الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحاصل: أن معنى قولهم: أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة، أن الحارث لما كان اسمًا للشيطان كان معنى الاسم: عبد الشيطان، ولكنهما لما لم يَعْلَمَا بذلك لم يكونا معظِّمَين للشيطان، وإذا قلنا بأن تهديد الشيطان المتمثِّل مع تكرُّر ما يدلُّ على قدرته على ما هَدَّدَ به يكون إكراهًا فيقال: إنما أشركا في الاسم وهو شرك لفظيٌّ، ولم يشركا في العبادة؛ لأنهما كانا مُكْرَهَين. والأول هو المتعيِّن، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بالآثار، فأمَّا كون هذا المعنى هو معنى الآية فلا ألتزمه، وقد تقدَّم الكلام على الآيات
(1)
. والله أعلم
(2)
.
شُبَهُ عَبَدَةِ الملائكة
عبدةُ الملائكة فريقان:
الفريق الأول: مَن يزعم أنَّ الملائكة يتصرَّفون بهواهم واختيارهم، ومن هؤلاء وثنيُّو الهند واليونان والمصريُّون القدماء، وشبهتهم القياس على البشر. وربما يحتجون علينا بقول بعض المسلمين:[584] إنَّ أرواح الأنبياء والأولياء تتصرَّف في الكون باختيارها.
(1)
ص (س 62 ب فما بعدها).
(2)
هنا انتهى ملحق ص 583.
وقد كنت بسطتُ الكلام على شبهتهم وردِّها ثم عدلت عن ذلك؛ لأني وجدتُ الله تعالى قد سحق شبهتهم ومحقها بحيث لم يبق لها عين ولا أثر، وذلك بقوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وغيرها من الآيات، وقد تقدَّم الكلام عليها
(1)
.
وأما قول بعض المسلمين فخطأ منهم كما تقدَّم.
الفريق الثاني: من لا يثبت للملائكة اختيارًا إلَّا في الشفاعة على تردُّد منهم في ذلك، ومن هؤلاء مشركو العرب، وقد تقدَّم أن قوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] يبطل شبهتهم أيضًا، في آيات أُخر، ولكن لا بأس بالإطناب في هذا الباب فأقول:
شبهة هذا الفريق هي القياس على ملوك الدنيا كأنهم يقولون: إننا نرى الملِك من ملوك الدنيا لا يخلو أن يكون لديه أشخاص مقرَّبون تعرض الناس عليهم حوائجهم، فيعرضها المقرَّبون على الملك، ويسألونه قضاءها فيقضيها إكرامًا لهؤلاء المقرَّبين. ويعدُّ هذا من تمام عظمة الملك؛ لأنَّ من الحوائج ما لا يحسُن عرضها على الملِك بدون واسطة، ومن أصحاب الحوائج مَن لا يليق لمخاطبة الملك؛ إمَّا لدناءته وإما لإساءة تقدَّمتْ منه، [585] ومنهم مَن لا يستحق أن تقضى حاجته ولكن إذا شفع فيها أحد المقربين قضاها الملك؛ لأن ذلك المقرَّب يستحق الإكرام.
الجواب: قد أبطل الله عز وجل هذه الشبهة بإخباره أنَّ الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فهم بغاية التعظيم
(1)
ص 349.
لربهم عز وجل والمحبة له والاجتهاد في مرضاته، إن أحبوا أن يشفعوا لأحد فإنما ذلك لعلمهم بأنَّ ربهم تبارك وتعالى يحبُّ الشفاعة له ويرضاها.
وقد أخبر الله تعالى عن بعض شفاعتهم بقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 4 - 6].
فأنت تراهم إنما شفعوا لمن تاب واتَّبع سبيل الله تعالى، وقد قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
وإذا كان الأمر كذلك فطريق التوصُّل إلى شفاعة الملائكة إنما هي بطاعة الله تعالى واتِّباع سبيله والتوبة من الذنوب، ونحو ذلك.
فأمَّا تعظيمهم فإنه لا يحملهم على الشفاعة، بل إذا علموا أن تعظيمهم معصية لله تعالى وكفر به كان أبغض الأشياء إليهم، فهم إلى أن يسألوا الله تعالى تعذيب فاعله أقرب من أن يشفعوا له. وكذا يُقال في سؤال الشفاعة منهم.
وأمَّا قياسكم على ملوك الدنيا فغلط واضح؛ فإنَّ ملوك الدنيا مفتقرون إلى أن يكون لديهم من يبلغ حوائج الناس إليهم.
أوَّلًا: لجهل الملك، فلا يتيسَّر له العلم بحوائج الرعية كلهم.
ثانيًا: لعجزه فلا يستطيع الاستماع من كل أحد.
ثالثًا ورابعًا وخامسًا: لفقره وبخله ورئائه، فهو لا يقدر أو لا يريد قضاء الحوائج كلها، ولا يحب أن يعلم الناس أنه فقير أو بخيل فهو يرائي الناس بأن يوكِّل وسائط لسماع [587] الحوائج حتى يقضيَ منها ما أراد، ويترك ما أراد، فيظن العامة أنَّه ليس به فقر ولا بخل ولكنَّ الوسائط لم يبلِّغوه.
سادسًا: لخيلائه لا يحب أن يصل إليه الضعفاء والمساكين.
سابعًا: لخوفه أن يكون في غمار الناس من يريد قتله.
ثامنًا: لحقده فلا يحب أن يتصل به من قد أساء إليه.
تاسعًا: لاحتياجه إلى أولئك المقرَّبين ليسعوا في معونته وتأييد ملكه، فهو يوهمهم أنه لم يكن يريد أن يقضيَ تلك الحوائج لولا شفاعتهم.
عاشرًا: لخشيته من رؤوس الناس أن يسعوا في زوال ملكه، فهو يداريهم بأن يمنحهم الرياسة والإمارة والوساطة بينه وبين الرعية.
وهناك أسباب أخرى من هذا القبيل، منها: خوف الملك من نفسه أن يغضب في غير موضع الغضب، أو يبخل في غير موضع البخل، أو يكافئ على الإحسان بأقلَّ مما ينبغي، أو يعاقب على الذنب بأشدَّ مما ينبغي، وأشباه ذلك، وكلها نقائص لا يخفى أنَّ الله عز وجل متعالٍ عنها وعن أشباهها.
والمقرَّبون إلى ملوك الدنيا يرون أنَّ لهم حقًّا أن يشفعوا إلى الملوك وأن تُقبل شفاعتهم؛ لأمور، منها: علمهم بما تقدَّم من النقائص في الملوك، ومنها: أنهم يرون لأنفسهم حقًّا على الملوك لتأييدهم لملكهم وسترهم عيوبهم وإظهارهم محاسنهم وقدرتهم على أن يضرُّوا الملوك إذا أرادوا وغير ذلك.
[588]
ولا يأتي هذا في الملائكة؛ لأنهم يعلمون أنَّ ربهم عز وجل مبرَّأ من كل نقص، غني عنهم وعن غيرهم، قادر على كل شيء، لا يستطيع أحد أن يضره. هذا مع كمال الملائكة في أنفسهم، وخضوعهم الكامل لربهم سبحانه، وحرصهم على مرضاته.
ورعيَّةُ ملوك الدنيا بِغاية الحاجة إلى أن يكون لهم شفعاء إلى ملوكهم؛ لعلمهم بنقائص الملوك التي تقدَّمت. ومن عرف الله تعالى علم أنه عالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء من مصالح عباده، وإذا أراد أمرًا فقد علم أنه كائن، وما علم أنه كائن فهو كائن لا محالة، ولو شفع إليه الخلق كلهم أن يرجع عما أراده لما أمكن ذلك، وأنه سبحانه أحكم الحاكمين أرحم الراحمين، فالحاجة التي يريدها العبد إن كانت مما قد سبق العلم [بها]
(1)
واقتضتها الحكمة والرحمة فهي كائنة ولا بدَّ، ويكفي في طلبها طاعة الله عز وجل ودعاؤه والخضوع له، كما يقتضيه مقام العبوديَّة، وإلَّا فلو شفع إليه خلقه كلهم فيها لما حصلت، فأي فائدة للشفاعة مع هذا؟ وما أحمق مَنْ يتوهَّمُ أن يكون أحدٌ أرحمَ به من ربه تعالى!
(1)
سقطت هذه الكلمة من الأصل.
وقولكم: «من الحوائج ما لا يحسُن عرضُها على الملِك بدون واسطة» لا معنى له بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنه هو العليم الخبير الرؤوف الرحيم، فليس من حاجةٍ لا يحسُن عرضها عليه، بل إنَّ [589] من الحوائج ما يحرم على الإنسان أن يذكرها لمخلوق ويجب عليه أن يدعو الله عز وجل لها، وذلك كالفواحش إذا وقعت منه لم يكن له إظهارها لأحد من الناس، ويجب أن يدعو ربه ويقول مثلًا: يا رب إني ظلمت نفسي بإصابة الفاحشة فاغفر لي. وكذلك من الأشياء ما يُتَحَاشَى من ذكرها للناس كالأمراض السِّرِّيَّة ولا حرج في أن يذكرها في دعاء الله عز وجل.
فإن كان قصدكم أنَّ من حوائج الناس ما يكون في معصية الله عز وجل فالملائكة أبعد من أن يشفعوا في معصيته، ولو شفعوا لحصول معصيته لكانوا عصاة، فإن وقع منهم ما يوهم الرضا بمعصيته فذلك غضب على ذلك العاصي ورغبة في بقائه على المعصية ليَتِمَّ له استحقاق العذاب، كما رُوي في دَسِّ جبريل عليه السلام الحمأة في في فرعون
(1)
إن صح، وقد تقدَّم الكلام عليه
(2)
.
ومما يشبه ذلك دعاء موسى وهارون على فرعون وقومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا
(1)
أخرجه الترمذيّ في كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة يونس، 5/ 287 - 288، ح 3108، وقال:«حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه» . والنسائيّ في الكبرى، كتاب التفسير، سورة يونس، قوله تعالى:«حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت» ، 10/ 125، ح 11174. وصحّحه الشيخ الألبانيّ في صحيح سنن الترمذيّ.
(2)
انظرص 381.
لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88].
وقولكم: إنَّ من أصحاب الحوائج مَن لا يليق لمخاطبة الملك لدناءة أو إساءة، لا يصحُّ في حق الله عز وجل، فإنه سبحانه البرُّ الرَّحيم [590] لا يأنف من سماع دعاء أحد من خلقه، كيف وهو ربهم وبارئهم؟ ومَن أساء منهم لا يخلو أن يكون جاء تائبًا أو غير تائب، فإن كان تائبًا فالتوبة تمحو الإساءة السابقة وتوجب محبَّة الله تعالى للتائب، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فقال:{يُحِبُّ} ولم يقتصر على المغفرة، وقدَّم {التَّوَّابِينَ} على {الْمُتَطَهِّرِينَ} ، والتوَّابين صيغة مبالغة أي الذين تكثر توبتهم، وذلك يُشْعِر بكثرة خطاياهم.
