المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سنة خمس عشر وسبعمائة - السلوك لمعرفة دول الملوك - جـ ٢

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌(تَابع سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة)

- ‌(سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة)

- ‌(وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون)

- ‌(تَابع سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة)

- ‌(سنة تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة)

- ‌(سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة)

- ‌(وَفِي سادس ربيع الآخر)

- ‌(وَفِي رَابِع عشره)

- ‌(سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة)

- ‌(سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة)

- ‌(سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة)

- ‌سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة

- ‌السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف صَلَاح الدّين خَلِيل ابْن الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون الألفي الصَّالِحِي النجمي

- ‌وَمَات فِيهَا من الْأَعْيَان

- ‌سنة تسعين وسِتمِائَة

- ‌(سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة)

- ‌(وَفِي عاشره)

- ‌(فورد الْخَبَر)

- ‌(وَفِي هده السّنة)

- ‌(سنة أَربع وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سِتّ وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سبع وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة تسع وَسَبْعمائة)

- ‌(يأيها الَّذين آمنُوا أَطيعوا الله وأَطيعوا الرَّسُول وَأولى الْأَمر مِنْكُم)

- ‌(سنة عشر وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة إِحْدَى عشر وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة اثْنَتَيْ عشر وَسَبْعمائة)

- ‌وَمَات فِي هَذِه السّنة

- ‌سنة أَربع عشر وَسَبْعمائة

- ‌وَمَات فِيهَا مِمَّن لَهُ ذكر

- ‌سنة خمس عشر وَسَبْعمائة

- ‌(سنة سِتّ عشر وَسَبْعمائة)

- ‌(سنة سبع عشر وَسَبْعمائة)

الفصل: ‌سنة خمس عشر وسبعمائة

‌سنة خمس عشر وَسَبْعمائة

فِي أول الْمحرم: سَار الْعَسْكَر من دمشق إِلَى حلب، وَعَلِيهِ الْأَمِير سيف الدّين تنكز نَائِب الشَّام، وَقد استصحب مَعَه قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين بن صصرى وَشرف الدّين ابْن فضل الله، وَجَمَاعَة من الموقعين، وَكَانَ تنكز بزِي الْمُلُوك من العصائب والكوسات، وَلم تجر عَادَة نَائِب قبله بذلك، وَتَبعهُ عَسْكَر صفد وحمص حماة وطرابلس. فَلَمَّا مر الْأَمِير تنكز بحماة أعرض عَن صَاحبهَا لكَونه لم يتلقه من بعد، وَلم يَأْكُل مَا أعده لَهُ من الطَّعَام، وَسَار تنكز إِلَى حلب فَجرد مِنْهَا الْأَمِير قرطاي والأمير ملكتمر الجمدار إِلَى ملطية، وَكَانَ فِي الظَّن أَن الْمسير إِلَى سيس. وَسبب غَزْو ملطية أَن السُّلْطَان بعث فداوية من أهل مصياب لقتل قرا سنقر، فَصَارَ هُنَاكَ رجل من الأكراد يُقَال لَهُ مندوه يدل على قصاد السُّلْطَان أَخذ مِنْهُم جمَاعَة، فشق

ص: 501

ذَلِك على السُّلْطَان، وَأخذ فِي الْعَمَل عَلَيْهِ. فَبَلغهُ أَنه صَار يجني خراج مطلية، وَكَانَ نائبها من جِهَة جوبان يُقَال لَهُ بدر الدّين ميزامير بن نور الدّين، فخاف من مندوه أَن يَأْخُذ مِنْهُ نِيَابَة ملطية، فَمَا زَالَ السطلان يتحيل حَتَّى كَاتبه ميزامير. وَقرر مَعَه أَن يسلم الْبَلَد لعساكره. فَجهز السُّلْطَان العساكر، وروى أَنَّهَا تقصد سيس حَتَّى نزلت بحلب، وسارت العساكر مِنْهَا مَعَ الْأَمِير تنكز على عينتاب إِلَى أَن وصل الدرنبد، فألبس الْجَمِيع السِّلَاح وسلك الدرنبد إِلَى أَن نزل على ملطية يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشريه، وحاصرها ثَلَاثَة أَيَّام. فاتفق الْأَمِير ميزامير مَعَ أَعْيَان ملطية على تَسْلِيمهَا، وَخرج فِي عدَّة من الْأَعْيَان إِلَى الْأَمِير تنكز، فَأَمنَهُمْ وألبسهم التشاريف السُّلْطَانِيَّة المجهزة من الْقَاهِرَة، وَأعْطى الْأَمِير ميزامير، سنجقا سُلْطَانا، وَنُودِيَ فِي الْعَسْكَر أَلا يدْخل أحد إِلَى الْمَدِينَة. وَسَار الْأَمِير ميزامير وَمَعَهُ الْأَمِير بيبرس الْحَاجِب والأمير أركتمر حَتَّى نزل بداره، وَقبض وَقتلُوا عدَّة من أَهلهَا. فشق ذَلِك على الْأَمِير تنكز، وَركب مَعَه الْأُمَرَاء، ووقف على الْأَبْوَاب وَأخذ النهوب من الْعَسْكَر، ورحل من الْغَد وَهُوَ رَابِع عشرى الْمحرم بالعسكر، وَترك نَائِب حلب مُقيما عَلَيْهَا لهدم أسوارها. ففر مندوه قبل الدُّخُول إِلَى الدرنبد. وَفَاتَ أمره. فَلَمَّا قطعُوا الدرنبد أحضرت الْأَمْوَال الَّتِي نهبت والأسرى، فَسلم من فيهم من الْمُسلمين إِلَى أَهله، وأفرد الأرمن. فَلَمَّا فتحت ملطية سَار الْأَمِير قجليس إِلَى مصر بالبشارة، فَقدم يَوْم الْخَمِيس ثَالِث صفر، ودقت البشائر بذلك. وَتَبعهُ الْأَمِير تنكز بالعساكر - وَمَعَهُ الْأَمِير ميزامير وَولده - حَتَّى نزل عينتاب ثمَّ دابق، فَوجدَ فِيهَا تِسْعَة عشر ألف نول تعْمل الصُّوف، وتجلب كلهَا إِلَى حلب. ثمَّ سَار تنكز، فَقدم دمشق فِي سادس عشر ربيع الأول، وسير ميزامير وَابْنه فِي ثَلَاثِينَ رجلا مَعَ الْعَسْكَر الْمصْرِيّ إِلَى الْقَاهِرَة فقدموا فِي خَامِس ربيع الآخر. وفيهَا قبض على الأميرين عَلَاء الدّين أيدغدي شقير، وجمال الدّين بكتمر الحسامي الْحَاجِب، فِي أول ربيع الآخر، فَقتل شقير من يَوْمه لِأَنَّهُ اتهمَ بِأَنَّهُ يُرِيد الفتك بالسلطان، وَأخذ لبكتمر الْحَاجِب مائَة ألف دِينَار، وسجن. وَكَانَ قد قبض على الْأَمِير بهادر المغزي فِي عَاشر الْمحرم، وَقبض أَيْضا بعد الْقَبْض على شقير على الْأَمِير طغاي، وَقبض على تمر الساقي نَائِب طرابلس وَحمل إِلَى قلعة الْجَبَل، وَقبض على الْأَمِير بهادر آص وَحمل إِلَى الكرك. وَاسْتقر الْأَمِير سيف الدّين كستاي الناصري فِي نِيَابَة طرابلس.

