الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأمَّا صورة النعل والبراق فخطأ من فاعلها.
وبالجملة فالمدار على السلطان، فكلُّ ما أنزل الله به سلطانًا فهو حق، وكلُّ ما لم ينزل به سلطانًا فهو باطل، وإن وقع فيه بعض المسلمين. ولعلّ مَنْ وَقَعَ في ذلك لم تقم عليه الحجة كما قامت عليكم، ومَنْ لم تقم عليه الحجة ولم يعانِدْ ولم يُصِرَّ فهو معذور إن شاء الله تعالى.
شبهة للنصارى واليهود في شأن الأحبار والرهبان
وإن قال النصارى واليهود: إنكم معشر المسلمين تطيعون علماءكم كما أطعنا أحبارنا ورهباننا.
قلنا: أمَّا أهل العلم والدِّين منّا فإنهم لا يطيعون في الدِّين إلا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما يقبلون أقوال العلماء على أنهم رواة مبلِّغون عن الله ورسوله، ولذلك لا يطيعون أحدًا من العلماء تبيَّن لهم أنَّ قوله يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وإذا قبلوا قول عالم ثم تبيَّن لهم مخالفتُه [573] لكتاب الله وسنة رسوله تركوه، ومَنْ كان من المسلمين على غير هذه الطريقة فهو على خلاف الشريعة، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
قال الشيخ العلَّامة المحدِّث الصوفي الفقيه الحنفي ولي الله الدهلوي
(1)
رحمه الله في كتابه «البدور البازغة» :
«بيان وجوه الإشراك بالله تعالى.
من باب سوء المعرفة داء عضال عمَّت الأممَ غائلتُها، وهي الإشراك
(1)
أحمد بن عبدالرحيم الفاروقي الهندي المحدث، صاحب مصنفات، توفي سنة 1176 هـ، وقيل 1179 هـ. الأعلام 1/ 149.
بالله تعالى شيئًا من النَّاسوت، وتحقيقه أن الإنسان إذا خُلِّيَ ونَفْسَه أدرك لا محالة أنَّه يقدِّر بقَدْرين
…
(1)
.
ثم إنَّ مِن طباع النَّسَمة أنها لا تزال تفتِّش عن حقائق الأشياء وتجعل بعضها ممتازة عن البعض وذلك لقوَّته
(2)
العلمية، فإذا تفطَّنت بتأثير عجيب لم تذره سُدًى، بل ناطه بشرفٍ موجود في مظهره وفضلٍ وعظمة فيه وأحبَّه حبًّا، فإن كان التأثير تأثيرًا يبعد عن أبناء جنسه في زعمه تبعه اعتقاد الشرف المقدَّس والفضل المتعالي والمحبة السابغة بالضرورة، ثم إن تكرَّر صدور مثل هذه التأثيرات منه أو تجشَّم تكرار ذكرها ارتكزت تلك المحبة وذلك التعظيم [574] في قلبه ودبّ الإشراك بالله تعالى في عقيدته وهو لا يعلم، وذلك لأن معرفة الإنسان بربه إنما ملاكها معرفة المغايرة الجنسية، فيعرف جنس الناسوت منقهرًا بما ليس من جنسه، فلما أثبت له العظمة المقدَّسة وأحبه حبًّا مقدَّسًا، فقد حكم عليه بتفوقه عن جنس الناسوت في ضمن ذلك وهو لا يشعر.
والمرضى بهذا المرض على أصناف:
فمنهم من نسي الله تعالى وعظمته واضمحلَّ
(3)
عنه، فجعل لا يعبد إلا الشركاء ولا يرفع حاجته إلا إليهم، ولا يلتفت إلى الله تعالى لفتة وإن كان يعلم بالنظر البرهاني أنَّ سلسلة الوجود لا بدَّ لها من واحد يستند إليه، ولكن عَطَّل هذا الواحدَ في التأثير مطلقًا، وعلى هذا المذهب قوم من المجوس والصابئين
…
(1)
حذف المؤلف هنا صفحة وخمسة أسطر. والمراد بقوله «يقدِّر بقدرين» أن العبد يُدرك التفاوت بين قدر نفسه وأبناء جنسه وبين قدر الخالق.