وفي صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»
(1)
.
وفي صحيح مسلمٍ أيضًا عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَلَّه أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظِلِّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدَّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدَّة الفرح» .
(1)
صحيح مسلمٍ، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، 8/ 94، ح 2749. [المؤلف]
وفي صحيح مسلمٍ أيضًا نحوه عن ابن مسعودٍ، وعن أبي هريرة، وعن النعمان بن بشيرٍ، وعن البراء بن عازبٍ، كلُّهم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: [591] «إن عبدًا أصاب ذنبًا، وربما قال: أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت، وربما قال: أصبت، فاغفره، فقال ربُّه: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا أو أذنب ذنبًا فقال: ربِّ أذنبت أو أصبت ذنبًا
(2)
فاغفره فقال: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا قال: قال: ربِّ، أصبتُ أو أذنبت آخر فاغفره لي فقال: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنوب ويأخذ به، غفرت لعبدي ثلاثًا فليفعل ما شاء»
(3)
.
وروى الإمام أحمد والدارميُّ عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربِّه قال: «ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم! إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئًا، ابن آدم! إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي»
(4)
.
(1)
صحيح مسلمٍ، كتاب التوبة، بابٌ في الحضِّ على التوبة والفرح بها، 8/ 91 - 93، ح 2675 و 2744 - 2747. [المؤلف]
(2)
في صحيح البخاريِّ: «آخر» بدل «ذنبا» ، بالاكتفاء بالصفة وحذف الموصوف.
(3)
البخاريّ، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} ، 9/ 145، ح 7507. ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، 8/ 99، ح 2758. [المؤلف]
(4)
مسند أحمد 5/ 167 و 172، سنن الدارميِّ، كتاب الرقاق، بابٌ إذا تقرَّب العبد إلى الله تعالى، 2/ 322، ح 2830. [المؤلف]
وإن كان غير تائبٍ
(1)
فالملائكة والأنبياء والصالحون كلهم لا يحبونه، ولا يحبُّون أن تُقْضَى حاجته، والله تعالى أرأف به منهم وأرحم، ولذلك سمّى نفسه أرحم الراحمين، وقال عز وجل:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [592] وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].
وقال تعالى لخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].
أخرج البخاريُّ وغيره عن ابن عمر أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخِرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» ، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ} إلى قوله {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} .
وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة نحوه
(2)
.
وروى الترمذي حديث ابن عمر بلفظٍ آخر، وزاد فيه: فتاب الله عليهم فأسلموا فحسُن إسلامهم. وفي رواية: فهداهم الله للإسلام
(3)
.
(1)
هذا قسيم التائب الذي ذُكِر في الصفحة السابقة.
(2)
صحيح البخاريِّ، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب:«ليس لك من الأمر شيءٌ» ، 6/ 38، ح 4559 - 4560. [المؤلف]
(3)
جامع الترمذيّ، كتاب التفسير، بابٌ ومن سورة آل عمران، 2/ 167، ح 3004 - 3005. [المؤلف]
وفي تفسير ابن جرير في الكلام على قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75]: وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ما حدَّثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} ، إنه جلا
(1)
له الأمرَ سرَّه وعلانيته، فلم يَخْفَ عليه شيءٌ من أعمال الخلائق، فلما جعل
(2)
يلعن أصحاب الذنوب، قال الله تعالى: إنك لا تستطيع هذا، فردّه الله كما كان قبل ذلك»
(3)
.
وفيه أيضًا في تفسير قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81] عن ابن عباس: فأوحى الله إليه: مُر الأرض بما شئت، قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حِقِيِّهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم. [593] قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، يا موسى، ويتضرَّعون إليه، قال: يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: يا موسى، تقول لك عبادي: يا موسى، يا موسى، فلا ترحمهم، لو إيَّاي دعوا لوجدوني قريبًا مجيبًا
(4)
.
وإذا اتفق أن يرحم بعضُ المقرَّبين عاصيًا فيدعو له فإنما ذلك لعدم علم ذلك المقرَّب بحقيقة الحال، ومن ذلك قول الله عز وجل: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)
(1)
أي: كَشَفَ.
(2)
في الأصل: «جعله» ، وهو سبق قلمٍ، والتصحيح من الطبعة التي نقل منها المؤلف.
(3)
تفسير ابن جرير 7/ 148. [المؤلف]. وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء كما قال أحمد شاكر. انظر: تفسير الطبري 1/ 263 بتحقيق محمود شاكر.
(4)
تفسير ابن جرير 20/ 68. [المؤلف]
يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 74 - 76].
فالخليل عليه السلام كان يرجو أن يؤمن القوم، أو يخرج من أصلابهم مَن يؤمن، ولذلك لما عرض على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم عذاب قومه قال:«بل أرجو أن يُخْرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» . الحديث في الصحيحين
(1)
.
ولو علم إبراهيم أنَّ قوم لوطٍ لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنًا لدعا عليهم، وكذلك محمد صلَّى الله وسلَّم عليهم أجمعين، كما فعل نوح عليه السلام، قال الله تعالى:{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36]، فلذلك ــ والله أعلم ــ دعا عليهم كما قال تعالى:{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 26 - 27].
(2)
/ومما يشبه قصَّة إبراهيم عليه السلام قصَّة نوح إذ قال: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي
(1)
صحيح البخاريِّ، كتاب بدء الخلق، بابٌ: «إذا قال أحدكم: آمين
…
»، 4/ 115، ح 3231. ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الأذى، 5/ 181، ح 1795. [المؤلف]
(2)
ملحق ص 593. [المؤلف]
أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 45 - 47].
ومن ذلك قوله تعالى لخاتم أنبيائه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].
وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6].
وفي القرآن آيات كثيرة من هذا المعنى.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عندما أُنزلت عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قال: «يا معشر قريش ــ أو كلمة نحوها ــ اشترُوا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنكِ من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا»
(1)
.
(1)
البخاريّ، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب قوله:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، 6/ 112، ح 4771. ومسلم، كتاب الإيمان، بابٌ في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، 1/ 133، ح 206. [المؤلف]
وفي صحيح مسلمٍ وغيره عن سعد أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم
(1)
مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلَّينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف، فقال: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدةً، سألت ربي ألّا يهلك أمتي بالسَّنة
(2)
فأعطانيها، وسألته ألّا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألَّا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»
(3)
.
وفي صحيح مسلم وغيره نحوه عن ثوبان عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه:«وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرَدُّ»
(4)
.
وقد جاء نحو هذا الخبر عن أبي نضرة
(5)
الغفاري عند أحمد وغيره، وهناك روايات أُخَر في هذا المعنى.
وفي صحيح البخاريِّ وغيره /عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبَرة
(6)
، فيقول له إبراهيم: ألم أَقُلْ لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا
(1)
في صحيح مسلمٍ زيادة: أقبل ذات يومٍ من العالية، حتى إذا ....
(2)
أي: بالجَدْب. النهاية لابن الأثير 2/ 413.
(3)
صحيح مسلمٍ، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعضٍ، 8/ 171 - 172، ح 2890. [المؤلف]
(4)
صحيح مسلمٍ، الموضع السابق، 8/ 171، ح 2889. [المؤلف]
(5)
كذا في الأصل، والصواب بالباء المعجمة والصاد المهملة.
(6)
القَتَرة: السَّواد الكائن عن الكآبة، والغَبَرة: الغُبار من التراب. انظر: فتح الباري 8/ 499 - 500.
أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزي أخزى من أبي الأبْعد؟ فيقول الله تعالى: إنِّي حرَّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟
(1)
فإذا هو بذيخٍ متلطِّخٍ
(2)
، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار»
(3)
.
وفي الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «
…
لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم منِّي، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سحقًا
(4)
لمن غَيَّر بعدي». وصحَّ نحوه من حديث ابن مسعودٍ، وعائشة، وأختها أسماء، وأبي هريرة، وأنسٍ، وغيرهم
(5)
.
ويُعْلَم مما تقدَّم وغيره أنَّ قوله تعالى في المؤمنين: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ
(1)
في البخاري زيادة: فينظر.
(2)
في الطبعة الأميرية: ملتطخٍ، وما هنا موافق للطبعة الهنديَّة. والذِّيخ: ذكر الضبُع الكثير الشعر. انظر: النهاية 2/ 174، القاموس المحيط ص 321.
(3)
البخاريّ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، 4/ 138، ح 3350. [المؤلف]
(4)
أي: بُعْدًا بُعْدًا. النهاية لابن الأثير 2/ 347.
(5)
انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الرقاق، بابٌ في الحوض، 8/ 119 - 122، ح 6576 و 6582 - 6587 و 6593 [من حديث ابن مسعودٍ وأنسٍ وسهل بن سعدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهم]. وصحيح مسلمٍ، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وصفاته، 7/ 65 - 71، 2290 - 2291 و 2293 - 2295 و 2297 و 2304 [من حديث سهل بن سعدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأسماء وعائشة وأمِّ سلمة وابن مسعودٍ وأنسٍ رضي الله عنهم]. [المؤلف].
عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الزمر: 34] المراد به ما يشاءون من نعيم الجنة، أو أنهم إذا شاءوا ما لم يقضه الله عز وجل بيَّن لهم الحكمة في عدم قضائه، فيرجعون عن مشيئتهم الأولى ويشاءون ما يوافق الحكمة، أو أنهم يرجعون عن مشيئتهم الأولى إذا علموا أنَّ الله تعالى لم يقض ذلك، وإن لم يعلموا الحكمة؛ لعلمهم أنَّ الحكمة فيما قضاه ربهم عز وجل، أو يرجعون عن مشيئتهم الأولى لمحبَّتهم لربهم عز وجل.
وسياق هذه الآية يدلُّ على ما ذكرنا قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 30 - 34].
/وقال تعالى: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [الشورى: 22].
وهكذا قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] قد اغترَّ بها كثير من الجهلة، وقد كان يكفي لدفع الشبهة عنهم أن يعلموا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لن يرضى ما لا يرضاه الله عز وجل. وقد سبق ذكر قوله يوم القيامة في الجماعة الذين
يحال بينه وبينهم: «سُحقًا سُحقًا لمن غَيَّرَ بعدي»
(1)
. والأحاديث كثيرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لعن شارب الخمر وساقيها
(2)
و
…
، ولعن آكل الربا ومؤكله وشاهده
(3)
، وغير ذلك من المعاصي
(4)
.
وقد قال تعالى في الملائكة: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
(1)
تقدَّم الحديث قريبًا.