ص: 502

وَأَفْرج فِي مستهل ربيع الآخر عَن دَاوُد وجبا أخوى الْأَمِير سلار، وَأَفْرج عَن الْأَمِير سيف الدّين قجماس المنصوري أحد البرجية. وَأخرج الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد الوزيري عَن مصر ليقيم بِدِمَشْق، فِي يَوْم السبت سلخ ربيع الآخر، وأنعم عَلَيْهِ بِمَا خص السُّلْطَان من خمس ملطية، وَهُوَ نَحْو الْخمسين ألف دِرْهَم. وَفِي ثامن عشرى رَجَب: أفرج عَن الْأَمِير جمال الدّين أقوش نَائِب الكرك، وخلع عَلَيْهِ، وَأمر فِي ثامن عشرى شهر رَجَب، ثمَّ أنعم عَلَيْهِ فِي ثَالِث عشر شعْبَان بإقطاع الْأَمِير حسام الدّين لاجين أستادار بعد مَوته. وَفِيه قدم مُحَمَّد بن عِيسَى أَخُو الْأَمِير مهنا، وَاعْتذر عَن أَخِيه مهنا، وَقدم فرسا أصيلا للسُّلْطَان، فَقدمت الْفرس للسُّلْطَان فِي شعْبَان، وَعرفت ببنت الكزتا، بلغ ثمنهَا وكلفتها سِتّمائَة ألف دِرْهَم. فَكتب السُّلْطَان إِلَى مهنا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْبِلَاد، وخلع على مُحَمَّد بن عِيسَى، ثمَّ بعث إِلَى مهنا بِاثْنَيْ عشر ألف دِينَار، وأنعم عَلَيْهِ بِمِائَتي ألف دِرْهَم، وَكتب لَهُ بضيعة من الْخَاص على سَبِيل الْملك. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة عشرى جُمَادَى الأولى: - تَاسِع عشرى مسرى: كَانَ وَفَاء النّيل، وَفتح الخليج على الْعَادة. وَفِي ثامن عشريه: عزل عَلَاء الدّين القطزي من ولَايَة مصر، وَولي بعده ابْن أَمِير حَاجِب، نقل إِلَيْهَا من ولَايَة الشرقية. وَفِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة: حضر الشريف أَسد الدّين أَبُو غرارة رميثة ابْن أبي نمى، من مَكَّة فَارًّا من أَخِيه حميضة، وَأخْبر أَنه قطع اسْم السُّلْطَان من الْخطْبَة بِمَكَّة، وخطب لصَاحب الْيمن. فَجرد السُّلْطَان مَعَه الْأَمِير سيف الدّين طيدمر، والأمير نجم الدّين ذمرخان بن قرمان، وثلاثمائة فَارس من أجناد القلعة وأجناد الْأُمَرَاء. وفيهَا قدم الْأَمِير سيف الدّين الْخَاص تركي وزين الدّين قراجا الخازندار من بِلَاد طقطاي، وَمَعَهُمْ رسل الْملك أزبك الْقَائِم بعد طقطاي، وأخبروا بِإِسْلَامِهِ وَمَعَهُمْ هَدِيَّة. فَأكْرم السُّلْطَان الرُّسُل، وَكتب جَوَابه، وسفرهم، وَبعث مَعَهم الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الْخَوَارِزْمِيّ بهدية. وفيهَا قدم الْبَرِيد من حلب بقدوم وَالِدَة صَاحب ماردين تُرِيدُ الْحَج، فرسم للنواب بخدمتها وَالْقِيَام بِمَا يَلِيق بهَا.

