الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سنة إِحْدَى عشر وَسَبْعمائة)
فِي مستهل الْمحرم: وصل الْأَمِير أرغون الدوادار إِلَى دمشق فاحترس مِنْهُ الْأَمِير قرا سنقر على نَفسه وَبعث إِلَيْهِ عدَّة من مماليكه يتلقونه وَيمْنَعُونَ أحدا مِمَّن قدم مَعَه أَن ينْفَرد. مَخَافَة أَن يكون مَعَه من الملطفات لِلْأُمَرَاءِ مَا فِيهِ ضَرَر. ثمَّ ركب إِلَيْهِ قرا سنقر ولقيه بميدان الْحَصَا ظَاهر الْمَدِينَة وأنزله عِنْده بدار السَّعَادَة ووكل بخدمته من ثقاته جمَاعَة. فَلَمَّا كَانَ الْغَد أخرج لَهُ أرغون تَقْلِيد نِيَابَة حلب فقبّله وقَّبل الأَرْض على الْعَادة وَأخذ فِي التهيؤ للسَّفر وَلم يدع أرغون ينْفَرد عَنهُ بِحَيْثُ إِنَّه أَرَادَ زِيَارَة أَمَاكِن بِدِمَشْق فَركب مَعَه بِنَفسِهِ حَتَّى قضى أربه وَكثر تحدث النَّاس بِدِمَشْق فِي مَجِيء أرغون وَأَنه يُرِيد قبص قرا سنقر وَأَن قرا سنقر قد حَضَره فهم الْأُمَرَاء بالركوب على قرا سنقر وَأَخذه ثمَّ خَشوا الْعَاقِبَة وَأَنه لم يصل إِلَيْهِم مرسوم السُّلْطَان بذلك فكفوا عَنهُ. وَصَارَ الْأَمِير بيبرس العلائي يركب بمماليكه فِي اللَّيْل وَيَطوف حول القلعة على هَيْئَة الحرس. وَبلغ ذَلِك قرا سنقر فاستدعى الْأُمَرَاء كلهم إِلَى عِنْد الْأَمِير أرغون وَقَالَ لَهُم: إِنَّه قد بَلغنِي أَن بعض الْأُمَرَاء يركب فِي اللَّيْل وَيَطوف بالقلعة خشيَة أَن أخرج هَارِبا وَمَا فعل هَذَا إِلَّا برأيكم ولابد أَن يكون علمه عنْدك يَا أَمِير أرغون. فَإِن كَانَ قد حضر مَعَك مرسوم بِالْقَبْضِ عَليّ فَمَا يحْتَاج إِلَى فتْنَة فَإِنِّي طالع للسُّلْطَان وَهَذَا سَيفي خُذْهُ وَحل سَيْفه. فَقَالَ لَهُ أرغون: لم أحضر إِلَّا بتقليد الْأَمِير نِيَابَة حلب حسب سؤالك وحاش الله أَن يكون السُّلْطَان يرى الْأَمِير بِهَذِهِ الْعين وأبكز أرغون أَيْضا أَن يكون عِنْده علم بركوب الْأَمِير بيبرس العلائي فِي اللَّيْل حول السُّور فوعد قرا سنقر أَنه يتَوَجَّه غَدا إِلَى حلب وانفض الْمجْلس. ثمَّ إِن قراسنقر بعث إِلَى الْأُمَرَاء أَلا يركب أحد مِنْهُم لوداعه وَلَا يخرج من بَيته واستعد وَقدم أثقاله أَولا فِي اللَّيْل. فَلَمَّا أصبح ركب يَوْم الرَّابِع من الْمحرم فِي مماليكه وعدتهم سِتّمائَة فَارس وَركب أرغون بجانبه وبهادر آص فِي جمَاعَة قَليلَة. وَسَار قرا سنقر فَقدم عَلَيْهِ الْخَبَر أَن الْأَمِير سنقر الكمالي الْحَاجِب قد تَأَخّر فِي حلب بِجَمَاعَة من عَسْكَر مصر فعرج عَن الطَّرِيق حَتَّى إِذا قَارب حلب نزل وَقَالَ لأرغون: لَا أَدخل حلب وَبهَا أحد من عَسْكَر مصر فَبعث أرغون إِلَى سنقر الكمالي يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ من حلب فَلَمَّا رَحل عَنْهَا سنقر الكمالي دخل إِلَيْهَا قراسنقر فِي نصف الْمحرم
