الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَدفع لكل وَاحِد سِتّمائَة دِرْهَم فهرب أَكْثَرهم لما علمُوا بوصول التتار الْفُرَات وَذهب المَال وَلم يجد نفعا. واستخدم السُّلْطَان بِمصْر عدَّة كَبِيرَة من أهل الصَّنَائِع وَنَحْوهم. وَنزل الْأُمَرَاء فِي الخيم. بميدان القبق لعرض الْعَسْكَر بخيولهم ورماحهم حَتَّى تعْتَبر أَحْوَالهم وعرضوا فِي كل يَوْم عشرَة مقدمين من الْحلقَة. بمضافيهم فَقطعُوا يَسِيرا مِنْهُم ثمَّ أَبقوا الْجَمِيع لما داجى عَلَيْهِم المقدمون فِي أَمر الْجند حَتَّى اقروا من هُوَ دخيل فيهم. وأنهوا الْعرض فِي عشْرين يَوْمًا ورميت الإقامات. وَهَذَا وَقد امْتَلَأت أَرض مصر بالجفلى من الْبِلَاد الشامية ورخصت الأسعار عِنْد قدومهم حَتَّى أبيع وَخرج السُّلْطَان من القلعة يَوْم السبت ثَالِث عشر صفر إِلَى الريدانية خَارج الْقَاهِرَة وتلاحقت بِهِ الْأُمَرَاء والعساكر فَسَار إِلَى غَزَّة وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ.
(فورد الْخَبَر)
بمسير غازان بعد عبوره من الْفُرَات إِلَى نَحْو أنطاكية وَقد جفل النَّاس بَين يَدَيْهِ. وخلت بِلَاد حلب وفر قرا سنقر نائبها إِلَى حماة وبرز كتبغا نَائِب حماة ظَاهرهَا فِي ثَانِي عشرى ربيع الأول وَوصل إِلَيْهِم عَسَاكِر مصر وَالشَّام فأقاموا خَارج حماة. وَأمر السُّلْطَان الجيوش بِالْمَسِيرِ من غَزَّة فَوَقع الرحيل إِلَى العوجاء. وَأصَاب الْعَسْكَر فِيهَا شَدَائِد من الأمطار الَّتِي توالت أحدا وَأَرْبَعين يَوْمًا حَتَّى عدم فِيهَا الْوَاصِل وَاشْتَدَّ الغلاء. وأضعف الْبرد الدَّوَابّ والغلمان وَبلغ الْحمل التِّبْن إِلَى أَرْبَعِينَ درهما والعليقة الشّعير ثَلَاثَة دَرَاهِم وَالْخبْز كل ثَلَاثَة أرغفة بدرهم وَاللَّحم كل رَطْل بِثَلَاثَة دَرَاهِم. وعقب الْمَطَر سيل عَظِيم أتلف مُعظم الأثقال وَمَات جمَاعَة من الغلمان وَأَرْبَعَة من الْجند لشدَّة الْبرد. ثمَّ وَقع الرحيل فِي الأوحال الْعَظِيمَة. فَقدم الْبَرِيد من حلب بِأَن غازان توجه من جبال أنطاكية إِلَى جبال السماق وَأَنه عَاد على قُرُون حماة وشيزر فنهب وسبى عَظِيما وَأخذ مَالا كَبِيرا من
الْمَوَاشِي وَغَيرهَا وَأَنه قصد التَّوَجُّه إِلَى دمشق فَأرْسل الله عَلَيْهِ ثلوجاً وأمطاراً لم يعْهَد مثلهَا وَوَقع فِي خُيُول عساكره وجمالهم الموتان حَتَّى كَانَت عدَّة جشار غازان اثنى عشر ألف فرس فَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا نَحْو الألفي فرس وَبَقِي مُعظم عساكره بِغَيْر خُيُول فَرجع وَأَكْثَرهم مرتدفون بَعضهم بَعْضًا وَأَن غازان خَاضَ الْفُرَات فِي حادي عشر جُمَادَى الأولى فسر النَّاس سُرُورًا عَظِيما. وَسَار الْأَمِير سيف الدّين بكتمر السِّلَاح دَار بمضافيه والأمير بهاء الدّين يعقوبا بمضافيه إِلَى حلب فِي ألفي فَارس لتَكون السمعة وتطمئن أهل الْبِلَاد وَعَاد السُّلْطَان بِبَقِيَّة العساكر إِلَى مصر سلخ ربيع الآخر. وَاسْتقر الْأَمِير سيف الَّذين بدخاص فِي نِيَابَة صفد عوضا عَن كراي لاستعفائه مِنْهَا وأنعم على كراي بإقطاع الْأَمِير بلبان الطباخي بعد مَوته وَاسْتقر بلبان الجوكندار حَاجِب دمشق شاد الدَّوَاوِين بهَا. فَقدم الْعَسْكَر إِلَى دمشق فِي سَابِع جُمَادَى الأولى وَقدم السُّلْطَان قلعة الْجَبَل فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشر. وَكَانَ النَّاس لما بَلغهُمْ بِدِمَشْق عود السُّلْطَان إِلَى مصر اشْتَدَّ خوفهم وَخرج معظمهم يُرِيدُونَ الْقَاهِرَة وَنُودِيَ بِدِمَشْق فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى: من أَقَامَ بِدِمَشْق بعد هدا النداء فدمه فِي عُنُقه وَمن عجز عَن السّفر فليتحصن بقلعه دمشق فَخرج بَقِيَّة النَّاس على وُجُوههم. وغلت الأسعار بِدِمَشْق حَتَّى أبيعت الغرارة الْقَمْح بثلاثمائة دِرْهَم والرطل اللَّحْم بِتِسْعَة دَرَاهِم فَلَمَّا خرج الجفل نزلت الغرارة إِلَى مِائَتي دِرْهَم. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة: كثر الإرجاف بِعُود التتر وَقد خلت الْبِلَاد الشامية من أَهلهَا ونزحوا إِلَى مصر. وَفِي رَجَب: كَانَت وقْعَة أهل الذِّمَّة: وهى أَنهم كَانُوا قد تزايد ترفهم بِالْقَاهِرَةِ ومصر وتفننوا فِي ركُوب الْخَيل المسومة والبغلات الرائعة بالحلي الفاخرة ولبسوا الثِّيَاب السّريَّة وولوا الْأَعْمَال الجليلة. فاتفق قدوم وَزِير ملك الْمغرب يُرِيد الْحَج وَاجْتمعَ بالسلطان والأمراء وبينما هُوَ تَحت القلعة إِذا بِرَجُل رَاكب فرسا وَحَوله عدَّة من النَّاس مشَاة فِي ركابه يَتَضَرَّعُونَ لَهُ ويسألونه ويقبلون رجلَيْهِ وَهُوَ معرض عَنْهُم لَا يعبأ بهم بل ينهرهم ويصيح فِي غلمانه بطردهم. فَقيل للمغربي أَن هَذَا الرَّاكِب نَصْرَانِيّ فشق عَلَيْهِ وَاجْتمعَ بالأميرين بيبرس وسلار وحدثهما بِمَا رَآهُ وَأنكر ذَلِك وَبكى بكاء كثيرا وشنع فِي أَمر النَّصَارَى وَقَالَ: كَيفَ ترجون النَّصْر وَالنَّصَارَى تركب عنْدكُمْ الْخُيُول وتلبس العمائم الْبيض وتذل الْمُسلمين وتشبههم فِي خدمتكم
وَأطَال القَوْل فِي الْإِنْكَار وَمَا يلْزم وُلَاة الْأُمُور من إهانة أهل الذِّمَّة وتغيير زيهم. فأثر كَلَامه فِي نفوس الْأُمَرَاء فرسم أَن يعْقد مجْلِس بِحُضُور الْحُكَّام واستدعيت الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَطلب بطرك النَّصَارَى وبرز مرسوم السُّلْطَان بِحمْل أهل الذِّمَّة على مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع المحمدي. فَاجْتمع الْقُضَاة بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بَين القصرين وَندب لذَلِك من بَينهم قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَحْمد السرُوجِي الْحَنَفِيّ وَطلب بطرك النَّصَارَى وَجَمَاعَة من أساقفتهم وأكابر قسيسيهم وأعيان ملتهم وديان الْيَهُود وأكابر ملتهم وسئلوا عَمَّا أقرُّوا عَلَيْهِ فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه من عقد الذِّمَّة فَلم يَأْتُوا عَن ذَلِك بِجَوَاب. وَطَالَ الْكَلَام مَعَهم إِلَى أَن اسْتَقر الْحَال على أَن النَّصَارَى تتَمَيَّز بلباس العمائم الزرق وَالْيَهُود بِلبْس العمائم الصفر وَمنعُوا من ركُوب الْخَيل وَالْبِغَال وَمن كل مَا مَنعهم مِنْهُ الشَّارِع صلى اله عَلَيْهِ وَسلم وألزموا بِمَا شَرطه عَلَيْهِم أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه. فالتزموا ذَلِك وَأشْهد عَلَيْهِ البطرك أَنه حرم على جَمِيع النَّصْرَانِيَّة مُخَالفَة ذَلِك والعدول عَنهُ وَقَالَ رَئِيس الْيَهُود ودانهم: أوقعت الْكَلِمَة على سَائِر الْيَهُود فِي مُخَالفَة ذَلِك وَالْخُرُوج عَنهُ وانفض الْمجْلس وطولع السُّلْطَان والأمراء. مِمَّا وَقع فَكتب إِلَى أَعمال مصر وَالشَّام بِهِ. وَلما كَانَ يَوْم خَمِيس الْعَهْد وَهُوَ الْعشْرُونَ من شهر رَجَب: جمع النَّصَارَى وَالْيَهُود بِالْقَاهِرَةِ ومصر وظواهرها ورسم أَلا يستخدم أحد مِنْهُم بديوان السُّلْطَان وَلَا بدواوين الْأُمَرَاء وَألا يركبُوا خيلاً وبغالاً وَأَن يلتزموا سَائِر مَا شَرط عَلَيْهِم. وَنُودِيَ بذلك فِي الْقَاهِرَة ومصر وهدد من خَالفه بسفك دَمه. فانحصر النَّصَارَى من دلك وَسعوا بالأموال فِي إبِْطَال مَا تقرر فَقَامَ الْأَمِير بيبرس الجاشنكير فِي إِمْضَاء مَا ذكر قيَاما مَحْمُودًا وصمم تصميماً زَائِدا. فاضطر الْحَال بالنصارى إِلَى الإذعان وَأسلم أَمِين الْملك عبد الله بن العنام مُسْتَوْفِي الصُّحْبَة وَخلق كثير حرصاً مِنْهُم على بَقَاء رياستهم وأنفة من لبس العمائم الزرق وركوب الْحمير. وَخرج الْبَرِيد بِحمْل النَّصَارَى الْيَهُود فِيمَا بَين دمقلة من النّوبَة والفرات على مَا تقدم ذكره. وامتدت أَيدي الْعَامَّة إِلَى كنائس الْيَهُود وَالنَّصَارَى فهدموها بفتوى الشَّيْخ الْفَقِيه