ص: 503

وفيهَا قدم الْبَرِيد بِخُرُوج سُلَيْمَان بن مهنا عَن الطَّاعَة، ونهبه القريتين، وتوجهه نَحْو الْعرَاق من أجل خُرُوج إقطاعه عَنهُ. فَكتب إِلَى مهنا فِي ذَلِك، فَأجَاب بِأَنَّهُ خَارج عَن طَاعَته. وفيهَا قدمت رسل صَاحب الْيمن، وهما بدر الدّين حسن بن أبي المنجا، والطوشي جمال الدّين فَيْرُوز، وَقد خرج عَلَيْهِمَا عرب صحراء عيذاب، وَأخذُوا مِنْهُمَا الْهَدِيَّة. فَجرد السُّلْطَان من الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين مغلطاي بن أَمِير مجْلِس، وَسيف الدّين ساطي السِّلَاح دَار، وصارم الدّين أزبك الجرمكي، وَعز الدّين أيدمر الدوادار، عَلَاء الدّين عَليّ بن قرا سنقر، وَعلم الدّين سنجر الدنيسري، فِي عدَّة من الأجناد ومقدمي الْحلقَة، وَأمرُوا بالتوجه إِلَى دملقة بالنوبة، فَسَارُوا فِي أول شَوَّال. وَفِي الْعشْر الْأَخير من شعْبَان: وَقع الشُّرُوع فِي روك أَرض مصر وَسبب ذَلِك أَن السُّلْطَان استكثر أَخْبَار المماليك أَصْحَاب بيبرس الجاشنكير وسلار النَّائِب وَبَقِيَّة البرجية، وَكَانَ الْخبز الْوَاحِد مَا بَين ألف مِثْقَال فِي السّنة إِلَى ثَمَانمِائَة مِثْقَال، وخشي السُّلْطَان من وُقُوع الفتة بِأخذ أخبازهم. فقرر السُّلْطَان مَعَ الْفَخر مُحَمَّد بن فضل الله نَاظر الْجَيْش روك الْبِلَاد وَإِخْرَاج الْأُمَرَاء إِلَى الْأَعْمَال فَتعين الْأَمِير بدر الدّين جنكلي

ص: 504

والبحيرة بلبان الصرخدي والقلنجي وَابْن طرنطاي وبيبرس الجمدار وللصعيد التليلي والمرتيني. وفيهَا توجه السُّلْطَان فِي شعْبَان إِلَى بِلَاد الصَّعِيد وَقدم فِي يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر شَوَّال. وفيهَا توجه من حلب سِتّمائَة فَارس عَلَيْهِم الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي للغارة على بِلَاد ماردين ودنيسر لقلَّة مُرَاعَاة صَاحب ماردين لما يرسم بِهِ. فشن قرطاي الْغَارة على بِلَاد ماردين يَوْمَيْنِ فصادف قراوول التتار قد قدم إِلَى ماردين على عَادَته كل سنة لجباية القطيعة وهم فِي ألفي فَارس فحاربهم قرطاي وَقتل مِنْهُم سِتّمائَة رجل وَأسر مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَقدم بالرءوس والأسرى إِلَى حلب وَمَعَهُمْ عدَّة خُيُول. فَلَمَّا قدم الْبَرِيد سر السُّلْطَان سُرُورًا زَائِدا وَبعث بالتشريف لنائب حلب ولقرطاي. وَقدم الْخَبَر من مَكَّة بقتل أبي الْغَيْث فِي حَرْب مَعَ أَخِيه حميضة وَأَن الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى مَكَّة وَاقع حميضة وَقتل عدَّة من أَصْحَابه فَانْهَزَمَ حميضة وَسَار يُرِيد بِلَاد خربندا فَتَلقاهُ خربندا وأكرمه وَأقَام حميضة عِنْده شهرا وَحسن لَهُ إرْسَال طَائِفَة من الْمغل إِلَى بِلَاد الْحجاز ليملكها ويخطب لَهُ على منابرها. وَقدم الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى الْحجاز فِي ثامن عشرى رَجَب وَكَانَ السُّلْطَان قد أنعم على مُحَمَّد بن مَانع بإمرة مهنا فشن الغارات وَأخذ جمال مهنا وطرده. فَسَار مهنا أَيْضا إِلَى خربندا فسر بِهِ وأنعم عَلَيْهِ. وجرد خربندا مَعَ الشريف حميضة من عَسْكَر خُرَاسَان أَرْبَعَة آلَاف فَارس وَسَار حميضة بهم فِي رَجَب يُرِيد مَكَّة. وَأخذ خربندا فِي جمع العساكر لعبور بِلَاد الشَّام فَقدر الله مَوته فخاف مهنا من الْإِقَامَة بالعراق فَسَار من بَغْدَاد وَبلغ مُحَمَّد بن عِيسَى أَخا مهنا سير الشريف حميضة بعسكر الْمغل إِلَى مَكَّة فشق عَلَيْهِ استيلاؤهم على الْحجاز فَلَمَّا علم بِمَوْت خربندا وَخُرُوج أَخِيه مهنا من بَغْدَاد سَار فِي عربانه وكبس عَسْكَر حميضة لَيْلًا وَوضع فيهم السَّيْف وَهُوَ يَصِيح باسم الْملك النَّاصِر فَقتل أَكْثَرهم. وَنَجَا حميضة وَوَقع فِي الْأسر من الْمغل أَرْبَعمِائَة رجل وغنم الْعَرَب مِنْهُم مَالا كثيرا وخيولاً وجمالاً. وَكتب وخيولاً وجمالاً.

