الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستقامة آمين.
وأما الردع بالكفارات الشرعية: فككفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وكفارة الجماع في نهار رمضان لغير عذر، وجزاء الصيد للمحرم، وفدية الحج والعمرة على من ترك واجبا أو ارتكب محظورا. وفي كل ذلك نصوص من القرآن والسنة أضربنا صفحا عن إيرادها اختصارا. وهذه الكفارات هي تطهير للمسلم مما تلبس به من معصية وجبر للعبادة التي اعتراها نقص، وتربية للنفس على الطاعة والتقوى. وتربيتها بحبسها عن المعصية والإثم والعدوان.
9-
أسلوب تغيير البيئة:
تغيير البيئة أصل معتبر شرعا في تغيير المنكرات وفي التعزير والتأديب وفي استصلاح العصاة، ذلك لأن الإنسان ابن بيئته فإذا كانت بيئته التي نشأ فيها أو عاش بين ظهرانيها توفرت فيها عناصر الجريمة أو أسباب المعصية بحيث سهل عليه ارتكاب المحظور وجب تغيير هذا النمط الفاسد في حياته وانتشاله من هذا الوحل وإلقاؤه في بيئة صالحة وتربة نظيفة، لذا شرعت الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، ومن مجتمع الإنحلال إلى مجتمع الطهر والعفاف.
والأدلة متضافرة على أن تغيير البيئة أسلوب في استصلاح فئة من العصاة، منها:
- حديث أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “ كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة: فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض
كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة. قال قتادة: فقال الحسن ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره” 1.
ووجه الشاهد في الحديث قوله: “ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء” قال الحافظ ابن حجر: “ فيه فضل التحول من الأرض التي يصيب الإنسان فيها المعصية لما يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما لتذكره لأفعاله الصادرة قبل ذلك والفتنة بها، وإما لوجود من كان يعينه على ذلك ويحضه عليه. ولهذا قال له: “ ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحول التي إعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها “2.
وهذا ما نسميه بلغة العصر تغيير البيئة بكل ما فيها من مؤثرات تغري بالمعصية وتغوي، ومن ثم البحث عن البيئة الصالحة ذات المؤثرات المعينة على الطاعة والاستقامة.
- حديث زيد بن خالد رضي الله عنه فعن النبي صلى الله عليه وسلم “أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مئة وتغريب عام “ 3 فتغيير البيئة مقصود في تغريب الزاني عاما، عساه يجد
1 متفق عليه: خ: أحاديث الأنبياء (3470)، م: التوبة (2766) واللفظ له.
2 الفتح 6 / 517.
3 متفق عليه: خ: الشهادات (2649)، م: الحدود (1698) .
البيئة الصالحة ومدة عام تكفي لتبديل أحواله ووقوفه على المرغبات في الخير والمنفرات من الشر والإثم والعدوان.
- وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “ لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم” 1.
وفي إخراج المخنثين من البيوت تحصين لأهل البيت من خبثهم وميوعتهم وفسادهم، وفي الوقت ذاته فيه زجر لهم وتغيير للبيئة التي درجوا فيها والتي قد تساعدهم على البقاء في حالهم المشينة.
قال ابن تيمية: “ وقد ذكر الشافعي وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين أحدهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى الزانى إذا لم يحصن “ جلد مائة جلدة وتغريب عام”، والثاني نفى المخنثين فيما روته أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول لعبد الله أخيها إن فتح الله لك الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أخرجوهم من بيوتكم” رواه الجماعة إلا الترمذى وفى رواية في الصحيح “ لا يدخلن هؤلاء عليكم” وفى رواية: “ هذا يعرف مثل هذا لا يدخلن عليكم بعد اليوم “
قال ابن جريج المخنث هو هيت وهكذا ذكره غيره وقد قيل فيه إنه هنب وزعم بعضهم أنه ماتع وقيل هوان، وروى الجماعة إلا مسلما: “ أن النبى صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعنى المخنثين “ وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة: بهم وهيت وماتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنيثهم وتأنيثهم لينا فى القول وخضابا فى الأيدى والأرجل كخضاب
1 خ: اللباس (5886)، د: اللباس (3574)، ت: الأدب (2784)، ماجة: النكاح (1904)، أحمد: بني هاشم (1878) واللفظ للبخاري.
النساء ولعبا كلعبهن.
وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث وقد خضب رجليه ويديه بالحناء فقال: “ما بال هذا” فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفى إلى النقيع فقيل يا رسول الله ألا نقتله فقال: “إني نهيت عن قتل المصلين” 1 قال أبو أسامة حماد بن أسامة والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع وقيل أنه الذي حماه النبي صلى الله عليه وسلم لإبل الصدقة ثم حماه عمر وهو على عشرين فرسخا من المدينة وقيل عشرين ميلا ونقيع الخضمات موضع آخر قرب المدينة وقيل هو الذي حماه عمر والنقيع موضع يستنقع فيه الماء كما في الحديث أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات.
فإذا النبى صلى الله عليه وسلم قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من البيوت فمعلوم أن الذى يمكن الرجال من نفسه والإستمتاع به وبما يشاهدونه من محاسنه وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلاء وهو أحق بالنفى من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم فإن المخنث فيه إفساد للرجال والنساء لأنه إذا تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء ويتعلمن منه وهو رجل فيفسدهن، ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن النساء ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هى وتتشبه بالرجال فتعاشر الصنفين وقد تختار هى مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال.
وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به كما يفعل بالنساء بمشاهدته ومباشرته وعشقه فإذا أخرج من بين الناس وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ووجد هناك من يفعل به الفاحشة فهنا يكون نفيه بحبسه فى مكان واحد ليس معه فيه غيره وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من بين الناس. ولهذا تنازع العلماء فى نفى المحارب من الأرض هل هو
1 د: الأدب (4280) .
طرده بحيث لا يأوى فى بلد او حبسه أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا ففى مذهب أحمد ثلاث روايات الثالثة اعدل وأحسن فإن نفيه بحيث لا يأوى فى بلد لا يمكن لتفرق الرعية وإختلاف هممهم بل قد يكون بطرده يقطع الطريق وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج إلى مؤنة إلى طعام وشراب وحارس ولا ريب أن النفى أسهل إن أمكن.
وقد روى إن هيتا لما إشتكى الجوع أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى ومعلوم أن قوله: {أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ} [المائدة: 33] لا يتضمن نفيه من جميع الأرض وإنما هو نفيه من بين الناس وهذا حاصل بطرده وحبسه، وهذا الذى جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أى هجره وليس هذا كنفى الثلاثة الذين خلفوا ولا هجره كهجرهم فإنه منع الناس من مخالطتهم ومخاطبتهم حتى أزواجهم ولم يمنعهم من مشاهدة الناس وحضور مجامعهم فى الصلاة وغيرها وهذا دون النفى المشروع، فإن النفى المشروع مجموع من الأمرين وذلك أن الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضا على مصلحة دينهم ودنياهم فمن كان بمخالطته للناس لا يحصل منه عون على الدين بل يفسدهم ويضرهم فى دينهم ودنياهم إستحق الإخراج من بينهم وذلك أنه مضرة بلا مصلحة فإن مخالطته لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم فإن الصبى إذا رأى صبيا مثله يفعل شيئا تشبه به وسار بسيرته مع الفساق فإن الإجتماع بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد والضرر على النساء والصبيان والرجال فيجب أن يعاقب اللوطى والزانى بما فيه تفريقه وإبعاده، وجماع الهجرة هى هجرة السيئات وأهلها وكذلك هجران الدعاة إلى البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم”1.
1 مجموع الفتاوى 15 / 308 وما يليها.