهرا آخر فيحلون المحرم، ويحرمون صفرًا، فإن احتاجوا أحلوه وحرموا ربيعًا الأول، وهكذا حتى استدار التحريم على الشهور السنة كلها، وكانوا يعتبرون في التحريم مجرد العدد لا خصوصية الأشهر المعلومة، وأول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني، كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي في القبائل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم، فحرموه. زيادة في الكفر، أي كفر آخر ضموه إلى كفرهم.
ليواطئوا: أي يوافقوا عدة الأشهر الأربعة المحرمة، وكانوا ربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر؛ ليتسع لهم الوقف، ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حراما أيضا، ولذا نص على العدد المبين في الكتاب والسنة، وكان وقت حجهم يختلف من أجل ذلك، وكان في السنة التاسعة التى حج فيها أبو بكر بالناس في ذي القعدة، وفي حجة الوداع في ذي الحجة، وهو الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ومن قبله من الأنبياء في تحريم الأشهر الحرام، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن الزمان قد استدار
…
إلخ" -راجع تفسير الألوسي ج3 ص 305.
السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب1 الذي يبن جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أُذِنَ لكم أنت تعضلوهن2 وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوانٍ3 لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد!.
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم أشهد! فلا ترجعنَّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض؛ فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.
أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! قالوا نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
1 قالوا في تثنية رجب وشعبان: رجبان للتغليب.
2 العضل: الحبس والتضييق.
3 جمع عانية من عنا، أي خضع وذل، والعاني: الأسير.
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله.
"البيان والتبيين 2: 15، العقد الفريد 2: 13، إعجاز القرآن 111، شرح ابن أبي الحديد 1: 41، تاريخ الطبري 3: 168، الكامل لابن الأثير 2: 146، سيرة ابن هشام 2: 390".
وواضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم يلم بالحمد لله والشهادة؛ لينتقل إلى شرح الآية الكريمة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، ويصوغها بأسلوبه؛ ذلك أن الحسب والنسب الجاهليين ومظهر القوة الذى ارتدت إليه القيم الجاهلية لم يعد أساس الرفعة أو الوضاعة، وإنما يرجع الأمر كله إلى تقوى الله، باعتباره دعامة الفضيلة وميزان التفاضل بين الناس. وفي كل ذلك تكمن الثورة الروحية الكبرى التي جاء بها الإسلام، فانتظمت علاقة الإنسان بالله في صورة التقوى، وبصورة التقوى نفسها تنتظم أيضا علاقة الإنسان بأخيه الإنسان على نحو فريد. وعلى ضوء هذا تتعدد صور التقوى ممثلة في مختلف الأعمال الصالحة.
ثم انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين طائفة من التشريعات الإسلامية التي أقامها الدين الحنيف حدودا بين حياة العرب في الجاهلية وحياتهم في الإسلام، فقد كانوا مفككين متنافرين يتحاربون دائما؛ طلبا للأخذ بالثأر ونهبا للأموال.
وجمعهم الإسلام تحت لوائه في جماعة كبرى متآخية متناصرة لا يبغي بعضهما على بعضه، ولكي يقضي على كل سبب للحرب بينهم رد دم القتيل إلى الدولة فهي التي تعاقب عليه، ولكي يستأصل هذا الداء دعا إلى التنازل
عن حق الأخذ بالثأر القديم، وحزم النهب والسلب تحريما قاطعا مشدد فيه العقوبة.
والرسول صلى الله عليه وسلم يبين في الخطبة أوامر الإسلام ونواهيه بإعلان أن دماء المسلمين وأموالهم حرام، وأن كل من كانت عنده أمانة أن يردها على صاحبها، وأن على كل مسلم أن يرعى أخاه في ماله، فلا يأخذ منه شيئا إلا بالحق، ومن ثَمَّ حرم الربا، وبدأ بعشيرته وتاجرها الموسر العباس عبد المطلب فأسقط عن رقاب المدينين له رباه. وعلى نحو ما أسقط الربا أسقط دماء الجاهلية، فليس لمسلم أن يثأر لقتيل له، وبدأ بعشيرته فأسقط دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ولم يُبقِ من مآثر الجاهلية شيئا سوى خدمة الكعبة وسقاية الحجيج، وأوجب في قتل العمد القود، ولكن الدولة هي التي تقوم به، وبذلك قضى الإسلام على حروبهم الداخلية، وقد جعل في القتل شبه العمد مائة بعير؛ كل ذلك ليحفظ للجماعة وحدتها ويسود بين أفرادها السلام والوئام.
ويحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الشيطان وغواياته، محرما للتلاعب بالأشهر الحرم، واضعا تقويما قمريا يتآلف من أثني عشر شهرا، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ويرفع من شأن المرأة ومعني علاقاتها بزوجها، فيجعل لها حقوقا وعليها واجبات، وفي الطرفين جميعا يحفظ لها كرامتها كما يحفظ لزوجها نفس الكرامة، داعيا إلى التعاطف بينهما والتراحم والتعامل برفق وإحسان.
ويعود إلى العلاقة بين الفرد وجماعته الكبرى من الأمة، فيقرر أن المؤمنين إخوة، لكل منهم على صاحبه ما للأخ على أخيه من التآزر والتعاون والتحاب، فلا بطش ولا ظلم ولا نهب، ولا حرب ولا سفك للدماء. وإنه لعهد
من نقضه عاد كافرًا آثما قلبه. لقد انتهى عهد الحياة القبلية وكل ما اتصل بها من تنابذ وتفاخر، فالناس جميعا لآدم، ولا عربي عدناني ولا عربي قحطاني، بل لا عربي ولا أعجمي، فقد وضعت موازين جديدة لحياة العرب، فلم يعد التفاضل بالنسب والحسب، إنما أصبح بالتقوى فهي معيار التفاضل، ويلفت الرسول سامعيه إلى ما قرره القرآن الميراث وأنصبته، وأن للمورث أن يوصي بالثلث من ماله، ويرسي قاعدة مهمة في شرعية الأبناء، وخاصة هؤلاء الذين تلدهم العواهر، فينسبهم إلى أصحاب الفراش، وكانوا ينسبونهم إلى غير آبائهم، وقد لا ينسبوهم أبدا، فحرم ذلك تحريما باتًّا، وبذلك قضى عليه نبالة النسب من جهة الخئولة قضاء مبرما.
وعلى هذا النحو كان الرسول صلوات الله عليه يبين في خَطابته حدود الحياة الإسلامية وما ينبغي أن يأخذ به المسلم نفسه في علاقاته الكبرى مع أفراد أمته وعلاقاته الصغرى مع أسرته. فإن ترك ذلك فإلي وعظ المسلمين وما ينبغي أن يأخذوا أنفسهم به، في سلوكهم حتى تزكو نفوسهم، وفي عبادتهم لربهم وتقواه حق التقوى حتى لا يزيغوا ولا ينحرفوا عن المحجة، بل يتدرجون في مراقي الكمال الإنساني.
وهذه الخطبة وسابقتها تصوران في دقة حسن منطق الرسول في خطابته، وأنه لم يكن يستعين فيها بسجع ولا بلفظ غريب، فقد كان يكره اللونين جميعا من الكلام لما يدلان عليه من التكلف، وقد برأه الله منه؛ إذ يقول في كتابه العزيز: قل يا محمد: "ما أنا من المتكلفين". والذي لا شك فيه أنه كان يبلغ بعفوه وقوى فطرته ما تنقطع دونه رقاب البلغاء، وقد وصف الجاحظ بلاغته في خطابته أدق وصف، فقال إنه: جانب أصحاب التقعيب1،
1 التقعيب: التقعير وهو التكلم بأقصى قعر الفم.
واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالترفيق، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقسم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة
…
ولم يسمع الناس بكلام قد أعم نفعا ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم ونضيف إلى الجاحظ أنه عليه السلام هو الذي فتق معاني هذه الخطابة الدينية التي لم يعرفها العرب قبله، فهو الذي رسمها، وفجر ينابيعها بحيث أصبحت مادة للخطباء من بعده، وكأنما احتشد الكلم بأزمته إليه؛ ليختار منه أفصحه وأسلسه وأبينه في الدلالة، يسعفه في ذلك ذوق مرهف وحسن دقيق نتبينهما فيما روي عنه من قوله:"لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي" كراهية أن يضيف المسلم الطاهر إلى نفسه الخبث، مما يدل على أنه لم يكن ينطق إلا باللفظ المختار البريء من كل ما يستكره، اللفظ الذي يحبب إلى النفوس؛ لحلاوته وعذوبته وصفائه ونقائه.