وَلبس التشريف وَقُرِئَ تَقْلِيده على الْعَادة وَأعَاد الْأَمِير أرغون وَقد أنعم عَلَيْهِ. فوصل أرغون إِلَى دمشق وقلد الْأَمِير سيف الدّين كراي المنصوري نِيَابَة دمشق فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشرى وَألبسهُ التشريف على الْعَادة وَقُرِئَ تَقْلِيده وَركب الموكب. ثمَّ اً نعم كراي على أرغون بِأَلف دِينَار سوى الْخَيل والخلعة وَغير ذَلِك وَأَعَادَهُ إِلَى مصر فشكره السُّلْطَان على مَا كَانَ من حسن تأنيه وإخماد الْفِتْنَة. وَقدم الْأَمِير سنقر الكمالي بالعسكر أَيْضا فَخلع عَلَيْهِ وأجلس بالإيوان. وَفِي صفر. توجه الْأَمِير طوغان المنصوري إِلَى دمشق مُتَوَلِّيًا شاد الدَّوَاوِين عوضا عَن فَخر الدّين أياز فَقَدمهَا فِي ثامن عشره وَقبض على أياز وألزمه بثلاثمائة ألف دِرْهَم. وَولى الْأَمِير ركن الدّين بيبرس العلائي نِيَابَة حمص. وفيهَا عزل الصاحب عز الدّين حَمْزَة القلانسي وَزِير دمشق وعوق حَتَّى حمل أَرْبَعِينَ ألفا انساقت بَاقِيا على ضَمَان الْجِهَات ثمَّ أفرج عَنهُ وَقدم الْقَاهِرَة فأنعم عَلَيْهِ ورسم بِإِعَادَة مَا حمله إِلَى دمشق واستعاده. وفيهَا عزل الْأَمِير بكتمر الحسامي عَن الوزارة وَاسْتقر أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام نَاظر الدَّوَاوِين عوضه فِي الوزارة. وأنعم على الْأَمِير بكتمر بإمرة عوضا عَن سنقر الكمالي وَولى حاجباً وَذَلِكَ فِي سادس ربيع الآخر. وَفِي يَوْم الأثنين حادي عشريه: أُعِيد قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة إِلَى قَضَاء الْقُضَاة بديار مصر وَصرف جمال الدّين سُلَيْمَان بن عمر الزرعي وَاسْتقر الزرعي فِي قَضَاء الْعَسْكَر وتدريس الْجَامِع الحاكمي ورسم لَهُ أَن يجلس بَين الْحَنَفِيّ والحنبلي بدار الْعدْل. وَفِي مستهل جُمَادَى الأولى: اسْتَقر الْأَمِير علم الدّين سنجر الجاولي فِي نِيَابَة غَزَّة وَقبض على الْأَمِير قطلو قتمر نَائِب غَزَّة. وَقدم الْخَبَر من سيس بِأَن فرنج جَزِيرَة المصطكى أَسرُّوا رسل السُّلْطَان إِلَى الْملك طقطاي وَمن مَعَهم من رسل طقطاي وعدتهم سِتُّونَ رجلا وَأَنه بعث فِي فدائهم