(2)
كذا في الأصل والبدور البازغة، ولعل التذكير في الضمير هنا وفي المواضع الآتية على تأويل النسمة بالإنسان أو الشخص.
(3)
كذا في الأصل، وفي البدور البازغة: وذهل.
ومنهم من اعتقد أنَّ الله تعالى هو الشريف السيد، ومنه التأثير في العالم، ولكنه قد يخلع على بعض العباد لباس الشرف والتأليه ويجعله مؤثرًا متصرفًا في قسط من العالم، كما أن ملِك الملوك قد يخلع على بعض عبيده خلعة الملك ويملِّكه على ناحية من ممالكه، فهو ملك الملوك وهم ملوك إنما ملَّكهم [575] هو، وكذلك الله إله الآلهة، وهم آلهة لهم قدر عظيم عند الله تعالى وتصرُّف في مملكته وشفاعة إليه، فتلجلج لسانهم أن يسموهم عباد الله تعالى، فيسوُّوهم وغيرَهم فعدلوا عن ذلك وسمَّوهم أبناء الله تعالى ومحبوبي الله عز وجل ومعشوقي الله سبحانه، وسمَّوا سائر الناس عبادًا لأولئك، فسمَّوا أنفسهم عبد المسيح وغلام فلان وغلام فلان وإسفَنْديار
(1)
وغير ذلك. وعلى هذا المذهب اليهود والنصارى والمشركون والغلاة من منافقي دين محمد صلى الله عليه وسلم في يومنا هذا.
ومنهم مَن اعتقد أن الله هذا (هو)
(2)
المؤثر في خلقه ولكن أولئك عباد فنوا في الله فكان رضا الله تعالى في رضاهم ورضاهم في رضاء الله تعالى، فهم لا يفعلون فعلًا إلَّا وفعل الله تعالى داخل اسمه فعلهم
(3)
، وأولئك لو علموا بأنَّ هذا الاعتقاد شرك وغير مرضي من الله تعالى لم يعتقدوه، ولكن الله تعالى أعمى أبصارهم.
(1)
ويقال: إسبنديار ــ بالباء المعقودة ــ، والكلمة معناها الحرفي باللغة الفارسية هو مَنْ خَلَقه العقل المقدَّس. وهو اسم للإله المشرف على الشهر الثاني عشر من الشهور الشمسيَّة، وكذلك الإله المشرف على اليوم الخامس من كل شهر شمسيٍّ. انظر: لغت نامة لدهخدا، وبرهان قاطع للتبريزي بتحقيق الدكتور معين ــ تحت كلمة اسفنديار.
(2)
ما بين القوسين تصحيح من المؤلف.
(3)
كذا في الأصل والبدور البازغة.
واعلم أن الألفاظ المستعملة في الشرف المقدَّس والشرف الناسوتي أكثرها متقاربة، ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لطبيب:«إنما الطبيب هو الله تعالى وإنما أنت رفيق»
(1)
، فلم
(2)
يسوِّغ إطلاق [576] الطبيب على رجل من بني آدم بالمعنى الثاني، وكذلك يقول:«السيد هو الله تعالى»
(3)
، ثم يقول:«أنا سيِّد ولد آدم»
(4)
بالمعنى الثاني.
فكل نبيٍّ بعث في قومه زجرهم عن وجوه الشرك فتبرَّأ قلوبهم عنها وفهموا ما يقوله وإن اشتبهت الألفاظ، ثم لما انقرض الحواريُّون من أصحابه ووصاة دينه وحملة علمه ورُفعت الأمانة عن قلوب الناس خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وحملوا كلام النبي على غير محمله، وجعلوا الشفاعة والمحبوبيَّة وغيرهما التي أثبتها النبيُّ لنفسه
(1)
الحديث في مسند أحمد 4/ 163، بلفظ:«أنت رفيقٌ، والله الطبيب» . [المؤلف]. وفي رواية أخرى لأحمد 2/ 226 - 227: «لست بطبيب، ولكنك رفيق» . وهو أيضًا في سنن أبي داود (4207) بلفظ: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق» .