نجم الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الرّفْعَة. فَطلب الْأُمَرَاء الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء للنَّظَر فِي أَمر الْكَنَائِس فَصرحَ ابْن الرّفْعَة بِوُجُوب هدمها وَامْتنع من ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد وَاحْتج بِأَنَّهُ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة بِأَنَّهَا أحدثت فِي الْإِسْلَام تهدم وَإِلَّا فَلَا يتَعَرَّض لَهَا وَوَافَقَهُ الْبَقِيَّة على هَذَا وانفضوا. وَكَانَ أهل الْإسْكَنْدَريَّة لما ورد عَلَيْهِم مرسوم السُّلْطَان فِي أَمر الذِّمَّة ثَارُوا بالنصارى وهدموا لَهُم كنيستين وهدموا دور الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّتِي تعلو على دور جيرانهم الْمُسلمين وحطوا مساطب حوانيتهم حَتَّى صَارَت أَسْفَل من حوانيت الْمُسلمين. وَهدم بالفيوم أَيْضا كنيستان. وَقدم الْبَرِيد فِي أَمر الذِّمَّة إِلَى دمشق يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع شعْبَان فَاجْتمع الْقُضَاة والأعيان عِنْد الْأَمِير أقش الأفرم وَقُرِئَ عَلَيْهِم مرسوم السُّلْطَان بذلك فَنُوديَ فِي خَامِس عشريه أَن يلبس النَّصَارَى العمائم الزرق وَالْيَهُود العمائم الصفر والسامرة العمائم الْحمر وهددوا على الْمُخَالفَة. فالتزم النَّصَارَى وَالْيَهُود بِسَائِر مملكة مصر وَالشَّام مَا أمروا بِهِ وصبغوا عمائمهم إِلَّا أهل الكرك فَإِن الْأَمِير جمال الدّين أقش الأفرم الأشرفي النَّائِب بهَا رأى إبقاءهم على حالتهم وَاعْتذر بِأَن أَكثر أهل الكرك نَصَارَى فَلم يُغير أهل الكرك والشوبك من النَّصَارَى العمائم الْبيض. وَبقيت الْكَنَائِس بِأَرْض مصر مُدَّة سنة مغلقة حَتَّى قدمت رسل الأشكري ملك الفرنج تشفع فِي فتحهَا ففتحت كَنِيسَة الْمُعَلقَة بِمَدِينَة مصر وكنيسة مِيكَائِيل الملكية ثمَّ قدمت رسل مُلُوك آخر ففتحت كَنِيسَة حارة وزويلة وكنيسة نقولا. وفيهَا فنيت أبقار أَرض مصر: وَذَلِكَ إِنَّه وَقع فِيهَا وباء من أخريات السّنة الْمَاضِيَة وتزايد الْأَمر حَتَّى تعطلت الدواليب ووقفت أَحْوَال السواقي وتضرر النَّاس من ذَلِك. وَكَانَ لرجل من أهل أشمون طناح ألف وَأحد وَعِشْرُونَ رَأْسا من الْبَقر مَاتَ مِنْهَا ألف وَثَلَاثَة أرؤس وَبَقِي لَهُ ثَمَانِيَة عشر رَأْسا لَا غير. واضطر النَّاس لتعويض الْبَقر بالجمال وَالْحمير وَبلغ الثور ألف دِرْهَم. وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير أسندمر كرجي فِي نِيَابَة طرابلس لاستعفاء الأميرة قطلوبك المنصوري. وفيهَا اخْتلف عربان الْبحيرَة واقتتلت طائفتا جَابر وبرديس حَتَّى فني بَينهمَا بشر كثير واستظهرت برديس.
فَخرج الْأَمِير بيبرس الدوادار فِي عشْرين أَمِيرا من الطبلخاناه إِلَى تروجة فَانْهَزَمَ الْعَرَب مِنْهُم فتبعوهم إِلَى الليونة وَأخذُوا جمَالهمْ وأغنامهم واستدعوا أكابرهم ووفقوا بَينهم وعادوا. وفيهَا خرج الْوَزير شمس الدّين سنقر الأعسر فِي عدَّة مائَة من المماليك السُّلْطَانِيَّة إِلَى الْوَجْه القبلي لحسم العربان وَقد كَانَ كثر عيثهم وفسادهم وَمنع كثير مِنْهُم الْخراج لما كَانَ من الِاشْتِغَال بحركات غازان. فأوقع الْوَزير شمس الدّين بِكَثِير من بِلَاد الصَّعِيد الكبسات وَقتل جماعات من المفسدين وَأخذ سَائِر الْخُيُول الَّتِي بِبِلَاد الصَّعِيد فَلم يدع بهَا فرسا لفلاح وَلَا بدوي وَلَا قَاض وَلَا فَقِيه وَلَا كَاتب وتتبع السِّلَاح الَّذِي مَعَ الفلاحين والعربان فَأَخذه عَن آخِره وَأخذ الْجمال. وَعَاد من قوص إِلَى الْقَاهِرَة وَمَعَهُ ألف وَسِتُّونَ فرسا وَثَمَانمِائَة وَسَبْعُونَ جملا وَألف وسِتمِائَة رمح وَألف وَمِائَتَا سيف وَسَبْعمائة درقة وَسِتَّة آلَاف رَأس من الْغنم فسكن مَا كَانَ بالبلاد من الشَّرّ وذلت الفلاحون وأعطوا الْخراج. وَاتفقَ أَن بعض النَّصَارَى فتح كَنِيسَة فَاجْتمع الْعَامَّة ووقفوا إِلَى الْأَمِير سلار النَّائِب وَشَكوا النَّصَارَى أَنهم فتحُوا كَنِيسَة بِغَيْر إِذن وَأَن فيهم من امْتنع من لبس الْعِمَامَة الزَّرْقَاء واحتمى بالأمراء. فَنُوديَ بِالْقَاهِرَةِ ومصر أَن من امْتنع من النَّصَارَى من لبس الْعِمَامَة الزَّرْقَاء نهب وَحل مَاله وحريمه وَألا يستخدم نَصْرَانِيّ عِنْد أَمِير وَلَا فِي شَيْء من الأشغال السُّلْطَانِيَّة وَلَا فِيمَا فِيهِ نفع. فامتدت أَيدي الْعَامَّة إِلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى وكادوا يَقْتُلُونَهُمْ من كَثْرَة الصفع فِي رقابهم بالأكف وَالنعال فَامْتنعَ الْكثير مِنْهُم من الْمُضِيّ فِي الْأَسْوَاق خوفاًُعلى نَفسه. وقدمت رسل غازان إِلَى الْفُرَات فورد الْبَرِيد بذلك فَخرج إِلَيْهِم الْأَمِير سيف الدّين كراي على الْبَرِيد لإحضارهم فقدموا دمشق يَوْم الثلائاء ثَالِث عشرى ذِي الْقعدَة وهم نَحْو الْعشْرين رجلا فأنزلوا بقلعتها. وَحمل ثَلَاثَة مِنْهُم إِلَى مصر فِي ثامن عشريه وهم كَمَال الدّين مُوسَى بن يُونُس قَاضِي الْموصل وناصر الدّين على خواجا ورفيقه
فوصلوا إِلَى الْقَاهِرَة لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ خَامِس ذِي الْحجَّة وأكرموا غَايَة الْإِكْرَام. فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعَصْر من يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشره: وَاجْتمعَ الْأُمَرَاء والعسكر بقلعة الْجَبَل وألبست المماليك السُّلْطَانِيَّة الكلفيات الزركش والطرز الزركش على أَفْخَر الملابس وَجلسَ السُّلْطَان بعد الْعشَاء الْآخِرَة وَبَين يَدَيْهِ ألف شمعة تعد وَقد وقفت المماليك من بَاب القلعة من بَاب الإيوان صفّين. وأحضرت الرُّسُل فَسَلمُوا وَقَامَ قَاضِي الْموصل وعَلى رَأسه طرحة فَخَطب خطْبَة بليغة وجيزة فِي معنى الصُّلْح ودعا للسُّلْطَان ولغازان وللأمراء وَأخرج كتابا من غازان مَخْتُومًا فَلم يفتح. وَأخرج بالرسل إِلَى مكانهم إِلَى لَيْلَة الْخَمِيس فَفتح الْكتاب الَّذِي من عِنْد غازا وَهُوَ فِي قطع نصف الْبَغْدَادِيّ فَإِذا هُوَ بالخط المغلي فعرب وَقُرِئَ من الْغَد بِحَضْرَة أهل الدولة فَإِذا هُوَ يتَضَمَّن أَن عَسَاكِر مصر دخلت فِي الْعَام الْمَاضِي أَطْرَاف بِلَاده وأفسدت فَأَنف من ذَلِك وَقدم إِلَى الشَّام وَهزمَ العساكر ثمَّ عَاد فَلم يخرج إِلَيْهِ أحد فَرجع إبْقَاء على الْبِلَاد لِئَلَّا تخرب وَأَنه مستعد للحرب ودعا إِلَى الصُّلْح فَكتب جَوَابه وجهز الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن التيتي وعماد الدّين على بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْعلي بن السكرِي خطب جَامع الْحَاكِم والأمير حسام الدّين أزدمر المجيري للسَّفر بِالْجَوَابِ مَعَ الرُّسُل الواصلين من عِنْد غازان. وَكَانَ هَذَا عَام: سَائِر أقطار الأَرْض مشتغلة بِالْحَرْبِ فَكَانَ الْملك المسعود عَلَاء الدّين سنجر - عَتيق شمس الدّين أيتمش عَتيق السُّلْطَان غياث الدّين - وَهُوَ ملك دله بِالْهِنْدِ قد حَارب قوما فِي السّنة الْمَاضِيَة فَأتوا فِي هَذِه السّنة إِلَى دله ونهبوا وأسروا وَخرج عَلَيْهِ طَائِفَة التتر فحاربهم حروباً عَظِيمَة وَهَزَمَهُمْ. وَقَامَ بِأَرْض الْحَبَشَة فِي السّنة الْمَاضِيَة رجل يُقَال لَهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام فَاجْتمع عَلَيْهِ نَحْو المائتي ألف رجل. وَحَارب الأمحري فِي هَذِه السّنة حروباً كَثِيرَة. وَكَانَ بِبِلَاد الْيمن بَين ملكهَا الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين وَبَين الزيدية عدَّة حروب. وفيهَا ثقلت وَطْأَة الْأَمِير الْوَزير سنقر الأعسر على الْأُمَرَاء لشد تعاظمه وَكثر شمعه وتزايد كبره ووفور حرمته وَقُوَّة مهابته وَلما كَانَ من ضربه للتاج بن سعيد الدولة مُسْتَوْفِي الدولة بالمقارع حَتَّى أسلم وتغريمه مَالا كَبِيرا وَكَانَ من ألزام الْأَمِير الجاشنكير وَفِيه حمق ورقاعة زَائِدَة. فَلَمَّا فعل بِهِ الْوَزير مَا فعل نحلى عَن الْمُبَاشرَة وَانْقطع بزاوية الشَّيْخ نصر المنبجي خَارج بَاب النَّصْر حَتَّى تحدث الشَّيْخ نصر مَعَ الْأَمِير بيبرس فِي إعفائه من الْمُبَاشر فَأَجَابَهُ وَكَانَ لَهُ فِيهِ اعْتِقَاد ولكلامه عِنْده قبُول.
