المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أنواع المعاصي ودركاتها: - أساليب دعوة العصاة

[عبد الرب نواب الدين]

الفصل: ‌أنواع المعاصي ودركاتها:

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح “إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة” 1.

والتوبة من الإعتقادات أعظم من التوبة من الإرادات فإن من ترك واجبا أو فعل قبيحا يعتقد وجوبه وقبحه كان ذلك الإعتقاد داعيا له إلى فعل الواجب ومانعا من فعل القبيح فلا يكون في فعله وتركه ثابت الدواعي والصوارف بل تكون دواعيه وصوارفه متعارضة ولهذا يكون الغالب على هذا التلوم وتكون نفسهم لوامة تارة يؤدون الواجب وتارة يتركونه وتارة يتركون القبيح وتارة يفعلونه كما تجده في كثير من فساق القبلة الذين يؤدون الحقوق تارة ويمنعونها أخرى ويفعلون السيئات تارة ويتركونها”2.

وعلى الداعية أن يعرف هذه الأسباب ومكامن الداء في النفس حتى إذا أوقع علاجه أوقعه على بصيرة وبقدر وحكمة.

1 م: الذكر والدعاء (2702)، د: الصلاة (1294)، أحمد: الكوفيين (17575) .

2 ضمن جامع الرسائل ص 237

ص: 164

‌أنواع المعاصي ودركاتها:

المعاصي تتفاوت بحسب الجرم، وبحسب الحال، وبحسب العاصي المتلبس بالمعصية، وبحسب الزمان والمكان، فمن المعاصي الكبائر ومنها الصغائر، ومنها ما يرتكبه العاصي عمدا ومنها ما يرتكبه ناسيا أو جهلا، ومنها ما يرتكبه متأولا، والداعية الحصيف عليه أن يدرك ذلك كله قبل أن يبدأ العلاج والتقويم والنصح والتوجيه والوعظ.

فالمعاصي باعتبار الدركات: كبائر وصغائر كما في قول الباري جل ذكره {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًاء} [النساء:14] .

ص: 164

وقال جل ذكره في موضع: {وَالذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى:37] .

وقال: {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلا اللمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلمُ بِمَنْ اتَّقَى} [النجم:32] .

ففي هذه الآيات البينات أن الذنوب كبائر وصغائر والصغائر هي اللمم والسيئات، وينبغي للمسلم أن لا يستهين بالمحقرات والصغائر فإن معظم النار من مستصغر الشرر، وكما قال الحكماء: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن أنظر إلى عظمة من عصيت! وهو الله تبارك وتعالى. وهذا الفهم قالت به عامة الأشعرية وهو أن الذنوب كلها كبائر1.

وهو صحيح لكن باعتبار من عُصي وهو الله تبارك وتعالى، أما باعتبار تفاوت الذنوب فهي صغائر وكبائر بنص التنزيل الحكيم كما سبق إيرادها قريبا وهو قول عامة الفقهاء.

والكبائر المذكورة في الآيات الآنفة كثيرة جدا، منها ما بينتها السنة النبوية كما في أحاديث أنس وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وغيرهم رضي الله عنهم جميعا.

ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: “ الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور” 2.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” اجتنبوا السبع الموبقات” قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: ” الشرك بالله، والسحر، وقتل

1 انظر الفتح 10/409 موضع الحديث (5977) .

2 متفق عليه: خ: الشهادات (2653)، م: الإيمان (88) .

ص: 165

النفس التي حرم الله الا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”1.

وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “الكبائر الاشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور “ 2

ولا جرم أن الشرك بالله أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وهو المبدوء به في الأحاديث السابقة ويوضح ذلك أكثر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: “أن تجعل لله ندا وهو خلقك” قلت ثم أي؟ قال: “ أن تقتل ولدك تحاف أن يطعم معك “ قلت ثم أي؟ قال: “أن تزاني حليلة جارك” 3.

وقد ذكر ابن كثير أقوال العلماء في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا} [النساء:31] منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم قالوا عن الكبائر هي سبع، فقال: ” أكثر من سبع وسبع قال فلا أدري كم قالها من مرة”. وفي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ” هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع” قال ابن كثير: ورواه ابن جرير عن ابن حميد عن ليث عن طاوس قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هن قال: “هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع” وروى بسنده عن سعيد بن جبير: أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنهما: كم الكبائر سبع؟ قال: “هن إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار”4.

1 متفق عليه: خ: الوصايا (2767)، م: الإيمان (89) .

2 متفق عليه: خ: الديات (6871)، م: الإيمان (88) .

3 متفق عليه: خ: تفسير القرآن (4477)، م: الإيمان (89) .

4 تفسير ابن كثير 1 / 523.