(2)
في البدور: «ثم» ، وعلى هذا يكون المراد بالمعنى الثاني: تشخيص المرض ووصف الدواء. وأما على ما في الأصل فالمراد به: إزالة المرض وإحداث الصحة.
(3)
الحديث في مسند أحمد وغيره بسندٍ على شرط الشيخين: قال الإمام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، قال: سمعت قتادة قال: سمعت مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يحدِّث عن أبيه، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: أنت سيِّد قريشٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«السيِّد الله» ، قال: أنت أفضلها فيها قولًا وأعظمها فيها طَولًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليقلْ أحدكم بقوله، ولا يستجْرِه الشيطان» . مسند أحمد 4/ 24 - 25. وله عنده وعند غيره أسانيد أخرى، مع خلافٍ في بعض الألفاظ. [المؤلف]. وانظر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح 4/ 254، ح 4806.
(4)
الحديث في صحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق، 7/ 59، ح 2278، بلفظ: «أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة
…
». [المؤلف]
وللخواصِّ من أمته شفاعة ومحبوبيَّة أخرى، فعند ذلك بطل الدين وانقلب الزمان زمان جاهلية فيبعث الله نبيًّا آخر فأنكر عليهم ونهاهم عن وجوه الشرك وبذل في ذلك أشدَّ سعي وأوفر مصادمة.
وأما الدِّين المحمَّدي صلى الله عليه وسلم فلا يزال فيه وصيٌّ يحمل الوحي والعلم على وجههما، ولا يكاد يخلط شيئًا بشيء، فإن اتَّبعوه وأصغوا إليه فازوا، وإن نبذوا قوله وراء ظهورهم خابوا، ولا يزال طائفة من أمته قائمين على الحق لا يضرُّهم من [577] خالفهم، وكذلك (ولذلك)
(1)
لا يكون في دينه جاهلية ولا يبعث بعده نبي، والله أعلم بأسراره.
فصل
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ اتبعتموهم» ، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:«فمن؟»
(2)
.
إلامَ أصف لك ما أحدثه منافقو أمته من وجوه الشرك، وأغضبوا قلب وصيِّه وضيَّقوا صدر حامل علمه ووحيه، فقد رأينا رجالًا من ضعيفي المسلمين يتَّخذون الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله تعالى، ويجعلون قبورهم مساجد، ويحجُّون إلى قبورهم وآثارهم وأتلالهم كما كان اليهود والنصارى يفعلون ذلك، ورأينا رجالًا منهم يحرفون الكلم عن مواضعه، يقولون: الصالحون لله والطالحون لي
(3)
، كما قالت اليهود: {لَنْ تَمَسَّنَا
(1)
التصحيح من المؤلف.
(2)
قد تقدم سياق الأحاديث في ذلك وتخريجها. [المؤلف]. انظر ص 227 - 228.
(3)
أي: يهبهم لي ولا يعذبهم، والعبارة وردت في دستور العلماء 4/ 4.
النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، ويحملون الشفاعة والمحبوبيَّة على غير محملهما، كما حملهما مَنْ كان قبلهم، واختطفوا من ملَّة الهنود وملة المجوس أمورًا فلا يزالون عاضِّين عليها بنواجذهم، وتحزَّبوا أحزابًا، وقاسوا على المنصوص
(1)
فضلّوا وأضلّوا. وهل أنت ملتمس لم كفَّر الله سبحانه اليهود والنصارى في اتخاذهم [578] الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله؟ أتراهم يقولون بِقِدَمِ رجل اعترفوا بأنَّ فلانًا أبوه وفلانة أمُّه، أو وجوب رجل اعترفوا بأنَّه لم يكن بالأمس شيئًا مذكورًا، أو انتهاء
(2)
سلسلة الوجود [إلى رجل]
(3)
اعترفوا بأنَّ قبله قرونًا كثيرًا؟ كلّا، بل هي تناقضات، وأخبث مَنْ يعتقدها يُسمَّى بشرًا! أَوْ تراهم يقولون بحلول الله سبحانه ذلك القديم في هذا الحادث؟ فلِمَ يقولون في محاوراتهم: إن الله تعالى بعث فلانًا وأوحى إليه كذا وكذا، ومات فلان أو يستشفع فلان عند ربه فيستجاب له، أو ما يجري مجرى هذه الكلمات؟ بل الحق أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى، وتَلَجْلَج ألسنتهم أن يشهدوا بأنه مَن يملك مِن الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح عيسى بن مريم وأمه ومن في الأرض [جميعًا]؛ بما أُشرب في قلوبهم من اعتقاد الشرف والتألُّه في المقدَّسين. كلَّا، بل هو بشر ممن خلق، إنما فضله أنه أوحي إليه وأُمِرَ الناس أن يأخذوا بما أمره
(4)
ويجتنبوا ما نهاهم حاكيًا عن ربه تعالى، فكل شرف له فإنما هو متشعِّب من هذه لا غير، وقد [579] آتيناك من البينات بما
(5)
لا يكون
(1)
لعله يقصد إعمال القياس في المنصوص تهرُّبًا من العمل به كما جاء.
(2)
في الأصل: «وانتهاء» ، والمثبت من البدور.
(3)
ما بين المعكوفات هنا وما سيأتي ساقط من الأصل ومستدرَك من البدور.
(4)
كذا في الأصل والبدور، ولعل الصواب:«أمرهم» بدليل ما بعده ..
(5)
كذا في الأصل والبدور.
للإنسان عذر بعده ولو ألقى معاذيره، فتدبَّر.
ألا ترى أن مشركي مكة كانوا يذعنون بانصرام سلسلة الوجود إلى الله تعالى كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، وما أغناهم ذلك عن الإشراك بالله. وربما قرع سَمْعَكَ فيما يُسرد من الأخبار أنَّ العلم سيرفع بين يدي القيامة فيتمارى رجلان، يقول أحدهما: إيَّاك ستين، ويقول الآخر: إياك سبعين، فيرفعان القضية إلى أعلمهم فيقول: إياك تسعين!
(1)
. وأقسم بالذي نفسي بيده إنه قد وقع في آيات أُخر، فلستُ أرى أحدًا إلَّا وفيه الإشراك، كما قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 105].
وكفَّر الله سبحانه مشركي مكة بقولهم لرجل سخيٍّ كان يلُتُّ السويق للحاجِّ: إنه نُصب [منصب] الألوهية، فجعلوا يستعينون به عند الشدائد
…
» (ذكر حديث عدي بن حاتم
(2)
).
ثم قال: «فقد علمنا أن الشرك ليس بمحصور في العبادة بل قد يكون بهذا النحو. ولعلَّ رجلًا عريض القفا يقول: وكيف يكون هذا وما سمعنا رجلًا يقول بذلك؟ فنقول له: اعلم أنَّ التحريف ليس هو [580] اعتياض لفظ مكان لفظ، كما وقف عليه فهوم العامَّة، بل شأن التحريف أَهْوَلُ من ذلك، وأكثر أنواعه وجودًا أن يقلب اللفظ عن ظاهر مراده إلى هواه وهواجس نفسه، فقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى أنَّه سيوجد رجال يسمُّون الخمر بغير اسمها
(1)
يريد آية {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في الفاتحة، ولم يرد هذا الخبر في رواية يُعتد بها، وقد ذكر ابن الجوزي حكاية شبيهة في أخبار الحمقى والمغفلين 81.
(2)
في تأليه الأحبار والرهبان، وقد سبق تخريجه في ص 654 - 655.
ويسمُّون الزنا بغير اسمه ثم يقولون: هذا ما حرَّم الله في كتابه، فعليكم به.