سِتِّينَ ألف دِينَار ليتَّخذ بذلك يدا عِنْد السُّلْطَان فَلم يمكنوه مِنْهُم. فَكتب إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ودمياط بالحوطة على تجار الفرنج واعتقالهم كلهم فأحيط بحواصلهم وحبسوا بأجمعهم. وَحضر أحد تجار الجنوية فضمن إِحْضَار الرُّسُل وَمَا مَعَهم فمكن من السّفر. وفيهَا عزم السُّلْطَان على إنْشَاء جَامع فَاسْتَشَارَ الْفَخر نَاظر الْجَيْش فَأَشَارَ بعمارته على سَاحل مصر وَعين مَوضِع الْجَامِع الْجَدِيد وَكَانَ بستاناً يعرف بالحاج طيبرس وشونا وَغير ذَلِك فاستبدل بِالْأَرْضِ على رَأْي الْحَنَابِلَة فَإِنَّهَا كَانَت وَقفا. نزل السُّلْطَان حَتَّى رتبه وَأقَام الْفَخر على عِمَارَته. وفيهَا قبض على الْأَمِير بكتمر الجوكندار نَائِب السلطنة بديار مصر فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الأولى وَقبض مَعَه على عدَّة أُمَرَاء مِنْهُم صهره ألكنتمر الجمدار وأيدغدي العثماني ومنكوتمر الطباخي وبحر الدّين أيدمر الشمسي وأيدمر الشيخي وسجنوا إِلَّا الطباخي فَإِنَّهُ قتل فِي وقته. ثمَّ استدعى السُّلْطَان الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الدوادار المنصوري وخلع عَلَيْهِ وولاه النِّيَابَة عوضا عَن بكتمر الجوكندار فِي يَوْم السبت ثامن عشره. وفيهَا أَمر أَن يجمد السُّلْطَان الْجُلُوس بدار الْعدْل فِي كل ثنين فحار النُّقَبَاء على الْقُضَاة وَغَيرهم من أهل الدولة. وَجلسَ السُّلْطَان فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ عشريه وَنُودِيَ فِي النَّاس من لَهُ ظلامة فَليرْفَعْ قصَّته بدار الْعدْل فخاف الْأُمَرَاء وَغَيرهم وأدوا مَا عَلَيْهِم من الْحُقُوق من غير شكوى وَرفع النَّاس قصصهم فقرأها الموقعون على السُّلْطَان بدار الْعدْل وَوَقع عَلَيْهَا بَين يَدَيْهِ وَحكم بَين النَّاس وأنصف الْمَظْلُوم وَاسْتمرّ الْجُلُوس فِي كل يَوْم إثنين. وفيهَا صرف السُّلْطَان قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين أَبَا الْحسن عَليّ بن مخلوف بِسَبَب مُفَاوَضَة فِي وفيهَا استدعى السُّلْطَان الْقُضَاة وَولى كريم الدّين أكْرم عبد الْكَرِيم الْكَبِير وكَالَته وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ وبأمر السلطنة بحضورهم وخلع عَلَيْهِ. فَكَانَ أول سعادته أَن السُّلْطَان اشْترى من الفرنج جَوَاهِر وَغَيرهَا فَبلغ ثمنهَا سِتَّة عشر ألف دِينَار وأحالهم بهَا على كريم الدّين فَذكر الفرنج أَنهم بعد ثَلَاثَة أَيَّام يسافرون فحلفه السُّلْطَان أَلا يؤخرهم عَن الثَّلَاثَة أَيَّام فَنزل إِلَى دَاره وَهُوَ مَحْصُور لعدم المَال عِنْده وَاسْتَشَارَ الْأَمِير