ص: 505

وخيولا وجمالا وَكتب بذلك إِلَى السُّلْطَان فسر بِهِ وَأعَاد الإمرة إِلَى مهنا واستدعى مُحَمَّد بن عِيسَى فَقدم إِلَى مصر وشمله من إنعام السُّلْطَان شَيْء كثير. وفيهَا وصل إِلَى السُّلْطَان مهرَة تعرف ببنت الكرتا كَانَ قد بذل فِيهَا نَحْو مِائَتي ألف وَتِسْعين ألف دِرْهَم وضيعة من بِلَاد حماة وَيُقَال إِنَّهَا بلغت كلفها على السُّلْطَان سِتّمائَة ألف دِرْهَم. وفيهَا وعك السُّلْطَان أَيَّامًا فَلَمَّا عوفي وَدخل الْحمام حلق رَأسه كُله فَلم يبْق أحد من الْأُمَرَاء والمماليك الناصرية حَتَّى حلق رَأسه. وَمن يَوْمئِذٍ بَطل إرخاء الْعَسْكَر ذوائب الشّعْر وَاسْتمرّ إِلَى الْيَوْم وَجلسَ السُّلْطَان يَوْم عيد النَّحْر بعد عافيته وَأَفْرج عَن أهل السجون وطلع النَّاس للهناء وَنُودِيَ بزينة الْقَاهِرَة ومصر فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وَفِيه فرغ الْعَمَل من بِنَاء الإيوان وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان هدم الإيوان الَّذِي بناه أَبوهُ الْملك الْمَنْصُور وجدده أَخُوهُ الْملك الْأَشْرَف ثمَّ أنشأ إيواناً جَلِيلًا وَعمل بِهِ قبَّة عالية متسعة ورخمه رخاماً وَأما الْأُمَرَاء الَّذين توجهوا إِلَى روك أَعمال مصر فَإِن كلا مِنْهُم لما نزل بِأول عمله استدعى مَشَايِخ الْبِلَاد ودللاءها وقياسيها وعدولها وسجلات كل بلد. وَعرف متحصلها وَمِقْدَار فدنها ومبلغ عبرتها وَمَا يتَحَصَّل للجندي من الْعين وَالْغلَّة والدجاج والخراف والبرسيم والكشك والعدس والكعك ثمَّ قَاس تِلْكَ النَّاحِيَة وَكتب بذلك عدَّة نسخ وَلَا يزَال يعْمل ذَلِك حَتَّى انْتهى أَمر عمله. وعادوا بعد خَمْسَة وَسبعين يَوْمًا بالأوراق فتسلمها الْفَخر نَاظر الْجَيْش ثمَّ طلب السُّلْطَان الْفَخر نَاظر الْجَيْش والتقى الأسعد بن أَمِين الْملك - الْمَعْرُوف بكاتب برلغي - وَسَائِر مُسْتَوْفِي الدولة وألزمهم بِعَمَل أوراق تشْتَمل على بِلَاد الْخَاص السلطاني الَّتِي عينهَا لَهُم وعَلى إقطاعات الْأُمَرَاء وأضاف على عِبْرَة كل بلد مَا كَانَ فلاحيها من الضِّيَافَة المقررة وَمَا فِي كل بلد من الجوالى وَكَانَت الجوالى قبل ذَلِك إِلَى وَقت الروك ديواناً مُفردا يخْتَص بالسلطان فأضيف جوالى كل بلد إِلَى متحصل خراجها.

ص: 506

وأبطلت عدَّة جِهَات من المكوس مِنْهَا سَاحل الْغلَّة وَكَانَت هَذِه الْجِهَة مقطعَة لأربعمائة من أجناد الْحلقَة سوى الْأُمَرَاء ومتحصلها فِي السّنة أَرْبَعَة آلَاف ألف وسِتمِائَة ألف دِرْهَم وإقطاع الجندي مِنْهَا من عشرَة آلَاف دِرْهَم فِي السّنة إِلَى ثَلَاثَة آلَاف وللأمراء من أَرْبَعِينَ ألف إِلَى عشرَة آلَاف واقتنى مِنْهَا المباشرون أَمْوَالًا عَظِيمَة فَإِنَّهَا أعظم الْجِهَات الديوانية وَأجل معاملات مصر وَكَانَ النَّاس مِنْهَا فِي أَنْوَاع من الشدائد لِكَثْرَة المغارم والتعب وَالظُّلم فَإِن أمرهَا كَانَ يَدُور مَا بَين ظلم نواتيه المراكب والكيالين والمشدين وَالْكتاب وَكَانَ الْمُقَرّر على كل أردب مبلغ دِرْهَمَيْنِ للسُّلْطَان ويلحقه نصف دِرْهَم أخر سوى مَا ينهب وَكَانَ لَهُ ديوَان فِي بولاق خَارج المقس وَقَبله كَانَ خص يعرف بخص الكيالة فَلَمَّا ولى ابْن الشيخي شدّ هَذِه الْجِهَة - قبل أَن يَلِي الوزارة - عمر مَكَان الخص مقْعدا وَجلسَ فِيهِ وَكَانَ فِي هَذِه الْجِهَة نَحْو السِّتين رجلا مَا بَين نظار ومستوفين وَكتاب وَثَلَاثِينَ جندياً وَكَانَت غلال الأقاليم لَا تبَاع إِلَّا فِيهِ. وَمن المكوس الَّتِي أبطلها السُّلْطَان النَّاصِر أَيْضا نصف السمسرة الَّذِي أحدثه ابْن الشيخي فِي وزارته وَهُوَ أَن من بَاعَ شَيْئا فَإِن دلَالَته على كل مائَة دِرْهَم دِرْهَمَيْنِ يُؤْخَذ مِنْهُمَا دِرْهَم للسُّلْطَان فَصَارَ الدَّلال يحْسب حسابه ويخلص درهمه قبل دِرْهَم السُّلْطَان. وَمِنْهَا رسوم الولايات والمقدمين والنواب والشرطية وَكَانَت جِهَة تتَعَلَّق بالولاة والمقدمين فيجيبها المذكورون من عرفاء الْأَسْوَاق وبيوت الْفَوَاحِش وَعَلَيْهَا جند مستقطعة وأمراء وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم والعسف وَالْفساد وهتك الْحرم وهجم الْبيُوت مَا لَا يُوصف. وَمِنْهَا مُقَرر الحوائص وَالْبِغَال وَهِي تجبى من الْمَدِينَة وَسَائِر معاملات مصر كلهَا من الْوَجْهَيْنِ القبلي والبحري فَكَانَ على كل من الْوُلَاة والمقدمين مُقَرر يحمل فِي كل قسط من أًقساط السّنة إِلَى بَيت المَال عَن ثمن حياصة ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وَعَن ثمن بغل خَمْسمِائَة دِرْهَم وَكَانَ عَلَيْهَا عدَّة مقطعين سوى مَا يحمل وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم بلَاء عَظِيم. وَمِنْهَا مُقَرر السجون وَهُوَ على كل من يسجن وَلَو لَحْظَة وَاحِدَة مبلغ سِتَّة دَرَاهِم سوى مَا يغرمه وعَلى هَذِه الْجِهَة عدَّة من المقطعين وَلها ضَمَان وَكَانَت تجبى من سَائِر السجون. وَمِنْهَا مقرّ طرح الفراريج وَلها ضَمَان فِي سَائِر نواحي الإقليم فتطرح على النَّاس فِي النواحي الفراريج وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم والعسف وَأخذ الْأَمْوَال من الأرامل والفقراء والأيتام مَا لَا يُمكن شَرحه وَعَلَيْهَا عدَّة مقطعين ومرتبات وَلكُل إقليم ضَامِن مُفْرد وَلَا يقدر أحد أَن يَشْتَرِي فروجاً فَمَا فَوْقه إِلَّا من الضَّامِن. وَمِنْهَا مُقَرر الفرسان وَهِي شَيْء يستهديه الْوُلَاة والمقدمون من سَائِر الأقاليم فَيَجِيء من ذَلِك مَال عَظِيم وَيُؤْخَذ فِيهِ الدِّرْهَم ثَلَاثَة دَرَاهِم لِكَثْرَة الظَّالِم. وَمِنْهَا مُقَرر