لا بأس، ألست ترى أقوامًا يقولون
(1)
: إن المسكر الذي يُتَّخذ من العسل وما يماثله ليس بخمر ثم أَحَلُّوه، فأولئك الذين فيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وأقوامًا يقولون: إذا وطئ الرجل أمة ابنه فذلك حلال، فأولئك قوم رُكسوا على وجوههم وغَرَّتهم الأماني، فسوف يعلمون غدًا مَن الكذَّاب الأشر.
ألست ترى أقوامًا يذعنون لأقوالهم ويجدون في صدورهم استحلال ما أحلُّوه حتى إنهم كادوا يسطون بالذين يتلون عليهم آيات الله تعالى؟
ألست تراهم إذا قيل لهم: دَعُونا من أقوال أناس قد يصيبون وقد يخطئون وعليكم بالكتاب وبما حكاه الصادق المصدوق عليه السلام من أمر الله تعالى، قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون، وخطَّؤوا هذا الرأي، بل عسى أن يقتلونِ
(2)
[581] إن استطاعوا، فأولئك هم المشركون حقًّا.
وقد اقشعرَّ جلدي حين بلغني ما يُسْرَدُ في الأساطير عن رجل اعترفوا له بالفضل أنه قال: لو تجلَّى الله سبحانه يوم القيامة على غير صورة فلان ما رأيته، فقد حطَّ بالله سبحانه درجته عن فلان، فإن صدقت الرواية فليس بمعذور عند الله تعالى.
والمنافقون على أصناف
…
ومثل منافقي ملَّة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يدينون بدين الإسلام ويضمرون في قلوبهم شركًا بالله تعالى وعبادة واستعانة إلى غير الله تعالى، فهموا رضا الربِّ محصورًا في رضا عبده»
(3)
.
(1)
كلمة «يقولون» تكررت في الأصل.
(2)
كذا في الأصل والبدور بحذف ياء المتكلم.
(3)
انتهى النقل من البدور البازغة ص 121 - 127، والأسطر الثلاثة الأخيرة من ص 164.
أقول: وما ذكره رحمه الله بقوله: غلام فلان، غلام فلان، إشارة إلى بعض المنكرات في الهند في أسمائهم، فإنَّ منها غلام عبد القادر، غلام جيلاني، غلام سبحاني، غلام رباني، غلام صمداني، غلام محيي الدين، غلام محبوب، غلام دستكير، غلام غوث، غلام بير، يعنون بهذه العشرة ونحوها غلام عبد القادر الجيلاني رحمه الله أي: إن المسمى عبد لعبد القادر، وهكذا يصنعون بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وعلي والحسن والحسين عليهم السلام، وأسماء بعض الأولياء، فيقولون: غلام [582] محمد وغلام أحمد، وهكذا. وإذا جاءهم مَنْ اسمه عبد القادر فكثيرًا ما يتحاشون من إطلاق هذا الاسم هكذا؛ لئلا يكون ذلك تشبيهًا لذلك الرجل بالشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله، بل يقولون: غلام عبد القادر.
ومن العجب أنك لا تكاد تجد في أسمائهم عبد الله وعبد الرحمن، وأعجب منه أنه إذا كان فيهم مَنْ اسمه عبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد العزيز أو عبد الجبار أو نحو ذلك من أسماء الله عز وجل لا ينادونه بذلك، بل ينادون ذاك الشخص بقولهم: يا رحمن أو يا رحيم أو يا عزيز أو يا جبَّار، وكذلك يذكرونه إذا ذكروه في كلامٍ أو كتاب، وتجد في أسمائهم كثيرًا حبيب الله، حبيب الرحمن، عظمة الله، قدرة الله، فانظر أين بلغ بهم الأمر في الجرأة على الله عز وجل، والخضوع للشيخ عبد القادر.