عَلَاء الدّين بن هِلَال الدولة وَالصَّلَاح الشرابيشي فَحسب لَهُ أَخذ حَاصِل المارستان المنصوري والاقتراض من تجار الكارم بَقِيَّة الْمبلغ وَكَانَت تجار الكارم بِمصْر حِينَئِذٍ فِي عدَّة وافرة وَلَهُم أَمْوَال عَظِيمَة. وَمضى من الْأَجَل يَوْمَانِ وَأصْبح فِي الْيَوْم الثَّالِث آخر الْأَجَل فَأَتَاهُ الفرنج وَقت الظّهْر لقبض المَال فَاشْتَدَّ قلقه وَأَبْطَأ عَلَيْهِ حُضُور الكارم. وَبينا هُوَ فِي ذَلِك إِذْ أَتَاهُ تجار الكارم فَنظر بَعضهم إِلَى وَاحِد من الفرنج لَهُ عِنْده مبلغ عشْرين ألف دِينَار قراضا فَسَأَلَ التُّجَّار الفرنج عَن سَبَب جلوسهم على بَاب كريم الدّين فَقَالُوا: لنا عَلَيْهِ حِوَالَة من قبل السُّلْطَان بِمَال وَقد وعدنا بِقَبْضِهِ الْيَوْم. فطالبهم الكارمي بِمَالِه من مبلغ الْقَرَاض فوعدوه بِأَدَائِهِ. وَبلغ ذَلِك كريم الدّين فسر بِهِ سُرُورًا زَائِدا وكتمه وَأمر بالكارم والفرنج فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَلم يعرف الكارم بِشَيْء من أمره وَلَا أَنه طَلَبهمْ ليقترض مِنْهُم مَالا بل قَالَ: مَا بالكم من الفرنج فعرفوه أَمر الْقَرَاض الَّذِي عِنْد الافرنجي فَقَالَ لَهُم: مهما كَانَ عِنْد الإفرنجي هُوَ عِنْدِي. ففرح الفرنج بذلك وأحالوا الكارمي على كريم الدّين بِسِتَّة عشر ألف دِينَار وَهِي الَّتِي وَجَبت عَلَيْهِ بحوالة السُّلْطَان ودفعوا أَرْبَعَة آلَاف تَتِمَّة عشْرين ألف دِينَار للكارمي. وَقَامَ الفرنج وَقد خلص كريم الدّين من تَبِعَهُمْ بِغَيْر مَال وَالْتزم للكارمي بالمبلغ فَمضى هُوَ وَبَقِيَّة التُّجَّار من غير أَن يقترض مِنْهُم شَيْئا فعد هَذَا من غرائب الِاتِّفَاق. وفيهَا قبض على الْأَمِير قطلوبك نَائِب صفد. وأنعم على الصاحب نجم الدّين البصروي بإمرة. وفيهَا قرر على أَمْلَاك دمشق وأوقافها ألف وَخَمْسمِائة فَارس وَهِي الَّتِي كَانَت تسمى مُقَرر الخيالة فَلَمَّا ورد المرسوم بذلك على الْأَمِير كراي نَائِب دمشق أعسف بِالنَّاسِ فِي الطّلب وَضرب جمَاعَة وَأخذ مَالا كَبِيرا فتجمع النَّاس مَعَ الْخَطِيب جلال الدّين مُحَمَّد الْقزْوِينِي وَكَبرُوا وَرفعُوا الْمَصَاحِف والأعلام ووقفوا للنائب فأمله بهم فَضربُوا وطردوا طرداً قبيحا فَكثر عَلَيْهِ الدُّعَاء فَلم يُمْهل بعْدهَا غير تِسْعَة أَيَّام. وَقدم أرغون الدوادار من مصر إِلَى دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشرى جُمَادَى الأولى على الْبَرِيد وعَلى يَده مراسيم لِلْأُمَرَاءِ بِالْقَبْضِ على الْأَمِير سيف الدّين كراي وَوصل أَيْضا فِي هَذَا الْيَوْم مَمْلُوك كراي وصحبته تشريف وحياصة وَسيف لمخدومه وَاتفقَ قدوم رسل التتر. فأوصل الْأَمِير أرغون الْكتب إِلَى الْأُمَرَاء وَأصْبح كراي يَوْم الْخَمِيس فَركب الْمركب وَنزل وَقد احتفل لأجل لبس التشريف ولقدوم الرُّسُل. فَلَمَّا فرغ الْأكل وانصرفت الرُّسُل أحَاط الْأُمَرَاء بكراي وأخرجوا مرسوم السُّلْطَان بمسكه