ص: 166

وقد عني علماء الإسلام ببيان الكبائر وتحديد عددها وأعيانها منهم الإمام الذهبي رحمه الله إذ ألف كتابا سماه (الكبائر) وذكر فيه سبعين كبيرة.

ولكن ما هي الكبيرة ولم سميت بذلك؟

قال اللغويون: “ الكَبَائر واحدتُها كبيرة وهي الفَعْلة القبيحة من الذنوب المَنْهيِّ عنها شرعا العظيمِ أمْرُها كالقَتْل والزّنا والفِرار من الزّحْف وغير ذلك وهي من الصِّفات الغالِبة وفي حديث الإفْكِ وهو الذي تَولى كِبْرَه أي مُعْظَمه وقيل الكِبْر الإثم وهو من الكَبِيرة كالخِطْء من الخَطيئة وفيه أيضا أنّ حَسَّانَ كان ممَّنْ كَبُر عليها ومنه حديث عذاب القبر “إنهما ليُعَذَّبان وما يُعَذَّبان في كَبير”1.

أي ليس في أمْرٍ كان يَكْبُر عليهما ويَشُقُّ فِعْلُه لو أرَادَاه لا أنه في نَفْسِه غيرُ كبير وكَيْف لا يكون كَبِيرا وهُما يُعَذَّبان فيه، وفيه: “ لا يَدخُلُ الجنةَ من في قَلبه مِثقالُ حَبَّة من خَرْدَلٍ من كِبْر”23.

نقل ابن كثير أقوال ابن عباس في ذلك منها قوله: “ الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب” وقال: “ كل ما نهى الله عنه كبيرة” وقال: “كل شيء عصى الله به فهو كبيرة “ ثم ذكر أقوال التابعين فذكر قول ابن عبيدة: “ الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها والفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا والبهتان قال ويقولون: أعرابية بعد هجرة! ”.

ونقل عن ابن جريربسنده عن عبيد بن عمير قال: “ الكبائر سبع ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله:

- الإشراك بالله منهن {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ

1 متفق عليه: خ: الوضوء (216)، م: الطهارة (292) .

2 متفق عليه: خ: الإيمان (22)، م: الإيمان (91) واللفظ له.

3 النهاية في غريب الحديث 4 / 142.

ص: 167

أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] .

- أكل مال اليتيم {إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال اليَتَامَى ظُلمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] .

- أكل الربا {الذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ} [البقرة: 275] .

- قذف المحصنات {إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23] .

- الفرار من الزحف {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا لقِيتُمْ الذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلوهُمْ الأَدْبَارَ} [الأنفال:15] .

- التعرب بعد الهجرة [أي الرجوع إلى حياة الأعراب والبداوة قال تعالى {إِنَّ الذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُمْ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّل لهُمْ وَأَمْلى لهُمْ} [محمد:25] .

- قتل المؤمن {وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَليْهِ وَلعَنَهُ وَأَعَدَّ لهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93] .

ثم ذكر أن شتم الصحابة لاسيّما الشيخين من الكبائر المكفرة، وعن عطاء ابن أبي رباح قال: “ الكبائر سبع قتل النفس وأكل مال اليتيم وأكل الربا ورمي المحصنة وشهادة الزور وعقوق الوالدين والفرار من الزحف” 1.

وقال الإمام الذهبي: “الذي يتجه ويقوم عليه الدليل أن من ارتكب شيئا من هذه العظائم مما فيه حد في الدنيا كالقتل والزنا والسرقة أو جاء فيه وعيد في الآخرة من عذاب أو غضب أو تهديد أو لعن فاعله على لسان نبينا محمد صلى

1 تفسير ابن كثير 1 / 523.

ص: 168

الله عليه وسلم فإنه كبيرة “1.

ولئن كانت المعاصي بحسب دركاتها كبائر وصغائر، فإنها من حيث تبعاتها وما يترتب عليها أنواع، وفي هذا قال ابن القيم رحمه الله: “ والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهذا يكفي فيه الحد عن الحبس والتعزيز، ونوع فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع في الإحرام أو في نهار رمضان ووطء المظاهرمنها قبل التكفير، فهذا تكفي فيه الكفارة عن الحد، وهل تكفي عن التعزير؟ فيه قولان للفقهاء، ونوع لا كفارة فيه ولا حد كسرقة مالا قطع فيه واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك، فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبا عند الأكثرين وجوازا عند الشافعي” 2.

إن معرفة الداعية بهذه المسائل المتعلقة بالمعاصي وأنواعها ونتائجها باب عظيم من أبواب العلم والحكمة، إذ تمثل الخطوة الأولى والأهم لمعالجة العصاة وردهم إلى حياض التقوى والطاعة بالأسلوب الحكيم والموقف الرزين.

1 الكبائر – ص 8.

2 الطرق الحكمية ص 106 – 107.

ص: 169