واعلم أن التسمية بإضافة عبد إلى غير الله عز وجل من المنكرات العظيمة ولم يكن في القرون الأولى شيء من ذلك، فأمَّا عبد المطلب جَدُّ النبي صلى الله عليه وسلم فقد صحّ أنه إنما سُمِّي بذلك؛ لأنَّ عمه المطَّلِب جاء به من المدينة إلى مكة مردفًا له فظن الناس أنه عبد اشتراه فقالوا: عبد المطَّلِب، فلزمَتْه،
فلم يقصد بذلك [583] تعظيم المطَّلِب، ولذلك والله أعلم لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره إطلاق ذلك، بل صحَّ عنه أنَّه قال:«أنا ابن عبد المطَّلِب»
(1)
.
وقد أخرج ابن سعدٍ في الطبقات بسند صحيح عن النَّزَّال بن سَبْرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنا وإياكم كنا نُدْعى بني عبد مناف، فأنتم بنو عبد الله، ونحن بنو عبد الله» ، زاد في رواية: قال مِسْعَرٌ ــ وهو من قوم النَّزَّال ــ: نحن من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم من بني عبد مناف بن قُصيٍّ من قريشٍ
(2)
.
وقد أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط، ذكره في الإصابة
(3)
.
وقد حوَّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أسماء موتى الجاهلية اسم عبد العُزَّى بن غطفان فسمى أولاده بني عبد الله بن غطفان؛ ولذلك لُقِّبوا بني محوَّلة؛ لتحويل اسم أبيهم.
ووقع للصاغانيِّ ثم شارح القاموس
(4)
وهمٌ عجيبٌ، توهَّما أنَّ القصَّة تقتضي أن عبدالله بن غطفان كان في عهد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم،
(1)
أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قول الله تعالى:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ} ، 5/ 153، ح 4315 - 4317. ومسلم في كتاب الجهاد والسير، بابٌ في غزوة حنين، 5/ 168 - 169، ح 1776.
(2)
طبقات ابن سعد 6/ 56. [المؤلف]
(3)
الإصابة 11/ 161، وانظر: التاريخ الأوسط المطبوع باسم التاريخ الصغير 1/ 38.
(4)
انظر: تاج العروس 28/ 380 مادة (ح ول).
ففتَّشا عنه في معاجم الصحابة فلم يجداه فتوقَّفا.
وكأن العلماء فهموا أنَّ تحويل أسماء الجاهليِّين ليس بحتمٍ، ولذلك لا يزالون يذكرونهم بعبد منافٍ وعبد العزى وعبد مناة ونحو ذلك.
والمقصود أنَّ اسم عبد المطلب لم يُقصَد به تعظيمٌ، ولا يُشعِر إذا عُرِف سببه بتعظيمٍ.
ثم أُلِفَ هذا الاسم فسُمِّيَ به نافلته
(1)
عبد المطلب بن
(2)
الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، صحبه وروى عنه. وفي ترجمته من تهذيب التهذيب لابن حجر: «قال العسكري: هو المطلب بن ربيعة، هكذا يقول أهل البيت. وأصحاب الحديث يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب. وقال أبو القاسم [البغويُّ]
(3)
: عبد المطلب، ويقال: المطلب. وقال أبو القاسم الطبرانيُّ: الصواب: المطلب».
أقول: وأهل البيت أدرى به، وقد يجوز أن يكون سمي عبد المطلب باسم جد أبيه ثم غَيَّره النبي صلى الله عليه وسلم فسماه المطَّلِب، وبقي بعض الناس يقول عبد المطلب؛ لأنه رأى أنَّ هذه التسمية ليس المقصود منها تعظيم المطلب، وإنما سمي هذا باسم جدِّ أبيه، وجدُّ أبيه عرض له هذا الاسم على الوجه الذي قدَّمناه، لم يقصد به تعظيم المطَّلِب. واتِّباعُ أهل البيت أولى؛ فإن هذه التسمية تكون ذريعة إلى غيرها. والله أعلم.
(1)
النافلة: ولد الولد. انظر: القاموس المحيط: 1374.