فَقبض عَلَيْهِ وَهُوَ بتشريفه وَحمل مُقَيّدا إِلَى الكرك فسجن بهَا. وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشرى جُمَادَى الأولى وَقبض فِي غده على قطلوبك نَائِب صفد وسجن بالكرك. وَاسْتقر فِي نِيَابَة دمشق عوض الْأَمِير كراي الْكَبِير جمال الدّين أقوش نَائِب الكرك وخلع عَلَيْهِ فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة فَقَدمهَا فِي رَابِع عشره. وَفِيه اسْتَقر الْأَمِير سيف الدّين بهادر آص فِي نِيَابَة صفد وَأرْسل تشريفه صُحْبَة الْأَمِير جمال الدّين أقوش وَقد توجه إِلَيْهَا. ورسم للأمير بدر الدّين بكتوت القرماني بشد الدَّوَاوِين بِدِمَشْق وَكتب على يَده مساحة بِمَا قَرَّرَهُ كراي. وَتوجه بكتوت مَعَ الْأَمِير جمال الدّين أقوش إِلَى دمشق فَقَدمهَا فِي رَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة قُرِئت الْمُسَامحَة على مِنْبَر الْجَامِع فسر النَّاس بذلك. وَقبض بِدِمَشْق على الْأَمِير بكتوت الشجاعي وَسيف الدّين جنقار الساقي وحملا إِلَى الكرك. وفيهَا نقل الْأَمِير بكتمر الجوكندار النَّائِب والأمير أسندمر كرجي من سجن الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى سحن الكرك فَاجْتمع بالكرك من الْأُمَرَاء المعتقلين بكتمر الجوكندار وأسندمر كرجي وكراي المنصوري وقطلوبك المنصوري نَائِب صفد وبيبرس العلائي فِي آخَرين. وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير سيف الدّين بيبغا الأشرفي فِي نِيَابَة الكرك عوضا عَن الْأَمِير أيتمش المحمدي وَكَانَ السُّلْطَان قد استنابه بهَا لما خرج مِنْهَا إِلَى دمشق. وفيهَا وصل الْأَمِير سُلَيْمَان بن مهنا إِلَى الْقَاهِرَة وَمَعَهُ عدَّة من التتر مقيمين أسرهم فِي الْغَارة على التتر فأنعم عَلَيْهِ بِمِائَة ألف دِرْهَم. وفيهَا قدم الْبَرِيد من حلب بِأَن خربندا ملك التتر قتل جمَاعَة من خواصه وَقتل خواصه. وفيهَا أُقِيمَت الْخطْبَة للْملك النَّاصِر بطرابلس الغرب أَقَامَهَا لَهُ الشَّيْخ أَبُو يحيى زَكَرِيَّا ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن حَفْص عمر اللحياني لما جهزه السُّلْطَان إِلَيْهَا بالصناجق وبعدة من الأجناد وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَجَب وَكَانَ الأجناد قد قدمُوا مَعَ بيبرس بَعْدَمَا قدمهَا أَبُو يحيى من مصر فِي جُمَادَى الأولى.