(2)
أخرجه أبو داود في كتاب الأشربة، باب العنب يُعصَر للخمر، 3/ 326، ح 3674. وابن ماجه في كتاب الأشربة، بابٌ لُعِنت الخمر على عشرة أوجهٍ، 2/ 1121 - 1122، ح 3380، من حديث ابن عمر. وأخرجه الترمذيُّ في كتاب البيوع، باب النهي أن يُتَّخذ الخمر خلًّا، 3/ 580 - 581، ح 1295. وابن ماجه في الموضع السابق، 2/ 1122، ح 3381، من حديث أنسٍ. قال الترمذيُّ: «هذا حديثٌ غريبٌ من حديث أنسٍ، وقد رُوِي نحو هذا عن ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ وابن عمر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم» .
(3)
أخرجه مسلمٌ في كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، 5/ 50، ح 1598، من حديث جابرٍ. وأخرجه البخاريُّ في كتاب البيوع، باب موكل الربا، 3/ 59، ح 2086. وفي باب ثمن الكلب، 3/ 84، ح 2238، من حديث أبي جحيفة، ولم يذكر شاهده. وكذلك أخرجه مسلمٌ في الموضع السابق، 5/ 50، ح 1597، من حديث ابن مسعودٍ، ولم يذكر شاهده.
(4)
يقصد أصحاب المعاصي. ومنهم: السارق. انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، 8/ 161، ح 6799. وصحيح مسلمٍ، كتاب الحدود، باب حدِّ السرقة ونصابها، 5/ 113، ح 1687.
ومنهم أيضًا: الواشمة والمستوشمة والمصوِّرون. انظر: صحيح البخاريِّ، كتاب الطلاق، باب مهر البغيِّ والنكاح الفاسد، 7/ 61، ح 5347.
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28].
وفي الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول لأصحابه: «أما والله لأنا أخشاكم لله وأتقاكم له»
(1)
.
ومن السبب في عدم شفاعة الملائكة إلَّا لمن ارتضى عز وجل: حبُّهم لربهم عز وجل وإجلالهم له وعلمهم أنه لا ينبغي ارتضاء ما لم يرتضه الله تعالى، وليسوا في ذلك بأولى من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد خبط الناس في تفسير الشفاعة يوم القيامة، ففَرَّط المعتزلة فأنكروا ما عدا الشفاعة لفصل القضاء التي إنما يراد منها فتح باب الحساب لشدَّة ما يعتري الناس من طول الموقف، والشفاعة لرفع الدرجات. /وأفرط كثير من المتأخرين إلى حدٍّ لا دليل عليه، بل ربما وصل بعضهم إلى حدٍّ تكذِّبه النصوص القطعية. فإن أردت معرفة الحقيقة فعليك أن تجمع الأحاديث الصحيحة وتتدبَّرها وتنظر حاصلها، وأنبهك هنا أنه وقع في حديث أنس في الشفاعة اختصار ستعرفه إذا تدبَّرت الأحاديث إن شاء الله تعالى. اهـ
(2)
.
وقولُكم: ومنهم مَن لا يستحقُّ أن تُقضى حاجته ولكن إذا شفع فيها أحد [594] المقرَّبين قضاها الملِك؛ لأنَّ ذلك المقرَّب يستحقُّ الإكرام.
فجوابه: أن الملائكة بغاية التعظيم لربهم عز وجل لعلمهم بأنه وسع كل
(1)
البخاريّ، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 7/ 1، ح 5063. ومسلم، كتاب الصيام، باب صحَّة صوم مَن طلع عليه الفجر وهو جنبٌ، 3/ 137، ح 1110. [المؤلف]
(2)
انتهى هنا ملحق ص 593.
شيء رحمة وعلمًا، كما حكى الله تعالى عنهم في كتابه أنهم يقولون:{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]، وذلك يقتضي ألَّا يشفعوا لأحد إلَّا بأمره أو بإذنه، وقد صرَّح بذلك في القرآن كما تقدم مرارًا، فإن شفعوا لهذا الذي فرض أنه غير مستحق لحاجته، فإن أمرهم الله بالشفاعة فلم يأمرهم بها حتى جعل برحمته المشفوع له مستحقًّا، ولا بدَّ أن يطيعوا الله فيشفعوا.
وعلى فرض أنهم لا يشفعون فقد كفى في حصول الحاجة أنَّ الله عز وجل قد أراد قضاءها فلا بدَّ أن يقضيها شفعوا أم لم يشفعوا. وإن أذن لهم فيها على أنهم مخيَّرون إن شاء شفعوا وإن شاء لم يشفعوا، فالملائكة عباد مطهَّرون لا يمتنعون من شفاعة قد أذن لهم ربهم فيها.
وإن فرضنا إمكان ألَّا يشفعوا فالظاهر من حكمة الله عز وجل ورحمته أنه لم يأذن لهم في الشفاعة في تلك الحاجة إلَّا وقد أراد قضاءها، فلا يمنعه مما أراده عدم شفاعتهم، وعلى فرض أنه لا يقضيها إذا لم يشفعوا فما الطريق إلى حملهم على الشفاعة؟ لا سلطان عندكم على أنه يحملهم على الشفاعة تعظيمهم أو السؤال منهم، بل إنه يُعْلَم من تعظيمهم ربهم عز وجل أنهم يبغضون أن يعظَّموا أو يُدْعَوا مِنْ دونه، وأنهم لا [595] يحبون إلَّا من يُعَظِّم ربهم ويبجّله.
فعُلِمَ بذلك أنَّ الطريق إلى تحصيل شفاعة الملائكة هي الاجتهاد في طاعة الله عز وجل وإخلاص العبادة له سبحانه. فتدبَّروا ما تقدَّم كما ينبغي، ثم تدبَّروا ما يأتي.
الحمد لله
ألم تعلموا قطعًا أنَّ الله تعالى مستحق للعبادة؟
قالوا: بلى.
قلنا: فكيف أقدمتم على أن تسوُّوا به فيها ملائكته وتشركوهم به وتجعلوا لهم نصيبًا منها بمجرد الخرص والتخمين، وهو احتمال أنهم يشفعون، وليس عندكم علم بأنهم يشفعون؟ ألا يجوز ألَّا يكونوا يشفعون إليه علمًا منهم بأنه تعالى عالم الغيب والشهادة، أحكم الحاكمين، أرحم الراحمين، مع ما تقدَّم تفصيله من عدم الحاجة؟
فإن قالوا: فقد جاء في القرآن أنهم يشفعون.
قلنا: أنتم كذَّبتم بالقرآن.
فإن قالوا: فما بال القرآن ينكر عبادتهم مع إثباته أنهم يشفعون؟
قلنا: إنما أثبت لهم القرآن الشفاعة إذا أمرهم الله تعالى بها كما قال: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]، فأثبت أنهم لا يقولون ولا يعملون إلا إذا أمرهم الله تعالى، فشفاعتهم إنما هي امتثال منهم لأمر ربهم عز وجل، فأنَّى يستحقون أن يُعْبدوا على هذه الشفاعة التي لا تقع منهم إلا طاعة لربهم فقط؟ أوَ ليس المستحق للشكر على هذه الشفاعة هو الآمر بها سبحانه؟
فإن قالوا: فقد عبَّر القرآن في مواضع أُخَر بالإذن، فقال:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ [596] عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] إلى غير ذلك، وهذا يُشعر بأنهم
يريدون الشفاعة ولكن لا يشفعون حتى يؤذن لهم، ويُشعر بأنهم بعد الإذن مخيَّرون أن يشفعوا أو لا يشفعوا، ونحن نرى أنهم إذا أرادوا الشفاعة كان ذلك مظنة أنْ يؤذَن لهم، فعلى هذا فيستحقُّون العبادة لأجل إرادتهم ولأجل اختيارهم لأن يشفعوا بدون إلزام من الله تعالى لهم بالشفاعة.
قلنا: فكونهم لا يشفعون إلَّا بعد إذنه سبحانه ورضاه يدلُّكم أنه ليس لكم أن تعظموهم إلا إذا أذن الله ورضي، فإذا تحاشى الملائكة مع قربهم من ربهم أن يشفعوا عنده بدون إذنه ورضاه، أفلا ينبغي للبشر مع بعدهم أن يتحاشوا عن أن يسوُّوا بربهم بعض عباده في العبادة ويجعلوا له شركاء فيها، والخطر في هذا أشدُّ وأعظم؟
ثم نقول: أرأيتم إرادتهم واختيارهم ما علَّة وجودهما؟ أَخَلْقُ الله إياهما في نفوسهم، أم علمهم بأن فيهما مرضاته، أم رحمتهم للمشفوع له، أم المكافأة للمشفوع له على تعظيمه لهم فيما مضى ومحبة أنْ يعظِّمَهم فيما بعدُ؟
فعلى الأول لا يستحقون التعظيم بذلك بل المستحق للتعظيم على تلك الإرادة وذلك الاختيار هو الخالق لهما. وكذا على الثاني؛ فإنَّ المستحق للتعظيم على تلك الإرادة وذلك الاختيار هو الذي جعل رضاه فيهما حتى حمل الملائكة عليهما.
وأمَّا على الثالث فما علَّة وجود تلك الرحمة؟ أَخَلقها الله في نفوسهم أم غير ذلك؟ [597] فإن كان الأول فالخالق لها هو المستحقُّ للتعظيم لأجلها، وإن كان غيره فما هو
…
؟ إن ذكرتم الأمر الرابع فسيأتي الكلام عليه، وإن ذكرتم أمرًا آخر أعاد
(1)
السؤال في علته حتى ينتهي الأمر إلى
(1)
كذا في الأصل.
خلق الله عز وجل أو تتحيَّروا، فإن انتهى إلى خلق الله فهو وحده المستحقُّ للعبادة على ما خلق، وإن انتهى إلى الحيرة فليس لكم أن تسوُّوهم بالله عز وجل فيما هو حقٌّ قطعيٌّ له من العبادة وتشركوهم به فيها بغير سلطان بيِّن، وليس مع الحيرة سلطان.
فإن قلتم: بل العلَّة في إرادتهم الشفاعة واختيارهم لها هي المعنى الرابع أي مكافأتهم المشفوع له على تعظيمه إيَّاهم فيما سبق أو رغبتهم أن يعظِّمهم فيما بعد.
قلنا: وما برهانكم على أنَّ هذا هو العلة، لِم لا يجوز أن تكون العلة غيره مما مرّ؟ فإن لم يكن عندكم برهان فقد علمتم أنَّ الإشراك بالله تعالى بناءً على مجرد الخرص والتخمين أقبح القبح.
فإن قالوا: قياسًا على الله تعالى، فإنه يحب أن يعظَّم.
قلنا: إنما يحب الله أن يعظَّم لأن تعظيمه حق، وهو يحب الحق. ولم يثبت بعدُ أنَّ تعظيم الملائكة حق، بل هو محل النزاع.
فإن قالوا: فقياسًا على البشر، فإن البشر يحبون أن يعظَّموا.
قلنا: أما خيار البشر فإنهم لا يحبون أن يعظَّموا إلا إذا كان التعظيم حقًّا يحبه الله تعالى ويرضاه، وقد علمتم أنه لم يثبت بعدُ أن تعظيم الملائكة حق. وأما أشرار البشر فإنهم يحبُّون التعظيم بحق [598] وبغير حق، ولكن ليس الملائكة بأشرار، ولو كانوا أشرارًا يحبون التعظيم بغير حقٍّ لما أذن الله تعالى لهم بالشفاعة أصلًا.