(2)
لا خلاف في أن اسم والده: ربيعة، والحارث جدُّه. ولعل المؤلف نسبه هنا إلى جدِّه.
(3)
زيادةٌ من التهذيب 6/ 384.
(1)
ومن عجيب صنع الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنْ قضى أن يكون اسم أبيه عبد الله، وقضى أن يكون اسم من يؤمن به من أعمامه لا شرك فيه وذلك حمزة والعباس، وقضى فيمن سمي من أعمامه باسم شركيٍّ أن يشتهر بكنيته وذلك أبو لهب وكان اسمه عبد العزى، وأبو طالب وكان اسمه عبد مناف. وذلك ــ والله أعلم ــ ليقترن اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صباه بالخضوع لله وحده، فيقال: محمد بن عبد الله، ولئلا يقترن بكلمة شرك، فيقال: محمد بن فلان (ويذكر اسم فيه شرك) أو: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمِّه فلان، ويذكر اسم فيه شرك. فأمَّا جدُّه عبد المطلب فقد علمت أنه لا شرك فيه، وأما جَدُّ جَدِّه فإنه بعيد لا يكاد يقترن اسم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بذكره، والله أعلم.
ثم رأيت في قصة مبارزة عليٍّ عليه السلام لعمرو بن عبد وُدٍّ يوم الخندق أن عَمْرًا قال له: مَنْ أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب
(2)
.
ومما ينبغي ذكره هنا ما جاء في أنَّ آدم وحواء عليهما السلام سمَّيا ولدهما عبد الحارث، قال الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
(1)
من هنا يبدأ ملحق ص 583، وهو أربع صفحات.
(2)
أخرجه الحاكم في كتاب المغازي، ذكر مبارزة علي رضي الله عنه عمرو بن عبد ودٍّ، 3/ 32 - 33. وعنه البيهقي في كتاب السير، باب المبارزة، 9/ 132 من طريق ابن إسحاق.
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 189 - 192].
أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عبَّاسٍ وسمرة بن جندبٍ ومجاهدٍ وسعيد بن جُبيرٍ وعكرمة وقتادة والسُّدِّي ما حاصله: أنَّ المراد بالنفس الواحدة /وزوجها آدم وحوَّاء، وأن إبليس تمثَّل لحوَّاء لما حملت فخوَّفها أن يقتلها ما في بطنها أو أن يكون بهيمة أو أن يولد ميِّتًا وأنها إن سمَّته عبد الحارث وُلِدَ صالحًا وعاش
(1)
.
وفي الرواية عن السُّدِّي أنه كان يقول لها: سمِّيه عبدي وإلَّا قتلته، فأَبَيَا فمات، ثم حملت الثانية، فكذلك، ثم حملت الثالثة، فقال: إن أبيتما فسمِّياه عبد الحارث، فأطاعاه.
وفي أكثر الروايات: فأشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة.
وقد أنكر جمهور المحقِّقين هذه القصة؛ لأن سياق الآيات يخالفها، ولأنَّ فيها نسبة الشرك إلى صَفِيِّ الله آدم عليه السلام.
وأمَّا قول من قال: إنه شرك في الاسم لا في العبادة، ففيه نظر؛ لأن سياق الآيات ظاهر في أنَّه الشرك الأكبر، والمقصود هنا النظر في تلك القصة ليفهم معنى قولهم: أَشْرَكَا في الاسم ولم يُشْرِكَا في العبادة.
فأقول: اعلم أنَّ التسمية بعبد الله وعبد الرحمن وعبد المسيح وعبد العزى وأشباهها قُصد بها تعظيم يطلب به نفع غيبي فهي عبادة حتمًا.
(1)
انظر: تفسير ابن جرير 10/ 623 - 628، الدر المنثور 3/ 623 وما بعدها.