وَفِي ثامن عشر رَمَضَان: كتب باستقرار الْأَمِير بلبان فِي نِيَابَة قلعة دمشق عوضا عَن بهادر السنجرلي. ورسم لبهادر بنيابة قلعة البيرة. وَفِي سادس شَوَّال: قبض على الصاحب أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام وعَلى التَّاج عبد الرَّحْمَن الطَّوِيل وَقرر عَلَيْهِمَا مَال فحملاه وهما معوقان بالقلعة من غر أَن يَلِي أحد. ثمَّ أفرج عَنْهُمَا يَوْم الْخَمِيس حادي عشريه وخلع عَلَيْهِمَا واستقرا على عَادَتهمَا. فَمَاتَ التَّاج فِي ذِي الْقعدَة وإستقر عوضه فِي نظر الدولة تَقِيّ الدّين أسعد ابْن أَمِين الْملك الْمَعْرُوف بكاتب برلغي وَولى التَّاج إِسْحَاق والموفق هبة الله وَظِيفَة مُسْتَوْفِي الدولة وَكَانَا كتابا لسلار. وفيهَا توجه السُّلْطَان إِلَى بِلَاد الصَّعِيد. ورسم بِنَقص الإيوان الأشرفي بقلعة الْجَبَل فنقض وجدد فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان جلس فِيهِ على الْعَادة. وفيهَا وصل كرنبس ملك النّوبَة بالقود الْمُقَرّر عَلَيْهِ بعد قتل أَخِيه. وقدمت رسل الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين دواد ملك الْيمن بهدية ومائتي جمل ومائتي جمال وخيول ووحوش وطيور فَفرق ذَلِك على الْأُمَرَاء الأكابر والأصاغر. وفيهَا اسْتَقر عَلَاء الدّين عَليّ بن تَاج الدّين أَحْمد بن سعيد بن الْأَثِير فِي كتاب السِّرّ عوضا عَن شرف الدّين عبد الْوَهَّاب بن فضل الله الْعمريّ فِي يَوْم الْأَحَد سَابِع ذِي الْحجَّة وَنقل شرف الدّين إِلَى كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق عوضا عَن أَخِيه محيي الدّين يحيى. وَكَانَ ابْن الْأَثِير قد توجه من مصر مَعَ السُّلْطَان هُوَ وجمال الدّين إِبْرَاهِيم بن المغربي فَلَمَّا أَقَامَ بالكرك خيرهما فاختارا الْإِقَامَة عِنْده فَلَمَّا عَاد إِلَى ملك مصر رعى لَهما ذَلِك وَأقر ابْن الْأَثِير فِي كِتَابَة السِّرّ وَابْن المغربي فِي رياسة الْأَطِبَّاء. وفيهَا أَخذ الْأَمِير قرا سنقر فِي التَّدْبِير لنَفسِهِ خوفًا من الْقَبْض عَلَيْهِ كَمَا قبض على غَيره واصطنع العربان وهاداهم وَصَحب سُلَيْمَان بن مهنا وأخاه وأنعم عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه مُوسَى حَتَّى صَار الْجَمِيع من أنصاره وَقدم عَلَيْهِ الْأَمِير مهنا إِلَى حلب وَأقَام عِنْده أَيَّامًا وأفضى إِلَيْهِ بسره وَأَنه خَائِف من السُّلْطَان وَأَوْقفهُ على كتاب السُّلْطَان بِالْقَبْضِ على مهنا وَأَنه لم يُوَافق على ذَلِك فَغَضب الْأَمِير مهنا وَأخذ يسكن مَا بقرًا سنقر وَانْصَرف وَقد اشْتَدَّ غَضَبه. وَبعث قرا سنقر يسْأَل السُّلْطَان فِي الْإِذْن لَهُ بِالسَّفرِ إِلَى الْحَج فَأذن لَهُ فِي الْحَج وَقد سر أَنه بِخُرُوجِهِ من حلب يقدر على أَخذه وَبعث إِلَيْهِ بألفي دِينَار وخلعة. وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْأَمِير مهنا يطْلب مِنْهُ فرسا عينه وَأَن يحضر إِلَى مصر لزيارته - وَكَانَ قد بلغه اجْتِمَاع مهنا بقرًا سنقر. فدبر أمرا يعمله مَعَه أَيْضا - فَبعث مهنا الْفرس وَأعَاد الْجَواب. وجهز قرا سنقر حَاله. وَخرج من حلب