فَأحب الْأُمَرَاء إِخْرَاج الْوَزير من الوزارة وَكَانَت فِي النَّاس بقايا من حشمة فأحبوا مراعاته والتجمل مَعَه وعينوه لكشف القلاع الشامية وَإِصْلَاح أمرهَا وترتيب سَائِر أحوالها وتفقد حواصلها كَانَت حِينَئِذٍ عامرة بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وَالسِّلَاح فَسَار ذَلِك. وفيهَا تزوج السُّلْطَان بخوند أردكين بنت نوكاي امْرَأَة أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَعمل لَهُ مُهِمّ عَظِيم أنعم فِيهِ على سَائِر أهل الدولة بِالْخلْعِ وَغَيرهَا. وَبلغ النّيل فِي هَذِه السّنة سَبْعَة عشر ذِرَاعا وَخَمْسَة عشر أصبعاً وَكَانَت سنة مقبلة رخية الأسعار. وَحج فِيهَا الْأَمِير بكتمر الجوكندار وَأنْفق فِي حجَّته خَمْسَة وَثَمَانِينَ ألف دِينَار وصنع مَعْرُوفا كثيرا: من جملَته أَنه جهز سَبْعَة مراكب فِي بَحر القلزم قد شحنها بالغلال والدقيق وأنواع الإدام من الْعَسَل وَالسكر وَالزَّيْت والحلوى وَنَحْو ذَلِك فَوجدَ بالينبع أَنه قد وصل مِنْهَا ثَلَاثَة مراكب فَعمل مَا فِيهَا أكواماً ونادى فِي الْحَج من كَانَ مُحْتَاجا إِلَى مئونة أَو حلوى فليحضر فَأَتَاهُ المحتاجون فَلم يرد مِنْهُم أحدا وَفرق مَا بَقِي على النَّاس مِمَّن لم يحضر لغناه وَأعْطى أهل الينبع ووصلت بَقِيَّة المراكب إِلَى جدة فَفعل بِمَكَّة كَذَلِك وَفرق على سَائِر أَهلهَا والفقراء بهَا وعَلى حَاج الشَّام. وَفِي هده السّنة أَيْضا كَانَت مُلُوك الأقطار كلهَا شباب لم يبلغُوا الثَّلَاثِينَ سنة. وَمَات فِي هده السّنة مِمَّن لَهُ ذكر الْأَمِير عز الدّين أيدمر الظَّاهِرِيّ وَهُوَ أحد من ولى نِيَابَة دمشق فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة وَقد اسْتَقر بهَا أَمِيرا حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي ربيع الأول. وَمَات الْأَمِير عز الدّين أيبك كرجي الظَّاهِرِيّ أحد أُمَرَاء الألوف بِدِمَشْق فِي عَاشر ذِي الْقعدَة. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين بلبان الطباخي نَائِب حلب فِي غرَّة صفر بغزة وهر عَائِد من التجريدة. وَمَات الْأَمِير جمال الدّين أقوش الشريفي نَائِب قلعة الصَّلْت وبر الكرك والشوبك، وَكَانَ مهيبا.
وَمَات الْأَمِير عز الدّين مُحَمَّد بن أبي الهيجاء الهمذاني الأربلي مُتَوَلِّي نظر دمشق بطرِيق مصر وَهُوَ عَائِد مِنْهَا عَن ثَمَانِينَ سنة وَكَانَ عَالما بالأدب والتاريخ مشكور السِّيرَة. وَمَات الشَّيْخ شمس الدّين مَحْمُود بن أبي بكر أبي الْعَلَاء الكلاباذي البُخَارِيّ الفرضي الْحَنَفِيّ فِي أول ربيع الأول بِدِمَشْق وَقد قدم الْقَاهِرَة وَكَانَ فَاضلا. وَمَات تَاج الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن هبة الله بن قلس الأرمنتي إِمَام الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة بَين القصرين وَله شعر مِنْهُ: احفظ لسَانك لَا أَقُول فَإِن أقل فنصيحة تخفى على الْجلاس وأعيذ نَفسِي من هجائك فَالَّذِي يهجي يكون مُعظما فِي النَّاس وَقَالَ: قد قلت إِذْ لج فِي معاتبتي وَظن أَن الملال من قبلي خدك ذَا الْأَشْعَرِيّ حنفني وَكَانَ من أَحْمد الْمذَاهب لي حسنك مازال شَافِعِيّ أبدا يَا مالكي كَيفَ صرت معتزلي وَكَانَ مقربا فَاضلا.
فارغة
سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة فِي الْمحرم: عَادَتْ رسل غازان مَعَ الرُّسُل السُّلْطَان بجوابه. وَفِي عاشره: اسْتَقر فِي الوزارة الْأَمِير عز الدّين أيبك الْبَغْدَادِيّ المنصوري عوضا عَن سنقر الأعسر وَهُوَ غَائِب بِالشَّام. وَاسْتقر الْأَمِير بيبرس التاجي أحد الْأُمَرَاء البرجية فِي ولَايَة الْقَاهِرَة عوضا عَن نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشيخي وَنقل ابْن الشيخي إِلَى ولَايَة الجيزة فِي عشريه. وَفِيه توجه السُّلْطَان إِلَى الصَّيْد فِي هَذَا الْيَوْم. وَفِيه توجه الْأَمِير أسندمر كرجي إِلَى نِيَابَة طرابلس عوضا عَن الْأَمِير قطلوبك بِحكم استعفائه فَقدم دمشق فِي حادي عشر الْمحرم. وَفِي شهر الْمحرم: أَيْضا اسْتَقر الْأَمِير سيف الدّين بلبان الجوكندار شاد الدَّوَاوِين بِدِمَشْق عوضا عَن الْأَمِير سيف الدّين أقجبا وَنقل أقجبا إِلَى نِيَابَة السلطنة بِدِمَشْق عوضا عَن الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الموفقي. وَظهر بِالْقَاهِرَةِ رجل ادّعى أَنه الْمهْدي فعزر ثمَّ خلى عَنهُ. وفيهَا مَاتَ الْخَلِيفَة الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد فِي ثامن عشر جُمَادَى الأولى. بمناظر الْكَبْش فَغسله الشَّيْخ كريم الدّين عبد الْكَرِيم الأبلي شيخ الشُّيُوخ بخانقاه سعيد السُّعَدَاء وَحضر الْأُمَرَاء وَالنَّاس جنَازَته وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع ابْن طولون وَدفن بجوار المشهد النفيسي. وَكَانَت خِلَافَته بِمصْر أَرْبَعِينَ سنة. وَترك من الْأَوْلَاد أَبَا الرّبيع سُلَيْمَان ولي عَهده وَإِبْرَاهِيم بن أبي عبد الله مُحَمَّد المستمسك بن الْحَاكِم أَحْمد. فأقيم بعده أَبُو الرّبيع وعمره عشرُون سنة ولقب المستكفي بِاللَّه وَكتب تَقْلِيده وَقُرِئَ بِحَضْرَة السُّلْطَان فِي يَوْم الْأَحَد عشرى جُمَادَى الأولى وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وخطب لَهُ على
عَادَة أَبِيه وَاسْتمرّ يركب مَعَ السُّلْطَان فِي اللّعب بالكرة وَيخرج مَعَه للصَّيْد وصارا كأخوين وَكَانَ الْحَاكِم قد عهد بالخلافة إِلَى ابْنه الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد ولقبه المستمسك بِاللَّه وَجعل أَبَا الرّبيع من بعده. فَمَاتَ المستمسك وَاشْتَدَّ حزن أَبِيه الْحَاكِم عَلَيْهِ فعهد لِابْنِهِ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المستمسك من بعده. فَلَمَّا مَاتَ الْحَاكِم لم يقدم بعده إِلَّا أَبَا الرّبيع وَترك إِبْرَاهِيم. وفيهَا كثر فَسَاد العربان بِالْوَجْهِ القبلي وتعدى شرهم فِي قطع الطَّرِيق إِلَى أَن فرضوا على التُّجَّار وأرباب المعايش بأسيوط ومنفلوط فَرَائض جبوها شبه الجمالية. واستخفوا بالولاة وَمنعُوا الْخراج وتسموا بأسماء الْأُمَرَاء وَجعلُوا لَهُم كبيرين أَحدهمَا سموهُ بيبرس وَالْآخر سلار ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون بِأَيْدِيهِم. فاستدعى االأمراء الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء واستفتوهم فِي قِتَالهمْ فأفتوهم بِجَوَاز ذَلِك. فاتفق الْأُمَرَاء على الْخُرُوج لقتالهم وَأخذ الطّرق عَلَيْهِم لِئَلَّا يمتنعوا بالجبال والمفاوز فَيفوت الْغَرَض فيهم فاستدعوا الْأَمِير نَاصِر مُحَمَّد بن الشيخي مُتَوَلِّي الجيزية - وَغَيره من وُلَاة الْعَمَل وتقدموا إِلَيْهِ بِمَنْع النَّاس بأسرهم من السّفر إِلَى وأشاع الْأُمَرَاء إِنَّهُم يُرِيدُونَ السّفر إِلَى الشَّام وكتبت أوراق الْأُمَرَاء الْمُسَافِرين وهم عشرُون مقدما بمضافيهم وعينوا أَرْبَعَة أَقسَام: قسم يتَوَجَّه فِي الْبر الغربي من النّيل وَقسم فِي الْبر الشَّرْقِي وَقسم يركب النّيل وَقسم يمضى فِي الطَّرِيق السالكة. وَتوجه الْأَمِير شمس الدّين سنقر الأعسر - وَقد قدم من الشَّام بعد عَزله من الوزارة واستقراره فِي جملَة الْأُمَرَاء المقدمين - إِلَى جِهَة أَلْوَاح فِي خَمْسَة أُمَرَاء وَقرر أَن يتَأَخَّر مَعَ السُّلْطَان أَرْبَعَة أُمَرَاء من المقدمين وَتقدم إِلَى كل من تعين لجِهَة أَن يضع السَّيْف فِي الْكَبِير وَالصَّغِير والجليل والحقير وَلَا يبقوا شَيخا وَلَا صَبيا ويحتاطوا على سَائِر الْأَمْوَال. وَسَار الْأَمِير سلار فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء فِي الْبر الغربي وَسَار الْأَمِير بيبرس بِمن مَعَه فِي الحاجر فِي الْبر الغربي على طَرِيق الواحات وَسَار الْأَمِير بكتاش أَمِير سلَاح بِمن مَعَه إِلَى الفيوم وَسَار الْأَمِير بكتمر الجوكندار بِمن مَعَه فِي الْبر