وأما قولنا لمملوك زيد: هذا عبد زيد فليس كذلك، وكذلك لو توهِّم في رجل أنه مملوك لزيد فقيل: هذا عبد زيد ثم لصقت به هذه الكلمة لقبًا كما وقع لعبد المطلب كما مرّ. ولو قيل لرجل: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا لم يعش، فسماه عبد المسيح ليعيش لكان من الأوَّل؛ لأن في هذه التسمية تعظيمًا طُلِب به نفع غيبي وهو أن يعيش الولد، اللهم إلا أن يكون أعجميًّا فيقال له: إنَّ المسيح اسم من أسماء الله عز وجل، فإن هذا يعذر. وكذا إذا تسلَّط عليه إنسان ظالم قال له: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا قتلته، فسماه عبد المسيح كارهًا لذلك عازمًا على أنه إذا تخلَّص من سطوة هذا الظالم غَيَّرَ ذلك الاسم، فإنَّ هذا يُعْذَر؛ لأنه مُكْرَهٌ.
وكذا فيما يظهر/لو تمثَّل له شيطان فقال له: سمِّ ولدك عبد المسيح وإلا قتلته وأنت ترى، فامتنع، فأخذ الولد فخنقه وأبوه يرى، فقال: دعه وأنا أسميه بذلك، فإنَّ الشيطان المشاهَد لا فرق بينه وبين الإنسان. ويبقى النظر فيما إذا تمثل له شيطان، فقال له: سمِّ ولدك الذي في بطن أمه عبد المسيح وإلَّا قتلته في بطن أمه، أو قال له: سمِّ ولدك هذا الذي قد وُلِدَ عبد المسيح وإلا دخلت في جسده فصرعته. والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن تسلُّط الشيطان على الحمل أو على الإنسان بأن يدخل في بدنه ويصرعه أمر غير محسوس، فهذه الصورة تشبه من جهةٍ الشيطانَ المتمثِّلَ الذي يباشر الإيذاء بالمشاهَدة، وتشبه من جهةٍ ما لو أَخَذَ إنسان يعظِّم الشياطين ولم يشاهدهم لئلا يؤذوه أو يؤذوا أولاده. وقد يقرِّبها من الأول أن يقع في المحسوس ما يظهر منه قدرة الشيطان المتمثل على ما يهدِّد به كأن يهدِّد بقتل الحمل أول مرة فيموت الحمل وثانية فيموت أو بصرع المولود فيصرع ويموت، ثم بصرع الثاني فيصرع ويموت.
وبعدُ، فالظاهر من الحكايات عن آدم وحواء أنهما لم يعرفا أن الحارث اسم إبليس كما تصرِّح به حكاية السُّدِّي، ويظهر أنهما توهَّما أنَّ الحارث من أسماء الله عز وجل، ولا مانع من ذلك، فقد قال تعالى:{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63 - 64].
وقد يُتَوهَّم في التسمية به سببٌ لعيش الولد، فإنَّ الولد كالزرع، ففي تسميته بعبد الحارث على فرض أنَّ الحارث من أسماء الله عز وجل اعتراف بأنه هو الذي خلقه ويحييه.
وقد يُعَكِّرُ على هذا قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
والجواب: أن أسماء الله تعالى لم تدخل في ذلك كما يدلُّ عليه السياق، حيث قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ / أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
…
قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ
…
} [البقرة: 31 - 33].
فقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} وقوله: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} صريح في أن المراد أسماء أشخاص حاضرين مشاهَدين أشار إليهم ربهم، وليس هو فيهم.
ومما يدل على ذلك ما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم من قوله في دعائه: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 1/ 391، وأبو يعلى في مسنده 9/ 198، ح 5297، والطبراني في المعجم الكبير 10/ 169 ح 10351، وابن حبان في صحيحه (الإحسان)، كتاب الرقائق، باب الأدعية، ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه
…
، 3/ 253 ح 972 والحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء، دعاء يُذهب الهمَّ والحزن، 1/ 509، من طريق أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه؛ فإنه مختلف في سماعه عن أبيه، وتعقبه الذهبي بقوله:«وأبو سلمة لا يُدرى مَن هو، ولا رواية له في الكتب الستة» .