فإن قالوا: إنَّ التفصيل الذي ذكرتموه يأتي نحوه في إحسان بعض
البشر إلى بعض، ومع ذلك فإنَّ الإسلام نفسه يأمر بشكر المحسن.
قلنا: هذا حقٌّ، ولكن تعيين الفعل الذي يكون الشكر به ليس إلى اختيار البشر، بل يتوقَّف على أمر الله عز وجل أو إذنه فليس لأحد أن يشكر أحدًا بقول من الأقوال أو فعل من الأفعال إلا بسلطان ينزل
(1)
الله تعالى بالأمر أو الإذن بذلك القول أو الفعل. وذلك لأن استحقاق ذلك المحسن للشكر مما يتحيَّر فيه العقل كما مرّ، وعلى فرض أنه يُقطع بالاستحقاق فلا يستطيع تعيين ما ينبغي من الشكر، ولا سيما مع خشية أن يقع في تسوية ذلك المحسن بالمحسن الحقيقي، وهو ربُّ العالمين تبارك وتعالى.
فكان الواجب على الإنسان أن يتوقَّف حتى يأتيه سلطان من الله عز وجل ببيان ذلك، عالمًا أنه إذا علم الله عز وجل أنَّ على الإنسان حقًّا لأحد لا يدري كيف يؤديه قيَّض
(2)
له من يعلِّمه ببرهان بيِّن أو اكتفى منه بعلمه أنه لو عرف كيف يؤدِّيه لأدَّاه.
بل إنَّ الإسلام يوجب على العباد أن لا يعبدوا ربهم إلَّا بما أنزل به سلطانًا، ويعلمهم أنه ليس لهم أن يعبدوه بما يرون [599] بدون سلطان منه؛ لأن في ذلك كذبًا عليه بزعم أنه يحب ذلك الفعل ويرضاه مع أنه لم ينزل به سلطانًا، ولا يدركه العقل إدراكًا قاطعًا.
فإذا كان هذا في شكر المنعِم الحقيقي مع قطع العقل بأنه منعم حقيقيٌّ وأنه يستحق الشكر، فما بالكم بغيره ممن نشك في كونه منعمًا، ونعلم بأنه
(1)
كذا في الأصل. ولعلها: ينزله.
(2)
رسم في الأصل بالظاء، والصواب بالضاد، أي: هيَّأ وأتاح له.
إذا أنعم فليس هو بمنعم حقيقة، ونشكُّ في استحقاقه الشكر، وعلى فرض استحقاقه الشكر نجهل صفة الشكر الذي يستحقُّه؟
وقد علَّمنا الله تعالى أن نؤمن بوجود الملائكة، وأنهم عباد مكرمون مطهَّرون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأن نسلِّم عليهم، قال تعالى {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]، وهم من عباده الذين اصطفى، وعلَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول أحدنا في صلاته:«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ، وقال:«فإنه إذا قال ذلك أصاب كلَّ عبد صالح في السماء والأرض»
(1)
.
وأعلمنا الله عز وجل أنَّ الملائكة يحبون مَن يطيع ربهم عز وجل ويعبده ويفعل الخير {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7]، وقد مرَّت الآية في أوَّل الجواب، وأنهم يبغضون من يعصي ربهم، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، وقد تقدَّم الكلام على هذه الآية
(2)
.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح»
(3)
.
(1)
البخاريّ، كتاب الأذان، باب التشهُّد في الآخرة، 1/ 166، ح 831. ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهُّد في الصلاة، 2/ 13، ح 402. [المؤلف]
(2)
انظر ص 363.
(3)
البخاريّ، كتاب النكاح، بابٌ إذا باتت المرأة مهاجرةً فراش زوجها، 7/ 30، ح 5193. مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، 4/ 157، ح 1436. [المؤلف]
فعلمنا أنَّنا إذا أطعنا الله عز وجل أحبتنا الملائكة، وفي ذلك كفاية.
فإن قالوا: فإنَّ في الإسلام من تعظيم الأنبياء ومن يظن بهم الصلاح من البشر [600] وتعظيم الكعبة والحجر الأسود ما هو أعظم مما فيه من إكرام الملائكة الذي ذكرتموه.
قلنا: قد أعلمناكم أنَّ مدار الحق في الأقوال والأفعال على ما أنزل الله تعالى به سلطانًا، فما أنزل الله تعالى به سلطانًا من الأقوال والأفعال التي أشرتم إليها فهو حقٌّ وطاعة لله عز وجل. وهو عالم الغيب والشهادة أحكم الحاكمين، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فعلينا أن نعمل ما أمرنا به ونقف عما عداه، عالمين أنَّ له في كل شيء حكمة بالغة وإن لم نفهمها. ومَنْ ذا الذي يزعم أن علمه كعلم الله تعالى وأن حكمته كحكمته؟
ولولا خشية التطويل لبحثنا في تفصيل ما أمر الله تعالى به مما أشرتم إليه، وبيانِ الفرق الواضح بينه وبين ما لم يأمر الله به ولم يأذن فيه، على حسب ما يفتح الله به علينا من العلم. وقد مرّ بعض ذلك، ولعلَّه يأتي زيادة فيه، ومن أوتي حظًّا من العلم وكان حريصًا على إصابة الحق صادق الافتقار إلى ربه تعالى، فإنه سيدرك ذلك بالتدبُّر إن شاء الله تعالى.
* * * *
فصل
في تحقيق السلطان الفاصل بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره
قد علمتَ فيما تقدم أنَّ الفرق بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره هو السلطان، فكلُّ عبادة كان عند صاحبها سلطان بها من الله تعالى فهي عبادة لله عز وجل، وكلُّ عبادة ليست كذلك فهي عبادة لغير الله تعالى. والسلطان هو الحجة، وقد تكون الحجة يقينية وقد تكون ظنية، [601] فهل تكفي الحجة الظنية هاهنا، أعني إذا تعبد رجل عبادة عنده بها من الله عز وجل سلطان يثبت به الظن لا القطع، فهل تكون تلك العبادة لله عز وجل أو لا يكون عبادة لله عز وجل إلا ما كان به سلطان قطعي؟
اعلم أنَّ القطعيَّ على ضربين:
الأوَّل: ما هو نفسه قطعي، كالآية القطعية الدلالة والسنة المتواترة القطعية الدلالة ونحو ذلك.
الثاني: ما ليس هو نفسه قطعيًّا، ولكن قد قام الدليل القطعي على أنه حجة يجب العمل بها، وذلك كخبر الواحد؛ فإنه ليس قطعيًّا لجواز خطأ بعض الرواة وغير ذلك، ولكن قد قام الدليل القطعي على وجوب العمل بخبر الواحد بشرطه، فإن مجموع ما احتجّ به العلماء في إيجاب العمل بخبر الواحد يفيد القطع بمجموعه، وإن قيل: إن كل فرد من تلك الأفراد لا يفيد القطع.
وعليه فيقال في استحباب صيام ست من شوال: إنه وإن لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا لكن وجوب العمل به قطعيٌّ؛ لأنه خبر واحد مستجمع لشروط القبول، وخبر الواحد المستجمع لشرائط القبول يجب العمل به قطعًا.
فإن قيل: قد لا يكون عند الناظر علم يقيني بأن هذا الخبر مستجمع لها.
قلت: الدليل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد على كلِّ مَن ظهر له أنه مستجمع لشرائط القبول، وإن لم يعلم ذلك علم اليقين. وممن حقَّق هذا المعنى الشاطبي في كتاب «الموافقات»
(1)
، وقرّر هو وغيره أن سائر الأدلة التي درج السلف الصالح والأئمة المجتهدون [602] على الاحتجاج بها بعضها قطعيٌّ، أي: من الضرب الأول، وباقيها ظنيٌّ ولكنه يرجع إلى أصل قطعيٍّ
(2)
، أعني: كما قررناه في خبر الواحد.
ولذلك قالوا: إن أصول الفقه لا تكون إلا قطعية. وقد أنكر بعضهم هذا، وقال: إن كثيرًا من أصول الفقه ظني
(3)
.
والجواب: أن ما كان منها ظنيًّا فهو فرع لأصل آخر قطعي، فإن سلّمنا أن كون الأمر حقيقة في الوجوب ظني، فإننا نقول: إن هذا الظن مستند إلى أن ذلك هو الذي يظهر من اللغة ومن استعمالات الشارع، وقد ثبت بالقطع أنَّ كلَّ ما يظهر من معاني الكتاب والسنة بمقتضى اللغة والعرف الشرعي يجب العمل به. وقس على هذا، فقد يجوز أن يكون الأصل من أصول الفقه ظنِّيًّا ويستند إلى أصل آخر ظني، ولكن هذا الثاني يستند إلى أصل قطعي.
ثم نقول: إن الأمور الدينية منها ما يُطلبَ العلمُ به كما هو عليه في نفس الأمر كوجود الله عز وجل، وكونه حيًّا قادرًا عالمًا، وأنه لا إله إلا هو سبحانه، وأن محمدًا رسول الله، وأن القرآن من عند الله، ونحو ذلك، فهذا لا
(1)
الموافقات 2/ 359.
(2)
المصدر السابق 3/ 15 - 16.
(3)
المصدر السابق 1/ 29 وما بعدها.
بدَّ فيه من القطع على الضرب الأول.
والقطع بلا إله إلا الله يستدعي القطع بثلاثة أمور:
الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالًا إلا الله عز وجل، فمن جَوَّز أن يكون في الكون مدبر مستقل قد يعجز الله تعالى عن منعه وقد يستطيع هو منع الله عز وجل عن إنفاذ قضائه، فقد جَوَّز أن يكون مع الله إله آخر. وكذلك إذا جوّز أن يكون الله عز وجل فَوَّضَ أمر العالم أجمع، أو أمر العالم الأرضي، أو أمر قُطْر خاص، أو بلد خاص، أو شخص واحد إلى مخلوق، وأذن له أن يصنع به ما أراد [603] على أن يتخلّى الباري عز وجل عن تدبير ذلك الشخص مثلًا أصلًا. وكذلك إذا جوّز أن يكون مخلوق من الخلق مقبولَ الشفاعة أو الدعاء البتة بحيث لا يخالفه الله عز وجل في شيء قطعًا.
وليس من هذا تجويز أن يفوِّض الله تعالى قضية أو قضايا خاصة إلى مخلوق، كما جاء أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج إلى الطائف قبل الهجرة وآذاه أهلها ورجع حزينًا، وفيه « .... فإذا فيها جبريل، فناداني: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت
(1)
، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»
(2)
.
(1)
في بعض نسخ البخاري: (فما شئت). وعلى هذا فقوله: (ذلك): مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: كما علمت، أو: كما قال جبريل. وقوله: (ما شئت) استفهام، وجزاؤه مقدر، أي: إن شئت فعلت. انظر: فتح الباري 6/ 316.