الشَّرْقِي وَسَار قتال السَّبع وبيبرس الدوادار وبلبان الغلشي وعرب الشرقية إِلَى السويس وَالطور وَسَار الْأَمِير قبجق وَمن مَعَه إِلَى عقبَة السَّيْل وَسَار طقصبا وَإِلَى قوص بعرب الطَّاعَة وَأخذ عَلَيْهِم المفازات. وَضرب الْأُمَرَاء على الْوَجْه القبلي حَلقَة كحلقة الصَّيْد وَفد عميت أخبارهم على أهل الصَّعِيد فطرقوا الْبِلَاد على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَوَضَعُوا السَّيْف فِي الجيزية بِالْبرِّ الغربي والإطفيحية من الشرق فَلم يتْركُوا أحدا حَتَّى قَتَلُوهُ ووسطوا نَحْو عشرَة آلَاف رجل وَمَا مِنْهُم إِلَّا من أخذُوا مَاله وَسبوا حريمه فَإِذا ادّعى أحد إِنَّه حضري قيل لَهُ قل: دَقِيق فَإِن قَالَ بقاف الْعَرَب قتل. وَوَقع الرعب فِي قُلُوب العربان حَتَّى طبق عَلَيْهِم الْأُمَرَاء وأخذوهم من كل جِهَة فروا إِلَيْهَا وأخرجوهم من مخابئهم حَتَّى قتلوا من بجانبي النّيل إِلَى قوص وجافت الأَرْض بالقتلى. واختفى كثير مِنْهُم بمغائر الْجبَال فأوقدت عَلَيْهِم النيرَان حَتَّى هَلَكُوا عَن آخِرهم وَأسر مِنْهُم نَحْو ألف وسِتمِائَة لَهُم فلاحات وزروع وَحصل من أَمْوَالهم شَيْء عَظِيم جدا تفرقته الْأَيْدِي. وأحضر مِنْهُ للديوان سِتَّة عشر ألف رَأس من الْغنم من جملَة ثَمَانِينَ ألف رَأس مَا بَين ضَأْن وماعز وَنَحْو أَرْبَعَة آلَاف فرس واثنين وَثَلَاثِينَ ألف جمل وَثَمَانِية آلَاف رَأس من الْبَقر غير مَا أرصد فِي المعاصر وَمن السِّلَاح نَحْو مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ حملا مَا بَين سيوف ورماح وَمن الْأَمْوَال على بغال محملة مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بغلاً. وَصَارَ لِكَثْرَة مَا حصل للأجناد والغلمان والفقراء الَّذين اتبعُوا الْعَسْكَر يُبَاع الْكَبْش السمين من ثَلَاثَة دَرَاهِم إِلَى دِرْهَمَيْنِ والمعز بدرهم الرَّأْس والجزة الصُّوف بِنصْف دِرْهَم والكساء بِخَمْسَة دَرَاهِم والرطل السّمن بِربع دِرْهَم وَلم يُوجد من ثمَّ عَاد الْعَسْكَر فِي سادس عشر رَجَب وَقد خلت الْبِلَاد بِحَيْثُ كَانَ الرجل يمشي فَلَا يجد فِي طَرِيقه أحدا وَينزل بالقرية فَلَا يرى أَلا النِّسَاء وَالصبيان وَالصغَار فأفرجوا عَن المأسورين وأعادوهم لحفظ الْبِلَاد. وَكَانَ الزَّرْع فِي هَذِه السّنة بِالْوَجْهِ القبلي عَظِيما إِلَى الْغَايَة تحصل مِنْهُ مَا لم يقدر قدره كَثْرَة. وفيهَا قدم الْبَرِيد بِحُضُور عَلَاء الدّين بن شرف الدّين مُحَمَّد بن القلانسي إِلَى دمشق
وصحبته شرف الدّين بن الْأَثِير فِي تَاسِع عشرى جُمَادَى الأولى من بِلَاد التتر وَكَانَا قد أخذا لما دخل التتر إِلَى بِلَاد الشَّام ففرا ولقيا مشقة زَائِدَة فِي طريقهما. وفيهَا ورد الْبَرِيد من حلب بِأَن تكفور متملك سيس منع الْحمل وَخرج عَن الطَّاعَة وانتمى لغازان فرسم بِخُرُوج الْعَسْكَر لمحاربته وَخرج الْأَمِير بدر الدّين بكتاش الفخري أَمِير سلَاح والأمير عز الدّين أيبك الخازندار بمضافيهما من الْأُمَرَاء والمفاردة فِي رَمَضَان وَسَارُوا إِلَى حماة فَتوجه مَعَهم الْعَادِل كتبغا فِي خَامِس عشرى شَوَّال وَقدمُوا حلب فِي أول ذِي الْقعدَة ورحلوا مِنْهَا فِي ثالثه ودخلوا دربند بغراس فِي سابعه. وانتشروا فِي بِلَاد سيس فحرقوا المزروع انتهبوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ وحاصروا مَدِينَة سيس وغنموا من سفح قلعتها شيثاً كثيرا من جفال الأرمن وعادوا من الدربند إِلَى مرج أنطاكية. فقدموا حلب فِي تَاسِع عشره ونزلوا حماة فِي وفيهَا قدم الْبَرِيد من طرابلس بِأَن الفرنج أنشئوا جَزِيرَة تجاه طرابلس تعرف بجريرة أرواد وعمروها بِالْعدَدِ والآلات وَكثر فِيهَا جمعهم وصاروا يركبون الْبَحْر وَيَأْخُذُونَ المراكب فرسم للوزير بعمارة أَرْبَعَة شواني حربية فشرع فِي ذَلِك. وفيهَا ضرب عنق فتح الدّين أَحْمد البققي الحمري على الزندقة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر ربيع الأول وَكَانَت الْبَيِّنَة قد قَامَت عَلَيْهِ قبل ذَلِك. مِمَّا يُوجب قَتله من النَّقْض بِالْقُرْآنِ وبالرسول وَتَحْلِيل الْمُحرمَات والاستهانة بالعلماء والقدح فيهم وَغير ذَلِك. وفيهَا أخرج الْأَمِير بكتمر الحسامي من الْأَمِير أخورية من حنق الْأُمَرَاء عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَكثر الْكَلَام مَعَ السُّلْطَان وَكَانَ غرضهم أَن السُّلْطَان لَا يتعرف بِهِ أحد. فَأَقَامَ الْأَمِير بكتمر معطلاً مُدَّة حمى وَفَاة مغلطاى التقوي أحد أُمَرَاء دمشق بهَا فَأخْرج على إقطاعه وَاسْتقر عوضه أَمِير أخور علم الدّين سنجر الصَّالِحِي. وفيهَا قدم الْبَرِيد من حماة بِوُقُوع مطر فِيمَا بَينهَا وَبَين حصن الأكراد عقبه قطع برد كبار فِي صُورَة الْآدَمِيّين من ذكر وَأُنْثَى وَفِيه شبه صُورَة القرود وَعمل بذلك مشروح. وَكثر بِدِمَشْق الْجَرَاد وَأكل أوراق الْأَشْجَار وفواكهها. وفيهَا أضيف إِلَى بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق مشيخة الشُّيُوخ
بهَا بعد موت الْفَخر يُوسُف بن حمويه وفيهَا حج الْأَمِير بيبرس الجاشنكير وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَمِيرا سَارُوا ركباً بمفردهم وَمن ورائهم بَقِيَّة الْحَاج فِي ركبين وأمير الْحَاج الْأَمِير بيبرس المنصوري الدوادار. وَخرج بيبرس الجاشنكير من الْقَاهِرَة أول ذِي الْقعدَة فَحَضَرَ إِلَيْهِ بِمَكَّة الشريفان عطفة وَأَبُو الْغَيْث من أَوْلَاد أبي نمى وشكيا من أخيهما أَسد الدّين رميثة وأخيه عز الدّين حميضة إنَّهُمَا وثبا بعد وَفَاة أَبِيهِم عَلَيْهِمَا واعتقلاهما ففرا من الاعتقال. فَقبض على رميثة وخميضة وحملا إِلَى الْقَاهِرَة وَاسْتقر عوضهما فِي إِمَارَة مَكَّة عطفة وَأَبُو الْغَيْث. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان مُسْند الْعَصْر شهَاب الدّين أَحْمد بن رفيع الدّين إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْمُؤَيد الأبرقوهي بِمَكَّة فِي الْعشْرين من ذِي الْحجَّة عَن سبع وَثَمَانِينَ سنة ومولده سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة بأبرقوه من شيراز. وَمَات الْحَافِظ شرف الدّين أَبُو الْحُسَيْن على ابْن الإِمَام عبد الله مُحَمَّد بن أبي