ص: 507

الأقصاب والمعاصر وَهُوَ مَا يجبى من مزارعي الأقصاب وأرباب المعاصر وَرِجَال المعصرة. وَمِنْهَا رسم الأفراح هِيَ تجبى من سَائِر الْبِلَاد وَهِي جِهَة بذاتها لَا يعرف لَهَا أصل. وَمِنْهَا حماية المراكب وَهِي تجبى من سَائِر المراكب الَّتِي فِي النّيل بتقرير معِين على كل مركب يُقَال لَهُ مُقَرر الحماية ويجبى من الْمُسَافِرين فِي المراكب سَوَاء إِن كَانُوا أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء. وَمِنْهَا حُقُوق الْقَيْنَات وَهِي مَا كَانَ يَأْخُذهُ مهتار الطشتخاناه من البغايا ويجمعه من الْمُنْكَرَات وَالْفَوَاحِش من أوباش مصر وَضَمان تجيب بِمصْر. وَمِنْهَا شدّ الزعماء وَحُقُوق السودَان وكشف مراكب النّوبَة فَيُؤْخَذ من كل عبد وَجَارِيَة مُقَرر مَعْلُوم عِنْد نزولهم فِي الْخَانَات وَكَانَت جِهَة قبيحة شنعة. وَمِنْهَا متوفر الجراريف وتجبى من المهندسين والولاة بِسَائِر الأقاليم وَعَلَيْهَا عدَّة من الأجناد. وَمِنْهَا مُقَرر المشاعلية وَهِي مَا يُؤْخَذ عَن تنظيف أسربة الْبيُوت والحمامات والمسامط وَغَيرهَا وَحمل مَا يخرج مِنْهَا من الْوَسخ إِلَى الكيمان فَإِذا امْتَلَأَ سرب مدرسة أَو مَسْجِد أَو بَيت لَا يُمكن شيله حَتَّى يحضر الضَّامِن ويقرر أجرته بِمَا يخْتَار فَمَتَى لم يُوَافقهُ صَاحب الْبَيْت تَركه حَتَّى يحْتَاج إِلَيْهِ ويبذل لَهُ مَا طلب. وَمِنْهَا ثمن العبي الَّتِي كَانَت تستأدى من الْبِلَاد. وَمِنْهَا مُقَرر الأتبان الَّتِي كَانَت تُؤْخَذ لمعاصر الأقصاب بِغَيْر ثمن. وَمِنْهَا زَكَاة الرجالة بالديار المصرية. وابطل السُّلْطَان أَيْضا وظيفتي النّظر والاستيفاء من سَائِر الْأَعْمَال فِي كل بلد نَاظر ومستوف وعدة مباشرين فرسم أَلا يستخدم أحد فِي إقليم لَا يكون للسُّلْطَان فِيهِ مَال وَمَا كَانَ للسُّلْطَان فِيهِ مَال يكون فِي كل إقليم نَاظر وَأمين حكم لَا غير. وَرفع السُّلْطَان سَائِر المباشرين. ورسم بالمسامحة بالبواقي الديوانية والإقطاعية من سَائِر النواحي إِلَى آخر سنة أَربع وَسَبْعمائة. وَجعل المَال الْهِلَالِي لاستقبال صفر سنة سِتّ عشرَة وَالْمَال الخراجي لاستقبال ثلث مغل سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة. وأفرد السُّلْطَان لخاصة الجيزية وأعمالها وبلاد هُوَ والكوم الْأَحْمَر ومنفلوط والمرج وَالْخُصُوص وعدة بِلَاد. وأخرجت الجوالى من الْخَاص وَفرقت فِي الْبِلَاد. وأفردت جِهَات المكس كلهَا وأضيف للوزارة. وأفردت للحاشية بِلَاد ولجوامك المباشرين بِلَاد ولأرباب الرَّوَاتِب جِهَات. وارتجعت عدَّة بِلَاد كَانَت اشْتريت وأدخلت فِي الإقطاعات. واعتد فِي سَائِر الْبِلَاد بِمَا كَانَ يهديه الْفَلاح وَحسب من جملَة الإقطاع.