(2)
البخاريّ، كتاب بدء الخلق، بابٌ:«إذا قال أحدكم: آمين» ، 4/ 115، ح 3231. مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الأذى، 5/ 181، ح 1795. [المؤلف]
وكما رُوي أنَّ قارون وأصحابه لما بالغوا في أذى موسى عليه السلام شكا إلى الله عز وجل، فأوحى الله تعالى إليه:«إني قد أمرت الأرض أن تطيعك» ، وقد تقدَّمت القصَّة
(1)
.
فإنه ليس معنى التفويض في هاتين الواقعتين أنَّ الله عز وجل تخلَّى عن الأمر البتة، فقد تقدَّم في قصة قارون وأصحابه أن موسى عليه السلام لما أمر الأرض أن تأخذهم فتضرَّعوا إليه مرارًا فلم يلتفت إليهم عاتبه الله عز وجل وقال له:«يقول لك عبادي: يا موسى يا موسى فلا ترحمهم، لو إيَّاي دعوا لوجدوني قريبًا مجيبًا» ، وقد مرّ في الكلام على الشبه أمثلة من عدم استجابة الله عز وجل دعاء كبار الرسل وعدم قبوله شفاعتهم في بعض المواطن.
وأما الأناسي الأحياء والجن فإنه فوض إليهم العمل بما كلَّفهم به، ولكن لا على المعنى السابق، بل ما لم تقتضِ حكمة الله تعالى خلاف ما يريدون. ألا ترى أن الفاجر قد يريد أن يزني بامرأة صالحة فتبتهل [604] هذه إلى الله عز وجل فيحول بينها وبينه، وقد تريد هي أن توافقه، ولكن يكون زوجها صالحًا مثلًا؛ فيحول الله بينهما مكافأة للزوج على صلاحه. وقد يريد الكافر قتل مؤمن فيمنعه الله منه، وقد يريد الإنسان التصدق على فقير وقد قضى الله تعالى حرمان ذلك الفقير؛ فيمنع الله مريد التصدق منه. وأمثال ذلك لا تحصى، وقد مر في قصة الخليل عليه السلام مع خصمه الذي كفر ما يتعلق بهذا
(2)
.
وأما تصرف الجن بالإنس بغير الوسوسة فهو أوضح من هذا؛ لأن
(1)
انظر ص 794.
(2)
انظر ص 687.
الإنس محفوظون من الجن، قال تعالى:{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 10 - 11].
وإنما يستطيع الجن إيذاء الإنس نادرًا بإذن الله عز وجل لحكمة يعلمها، وقد تقدم إيضاح ذلك
(1)
.
وأما أرواح الموتى فتصرفهم الذي يتعلق بالأحياء مما لا أحفظ له دليلًا صريحًا، بل ثَمَّ دلائل تدلُّ على عدمه. وإن فُرِضَ أنَّ لهم تصرفًا مَّا فالأرواح الخيِّرة لها حكم الملائكة، فلا تقول ولا تفعل إلا بأمر خاص من الله عز وجل. والأرواح الشريرة كالشياطين فلا تستطيع أذى الأحياء إلا بتسليط خاص لحكمة يعلمها الله عز وجل، بل هي أولى من الشياطين بالعجز؛ لأنها ليست في دور تكليف بل في سجن وعذاب.
[605]
الأمر الثاني: القطع بأنه لا مستحق للعبادة إلا الله عز وجل.
الأمر الثالث: العلم بحقيقة العبادة.
واعلم أنه إذا عرض لك دليل ينقض هذه الأصول فإنه لا يمكن أن يكون قطعيًّا من الضرب الأول لاستحالة تعارض القطعيَّات، وإنما يجوز أن يَرِدَ دليل من الضرب الثاني، وهو هاهنا لا يفيد الظن أيضًا لمعارضته للقطعي، فليس بسلطان.
(1)
ص 665.
ومن الأمور الدينية ما أصلُ المقصود منه طاعة الله عز وجل، وقُصِدَ منه مع ذلك أن تكون الطاعة على وفق ما شرعه الله عز وجل، ولكن قصدًا ثانيًا بحيث يغفر لمن أخطأ ذلك بعد التحري وبذل الوسع، وذلك كفروع العبادات والمعاملات، فهذا إن تيسر فيه دليل من الضرب الأول فتلك الغاية القصوى، وإلَاّ كفى فيه دليل من الضرب الثاني.
ويؤخذ من كلام كثير من أهل العلم زيادة قسم ثالث، وهو ما أصل المقصود منه تعظيم الله عز وجل، والبعث على الإيمان به وعلى طاعته. ويدخل في هذا عامَّة الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، ووقع الاختلاف فيها بين الأمة. وقد احتجَّ أكابر السلف على بعضها بأخبار الآحاد؛ لأنهم واقفون عن الخوض في تأويلها، ما حقيقتها؟ وكيف هي؟ ونحو ذلك. وخالفهم مَنْ خاض في ذلك فاشترطوا ألَّا يحتجَّ فيها إلَّا بالبراهين القاطعة من الضرب الأول، وأكَّدوا ذلك بأنَّ منها ما يُفهم [606] منه خلاف الواقع في نفس الأمر.
وأجيب بأنه إنما يَفهم منها خلاف الواقع مَنْ خاض في تأويلها وكيف هي؟ فأما من رجع إلى فطرته ولم يَخُضْ في ذلك فلا؛ فإن الشرع أطلقها بكثرة، وسمعها الأعراب الجفاة ولم يقع من ذلك محذور؛ لأنهم قد علموا أن الله عز وجل ليس من جنس الخلق، فإذا سمعوا أنَّ له وجهًا وعينين ويدين وأصابع، لم يفهموا من ذلك إلا أنَّ له صفات تطلق عليها هذه الألفاظ، بينها وبين جوارح المخلوقين مناسبةٌ مَّا وليست من جنسها؛ لأن الموصوف بها سبحانه ليس من جنس المخلوقين. ولتحقيق هذا المعنى موضع غير هذا.
والصواب أنّ أخبار الآحاد تُقْبل في هذا القسم الثالث على سبيل
الشرط، فيقال: إذا كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا فهو حق وأنا أومن به.
ومن العجب أن الَّذين خاضوا فيها استدلُّوا فيها بشبهات عقلية ليست من الضرب الأول ولا من الضرب الثاني، بل هي من باب الظن الممنوع الاحتجاج به مطلقًا، وهو الخرص والتخمين، كما اعترف به أكابرهم كالغزالي وإمام الحرمين والشهرستاني والفخر الرازي في آخر أمرهم. ومَنْ تأمَّل أصولهم التي يبنون عليها العقليات عَلِم أنها بغاية الضعف، وإنما يرجعون إلى تقليد أرسطو وابن سينا مع أنه قد جاء عن أرسطو أنه قال: لا سبيل في الإلهيات إلى اليقين، وإنما الغاية القصوى فيها الأخذ بالأليق والأولى، حكاه علاء الدين الطوسي
(1)
في (الذخيرة)
(2)
. وجاء نحو هذا عن بعض أكابر الآخذين عن ابن سينا. والله أعلم.
[607]
إذا تقرَّر هذا فاعلم أن النظر في العبادة إذا كان في معرفة حقيقتها من حيث هي فهو من القسم الأول، كما تقدمت أدلته في أوائل الرسالة، فلا بدَّ من علم اليقين فيه، فإن لم يتيسَّر اليقين لزم الاحتياط، وإن كان في عمل مخصوص أَعبادة لله عز وجل هو أم لا؟ فهو من القسم الثاني، فيكفي فيه دليل من الضرب الثاني، وعلى هذا جرى العمل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده.
(1)
علاء الدين الطوسي: علي بن محمد البتاركاني الطوسي الحنفي أحد أفراد علماء سمرقند، فقيه حنفي، له «الذخيرة في المحاكمة بين تهافت الفلاسفة للغزالي والحكماء لابن رشد» ، توفي سنة 877 هـ. الفوائد البهية، 145، الأعلام 5/ 9.
(2)
ص 10. [المؤلف]
فإن قلت: فعلى هذا قد يكون العمل عبادة لله عز وجل بدليل ظني كخبر واحد، ولو لم يأت ذلك الدليل الظني لكان ذلك العمل شركًا.
قلت: ألا تعلم أنه لو ورد خبر صحيح بأن مَنْ كَلَّمَ إمامه في الصلاة لا تبطل صلاته لَعَمِلَ به العلماء، وإذ لم يَرِدْ فلو أن رجلًا يصلي ويكلِّم إمامه زاعمًا أن الصلاة لا تبطل بذلك مع اعترافه بأنه لا دليل له عليه لحكمنا ببطلان صلاته قطعًا، فإن زعم أنه لا تجب عليه الصلاة إلا كذلك حكمنا بكفره. ومِثْل ذلك لو ورد خبر واحد أن شرب ماء زمزم لا يفطر، أو أن مَنْ لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة يُجزيه الوقوف يوم النحر، لقبلناهما، وإذ لم يرد ذلك فلو أن رجلًا يشرب في نهار رمضان من ماء زمزم عمدًا زاعمًا أنه لا يفطر وأنه لا يجب عليه صيامٌ غير ذلك لكفَّرناه، وكذا لو وقف يوم النحر [608] عالمًا بأنه يوم النحر وزعم أنه لا يجب عليه حج غير ذلك. وأمثال هذا كثير، نعم قد يكون لبعض الناس عذر يمنع من تكفيره على ما يأتي بيانه في الأعذار إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: إنما يقع التكفير في هذه الأمثلة للإجماع على أن خطاب الإمام في الصلاة يبطلها كغيره، وأن الشرب من ماء زمزم ذاكرًا للصوم يبطل الصوم كغيره، وأن الوقوف يوم النحر مع العلم بأنه يوم النحر لا يُجزي مَنْ جاء متأخرًا. فعبادات هؤلاء باطلة إجماعًا، فلمَّا زعموا أنه لا يجب عليهم غيرها كان معنى قولهم أنه لا تجب عليهم صلاة صحيحة، وهذا تكذيب للرسول قطعًا.
قلت: وهكذا يقال فيمن عمد إلى حجر في جدَّة مثلًا فزعم أنه مستحق أن يُعَظَّمَ تعظيم الحجر الأسود، ألا ترى أنه خالف الإجماع في ذلك، ومع
مخالفته للإجماع كذب على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقد نبهنا مرارًا
(1)
على أن القرآن قسم الكفر إلى قسمين: الكذب على الله والتكذيب بآياته.
فإن قلت: فالمدار على عدم خبر الواحد مثلًا أم على مخالفة الإجماع؟
قلت: المدار في الحقيقة على الكذب على الله أو التكذيب بآياته، ومنه تكذيب رسوله.