الْحُسَيْن أَحْمد بن عبد الله بن عِيسَى بن أَحْمد بن اليونيني فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشرى رَمَضَان ببعلبك ومولده فِي حادي عشر رَجَب سنة إِحْدَى وعشرى ن وسِتمِائَة ببعلبك. وَمَات الْأَمِير علم الدّين سنجر أرجواش المنصوري نَائِب قلعة دمشق فِي ثَانِي عشرى ذِي الْحجَّة. وَمَات ضِيَاء الدّين أَحْمد بن الْحُسَيْن بن شيخ السلامية بِدِمَشْق فِي يَوْم الثُّلَاثَاء عشرى ذِي الْقعدَة وَهُوَ أَبُو قطب الدّين مُوسَى وفخر الدّين. وَمَات فتح الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد البققي الْحَمَوِيّ مقتولاً بِسيف الشَّرْع فِي رَابِع عشرى ربيع الأول وَرفع رَأسه على رمح وسحب بدنه إِلَى بَاب زويلة فصلب هُنَاكَ وَسبب ذَلِك إِنَّه كَانَ ذكياً حاد الخاطر لَهُ معرفَة بالأدب والعلوم الْقَدِيمَة فَحفِظت عَنهُ سقطات: مِنْهَا أَنه قَالَ: لَو كَانَ لصَاحب مقامات الحريري حَظّ لتليت مقاماته فِي المحاريب وَأَنه كَانَ يُنكر على من يَصُوم شهر رَمَضَان وَلَا يَصُوم هُوَ وَأَنه كَانَ إِذا تنَاول حَاجَة من الرف صعد بقدميه على الربعة وَكَانَ مَعَ ذَلِك جريئاً بِلِسَانِهِ مستخفاً بالقضاة يطنز بهم ويستجهلهم حَتَّى أَنه بحث مَعَ قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد مرّة وَكَأَنَّهُ لم يجبهُ فَقَامَ وَهُوَ يَقُول: وقف الْهوى يُرِيد قَول أبي الشيص الْخُزَاعِيّ: وقف الْهوى بِي حَيْثُ أَنْت فَلَيْسَ لي فِي متأخز عَنهُ وَلَا مُتَقَدم يعْنى أَن القَاضِي انْقَطع. فَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد لِلْفَتْحِ بن سيد النَّاس: يَا فتح الدّين عَقبي هَذَا الرجل إِلَى التّلف فَلم يتَأَخَّر ذَلِك سوى عشْرين يَوْمًا وَقتل فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين مِنْهُ. ذَلِك أَنه أَكثر من الوقيعة فِي حق زين الدّين على بن مخلوف قَاضِي قُضَاة الْمَالِكِيَّة وتنقصه وسبه فَلَمَّا بلغه ذَلِك عَنهُ اشْتَدَّ حنقه وَقَامَ فِي أمره فتقرب النَّاس إِلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ على ابْن البققي فاستدعاه وأحضر الشُّهُود فَشَهِدُوا وَحكم بقتْله وَأَرَادَ من ابْن دَقِيق الْعِيد تَنْفِيذ مَا حكم بِهِ فتوقف. وَقَامَ فِي مساعدة ابْن البققي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشيخي وَجَمَاعَة من الْكتاب وَأَرَادُوا إِثْبَات جنه ليعفى من الْقَتْل فصمم ابْن مخلوف على قَتله وَاجْتمعَ بالسلطان وَمَعَهُ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين السرُوجِي الْحَنَفِيّ ومازالا بِهِ حَتَّى أذن فِي قَتله. فَنزلَا إِلَى الْمدرسَة الصالحية بَين
القصرين ومعهما ابْن الشيخي والحاجب وأحضر ابْن البققي من السجْن فِي الْحَدِيد ليقْتل فَصَارَ يَصِيح وَيَقُول: أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله ويتشهد فَلم يلتفتوا إِلَى ذَلِك وَضرب عُنُقه وطيف بِرَأْسِهِ على رمح وعلق جسده على بَاب زويلة. وَفِيه يَقُول شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الْملك الأعزازي يحرض على قَتله وَكتب بهَا إِلَى ابْن دَقِيق الْعِيد: قل للْإِمَام الْعَادِل المرتضى وَكَاشف الْمُشكل والمبهم لاتمهل الكافرواعمل بِمَا قد جَاءَ فِي الْكَافِر عَن مُسلم يَا لابساً لي حلَّة من مكره بسلاسة نعمت كلمس الأرقم اعْتد لي زرداً تضايق نسجه وعَلى خرق عيونها بالأسهم فَلَمَّا وقف عَلَيْهِمَا القَاضِي الْمَالِكِي قَالَ: نرجو أَن الله لَا يمهله لذَلِك. وَمن شعره أَيْضا: جبلت على حبي لَهَا وألفته ولابدأن ألْقى بِهِ الله مُعْلنا وَلم يخل قلبِي من هَواهَا بقدرما أَقُول وقلبي خَالِيا فتمكنا وَمَات جمال الدّين عُثْمَان بن أَحْمد بن عُثْمَان بن هبة الله بن أبي الحوافز رَئِيس الْأَطِبَّاء فِي مستهل صفر ومولده سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين على التقوي أحد أُمَرَاء دمشق بهَا. وَمَات الشريف أَبُو نمى مُحَمَّد بن أبي سعد حسن بن على بن قَتَادَة بن إِدْرِيس بن مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن عِيسَى بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن على بن الْحسن بن على بن أبي طَالب أَمِير مَكَّة فِي يَوْم الْأَحَد رَابِع صفر وَقد أَقَامَ فِي الْإِمَارَة أَرْبَعِينَ سنة وَقدم الْقَاهِرَة مرَارًا وَكَانَ يُقَال لَوْلَا إِنَّه زيدي لصلح للخلافة لحسن صِفَاته. وَمَات مجد الدّين يُوسُف بن مُحَمَّد بن على بن القباقيبي الْأنْصَارِيّ موقع طرابلس وَله شعر وَمَات الْأَمِير عز الدّين النجيبي وَالِي الْبر بِدِمَشْق فِي سادس عشر ربيع الأول بِدِمَشْق.
وَمَات شمس الدّين سعيد بن مُحَمَّد بن سعيد بن الْأَثِير فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة بِدِمَشْق وَكَانَ يكْتب الْإِنْشَاء بهَا. وَمَات بِدِمَشْق شيخ الخانكاة السميساطية وَهُوَ شيخ الشُّيُوخ شرف الدّين أبي بكر عبد الله بن تَاج الدّين أبي مُحَمَّد ابْن حمويه فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع عشر ربيع الأول وَاسْتقر عوضه قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة بِاتِّفَاق الصُّوفِيَّة. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاى التقوي المنصوري أحد أُمَرَاء دمشق بهَا فِي رَابِع عشرى رَجَب فانعم بخبزه على الْأَمِير سيف الدّين بكتمر الحسامي أَمِير أخور.
سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة فِي أول الْمحرم: قدم الْأَمِير بيبرس الجاشنكير من الْحجاز وَمَعَهُ الشريفان حميضة ورميثة فِي الْحَدِيد فسجنا. وَفِي ثامنه: قدمت رسل غازان بكتابه فأعيدوا بِالْجَوَابِ. وجهز الْأَمِير حسام الدّين ازدمر المجيري شمس الدّين مُحَمَّد التيتي وعماد الدّين على بن عبد الْعَزِيز بن السكرِي إِلَى غازان فِي عَاشر ربيع الأول. فَمَضَوْا واجتمعوا بِهِ فَمَنعهُمْ من الْعود بِسَبَب الْوَقْعَة الآتى ذكرهَا ولازالوا مقيمين حَتَّى هلك غازان فعادوا فِي أَيَّام خدا بندا. وَفِي محرم: تنجزت عمَارَة الشواني وجهزت بالمقاتلة والآلات مَعَ الْأَمِير جمال الدّين أقوش الْقَارِي العلائي وَالِي البهنسا. وَاجْتمعَ النَّاس لمشاهدة لعبهم فِي الْبَحْر فَركب أقوش فِي الشينى الْكَبِير وَانْحَدَرَ تجاه المقياس فَانْقَلَبَ مِمَّن فِيهِ يَوْم السبت ثَانِي عشره. وَكَانَ قد نزل السُّلْطَان والأمراء لمشاهدة ذَلِك وَاجْتمعَ من الْعَالم مَا لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى وَبلغ كِرَاء الْمركب الَّذِي يحمل عشرَة أنفس إِلَى مائَة دِرْهَم امْتَلَأَ البران من بولاق إِلَى الصِّنَاعَة بِالنَّاسِ حَتَّى لم يُوجد مَوضِع قدم خَال. ووقف الْعَسْكَر على بر بُسْتَان الخشاب وَركب الْأُمَرَاء الحراريق إِلَى الرَّوْضَة. وبرزت الشواني للعب كَأَنَّهَا فِي الْحَرْب فلعب الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث واعجب النَّاس بذلك إعجاباً زَائِدا لِكَثْرَة مَا كَانَ فِيهَا من الْمُقَاتلَة والنفوط وآلالات الْحَرْب. ثمَّ تقدم الرَّابِع وَفِيه أقوش فَمَا هُوَ إِلَّا أَن خرج من منية الصِّنَاعَة. بِمصْر وتوسط النّيل إِذا بِالرِّيحِ حركه فَمَال بِهِ مَيْلَة وَاحِدَة انْقَلب وَصَارَ أَعْلَاهُ أَسْفَله فَصَرَخَ النَّاس صرخة وَاحِدَة كَادَت تسْقط مِنْهَا ذَات الْأَحْمَال وتكدر مَا كَانُوا فِيهِ من الصفو وتلاحق النَّاس بالشيني وأخرجوا مَا سقط مِنْهُ فِي المَاء فَلم يعْدم مِنْهُ سوى أقوش وَسلم الْجَمِيع وَعَاد السُّلْطَان والأمراء إِلَى القلعة وانفض الْجمع. وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام أخرج الشيني فَإِذا امْرَأَة الرئيس وَابْنهَا وَهِي ترْضِعه فِي قيد الْحَيَاة فَاشْتَدَّ الْعجب من سلامتها طول هَذِه الْأَيَّام وَوَقع الْعَمَل فِي إِعَادَته حَتَّى تنجز وَندب الْأَمِير سيف الدّين كهرداش الزراق المنصوري للسَّفر عوضا عَن أقوش الْقَارِي فَسَار إِلَى طرابلس بالشواني واستجد مِنْهَا سِتِّينَ مُقَاتِلًا من المماليك سوى البحرية والمطوعة.