ص: 508

فَلَمَّا فرغ الْعَمَل من ذَلِك نُودي فِي النَّاس بِالْقَاهِرَةِ ومصر وَسَائِر الْأَعْمَال بِإِبْطَال مَا أبطل من الْجِهَات وكتبت المراسيم إِلَى النواحي بِهِ فسر النَّاس سُرُورًا كَبِيرا. وَجلسَ السُّلْطَان بالإيوان الَّذِي أنشأه لتفرقة المثالات فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشرى ذِي الْحجَّة بَعْدَمَا دارت النُّقَبَاء على جَمِيع الأجناد وحضروا ورسم أَن يفرق كل يَوْم على أميرين من المقدمين بمضافيهما. فَكَانَ الْمُقدم يقف بمضافيه ويستدعي السُّلْطَان المقدمين كل أحد باسمه فَإِذا تقدم الْمَطْلُوب سَأَلَهُ السُّلْطَان: من أَيْن أَنْت ومملوك من حَتَّى لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أمره ثمَّ يُعْطه مِثَالا على مَا قسم لَهُ من غير تَأمل وأنبأ السُّلْطَان فِي الْعرض عَن معرفَة تَامَّة بأحوال الأجناد وأمراء الْجَيْش. وَكَانَ الْأُمَرَاء عِنْد الْعرض قد جلس أكابرهم بخدمته على الْعَادة وَإِذا أخذُوا فِي شكر جندي عاكسهم وَأَعْطَاهُ دون مَا كَانَ فِي أملهم لَهُ وَأَرَادَ بذلك أَلا يتَكَلَّم أحد فِي الْمجْلس. فَلَمَّا فطنوا لذَلِك أَمْسكُوا عَن الْكَلَام وَالشُّكْر بِحَيْثُ لم يتَكَلَّم أحد بعْدهَا إِلَّا جَوَابا لَهُ عَمَّا يسْأَل السُّلْطَان عَنهُ مِنْهُم. وَفعل فِي عرض المماليك مثل عرض الأجناد فَكَانَ الْمَمْلُوك إِذا تقدم إِلَيْهِ سَأَلَهُ عَن اسْم تاجره وَعَن أَصله وفرعه وَكم حضر من مصَاف وَكم رأى بيكاراً وَأي قِطْعَة حاصر فَإِن أَجَابَهُ بِصدق أنصفه. وَكَانَ السُّلْطَان يُخَيّر الشَّيْخ المسن بَين الإقطاع والرواتب فيعطيه مَا يخْتَار وَلم يقطع فِي الْعرض الْعَاجِز عَن الْحَرَكَة بل كَانَ يرتب لَهُ مَا يقوم بِهِ عوضا عَن إقطاعه. وَاتفقَ لَهُ فِي الْعرض أَشْيَاء: مِنْهَا أَنه تقدم إِلَيْهِ شَاب تَامّ الْخلقَة فِي وَجهه أثر شبه ضَرْبَة سيف فأعجبه وناوله مِثَالا بإقطاع جيد وَقَالَ لَهُ: فِي أَي مصف وَقع فِي وَجهك هَذَا السَّيْف. فَقَالَ لقلَّة سعادته: يَا خوند هَذَا مَا هُوَ أثر سيف وَإِنَّمَا وَقعت من سلم. فَصَارَ فِي وَجْهي هَذَا الْأَثر فَتَبَسَّمَ وَتَركه. فَقَالَ الْفَخر نَاظر الْجَيْش: يَا خوند مَا بَقِي يصلح لَهُ هَذَا الْخبز {. فَقَالَ السُّلْطَان لَا} قد صدقني وَقَالَ الْحق وَأخذ رزقه فَلَو قَالَ أصبت فِي المصف الْفُلَانِيّ من الَّذِي يكذبهُ فدعَتْ الْأُمَرَاء لَهُ وَانْصَرف الشَّاب بالمثال. وَتقدم إِلَيْهِ رجل ذميم الشكل وَله إقطاع ثقيل عِبْرَة ثَمَانمِائَة دِينَار. فَأعْطَاهُ مِثَالا وَانْصَرف. فَإِذا بِهِ عِبْرَة نصف مَا كَانَ مَعَه. فَعَاد وَقبل الأَرْض. فَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَن حَاجته. فَقَالَ: الله يحفظ السُّلْطَان! فَإِنَّهُ غلط فِي حَقي فَإِن إقطاعي كَانَت عبرته ثَمَانمِائَة دِينَار وَهَذَا أَرْبَعمِائَة. فَقَالَ السُّلْطَان: بل الْغَلَط كَانَ فِي إقطاعك الأول فَمضى بِمَا قسم لَهُ. فَلَمَّا انْتَهَت تَفْرِقَة المثالات فِي آخر الْمحرم سنة سِتّ عشرَة توفر مِنْهَا نَحْو مِائَتي مِثَال.