فإن قلت: نعم، ولكن يشترط في تكفيره قيام الإجماع على أنه كاذب أو مكذِّب، أم يكفي في ذلك أنه لا دليل عنده؟
قلت: الأمران متلازمان؛ فإنه إذا تعبد بما لا دليل له على أنه عبادة فقد كذب على الله إجماعًا، وإن عمل عملًا مبطلًا في الصلاة إجماعًا ثم أنكر أن تجب عليه الصلاة إلا كذلك فقد كَذَّب الرسول إجماعًا.
فإن قلت: قد يُنْقل عن بعض السلف قول [609] لا نعلم له دليلًا ولكنه يمنع عند كثير من الأصوليين كون القول المخالف له مجمعًا عليه، ولم يتحقق إجماع قبل ذلك القائل، فما الحكم فيه؟ وما الحكم فيمن يقول بقوله من الخلف مع اعترافه بأنه لا دليل له؟
قلت: أما القائل الأول من السلف فإننا نحسن الظن به؛ لأنّا وإن لم نعلم له دليلًا فلعله قامت عنده شبهة ظنها دليلًا، وكانت تلك الشبهة قوية يعذر صاحبها، اللهم إلا أن يثبت عنه ما يَسُدُّ علينا طريق حسن الظن به. وأما الموافق له من الخلف فإن اعترف بأنه لا دليل له على قوله فلا ينفعه موافقته.
(1)
انظر ص 903 مثلًا.
فإن قلت: فبهذا يتبين أن المدار على عدم الدليل لا على مخالفة الإجماع.
قلت: ولكن قد خالف هذا القائل الإجماع من جهة تديُّنه بما لا دليل له عليه، وهذا باطل إجماعًا.
فإن قلت: فإن كان القائل الأول صحابيًّا واحتجّ هذا المتأخر بقوله بناء على أنه يرى قول الصحابي حجة، أو كان المتأخر عامِّيًّا وقلَّد القائل الأول؟
قلت: الظاهر أن المتأخر يعذر إلا أن تكون قد قامت عليه الحجة القاطعة بأن قول الأول خطأ محض، كما في قول ابن مسعود رضي الله عنه بأن المعوذتين ليستا من القرآن
(1)
. وهكذا الحال في كل من أظهر الاستناد إلى دليل قد قامت الحجة القاطعة على بطلانه.
فإن قلت: فلو قال متأخر قولًا وسألناه الدليل عليه فاعترف بأنه لا دليل له، أو ذكر دليلًا باطلًا إجماعًا، ولكننا نعلم دليلًا يصح أن يتمسك به لقوله لم يقف عليه أو لم يتنبه له؟
قلت: أما الذي تقتضيه [610] الأدلة فهو الجزم بأن هذا الرجل لا يعذر؛ لأنه قد ارتكب القول في الدين بلا دليل، وخالف بذلك الإجماع، وكان من معنى قوله الكذب على الله وتكذيب رسوله. ولكني أرى أن الواجب علينا أن نبين له ما في قوله من الخطر، ونرشده إلى ذلك الدليل، ونقول له: إذا أصررت على قولك فعليك أن تستند إلى هذا الدليل، فإن أصرّ على أن له القول في الدين بغير دليل انقطع عذره.
(1)
تقدم تخريجه. انظر ص 824.
فإن قلت: فإذا لم يَدَّعِ الرجل أن له أن يقول في دين الله بغير حجة، ولكنه ذكر شبهة لا تصلح دليلًا؟
قلت: هذا معذور حتى تقام عليه الحجة أن ما تمسَّك به لا يصلح دليلًا، فإن أصرّ بعد ما قامت عليه الحجة نظرنا، فإذا كانت شبهته قوية في الجملة بحيث يجوز ألَّا يتبيَّن له بطلانها فهو معذور، وإلَّا فلا.
فصل
فإن قلت: إذا كان التدين بشيء لا دليل عليه أو عليه دليل باطل شركًا فالبدع في الدين كلها شرك.
قلت: كل بدعة كانت تديُّنًا بما لا دليل عليه أو عليه دليل باطل ــ والبدع كلها هكذا على التفسير الصحيح ــ فإنا نقول فيها: إذا قامت الحجة على صاحبها بأن ذلك قولٌ لا دليل عليه أصلًا أو على بطلان ما يزعم أنه دليل، وبأن التدين بما ليس عليه من الله تعالى سلطان عبادة لغيره وهي شرك، إذا قامت الحجة عليه بذلك وأصرّ على التدين بتلك البدعة فهي شرك وهو مشرك، وإلا فإنا لا نطلق عليها أنها شرك بدون التفصيل، ولا يكون صاحبها ما لم تقم عليه الحجة مشركًا بل ولا مبتدعًا، بل قد يكون من خيار المسلمين وأئمتهم وأوليائهم [611] ويكون مأجورًا على ذلك القول الذي نسميه نحن بدعةً
(1)
.
(1)
فصَّل المؤلِّف هذه الجزئيَّة في موضعٍ آخر، فقال: إن ذلك «خاصٌّ بما إذا كان عالمًا قامت عنده شبهةٌ قويَّةٌ حملته على أن تلك البدعة سنَّةٌ وقد بذل وسعه في البحث
…
وأما الجاهل فإنما يمكن أن يكون مأجورًا على البدعة إذا كان قلَّد فيها مَن يعتقد فيه العلم
…
» انظر: ص 898.
وحسبك أن مثل هذا يوجد من أكابر الصحابة رضي الله عنهم فضلًا عمن بعدهم؛ فإن كل مسألة دينية اختلف فيها فالحق فيها واحد وبقية الأقوال باطلة، ولكن لا يطلق على وجه من وجوه الاختلاف:«بدعة» حتى تقوم عليه الحجة الواضحة، ولا يطلق على صاحبها:«مبتدع» حتى تقوم عليه الحجة الواضحة.
نعم، جرت عادة السلف أنهم إذا رأوا رجلًا ذهب مذهبًا يعتقدون هم أنه بدعة ولذلك الرجل شبهة استولت عليه ــ بحيث لم يستطيعوا اقتلاعها من قلبه، ولكنها عندهم شبهة باطلة ــ أن يطلقوا عليه مبتدع، وهو عندهم كالواسطة بين المعذور المأجور وبين المعاند الذي سبق أنه يكفر. والغالب أنهم لم يشدِّدوا عليه إلا خوفًا على المسلمين من الاغترار بقوله والافتراقِ في الدين، ولذلك يشتدُّ نكيرهم عليه إذا كان داعية، أي يُظْهِرُ قولَه ويجادل عنه ويناضل ويرغِّب الناس فيه.
واعلم أن الأفهام تختلف وتأثير الأدلة والشبهات في النفوس يختلف باختلاف العقول والأهواء وغير ذلك، فكم مِّنْ معنًى هو عند بعض الأئمة حجة قوية، وعند بعضهم شبهة ضعيفة. وحسبك بأن الصحابة وأئمة التابعين اختلفوا في مسائل كثيرة وربما لم يقدر أحدهم على إقناع الآخر، مع أنهم كانوا أبعد الناس عن الهوى وأسرعهم إلى الحق إذا تبيَّن.
أَوَ لم يبلُغْك محاورة أمير المؤمنين علي عليه السلام [612] مع ابن عباس رضي الله عنهما في متعة النكاح، حتى قال علي لابن عباس:«إنك امرؤ تائه»
(1)
، ومع ذلك لم يستطع أحدهما إقناع الآخر؟
(1)
مسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، 4/ 134، ح 1407. [المؤلف]
فاحذر أن تعجل فتحكم على مخالفك بأنه معاند بسبب أنك ترى شبهته ضعيفة وترى الحجة التي أقمتها قطعية أو كالقطعية، وعليك أن تتأنَّى وتَتَرَيَّث في الحكم حتى لا يبقى لديك في عناده أدنى تردُّد. وهذا التأني والاحتياط هو الذي منع العلماء من إعلان أن البدع الدينية كفر وشرك، ومَن صرَّح بذلك فعلى سبيل الفرض والتقدير.
قال الشاطبي: «فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تَتِمَّ وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحبُّ استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضالٌّ عن الصراط المستقيم.
قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خان الرسالة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلا يكون اليوم دينًا
(1)
.
والثالث: أن المبتدع معاند للشرع ومُشاقٌّ له؛ لأن الشارع قد عَيَّن لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصَّة وقَصَرَ الخلقَ عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعدِّيها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم [613] رحمة للعالمين، فالمبتدع رادٌّ لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثَمَّ طرقًا أخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عَيَّنه بمتعيِّنٍ، كأن الشارع
(1)
رواه ابن حزم في الإحكام، 6/ 58 من طريق ابن الماجشون، بنحوه.
يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين»
(1)
.
وقال أيضًا: «والرابع: أن المبتدع قد نزَّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مُدْرَكات الخلق لم تنزل الشرائع ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام. هذا
(2)
الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا للشارع حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا، وردَّ قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، وكفى بذلك.
والخامس: أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوى
(3)
، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى:{يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ [614] عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده وهو الحق والهوى وعَزَلَ
(1)
الاعتصام 1/ 47 - 48. [المؤلف]
(2)
في بعض نسخ الاعتصام: فهذا.
(3)
كذا في الأصل وبعض نسخ الاعتصام، وفي أكثرها: الشهوة - بالتاء -، وهي الأنسب. انظر: الاعتصام 1/ 68، طبعة دار ابن الجوزي.
العقل مجرَّدًا؛ إذ لا يمكن في العادة إلَّا ذلك. وقال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
فجعل الأمر محصورًا بين أمرين: اتباع الذكر واتباع الهوى. وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].
وهي مثل ما قبلها.
وتأمَّلوا هذه الآية فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه فلا أحد أضلّ منه، وهذا شأن المبتدع، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله .. »
(1)
.
أقول: وإذا لم يكن أحد أضلَّ منه فهو كافر مشرك؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان الكافر المشرك أضلَّ منه.
وكذلك يقال في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 144]
(2)
، وقوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 31]
(3)
، وقوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [الصف: 7]، وقوله تعالى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32].
(1)
الاعتصام 1/ 50 - 51. [المؤلف]
(2)
سورة الأعراف: 37، سورة يونس: 17، وسورة الكهف:15. [المؤلف]
(3)
سورة الأنعام: 93، سورة هود: 18، وسورة العنكبوت:68. [المؤلف]
وإذا لم يكن أحدٌ أظلم منه فهو مشرك وإلَّا لكان يوجد من هو أظلم منه.
وقال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، [615] وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: «وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه من الكبائر، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر مَنْ وقع منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر ابن العربي يميل إليه»
(1)
.
وقال ابن حجر الهيتمي: «قال الشيخ أبو محمد الجويني: إن الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر. وقال بعض المتأخرين
(2)
: وقد ذهبت طائفة إلى أن الكذب على الله ورسوله كفر يخرج عن الملة، ولا ريب أن تَعَمُّدَ الكذب على الله ورسوله في تحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ كفر محض، وأن الكلام فيما سوى ذلك»
(3)
.