وَتوجه كهرداش إِلَى جَزِيرَة أرواد وهى بِقرب أنطرسوس وصبحهم فِي غَفلَة وأحاط بهم وَقَاتلهمْ سَاعَة فنصره الله عَلَيْهِم وَقتل مِنْهُم كثيرا وسألوا الْأمان فَأخذُوا أسرى فِي يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشرى صفر. وَاسْتولى كهرداش على سَائِر مَا عِنْدهم وَعَاد إِلَى طرابلس وَأخرج الْخمس من الْغَنَائِم لتحمل إِلَى السُّلْطَان وَقسم مَا بَقِي فَكَانَت عدَّة الأسرى مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ. فَلَمَّا قدم الْبَرِيد من طرابلس بذلك دقَّتْ البشائر بالقلعة وَفِي يَوْم دق البشائر قدم الْأَمِير بدر الدّين بكتاش من غزَاة سيس. وَفِي هده السّنة: توفّي قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو مُحَمَّد بن على بن وهب بن مُطِيع ابْن أبي الطَّاعَة الْقشيرِي المنفلوطي الْمَالِكِي الْمصْرِيّ بن دَقِيق الْعِيد وَكَانَ مولده فِي شعْبَان سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة. وَلما مَاتَ تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد خرج الْبَرِيد إِلَى فِي دمشق بِطَلَب قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة فَقَدمهَا فِي سَابِع عشر صفر وَخرج بِهِ مِنْهَا فِي تَاسِع عشره. فوصل ابْن جمَاعَة إِلَى الْقَاهِرَة وخلع عَلَيْهِ يَوْم السبت رَابِع ربيع الأول وَاسْتقر فِي قَضَاء الْقُضَاة وَولي قَضَاء دمشق نجم الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن ابْن صصري وَاسْتقر بلبان الجوكندار نَائِب قلعة دمشق عوضا عَن أرجواش وَاسْتقر عوضه فِي شدّ الدَّوَاوِين بِدِمَشْق الْأَمِير بيبرس التلاوي. وَفِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة: ظهر فِي النّيل دَابَّة لَوْنهَا كلون الجاموس بِغَيْر شعر وأذناها كأذن الْجمل وعيناها وفرجها مثل النَّاقة ويغطى فرجهَا ذَنْب طوله شبر وَنصف طرفه كذنب السّمك ورقبتها مثل ثخن التليس المحشو تبناً وفمها وشفتاها مثل الكربال وَلها أَرْبَعَة أَنْيَاب اثْنَان فَوق اثْنَيْنِ فِي طول نَحْو شبر وَعرض أصبعين وَفِي فمها ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ضرساً وسناً مثل بيادق الشطرنج وَطول يَديهَا من بَاطِنهَا شبران وَنصف وَمن ركبتيها إِلَى حافرها مثل أظافر الْجمل وَعرض ظهرهَا قدر ذراعين وَنصف وَمن فمها إِلَى ذنبها خَمْسَة عشر قدماً وَفِي بَطنهَا ثَلَاثَة كروش ولحمها أَحْمَر لَهُ زفرَة السّمك وطعمه مثل لحم الْجمل وثخانة جلدهَا أَرْبَعَة أَصَابِع لَا تعْمل فِيهِ السيوف وَحمل جلدهَا على خَمْسَة جمال فِي مِقْدَار سَاعَة من ثقله فَكَانَ ينْقل من الْجمل إِلَى جمل وَقد حشي تبناً حَتَّى وصل إِلَى قلعة الْجَبَل. وَقدم الْبَرِيد من حلب بِأَن غازان على عزم الْحَرَكَة إِلَى الشَّام فَوَقع الِاتِّفَاق على
خُرُوج الْعَسْكَر وَعين من الْأُمَرَاء بيبرس الجاشنكير وطغريل الإيغاني وكراي المنصوري وبيبرس الدوادار وسنقر شاه المنصوري وحسام الدّين لاجين الرُّومِي أستادار بمضافيهم وَثَلَاثَة آلَاف من الأجناد فَسَارُوا فِي ثامن عشر رَجَب. وتواترت الْأَخْبَار بنزول غازان على الْفُرَات وَوصل عسكره الرحبة وَأَرَادَ منازلتها بِنَفسِهِ. وَكَانَ النَّائِب بهَا الْأَمِير علم الدّين سنجر الغتمي فلاطفه وَخرج إِلَيْهِ بالإقامات وَقَالَ لَهُ: هَذَا الْمَكَان قريب المأخذ وَالْملك يقْصد المدن الْكَبَائِر فَإِذا ملكت الْبِلَاد الَّتِي هِيَ أمامك فَنحْن لَا نمتنع عَلَيْك حَتَّى كف عَنهُ وَرجع عابراً الْفُرَات بعد أَن أَخذ وَلَده ومملوكه رهنا على الْوَفَاء. وَبعث غازان قطلوشاه من أَصْحَابه على عَسَاكِر عَظِيمَة إِلَى الشَّام تبلغ ثَمَانِينَ ألفا وَكتب إِلَى الْأَمِير عز الدّين أيبك الأفرم نَائِب دمشق يرغبه فِي طَاعَته. وَأما الْعَسْكَر السلطاني ففد دخل الْأَمِير بيبرس الجاشنكير إِلَى دمشق بِمن مَعَه فِي نصف شعْبَان وَكتب يستحث السُّلْطَان على الْخُرُوج. وَأَقْبل النَّاس من حلب وحماة إِلَى دمشق خَائِفين من التتر فاستعد أهل دمشق للفرار وَلم يبْق إِلَّا خُرُوجهمْ فَنُوديَ بهَا من خرج حل مَاله وَدَمه. وَخرج الْأَمِير بهادرآص والأمير قطوبك المنصوري وأنص الجمدار على عَسْكَر إِلَى حماة وَلحق بهم عَسْكَر طرابلس وحمص فَاجْتمعُوا على حماة عِنْد الْعَادِل كتبغا. وَبلغ التتر ذَلِك فبعثوا طَائِفَة كَبِيرَة إِلَى القريتين فأوقعوا بالتركمان فَتوجه إِلَيْهِم أسندمر كرجي نَائِب طرابلس بهادر آص وكجكن وغرلوا العادلي وتمر الساقي وأنص الجمدار وَمُحَمّد بن قرا سنقر فِي ألف وخمسائة فَارس. فطرقوهم بِمَنْزِلَة عرض فِي حادي عشر شعْبَان على غَفلَة وافترقوا عَلَيْهِم أَربع فرق وقاتلوهم قتالًا شَدِيدا من نصف النَّهَار إِلَى الْعَصْر حَتَّى أفنوهم وَكَانُوا فِيمَا يُقَال نَحْو أَرْبَعَة آلَاف. وأنقذوا التراكمين بحريمهم وَأَوْلَادهمْ وهم نَحْو سِتَّة آلَاف أَسِير وَلم يفقد من الْعَسْكَر إِلَّا الْأَمِير أنص الجمدار المنصوري وَمُحَمّد بن باشقرد الناصري وَسِتَّة وَخمسين من الأجناد. وَعَاد من إنهزم إِلَى قطلوشاه وَقد أسر الْعَسْكَر مائَة وَثَمَانِينَ من التتر. وَكتب إِلَى السُّلْطَان بذلك ودقت البشائر بِدِمَشْق وَكَانَ قد خرج السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل ثَالِث شعْبَان وَمَعَهُ الْخَلِيفَة المستكفي بِاللَّه أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان فِي عَسْكَر كثير واستناب بديار مصر عز الدّين أيبك الْبَغْدَادِيّ. وَكَانَ التتر الَّذين عَادوا منهزمين إِلَى قطلوشاه قد أخبروا أَن السُّلْطَان لم يخرج من
الديار المصرية وَأَن لَيْسَ بِالشَّام غير الْعَسْكَر الشَّامي فجد قطلوشاه فِي السّير بجموع التتر حَتَّى نزل على قُرُون حماة فِي ثَالِث عشريه فاندفعت العساكر بَين يَدَيْهِ إِلَى دمشق وَركب الْعَادِل كتبغا فِي محفة لضَعْفه فَاجْتمع الْكل بِدِمَشْق. وَاخْتلف رَأْيهمْ فِي الْخُرُوج إِلَى لِقَاء الْعَدو أَو انْتِظَار قدوم السُّلْطَان ثمَّ خَشوا من مفاجأة الْعَدو فَنَادوا بالرحيل وركبوا أول رَمَضَان. فاضطربت دمشق بِأَهْلِهَا وَأخذُوا فِي الرحيل مِنْهَا على وُجُوههم واشتروا الْحمار بستمائة دِرْهَم والجمل بِأَلف دِرْهَم وَترك كثير مِنْهُم حرمه وَأَوْلَاده وَنَجَا بِنَفسِهِ إِلَى القلعة فَلم يَأْتِ اللَّيْل إِلَّا والنوادب فِي سَائِر نواحي الْمَدِينَة. وَسَار الْعَسْكَر مخفاً إِلَى لِقَاء الْعَدو وَبَات النَّاس بِدِمَشْق فِي الْجَامِع يضجون بِالدُّعَاءِ إِلَى الله فَلَمَّا أَصْبحُوا رَحل التتر عَن دمشق بعد أَن نزلُوا بالغوطة. وَبلغ الْأُمَرَاء قدوم السُّلْطَان فتوجهوا إِلَيْهِ من مرج راهط فَلَقوهُ على عقبَة شجورا فِي يَوْم السبت ثَانِي رَمَضَان وقبلوا لَهُ الأَرْض. فورد عِنْد لقائهم بِهِ الْخَبَر بوصول التتر فِي خمسين الْفَا مَعَ قطلوشاه نَائِب غازان. فَلبس الْعَسْكَر بأجمعه السِّلَاح وَاتَّفَقُوا على الْمُحَاربَة بشقحب تَحت جبل غباغب وَكَانَ قطلوشاه قد وقف على أَعلَى النَّهر. فَوقف فِي الْقلب السُّلْطَان وبجانبه الْخَلِيفَة والأمير سلار النَّائِب والأمير بيبرس الجاشنكير وَعز الدّين أيبك الخازندار وَسيف الدّين بكتمر أَمِير جاندار وجمال الدّين أقوش الأفرم نَائِب الشَّام وبرلغي وايبك الْحَمَوِيّ وبكتمر البوبكري وقطلوبك ونوغاي السِّلَاح دَار وأغرلوا الزيني وَفِي الميمنة الحسام لاجين أستادار ومبارز الدّين سوار أَمِير شكار ويعقوبا الشهرزوري ومبارز الدّين أوليا بن قرمان وَفِي الْجنَاح الْأَيْمن الْأَمِير قبجق بعساكر حماة والعربان وَفِي الميسرة الْأَمِير بدر الدّين بكتاش الفخري أَمِير السِّلَاح والامير قرا سنفر بعساكر حلب والأمير بدخاص نَائِب صفد وطغريل الإيغاني وبكتمر السِّلَاح دَار وبيبرس الدوادار بمضافيهم. وَمَشى السُّلْطَان والخليفة بجانبه ومعهما الْقُرَّاء يَتلون الْقُرْآن ويحثون على الْجِهَاد ويشوقون إِلَى الْجنَّة وَصَارَ السُّلْطَان يقف وَيَقُول الْخَلِيفَة: يَا مجاهدون لَا تنظروا لسلطانكم قَاتلُوا عَن حريمكم وعَلى دين نَبِيكُم صلى اله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس فِي بكاء شَدِيد وَمِنْهُم من سقط عَن فرسه إِلَى الأَرْض وَتوَاصى بيبرس وسلار على الثَّبَات فِي الْجِهَاد. وَعَاد السُّلْطَان إِلَى موقفه ووقف الغلمان وَالْجمال وَرَاء الْعَسْكَر صفا وَاحِدًا وَقيل لَهُم: من خرج من الأجناد عَن المصاف فَاقْتُلُوهُ وَلكم سلاحه وفرسه.