ص: 509

ثمَّ أَخذ السُّلْطَان فِي عرض طباق المماليك ووفر جوامك عدَّة مِنْهُم ورواتبهم وَأَعْطَاهُمْ الإقطاعات. وأفرد جِهَة قطيا للعاجزين من الأجناد وَقرر لكل ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم فِي السّنة. وارتجع السُّلْطَان مَا كَانَت البرجية قد اشترته من أَرَاضِي الجيزة وَغَيرهَا وارتجع مَا كَانَ لبيبرس وبرلغي والجوكندار وَغَيرهم من المتاجر وأضاف ذَلِك للخاص. وَبَالغ السُّلْطَان فِي إِقَامَة أَيَّام الْعرض. وَعرف النَّائِب وأكابر الْأُمَرَاء أَنه من رد مِثَالا أَو تضرر أَو شكا ضرب وَحبس وَقطع خبزه وَأَن أحدا من الْأُمَرَاء لَا يتَكَلَّم مَعَ السُّلْطَان فِي أَمر جندي وَلَا مَمْلُوك فَلم يَجْسُر أحد أَن يُخَالف مَا رسم بِهِ. وَعين فِي هَذَا الْعرض أَكثر الأجناد فَإِنَّهُم أخذُوا إقطاعات دون الَّتِي كَانَت مَعَهم وَقصد الْأُمَرَاء التحدث فِي ذَلِك مَعَ السُّلْطَان والنائب أرغون ينهاهم عَنهُ. فَقدر الله أَن السُّلْطَان نزل إِلَى الْبركَة لصيد الكركي وَجلسَ فِي الْبُسْتَان المنصوري ليستريح فَدخل بعض المرقدارية - وَكَانَ يُقَال لَهُ عَزِيز - وَمن عاداته الْهزْل قُدَّام السُّلْطَان والمزح مَعَه فَأخذ يهزل على عَادَته قُدَّام السُّلْطَان والأمراء جُلُوس وَهُنَاكَ ساقية وَالسُّلْطَان ينظر إِلَيْهَا. فتمادى عَزِيز لشؤم بخته فِي الْهزْل إِلَى أَن قَالَ: وجدت جندي من جند الروك الناصري وَهُوَ رَاكب إكديش وخرجه ومخلاة فرسه وَرمحه على كتفه وَأَرَادَ أَن يتم الْكَلَام. فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان. وَصَاح فِي المماليك. عروه ثِيَابه فللحال خلعت عَنهُ الثِّيَاب وربط مَعَ قواديس الساقية وَضربت الأبقار حَتَّى أسرعت فِي الدوران وعزيز تَارَة ينغمر فِي المَاء وَتارَة يظْهر وَهُوَ يستغيث وَقد عاين الْمَوْت وَالسُّلْطَان يزْدَاد غَضبا. فَلم تجسر الْأُمَرَاء على الشَّفَاعَة فِيهِ حَتَّى مضى نَحْو ساعتين وَانْقطع حسه فَتقدم إِلَيْهِ الْأَمِير طغاي والأمير قطلوبغا الفخري وَقَالا: ياخوند! هَذَا الْمِسْكِين لم يرد إِلَّا أَن يضْحك السُّلْطَان ويطيب خاطره وَلم يرد غير ذَلِك وَمَا زَالا بِهِ حَتَّى أخرج الرجل وَقد أشفى على الْمَوْت ورسم بنفيه من أَرض مصر فَحَمدَ الله سبحانه وتعالى الْأُمَرَاء على سكوتهم وتركهم الشَّفَاعَة فِي تَغْيِير مثالات الأجناد وَفِي هده السّنة: ظهر بِبِلَاد الصَّعِيد فأر عَظِيم يخرج عَن الإحصاء بِحَيْثُ إِن مباشري نَاحيَة أم الْقُصُور من بِلَاد منفلوط قتلوا فِي أَيَّام قَلَائِل من الفأر مبلغ ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة عشر أردباً ينقص ثلث أردب واعتبروا أردباً فجَاء عدَّة ثَمَانِيَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة فأر وكل ويبة ألف وَأَرْبَعمِائَة فأر

ص: 510

وفيهَا وَقعت نَار فِي البرج المنصوري من قلعة الْجَبَل وطباق الجمدارية فأحرقت شَيْئا كثيرا وَذَلِكَ فِي تَاسِع عشرى شعْبَان. وفيهَا غلقت كنائس الْيَهُود وَالنَّصَارَى بأجمعها فِي مصر والقاهرة فِي يَوْم السبت سَابِع عشرى شَوَّال فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من ذِي الْحجَّة فتحت الْكَنِيسَة الْمُعَلقَة وخلع على بطرك النَّصَارَى. وفيهَا حج الْأَمِير سيف الدّين أرغون النَّائِب وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة مَعَ الركب وَكَانَ أَمِير الركب عز الدّين أيدمر الكوكندي. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر شهَاب الدّين أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأرمنتي الْمَعْرُوف بِابْن الأسعد يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشرى رَمَضَان وَكَانَ فَقِيها شافعياً مشكور السِّيرَة. وَمَات جلال الدّين إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن بريق بن برعس أَبُو الطَّاهِر القوصي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ متصدراً بِجَامِع أَحْمد بن طولون وَله فَضِيلَة فِي الْفِقْه والقراءات والعربية وصنف وَحدث وَله شعر مِنْهُ: حرمت الطيف مِنْك فَفَاضَ دمعي وطرفي فِيك محرم وَسَائِل وَمَات تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن عمر بن أبي عمر مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ قَاضِي الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق فِي حادي عشرى ذِي الْقعدَة ومولده سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ فَاضلا وَاسع الرِّوَايَة لَهُ مُعْجم فِي مجلدين وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء مَعَ الدّين والتواضع. وَمَات شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن عبد السَّلَام بن جميل التّونسِيّ الْمَالِكِي بِالْقَاهِرَةِ لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر عَن سِتّ وَتِسْعين سنة ودفق بالقرافة ومولده سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وناب فِي الحكم بالحسينية خَارج الْقَاهِرَة ثمَّ ولي قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة وَهُوَ أول من درس بِالْمَدْرَسَةِ المنكوتمرية بِالْقَاهِرَةِ. وَمَات السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة ركن الدّين أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن شرف الدّين شاه

