الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1261 - محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موسى الأنصاري
(1) : إشبيلي أبو عبد الله بن المجاهد، شهرة عرف بها أبوه إذ كان لا يسمع بغزاة ولا سرية إلا تجهز لها وسارع إليها وبادر نحوها. قرا أول على أبي العباس القرموني، وروى الحديث عن أبي مروان ابلاجي، وتفقه به على أبي عمر أحمد بن مبشر وأبي القاسم محمد بن إسماعيل الرنجاني وأبي يوسف الزناتي؛ ولازم مجلس أبي بكر بن العربي نحو ثلاثة اشهر ثم ترك التردد غليه فقيل له في ذلك فقال: كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان. وتأدب بابي الحسن ابن الأخضر.
روى عنه أبوا بكر: ابن خير وعتيق بن قنترال، وأبوا الحسن: البلوي وابن خروف النحوي، وأبو الخطاب عمر بن الجميل وأبو [204 و] الصبر السبتي، وآباء عبد الله ابن قسوم الزاهد وابن هارون وابن يوسف بن عبد الله بن محمد بن عامور، وأبو العباس بن منذر وأبو عمر محمد بن أحمد بن عبد الملك الباجي وأبو عمرو عبد الرحمن بن مغنين وأبو عمران المارتلي، وآباء محمد: ابن أحمد بن جمهور والشنتريني وابن عبيد الله الباجي وأبو مروان ابن أحمد أبي عمر الباجي المذكور.
وكان واحد وقته زهداً في الدنيا واجتهاداً في العبادة وتمكن الورع الصحيح وتوقي الشهرة والرغبة في الخمول والإيثار بما عنده، معدوداً في
(1) ترجمته في التكملة: 522.
الأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والبراهين الصالحة والمكاشفات وإجابة الدعوات ممن بعد العهد بمثله، ولم يكن يسمح لأحد في التعرض إليه بهدية أو تحفة قلت أو كثرت لا من الملوك ولا من غيرهم، على اختلاف طبقات الناس إلا من آحاد من بعض خلصانه ممن قد تحقق طيب مكسبهم، وذلك في النزر اليسير والنادر من الأوقات. وكتب الكثير من العلم بخطه، وكان مثابراً على طلبه مرغباً فيه كل من يغشاه من أصحابه وافر الحظ من علم القراءات والفقه، وعرضت عليه أوان طلبه ولاية القضاء بشريش فنفر من ذلك وامتنع حتى اعفي؛ وكان مقتصداً في أحواله: اقتصر في إجراء معيشته على نسخ المصاحف بعد طول تردده في التماس حرفة ليسلم من تبعاتها فلم يجدها.
واستدعاه أبو يعقوب بن عبد المؤمن فأجابه وقرر لديه من أعذاره في إعفائه من العود إليه ما اقتضى عنده قبوله، فأسعفه في ذلك عملا على مساعدته، وعرض عليه مالاً فأبى من قبوله، فتركه لرأيه موافقة عليه ووقوفاً عند مرضاته.
وكان تلميذه الأخص به أبو عمران المارتلي إذا جرى ذكره بين أصحابه يقول: لو رأيتموه رأيتم فرداً من أفراد الزمان وبدلاً من الإبدال لا يقدر ولا يمثل إلا بالصدر الأول والسلف الصالح.
ومما يؤثر عنه من كراماته وحماية الله إياه ان أبا العباس الشهير بالبريرق [204 ظ] ويعرف أيضاً بأبي رقيقة - وكان أحد أصحابه - كان يهدي إليه أول طيب العنب كل سنة شيئاً من عنبه الذي يجنيه من
موضعه الصائر إليه بالإرث عن آبائه عن أجداده منذ زمن الفتح، فكان دأب أبي عبد الله قبول هديته لتحققه طيب أصلها. ولما كان في بعض الأعوام ردها عليه وأبى قبولها، فراب ذلك أبا العباس وشق عليه وغاب عنه السبب فيه، فعمد إلى أبي عبد الله وساه عن موجب رد هديته ومخالفة ما عوده من قبولها فقال له: إنما صرفتها عليك لأنها ليست من مالك، فابحث عنها. فرجع أبو العباس إلى منزله وسال أهله فأخبر أن ذلك العنب من جنة أحد جيرانهم، وقيل له: أنا رأينا عنباً أكحل طيباً ليس لنا مثله، فرأينا أن نهديه إلى الشيخ أبي عبد الله ونؤثره به، فسري عن أبي العباس ما كان قد وجد في نفسه من ذلك وعلم أن الله سبحانه قد وقى وليه من تناول شبهة. وكراماته ومآثره كثيرة أثيرة وقد دون منها الزاهد الفاضل أبو بكر بن قسوم جملة صالحه في كتابه:" محاسن الأبرار في معاملة الجبار ".
حدثني الشيخ السني أبو الحسن الرعيني رحمه الله قراءة مني عليه قال (1) : أخبرني الشيخ الصالح أبو محمد الشنتريني الفقيه، قال: كان عندنا بإشبيلية شاعر يعرف بابي عبد الله البراذعي، وكان يعمل أبداً على زيارة أبي عبد الله بن المجاهد رحمه الله فكان يعطيه في اليوم الذي يأتيه فيه نصف القرصة التي كانت قوته في يومين اثنين، فإنه كان يدفع لي درهماً فيستنفق منه ستة عشر يوماً قرصة في يومين، والقرصة حينئذ (2)
(1) انظر الخبر في برنامج الرعيني: 93؛ والضمير في قال يرجع إلى ابن قسوم.
(2)
البرنامج: إذ ذاك.
من أربع وعشرين أوقية، وأنه زاره في أحد الأيام فأعطاه قلنسوة وخبزاً وعنقود عنب ودرهمين اثنين، فقال أبو عبد الله البراذعي المذكور: ما رأيت أكرم من ابن المجاهد وزرته (1) فأعطاني كسوته وقوته ودراهمه، ثم قال فيه هذه الأبيات (2) :
لكل بني الدنيا نصيب (3) من أمه
…
يلاحظه ذو اللب لحظ المشاهد [205 و]
فأما بنو الأخرى فان نصيبهم
…
من أمهم مستدرك بالشواهد
وفرقان بين الحال والحال مدرك
…
لذي نهية في هذه الدار زاهد
فتى طلق الدنيا ثلاثاً فبتها
…
ليظفر في الأخرى بحوراء ناهد
له خلد في جنة الخلد راتع
…
وظاهر شخص منه بين المشاهد
فأن يك منهم بين أظهرنا فتى
…
فإني لأرجو انه ابن المجاهد
له عندنا عهد كريم ذمامه
…
حميد إذا ذمت لئام المعاهد
فيا رب متعنا بتشديد (4) عهده
…
وجدد له من برك المتعاهد قال المصنف عفا الله عنه: هذه الأبيات لزومية، وهي شاهدة بإجادة
(1) البرنامج: زرته.
(2)
هي في برنامج الرعيني: 94.
(3)
ح: نصيباً، وهو خطأ.
(4)
البرنامج: أمتعنا بتجديد.