فَلَمَّا تمّ التَّرْتِيب زحفت كراديس التتار كَقطع اللَّيْل بعد الظّهْر من يَوْم السبت الْمَذْكُور وَأَقْبل قطلوشاه بِمن مَعَه من التوامين وحملوا على الميمنة وقاتلوها فثبتت لَهُم وقاتلتهم قتالاً شَدِيدا وَقتل الحسام لاجين أستادار وأوليا بن قرمان وسنقر الكافري وأيدمر الشمسي القشاش وأقوش الشمسي الْحَاجِب والحسام على بن باخل نَحْو الْألف فَارس. فأدركهم الْأُمَرَاء من الْقلب وَمن الميسرة وَصَاح سلار: هلك وَالله أهل الْإِسْلَام وصرخ فِي بيبرس والبرجية فَأتوهُ وصدم بهم قطلوشاه وأبلى ذَلِك الْيَوْم هُوَ وبيبرس بلَاء عَظِيما إِلَى أَن كشفا التتار عَن الْمُسلمين. وَكَانَ جوبان بن تداون وقرمجي بن الناق وهما من توامين التتار قد ساقا تَقْوِيَة لبولاي وَهُوَ خلف الْمُسلمين فَلَمَّا عاينا الكسرة على قطلوشاه أَتَيَاهُ ووقفا فِي وَجه سلار وبيبرس. فَخرج من أُمَرَاء السُّلْطَان أسندمر وقطلوبك وقبجق والمماليك السُّلْطَانِيَّة إِعَانَة لبيبرس وسلار فتمكنوا من الْعَدو وهزموه فَمَال التتر على برلغي حَتَّى مزقوه واستمرت الْحَرْب بَين سلار وَمن وَكَانَت الْأُمَرَاء لما قتلت بالميمنة إنهزم من كَانَ مَعَهم وَمَرَّتْ التتر خَلفهم فجفل النَّاس وظنوا إِنَّهَا كسرة. وَأَقْبل السوَاد الْأَعْظَم على الخزائن السُّلْطَانِيَّة فكسروها ونهبوا مَا بهَا من الْأَمْوَال وجفل النِّسَاء والأطفال وَكَانُوا قد خَرجُوا من دمشق عِنْد خُرُوج الْأُمَرَاء مِنْهَا وكشف النِّسَاء عَن وجوههن وأسبلن الشُّعُور وضج ذَاك الْجمع الْعَظِيم بِالدُّعَاءِ وَقد كَادَت الْعُقُول أَن تطيش وَتذهب عِنْد مُشَاهدَة الْهَزِيمَة فَلم ير شَيْء أعظم منْظرًا من ذَلِك الْوَقْت إِلَى أَن وقف كل من الطَّائِفَتَيْنِ عَن الْقِتَال. وَمَال قطلوشاه بِمن مَعَه إِلَى جبل قريب مِنْهُ وَصعد عَلَيْهِ وَفِي نَفسه إِنَّه انتصر وَأَن بولاي فِي أثر المنهزمين يطلبهم. فَلَمَّا صعد الْجَبَل نظر السهل والوعر كُله عَسَاكِر والميسرة السُّلْطَانِيَّة ثَابِتَة واعلامها تخفق فبهت وتحير وَاسْتمرّ بموضعه حَتَّى كمل مَعَه جمعه وَأَتَاهُ من كَانَ خلف المنهزمين من الميمنة السُّلْطَانِيَّة وَمَعَهُمْ عدَّة من الْمُسلمين قد أسروهم مِنْهُم الْأَمِير عز الدّين أيدمر نقيب المماليك السُّلْطَانِيَّة. فَأحْضرهُ قطلوشاه وَسَأَلَهُ: من أَيْن أَنْت فَقَالَ: من أُمَرَاء مصر وَأخْبرهُ بقدوم السُّلْطَان وَلم يعلم قطلوشاه بقدوم السُّلْطَان بعساكر مصر إِلَّا مِنْهُ. فَجمع قطلوشاه أَصْحَابه وشاورهم فِيمَا يفعل وَإِذا بكوسات السُّلْطَان والأمراء والبوقات قد رجفت بحسها الأَرْض وأزعجت الْقُلُوب فَلم يثبت بولاي أحد مقدمي التتر وَخرج من تجاهقطلوشاه فِي نَحْو الْعشْرين ألفا وَنزل من الْجَبَل بعد الْمغرب وفر هَارِبا.
وَبَات السُّلْطَان وَسَائِر العساكر على ظُهُور خيولها والطبول تضرب وتلاحق بِهِ من إنهزم شَيْئا بعد شَيْء وهم يقصدون ضرب الطبول السُّلْطَانِيَّة والكوسات الحربية. وأحاط عَسْكَر السُّلْطَان بِالْجَبَلِ الَّذِي بَات عَلَيْهِ التتار وَصَارَ بيبرس وسلار وقبجق والأمراء الأكابر فِي طول اللَّيْل دائرين على الْأُمَرَاء والأجناد يرصونهم ويرتبونهم ويكثرون من التَّأْكِيد عَلَيْهِم فِي التيقظ وَأخذ الأهبة. فَمَا طلع الْفجْر يَوْم الْأَحَد إِلَّا وَقد اجْتمع كل عَسَاكِر السُّلْطَان ووقف كل أحد فِي مصافه مَعَ أَصْحَابه والجفل والأثقال قد وقفُوا على بعد وَكَانَت رُؤْيَتهمْ تذهل وثبتوا على ذَلِك حَتَّى ارْتَفَعت الشَّمْس. وَشرع قطلوشاه فِي تَرْتِيب من مَعَه ونزلوا مشَاة وفرسان وقاتلوا العساكر. فبرزت المماليك السُّلْطَانِيَّة بمقدميها إِلَى قطلوشاه وجوبان وَعمِلُوا فيهم عملا عَظِيما: تَارَة يرمونهم بِالسِّهَامِ وَتارَة يهاجمونهم واشتغل الْأُمَرَاء بِقِتَال من فِي جهتهم وصاروا يتناولون الْقِتَال أَمِيرا بعد أَمِير. وألحت المماليك السُّلْطَانِيَّة فِي الْقِتَال واستقتلوا حَتَّى أَن فيهم من قتل تَحْتَهُ الثَّلَاثَة أرؤس من الْخَيل. ومازال الْأُمَرَاء على ذَلِك حَتَّى انتصف نَهَار يَوْم الْأَحَد وَصعد قطلوشاه الْجَبَل وَقد قتل مِنْهُ نَحْو ثَمَانِينَ رجلا وجرح الْكثير وَاشْتَدَّ عطشهم. وَاتفقَ أَن بعض من أسروه نزل إِلَى السُّلْطَان وعرفه أَن التتار قد أَجمعُوا على النُّزُول فِي السحر ومصادمة الْجَيْش وَأَنَّهُمْ فِي شدَّة من الْعَطش. فَاقْتضى الرَّأْي أَن يفرج لَهُم عِنْد نزولهم ثمَّ يركب الْجَيْش أقفيتهم. فَلَمَّا باتوا على ذَلِك وَأصْبح نَهَار يَوْم الْإِثْنَيْنِ ركب التتار فِي الرَّابِعَة ونزلوا من الْجَبَل فَلم يتَعَرَّض لَهُم أحد. وَسَارُوا إِلَى النَّهر فاقتحموه وَعند ذَلِك ركبهمْ بلَاء الله من الْمُسلمين وأيدهم بنصره حَتَّى حصدوا رُؤُوس التتار عَن أبدانهم ومروا فِي أَثَرهم إِلَى وَقت الْعَصْر وعادوا إِلَى السُّلْطَان. فسرحت الطُّيُور بالنصر إِلَى غَزَّة وَمنع المنهزمون من التَّوَجُّه إِلَى مصر وتتبع من نهب الخزائن السُّلْطَانِيَّة والاحتفاظ بِهِ. وَعين الْأَمِير بدر الدّين بكتوت الفتاح للمسير بالبشارة إِلَى مصر وَسَار من وقته وَكتب إِلَى دمشق وَسَائِر القلاع بالبشارة. ثمَّ ركب السُّلْطَان فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ من مَكَان الْوَاقِعَة وَبَات ليلته بالكسوة وَأصْبح يَوْم الثلائاء خَامِس الشَّهْر وَقد خرج إِلَيْهِ أهل دمشق فَسَار إِلَيْهَا - وَمَعَهُ الْخَلِيفَة - فِي عَالم من الفرسان والعامة والأعيان وَالنِّسَاء وَالصبيان لَا يحصيهم إِلَّا من خلقهمْ
سُبْحَانَهُ وهم يضجون بِالدُّعَاءِ والهناء. وتساقطت عبرات النَّاس ودقت البشائر وَكَانَ يَوْمًا لم يُشَاهد مثله إِلَى أَن نزل السُّلْطَان بِالْقصرِ الأبلق وَنزل الْخَلِيفَة بالتربة الناصرية وَقد زينت الْمَدِينَة. وَاسْتمرّ الْأُمَرَاء فِي أثر التتار إِلَى القريتين وَقد كلت خُيُول التتر وضعفت نُفُوسهم وألقوا أسلحتهم واستسلموا للْقَتْل والعساكر تقتلهم بِغَيْر مدافعة حَتَّى أَن أراذل الْعَامَّة والغلمان قتلوا مِنْهُم خلقا كثيرا وغنموا عدَّة غَنَائِم وَقتل الْوَاحِد من الْعَسْكَر الْعشْرين من التتر فَمَا فَوْقهَا. وَأدْركت عربان الْبِلَاد التتار وَأخذُوا فِي كيدهم: فيجىء مِنْهُم الِاثْنَان وَالثَّلَاثَة إِلَى الْعدة الْكَثِيرَة من التتار كَأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ بهم فِي الْبر من طَرِيق قريبَة إِلَى اللَّيْل ثمَّ يَدعُونَهُمْ وينصرفون فتتحير التتر فِي الْبَريَّة وتصبح فتموت عطشاً. وَفِيهِمْ من فر إِلَى غوطة دمشق فتتبعتهم النَّاس وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا. وَخرج وَإِلَى الْبر حَتَّى جمع من اسْتشْهد من الْمُسلمين ودفنهم فِي مَوضِع وَاحِد بِغَيْر غسل وَلَا كفن وَبنى عَلَيْهِم قبَّة. وتتبع نَائِب غَزَّة من إنهزم من الْعَسْكَر وَأَخذهم وفتشهم فظفر مِنْهُم بِجَمَاعَة مَعَهم الأكياس المَال بختمها. ووقف الْأَمِير علم الدّين سنجر الجاولي بطرِيق دمشق وَمَعَهُ الْخزَّان وشهود الخزانة وَأخذ الغلمان فظفر مِنْهُم بِشَيْء كثير مِمَّا نهبوه وعوقب جمَاعَة بِسَبَب ذَلِك. ومازال الْأَمر يشْتَد فِي الطّلب حَتَّى تحصل أَكثر مَا نهب من الخزائن