وقال صاحب الصارم المسلول على شاتم الرسول: (السُّنَّة الثالثة عشر
(4)
، ما روِّيناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، ثنا عليُّ بن مُسْهِرٍ، عن صالح بن حيَّان،
(1)
فتح الباري 6/ 326. [المؤلف]
(2)
انظر: الكبائر للذهبي ص 70.
(3)
الزواجر 1/ 83. [المؤلف]
(4)
كذا في الأصل والمصدر الذي نقل عنه المؤلف، والصواب: الثالثة عشرة.
عن ابن بريدة، عن أبيه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم
(1)
أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا، وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى النبي صَلَّى الله عليه وآله، فقال: كذب عدُّو الله، ثم أرسل رجلًا، فقال:«إن وجدته حيًّا فاقتله، وإن وجدته ميِّتًا فحرِّقْه بالنار» ، فانطلق فوجده قد لُدِغَ فمات فحرَّقه بالنار، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» .
ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل
(2)
، قال: ثنا الحسن
(3)
بن محمد بن عنبر، ثنا حجاج بن يوسف الشاعر، ثنا زكريا بن عديٍّ، ثنا علي بن مُسْهِرٍ، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان حَيٌّ من بني ليثٍ من المدينة على ميلين، وكان رجلٌ قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوِّجوه، فأتاهم وعليه حُلَّة، فقال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كساني هذه الْحُلَّة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم، [616] ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبُّها. فأرسل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:«كذب عدوُّ الله» ، ثم أرسل رجلًا، فقال:«إن وجدته حيًّا ــ وما أراك تجده حيًّا ــ فاضرب عنقه، وإن وجدته ميِّتًا فأحرقه بالنار» ، قال: فذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن كذب عليَّ متعمِّدًا
(1)
سقط شيءٌ يُعلَم مما يأتي. [المؤلف]. وهو: جاء رجل إلى قوم في جانب المدينة فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
…
(2)
ترجمة صالح بن حيان، 4/ 53 - 54.
(3)
في الأصل والمصدر المنقول عنه: الحسين، وهو خطأ. انظر ترجمته في تاريخ بغداد 7/ 414، وسير أعلام النبلاء 14/ 256.
فليتبوَّأ مقعده من النار». هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الصحيح، لا نعلم له علَّةً.
وله شاهدٌ من وجهٍ آخر، رواه المعافى بن زكريا الجريريُّ
(1)
في كتاب «الجليس»
(2)
، قال: ثنا أبو حامد الحصري
(3)
، ثنا السري بن مرثد الخراساني
(4)
، ثنا أبو جعفر محمد بن علي الفزاري، ثنا داود بن الزبرقان، قال: أخبرني عطاء بن السائب، عن عبد الله بن الزبير قال يومًا لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: «مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار» ؟ قال: كان رجلٌ عشق امرأةً، فأتى أهلها مساءً، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثني إليكم أن أَتَضَيَّفَ في أي بيوتكم شئت، قال: وكان ينتظر بيتوتة المساء، قال: فأتى رجل منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إن فلانًا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أيِّ بيوتنا شاء، فقال:«كذب، يا فلان انطلق معه، فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه وأحرقه بالنار، ولا أراك إلا قد كُفِيتَه» ، فلما خرج الرسول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«ادعوه» ، قال: «إني كنت أمرتك أن تضرب عنقه وأن تحرقه بالنار، فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه ولا تحرِّقه بالنار؛ فإنه لا يعذِّب بالنار إلا
(1)
هو المعافى بن زكريا بن يحيى أبو الفرج النهرواني، الإمام الحافظ ذو الفنون، الجَريري نسبة لابن جرير الطبري، لكونه نصر مذهبه، له كتب عدة، توفي سنة 390 هـ. السير 16/ 544.
(2)
انظر: الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي 1/ 182.
(3)
كذا في الصارم، والصواب: الحضرمي كما في الجليس. انظر: سيرأعلام النبلاء 15/ 25.
(4)
كذا في مصدر المؤلف. وفي الجليس: مَزْيَد، وذكره الأمير في المختلف فيه.
رب النار، ولا أراك إلا قد كُفِيتَه»، فحانت
(1)
السماء بصيِّب، فخرج الرجل يتوضَّأ، فلسعته أفعى، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:«هو في النار» .
وقد روى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع، عن أبي سلمة، عن أسامة [617] قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن يقول
(2)
عليَّ ما لم أقل فليتبوَّأ مقعده من النار». وذلك أنه بعث رجلًا فكذب عليه فوُجِدَ ميتًا قد انشقَّ بطنه ولم تقبله الأرض.
وروي أن رجلًا كذب عليه فبعث عليًّا والزبير إليه ليقتلاه.
وللناس في هذا الحديث قولان:
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك، قاله جماعة، منهم: أبو محمد الجويني، حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والكذابوان والواضعون للحديث أشد من الملحدين
(3)
، قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله، والملحدون كالمحاصرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن، فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له.
ووجه هذا القول: أن الكذب عليه كذب على الله، ولهذا قال: «إن كذبًا
(1)
في الجليس: فجاءت، ولعل ما في الصارم ط حيدراباد تصحيف.
(2)
كذا في الأصل والمصدر المنقول عنه ط حيدراباد، والصواب: تقوَّل.
(3)
كذا، وكأنه سقط: لأن الملحدين، أو نحوه. [المؤلف]
عليّ ليس ككذب على أحدكم»
(1)
؛ فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله، وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به، ومن كَذَّبه في خبره أو امتنع من التزام أمره
(2)
.
ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه، أو أخبر عن الله خبرًا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم، فكذلك من تعمد الكذب على رسوله.
يبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له، ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ} [العنكبوت: 68]، بل ربما كان الكاذب
(3)
عليه أعظم إثمًا من المكذِّب
(4)
له، ولهذا بدأ الله به، كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره، فإذا كان الكاذب [618] مثل المكذب أو أعظم والكاذب على الله كالمكذب له؛ فالكاذب على الرسول كالمكذب له.
ويوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب؛ فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق
(5)
، وذلك إبطال لدين الله، ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار، وإنما صار كافرًا لما يتضمنه من إبطال
(1)
كذا، والحديث في صحيح مسلمٍ، المقدِّمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1/ 8، ح 4. ولفظه: «
…
على أحدٍ
…
» اهـ. [المؤلف]
(2)
كذا، وكأنه سقط شيءٌ. [المؤلف]
(3)
في الأصل: الكذب، والتصحيح من النسخة التي نقل عنها المؤلف.
(4)
في الأصل: الكذب، والتصحيح من المصدر الذي نقل عنه المؤلف.
(5)
في الأصل والمصدر المنقول عنه: يصدق، والتصحيح من ط رمادي.
رسالة الله ودينه، والكاذب عليه يُدخل في دينه ما ليس منه عمدًا، ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر؛ لأنه دين الله، مع العلم بأنه ليس لله بدين، والزيادة في الدين كالنقص منه، ولا فرق بين من يكذِّب بآية من القرآن أو يصنف كلامًا ويزعم أنه سورة من القرآن عامدًا لذلك.
وأيضًا، فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف؛ لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به، بل وقد لا يجوز الأمر بها، وهذه نسبة له إلى السفه، أو أنه يخبر بأشياء باطلة، وهذا نسبة له إلى الكذب، وهو كفر صريح.
وأيضًا، فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك، أو أنه حرَّم الخبز واللحم، عالمًا بكذب نفسه، كفر بالاتفاق. فمن زعم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أوجب شيئًا لم يوجبه أو حرم شيئًا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول، وزاد عليه بأن صرَّح بأن الرسول قال ذلك، وأنه ــ أعني القائل ــ لم يقله اجتهادًا واستنباطًا. وبالجملة، فمن تعمّد الكذب الصريح على الله فهو المتعمد لتكذيب الله وأسوأ حالًا، وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه فإنه مستخِفٌّ به مستهين [619] بحقه.
وأيضًا، فإن الكاذب عليه لا بدَّ أن يَشِينه بالكذب عليه وينقصه بذلك، ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سَرْح في قوله: كان يتعلَّم مني، أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك، فكذلك الكاذب عليه؛ لأنه إما أن يَأثُر عنه أمرًا أو خبرًا أو فعلًا؛ فإن أَثَر عنه أمرًا لم يأمر به فقد زاد في شريعته، وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به؛ لأنه
لو كان كذلك لأمر به صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه»
(1)
. فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جائز منه. فمن روى عنه أنه أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به، وذلك نسبة له إلى السفه. وكذلك إن نقل عنه خبرًا، فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له أن يخبر به، وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبًا فيه لو كان مما ينبغي فعله ويترجح لَفَعَله، فإذا لم يفعله فتركه أولى.
فحاصله أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أكمل من فعله، وما فعله ففِعْله أكمل من تركه، فإذا كذب الرجل عليه متعمدًا أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه؛ إذ لو كان كمالًا لوُجد منه، ومن انتقص الرسول فقد كفر.
واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه، لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة [620] وبين الذي يكذب عليه بواسطة، مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا، فهذا إنما كذب على ذلك الرجل
(1)
الحديث بنحو هذا اللفظ ذكره صاحب المشكاة في باب التوكل والصبر من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا، ونسبه إلى البيهقي في شعب الإيمان، والبغوي في شرح السنة، وفي المستدرك نحوه، أخرجه شاهدًا 2/ 4، وفي سند المستدرك انقطاعٌ.
وأخرج [الشافعي] نحوه من طريق المطلب بن حنطبٍ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: .... الأم 7/ 271، وهو مرسلٌ. وذكره ابن عبد البر في كتاب العلم، وقال: رواه المطلب بن حنطب وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم. مختصر جامع بيان العلم ص 222 اهـ. [المؤلف]
ونسب إليه ذلك الحديث. فأما إن قال: هذا الحديث صحيح، أو: ثبت عنه أنه قال ذلك، عالمًا بأنه كذب، فهذا قد كذب عليه. أما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر. اهـ
(1)
.
أقول: وكلامه فيمن كذب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله، فأمّا مَنْ كذب على الله عز وجل بقوله وفعله واعتقاده بأن زعم في عمل أنه من الدين الذي يحبه الله ويرضاه، وليس له على ذلك سلطان، فلا أرى موضعًا للشك في كفره إلا أن يكون له عذر، والآيات المتقدمة صريحة في ذلك.
وقال الشاطبي أيضًا: «وقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: 103]، فهم شرعوا شرعة وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة توهُّمًا أن ذلك يقربهم من الله تعالى كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من الحق، فزلّوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك، وتاهوا في المشروع، فلذلك قال تعالى على إثر الآية:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105].