ص: 511

الْحُسَيْنِي الْعلوِي الأستراباذي عَالم الْموصل ومدرس الشَّافِعِيَّة وشارح الْمُخْتَصر لِابْنِ الْحَاجِب ومقدمي ابْن الْحَاجِب وَالْحَاوِي فِي الْمَذْهَب وَله سَبْعُونَ سنة وَأخذ عَن النصير الطوسي وَتقدم عِنْد التتار وتوفرت حرمته وبرع فِي عُلُوم المعقولات وَكَانَ يجيد الْفِقْه وَغَيره. وَمَات شرف الدّين مُحَمَّد بن نصر الله القلانسي التَّمِيمِي الدِّمَشْقِي فِي ثَانِي عشر الْمحرم بِدِمَشْق ومولده بهَا سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ أحد الْأَعْيَان الأخيار. وَمَات الشَّيْخ صفي الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الأرموي - الْمَعْرُوف بالهندي الأرموي - الْفَقِيه الشَّافِعِي فِي تَاسِع عشرى صفر بِدِمَشْق ومولده ثَالِث ربيع الآخر سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَله تصانيف مفيدة وَقدم من الْهِنْد إِلَى مصر بعد حجه وَسَار إِلَى الرّوم فَأَقَامَ بهَا إِحْدَى عشرَة سنة وَسكن دمشق من سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَسمع بهَا ودرس وَكَانَ إِمَامًا عَالما دينا. وملت شرف الدّين مُحَمَّد بن تَمِيم الإسْكَنْدراني كَاتب الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين صَاحب الْيمن بهَا وَكَانَ إِمَامًا فِي الْإِنْشَاء وَله نظم. وَمَات عز الدّين مُوسَى بن على بن أبي طَالب الشريف أَبُو الْفَتْح الموسوي الْحَنَفِيّ الْعدْل فِي سَابِع ذِي الْحجَّة بِمصْر وَانْفَرَدَ بالرواية عَن ابْن الصّلاح والسخاوي ورحل النَّاس إِلَيْهِ. وَمَات الْأَمِير عز الدّين حُسَيْن بن عمر بن مُحَمَّد بن صبرَة فِي تَاسِع عشر رَجَب بطرابلس وَولي حاجباً بِدِمَشْق مُدَّة وَكَانَ مشكوراً. وَمَات الشريف أَبُو الْغَيْث بن أبي نمي. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي شقر الحسامي أحد مماليك الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين وَمَات حسام الدّين قرا لاجين المنصوري الأستادار لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر شعْبَان وَكَانَ جواداً خيرا سليم الْبَاطِن وَا نعم بإقطاعه على الْأَمِير جمال الدّين أقوش الأشرفي وتوفرت الأستادارية وَمَات الْأَمِير سيف الدّين جيرجين الخازن تَحت الْعقُوبَة يَوْم السبت عَاشر ربيع الآخر. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين مُوسَى بن الْأَمِير سيف الدّين أبي بكر مُحَمَّد الأزكشي بِدِمَشْق فِي ثامن شعْبَان وَكَانَ شجاعاً شهماً.

ص: 512

وَمَات الْملك خربندا بن أبغا بن أرغون فِي سادس شَوَّال وَتسَمى بِمُحَمد وَكَانَ رَافِضِيًّا قتل أهل السّنة وَكَانَ منهمكاً فِي شرب الْخمر متشاغلاً باللهو وَقَامَ بعده ابْنه أَبُو سعيد بعهده إِلَيْهِ وَكَانَ محولاً بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ عادلاً فِي رَعيته ملك ثَلَاث عشرَة سنة وأشهراً. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين كستاي النَّاصِر نَائِب طرابلس بهَا وَكَانَ حسوراً قوي النَّفس معجباً بِنَفسِهِ شَدِيد الْكبر إِلَّا أَنه بَاشر طرابلس بعفة وَحُرْمَة مُدَّة شَهْرَيْن ثمَّ طلب من النَّاس التقادم وأَخذها. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين بن الْملك المغيث فِي ثَانِي شعْبَان. مَاتَ بهاء الدّين بن الْمحلي فِي خَامِس شعْبَان. وَمَات الْفَقِيه شرف الدّين بن محيي الدّين بن الْفَقِيه نجيب الدّين فِي تَاسِع رَجَب. وَمَات الشَّيْخ نَاصِر الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن المهتار الْكَاتِب بِدِمَشْق فِي سادس عشرى ذِي الْحجَّة انْفَرد بِرِوَايَة عُلُوم الحَدِيث بِسَمَاعِهِ من مُؤَلفه ابْن الصّلاح وبرواية الزّهْد لِأَحْمَد بن حَنْبَل وشيوخه كَثِيرَة ومولده فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة. وَمَات الشَّيْخ تَاج الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن الشَّيْخ مرهف إِمَام الْجَامِع الْجَدِيد الناصري خَارج مصر لَيْلَة الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر رَجَب. وَمَات الشَّيْخ الْمُقْرِئ أَمِين الدّين بن الصَّواف المتصدر بِجَامِع عَمْرو بِمصْر لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشرى شعْبَان. وَمَات الشَّيْخ ابْن أبي مفصلة لَيْلَة الْأَحَد سادس عشر رَمَضَان. وَمَات الشَّيْخ زين الدّين الْمَهْدَوِيّ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع رَجَب. وَمَات الطواشي شبْل الدولة كافرر الأقطواني الصَّالِحِي شاد الخزانة السُّلْطَانِيَّة لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر ذِي الْقعدَة. وَمَات فتح الدّين بن زين الدّين بن وجيه الدّين بن عبد السَّلَام فِي سَابِع عشرى ذِي الْقعدَة.

ص: 513

فارغة

ص: 514