وَلم يفقد مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل. وَشَمل السُّلْطَان الْأُمَرَاء بِالْخلْعِ والأنعام وَحضر الْأَمِير سيف الدّين برلغي - وَقد إنهزم فِيمَن إنهزم - فَلم يَأْذَن لَهُ السُّلْطَان فِي الدُّخُول عَلَيْهِ وَقَالَ: بِأَيّ وَجه يدْخل على أَو ينظر فِي وَجْهي فمازال بِهِ الْأُمَرَاء حَتَّى رَضِي عَنهُ وَأذن فِي دُخُوله فَقبل الأَرْض. وَقبض على رجل من أُمَرَاء حلب كَانَ قد انْتَمَى إِلَى التتار وَصَارَ يَد لَهُم على الطرقات فسمر على جمل وَشهر بِدِمَشْق وضواحيها. وَاسْتمرّ النَّاس طول شهر رَمَضَان فِي مسرات تتجدد وَصلى السُّلْطَان صَلَاة عيد الْفطر وَخرج من دمشق فِي ثَالِث شَوَّال يُرِيد مصر. وَأما التتار فَإِنَّهُ قتل أَكْثَرهم حَتَّى لم يعبر قطلوشاه الْفُرَات إِلَّا فِي قَلِيل من أَصْحَابه. وَوصل خبر كَسرته إِلَى همذان فَوَقَعت الصرخات فِي بِلَادهمْ وَخرج أهل توريز وَغَيرهَا إِلَى الْقُدس واستعلام خبر من فقد مِنْهُم فأقامت النِّيَاحَة فِي توريز شَهْرَيْن على الْقَتْلَى. وَبلغ الْخَبَر غازان فَاغْتَمَّ غماً عَظِيما - وَخرج من مَنْخرَيْهِ دم كثير حَتَّى أشفى على الْمَوْت واحتجب حَتَّى عَن الخواتين - فَإِنَّهُ لم يصل إِلَيْهِ من كل عشرَة
وَاحِد فارتج الأردوا بِمن فِيهِ. ثمَّ جلس غازان وأوقف قطلوشاه وجوبان وسوتاي وَمن كَانَ مَعَهم من الْأُمَرَاء وَأنكر على قطلوشاه وَأمر بقتْله فمازالوا بِهِ حَتَّى عُفيَ عَنهُ من الْقَتْل وأبعده من قدامه حَتَّى صَار على مَسَافَة كَبِيرَة بِحَيْثُ يرَاهُ وَقَامَ إِلَيْهِ - وَقد مسكه الْحجاب - سَائِر من حضر وهم خلق كثير جدا وَصَارَ كل مِنْهُم فِي وَجهه حَتَّى بَصق الْجَمِيع ثمَّ أبعده عَنهُ إِلَى كيلان. وَضرب غازان بولاي عدَّة عصي وأهانه. وَقد ذكر الشُّعَرَاء وقْعَة التتر هده فَأَكْثرُوا. وَسَار السُّلْطَان من دمشق فِي يَوْم الثُّلَاثَاء من شَوَّال وَوصل إِلَى الْقَاهِرَة ودخلها فِي ثَالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ. وَكَانَ قدم بكتوت الفتاح إِلَى الْقَاهِرَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثامن شهر رَمَضَان فرسم بزينة الْقَاهِرَة من بَاب النَّصْر إِلَى بَاب السلسة من القلعة وَكتب بإحصار سَائِر مغاني الْعَرَب من أَعمال مصر كلهَا. واستمرت الزِّينَة من بعد وُصُول الْأَمِير بكتوت الفتاح بِكِتَاب الْبشَارَة إِلَى أَن قدم السُّلْطَان وَبعد ذَلِك بأيام وَكَانَ قبل قدوم بكتوت الفتاح قد وَقعت بطاقة من قطيا بِخَبَر الْبشَارَة وَتَأَخر الفتاح لوجع يَده فقلق النَّاس وغلقت الْأَسْوَاق وأبيع الْخبز أَرْبَعَة أَرْطَال بدرهم والراوية المَاء بأَرْبعَة دَرَاهِم. فَلَمَّا قدم خرج النَّاس إِلَى لِقَائِه وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما وتفاخر النَّاس فِي الزِّينَة ونصبوا القلاع واقتسمت أستادارية الْأُمَرَاء شَارِع الْقَاهِرَة إِلَى القلعة ورتبوا مَا يخص كل وَاحِد مِنْهُم وَعمِلُوا بِهِ قلعة بِحَيْثُ نُودي من اسْتعْمل صانعاً فِي غير عمل القلاع كَانَت عَلَيْهِ جِنَايَة للسُّلْطَان وتحسن سعر الخثسب والقصب وآلات النجارة. وَتَفَاخَرُوا فِي تَزْيِين القلاع وَأَقْبل أهل الرِّيف إِلَى الْقَاهِرَة للفرحة على قدوم السُّلْطَان وعَلى الزِّينَة فَإِن النَّاس أخرجُوا الْحلِيّ والجواهر واللآلى وأنواع الْحَرِير فزينوا بذلك. وَلم يَنْسَلِخ شهر رَمَضَان حَتَّى تهَيَّأ أَمر القلاع وَعمل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشيخي الْوَالِي قلعة بِبَاب النَّصْر فِيهَا سَائِر أَنْوَاع الْجد والهزل وَنصب عدَّة أحواض ملأها بالسكر والليمون وأوقف مماليكه بشربات حَتَّى يسقوا الْعَسْكَر. فَقدم السُّلْطَان فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشرى شَوَّال وَقد خرج النَّاس إِلَى لِقَائِه وبلع كِرَاء الْبَيْت الَّذِي يمر عَلَيْهِ من خمسين درهما إِلَى مائَة دِرْهَم. فَلَمَّا وصل السُّلْطَان بَاب النَّصْر ترجل سَائِر الْأُمَرَاء وَأول من ترجل مِنْهُم الْأَمِير بدر الدّين بكتاش أَمِير سلَاح وَأخذ سلَاح السُّلْطَان. فَأمره السُّلْطَان أَن يركب لكبر سنه وَيحمل السِّلَاح خَلفه فَامْتنعَ وَمَشى وَحمل الْأَمِير مبارز الدّين سوار الرُّومِي أَمِير شكار الْقبَّة وَالطير وَحمل
الْأَمِير بكتمر أَمِير جاندار العصي والأمير سنجر الجمقدار الدبوس. وَمَشى كل أَمِير فِي مَنْزِلَته وفرش كل مِنْهُم الشقق من قلعته إِلَى قلعة غَيره فَكَانَ السُّلْطَان إِذا تجَاوز قلعة فرشت القلعة الْمُجَاورَة لَهَا الشقق حَتَّى يمشي عَلَيْهَا بفرسه مشياً هيناً لأجل مَشى الْأُمَرَاء بَين يَدَيْهِ وَكلما رأى قلعة أَمِير أمسك عَن الْمَشْي حَتَّى يعاينها وَيعرف مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هُوَ والأمراء. هَذَا والأسرى من التتار بَين يَدَيْهِ مقيدون ورؤوس من قتل مِنْهُم معلقَة فِي رقابهم وَألف رَأس على ألف رمح وعدة الأسرى ألف وسِتمِائَة فِي أعناقها ألف وسِتمِائَة رَأس وطبولهم قدامهم مخرقة. وَكَانَت القلاع الَّتِي نصبت قلعة الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشيخي بجوار بَاب النَّصْر وتليها قلعة الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي بن أَمِير مجْلِس وَبعده ابْن أيتمش السَّعْدِيّ ثمَّ الْأَمِير علم الدّين سنجر الجاولي وَبعده الْأَمِير طغريل الإيغاني ثمَّ بهادر اليوسفي ثمَّ سودى ثمَّ بيليك الخطيري ثمَّ برلغي ثمَّ مبارز الدّين أَمِير شكار ثمَّ أيبك الخازندار ثمَّ سنقر الأعسر ثمَّ بيبرس الدوادار ثمَّ سنقر الكمالي ثمَّ مُوسَى بن الْملك الصَّالح ثمَّ سيف الدّين آل ملك ثمَّ علم الدّين الصوابي ثمَّ جمال الدّين الطشلاقي ثمَّ سيف الدّين أَدَم ثمَّ الْأَمِير سلار النَّائِب ثمَّ بيبرس الجاشنكير ثمَّ بكتاش أَمِير سلَاح ثمَّ الطواشي مرشد الخازندار - وقلعته على بَاب الْمدرسَة المنصورية - وَبعده بكتمر أَمِير جندار ثمَّ أيبك الْبَغْدَادِيّ نَائِب الْغَيْبَة ثمَّ ابْن أَمِير سلَاح ثمَّ بكتوت الفتاحي ثمَّ تباكر التغريلي ثمَّ قلى السلحدار ثمَّ بكتمر السِّلَاح دَار ثمَّ لاجين زيرباج الجاشنكير ثمَّ طيبرس الخازنداري نقيب الْجَيْش ثمَّ بلبان طرنا وَبعده سنقر العلائي ثمَّ بهاء الدّين يعقوبا ثمَّ الأبو بكري ثمَّ بهادر الْعزي وكوكاي بعده ثمَّ قرا لاجين ثمَّ كراي المنصوري ثمَّ جمال الدّين أقوش قتال السَّبع - وقلعته على بَاب زويلة. واتصلت القلاع من بَاب زويلة إِلَى بَاب السلسلة وَإِلَى بَاب القلعة وَبَاب الْقلَّة وعندما وصل السُّلْطَان إِلَى بَاب المارستان نزل وَصعد إِلَى قبر أَبِيه وَقَرَأَ الْقُرَّاء قدامه. ثمَّ ركب إِلَى بَاب زويلة ووقف حَتَّى أركب الْأَمِير بدر الدّين بكتاش أَمِير سلَاح خَلفه وَبِيَدِهِ السِّلَاح. وَسَار على الشقق الْحَرِير إِلَى دَاخل القلعة والتهاني فِي دور السُّلْطَان والأمراء وَغَيرهم وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما إِلَى الْغَايَة. فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان بالقلعة أنعم على الْأَمِير برلغي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَاسْتقر أَمِير