وقال سبحانه: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [الأنعام: 140]، فهذه فذلكة لجملة بعد تفصيل تقدَّم وهو قوله تعالى:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الآية [الأنعام: 136]. فهذا تشريع كالمذكور قبل هذا ثم قال:
(1)
الصارم المسلول ص 165 - 170. [المؤلف]
{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} الآية [الأنعام: 137] ، وهو تشريع أيضًا بالرأي مثل الأول، ثم قال:{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا [621] يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام: 138] إلى آخرها.
فحاصل الأمر أنهم قتلوا أولادهم بغير علم وحرَّموا ما أعطاهم الله من الرزق بالرأي على جهة التشريع، فلذلك قال تعالى:{قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140].
ثم قال تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرّمات التي حرَّموها وهي ما في قوله: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143]: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144]، وقوله:{لَا يَهْدِي} يعني أنه يُضلُّه»
(1)
.
وقال ابن حجر الهيتميّ في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام): «ووقع قريبًا أن أميرًا بنى بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة فقال: «قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»
(2)
،
(1)
الاعتصام 1/ 175 - 176. [المؤلف]
(2)
أخرجه البخاريّ في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكَّة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكَّة والمدينة، 2/ 60، ح 1189، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الكتاب المذكور، باب مسجد بيت المقدس، 2/ 61، ح 1197، من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه. ومسلمٌ في كتاب الحجِّ، باب سفر المرأة مع محرمٍ إلى حجٍّ وغيره، 4/ 102، ح 827، من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.
وأنا أقول: وتُشدُّ الرحال إلى هذا البيت أيضًا». وقد سئلْتُ عن ذلك، والذي يتجه ويتحرّر فيه أنه بالنسبة لقواعد الحنفيّة والمالكية وتشديداتهم يكفر بذلك عندهم مطلقًا. وأما بالنسبة لقواعدنا وما عُرف من كلام أئمتنا السابق واللاحق فظاهر هذا اللفظ أنه استدراك على حصره صلى الله عليه وآله وسلم وأنه ساخرٌ به، وأنه شرع شرعًا آخر غير ما شرعه نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه ألحق هذا البيت بتلك المساجد الثلاثة في الاختصاص عن بقية المساجد بهذه المزيّة العظيمة التي هي التقرّب إلى الله بشدّ الرحال إليها. وكلّ واحد من هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفر بلا مرية، فمتى قصد أحدها فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفرُ أيضًا لما علمت أن اللفظ ظاهرٌ في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية
…
وإن تأوَّل بأنه لم يُرِدْ إلا أن هذا البيت لكونه أعجوبة يكون ذلك سببًا لمجيء الناس إلى رؤيته .... قُبِل منه ذلك، ومع ذلك فيعزر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى إفضاء التعزير إلى القتل ــ كما سيأتي عن أبي يوسف ــ لأراح الناس من شرِّه ومجازفته؛ فإنه بلغ فيهما الغاية القصوى، تاب الله علينا وعليه، آمين»
(1)
.
واعلم أن ما قدَّمته من أن صاحب البدعة قد يكون مأجورًا عليها خاص بما إذا كان عالمًا قامت عنده شبهة قوية حملته على ظن أن تلك البدعة سنة، وقد بذل وسعه في البحث والنظر فلم يجد ما يدفع ذلك عنه، وإذا كانت تلك المسألة مما أمر الشرع بإخفائه حذر الفتنة اشترط أيضًا ألَّا يكون ذلك
(1)
الإعلام ص 36. [المؤلف]
العالم معلنًا به.
فأما الجاهل فإنما يمكن أن يكون مأجورًا على البدعة إذا كان قَلَّد فيها مَن يعتقد فيه العلم، ولم يقصِّر في الاختيار، ولا تبين له ضعف قوله، ولا ترك الاحتياط، فإذا اختلَّ شيء من هذا فقد صرح العلماء بأنه يكون آثمًا لتقصيره، على تردّدٍ من بعضهم في بعض ذلك، إلا أنه لا يُحكم عليه بالكفر أو الشرك حتى تقام عليه الحجة.
وعندي تردُّد فيمن ترك الاحتياط، كأن يسمع من بعض العلماء أن هذا الفعل مستحب ويسمع من آخر أن هذا الفعل ليس بمستحب بل هو شرك، فإذا أقدم مثل [622] هذا على ذلك الفعل ألا يُحْكَم عليه بالشرك؟ وقد نصَّ العلماء أن مَن أقدم على ما يظنه كفرًا
(1)
يكفر، وإن لم يكن ذلك الشيء كفرًا في نفس الأمر.
وفي الهداية وشرحها من كتب الحنفية: «وإن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو كافر يكون يمينًا؛ لأنه .... ولو قال ذلك لشيء قد فعله فهو الغموس، ولا يكفر، اعتبارًا بالمستقبل. وقيل: يكفر؛ لأنه تنجيزٌ معنًى، كما إذا قال: هو يهودي. والصحيح أنه لا يكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، فإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل» . قال المحشِّي: «قوله: (يكفر فيهما)؛ لأنه لما أقدم على ذلك الفعل وعنده أنه يكفر فقد رضي بالكفر» . اهـ
(2)
.
(1)
في الأصل: كفر.
(2)
العناية [للبابرتي] شرح الهداية [للمرغيناني] 2/ 191. [المؤلف]
نعم قد يترجَّح عذره في بعض الأحوال، كأن نشأ بقطر اتفق مَن به من المنتسبين إلى العلم على أن ذلك الفعل مستحب، وإنما بلغه أنه شرك عن رجل ببلد آخر وعلماء ذلك القطر يردُّون عليه ويخطِّئونه ويشدِّدون النكير عليه، وليس لهذا العامي مُكنةٌ في البحث والنظر. والله المستعان.
فصل
إذا تقرَّر أنَّ السلطان الفارق بين عبادة الله تعالى وعبادة غيره قد يكون ظنيًّا في نفسه ولكنه يستند إلى أصل قطعي؛ فإنه يدخل فيه سائر الأدلة التي يحتج بها الأئمة المجتهدون، على ما هو مبسوط في أصول الفقه. وما اختلف فيه منها أدليل هو أم لا فالمدار على ما ترجح أو قامت به الحجة. فمن احتج بدلالة الاقتران مثلًا على فعل بأنه عبادة، فإن كان قد نظر في الأصول وترجح له بأن دلالة الاقتران حجة فهي سلطان في حقه حتى تقام الحجة عليه بأن دلالة الاقتران ليست بحجة. وهكذا من تمسك بدليل صالح في نفسه ولكنه عارضه ما هو أقوى منه فإنه على سلطان حتى يعلم بالمعارض وتقوم عليه الحجة بأن المعارض أقوى. وهكذا من كان له معرفة بالكتاب والسنة ففهم من آية أو حديث معنى فهو سلطان له حتى تقوم عليه الحجة بخطئه في فهمه أو بوجود معارض لِما فَهِمَه أقوى منه. وكذلك مَن كان له معرفة بالحديث ورجاله فظهر له صحة حديث فهو سلطان له حتى تقام عليه الحجة بضعف ذلك الحديث أو بأنه عارضه ما هو أقوى منه.
والحاصل: أن السلطان هو الحجة التي يُحْتَجُّ بها في فروع [623] الفقه، فكل حجة في فروع الفقه سلطان.
حتى التقليد في حق العامي فهو سلطان له حتى تقام عليه الحجة بأن
مقلَّده ليس بمرتبة الإمامة أو تقام الحجة على خطئه. نعم، ينبغي للمقلد الاحتياط في مواضع الاختلاف، إلا إن تبين له أن قول من خالف إمامه ضعيفٌ جدًّا، أو يكون استناده في ظن ضعفه إلى أمر ظاهر لا إلى التعصب المحض؛ فإن كثيرًا من المقلدين يتوهمون أن إمامهم معصوم، ويستضعفون دلالة الكتاب والسنة وأقوال أكابر الصحابة وأكثر الأئمة إذا كان قول إمامهم مخالفًا لذلك. وهذا هوىً محضٌ، إنما حملهم عليه محبة أنفسهم، تقول لأحدهم نفسُه: أنت مقلد لهذا الرجل متبع له، فإذا توهَّمْتَ فيه نقصًا فقد توهَّمْتَ النقص في نفسك، فينبغي لك أن تطرد عن فهمك كل ما يفهم منه نقص إمامك، وهذا باب واسع يُكْتفى بالإشارة إليه. والله الموفق.
وقد قدمنا في أوائل الرسالة فصولًا فيما يتمسك به بعض الناس ويظنه دليلًا وليس بدليلٍ، فارجع إليه.
فصل
الأمور الدينية تنقسم إلى قسمين: [معاملات وعبادات]
(1)
، والعبادات على ضربين:
الأول: ما هو تعظيمٌ لله عز وجل بلا واسطة كالصوم.
الثاني: ما هو خضوعٌ له سبحانه ولكن بواسطة احترام مخلوقٍ كتقبيل الحجر الأسود وإكرام الأبوين وغير ذلك.
فالقسم الأول والضرب الأول من القسم الثاني يشق على العامّيّ الاحتياط فيه مشقة شديدة؛ لأنه يلزم من ذلك أن يُشَدَّد عليه أشدَّ مما يشدد
(1)
في الأصل: (عبادات ومعاملات)، والمثبت هو المناسب لكلامه الآتي.
على العالم، فيُمْنَع من كثيرٍ من المصالح الدنيوية لا يُمْنَع منها العالِم، ويُلْزَم بكثير من الأعمال لا يُلْزَم بها العالِم، مع أن المناسب لحال العامة [624] أن يوسَّع عليهم الأمر ويرخَّص لهم أكثر مما يرخَّص للعلماء، فلذلك لم يوجب العلماء على العامة الاحتياط فيما ذكر.
فأما الضرب الثاني من القسم الثاني أعني ما كان من العبادات هو في الصورة احترام مخلوق، فأرى أنه يجب فيه الاحتياط؛ لأمور:
الأول: أنه وإن تقدم أن البدع كلَّها تؤول إلى الكفر والشرك، فهذا الضرب أعني ما فيه تعظيم لمخلوقٍ أصرحُ في ذلك من غيره، فإن ما عداه إنما يحتمل الشرك لأنه يؤول إليه، وذلك من جهة كونه طاعة للرؤساء وللشيطان والهوى في شرع الدين، والطاعة تعظيم.
الثاني: أنه لا مشقة على العامّيِّ في اجتناب ذلك، بل فيه تخفيف عليه بخلاف ما عداه.
الثالث: أنه قد كثر في القرون المتأخرة ابتداع التديُّن بتعظيم المخلوقين أكثر مما عداه.
الرابع: أن عامَّة الاختلافات في القسم الأول والضرب الأول من القسم الثاني قد وقع بين السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين. وأكثر ما اختلف فيه من تعظيم المخلوق لم يثبت عن السلف، وإنما اخترعه أفراد من الخلف لم يبلغوا رتبة الاجتهاد، ومثلُ ذلك بدعة قطعًا لسَبْقِ الإجماع على تركه المستلزم الإجماع على أنه ليس من الدين، ولأن المحدِثَ له ليس ممن يجوز تقليده.