فِي نصف شَوَّال وَمَعَهُ أَرْبَعمِائَة مَمْلُوك واستناب الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي وَترك عدَّة مماليكه بحلب لحفظ حواصله. فَلَمَّا قدم الْبَرِيد بمسيره من حلب كتب لقرطاي بالاحتراس وَألا يُمكن قرا سنقر من حلب إِذا عَاد ويحتج عَلَيْهِ بإحضار مرسوم السُّلْطَان بتمكينه من ذَلِك وَكتب إِلَى نَائِب دمشق ونائب غَزَّة ونائب الكرك وَإِلَى بني عقبَة بِأخذ الطَّرِيق على قرا سنقر فَقدم الْبَرِيد بِأَنَّهُ سلك الْبَريَّة على صرخد إِلَى زيزاء. ثمَّ كثر وهمه وَاشْتَدَّ خَوفه من السُّلْطَان لوُرُود الْخَبَر من ثقاته بِمصْر بِمَا عزم عَلَيْهِ السُّلْطَان وَمَا كتب بِهِ فَعَاد من غير الطَّرِيق الَّتِي سلكها. ففات أهل الكرك الْقَبْض عَلَيْهِ وَكَتَبُوا بالْخبر إِلَى السُّلْطَان فشق عَلَيْهِ ذَلِك وَكتب بكشف أخباره وَكتب إِلَى حلب بِمَنْعه مِنْهُمَا وَمنع مماليكه من الْخُرُوج إِلَيْهِ وَإِن وجدت فرْصَة تقبض عَلَيْهِ قدم قرا سنقر ظَاهر حلب قبل قدوم مَا كتب بِهِ السُّلْطَان. فَمَنعه قرطاي من الدُّخُول وعوق من بحلب من مماليكه عَن الْخُرُوج إِلَيْهِ فَسقط فِي يَده ورحل وَكتب إِلَى الْأَمِير مهنا بِمَا جرى لَهُ فَكتب مهنا إِلَى قرطاي بِأَن يخرج حواصل قرا سنقر إِلَيْهِ وَإِلَّا هجم على مَدِينَة حلب وَأخذ مَاله قهرا. فخاف قرطاي من ذَلِك وجهز كِتَابه إِلَى السُّلْطَان فِي طي كِتَابه وَبعث بِشَيْء من حواصل قرا سنقر إِلَيْهِ مَعَ الْأَمِير عز الدّين فرج بن قرا سنقر. وَانْصَرف قرا سنقر عَن حلب وَقصد الْبَريَّة ثمَّ جهز وَلَده فرج ونائبه عبدون إِلَى الديار المصرية وَكَذَلِكَ جملَة من أَمْوَاله فَقدم فرج أَوَاخِر ذِي الْحجَّة وانعم السُّلْطَان عَلَيْهِ بإمرة عشرَة أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ مَعَ أَخِيه عَلَاء الدّين عَليّ بن قرا سنقر. وَقدم سُلَيْمَان بن مهنا إِلَى قرا سنقر وَأَخذه حَتَّى أنزلهُ فِي بَيت أمه واستجار بهَا من السُّلْطَان فَأَجَارَتْهُ. وَأَتَاهُ الْأَمِير مهنا وَأَوْلَاده وَقَامَ لَهُ بِمَا يَلِيق بِهِ وَكتب يعرف السُّلْطَان بنزول قرا سنقر فِي أبياته وَأَنه استجار بِأم سُلَيْمَان فَأَجَارَتْهُ وَسَأَلَ الْعَفو عَنهُ وَبعث بذلك أحد أَوْلَاده. فَلَمَّا سَافر ابْن مهنا من مصر أخرج السُّلْطَان تجريدة فِيهَا من الْأُمَرَاء حسام الدّين قرا لاجين الأستادار حسام الدّين لاجين الجاشنكير وعلاء الدّين مغلطاي المَسْعُودِيّ وشمس الدّين الدكز الأشرفي ولاجين الْعمريّ فِي مضافيهم من الطبلخاناه والعشراوات. ثمَّ أردفهم السُّلْطَان بتجريدة أُخْرَى فِيهَا الْأَمِير سيف الدّين قلى السِّلَاح دَار وَسيف الدّين وَآل ملك وجنكلي بن البابا وأمير حُسَيْن بن جندر فِي جمَاعَة
من الخاصكية مثل أرغون الدوادار وأرقطاي وأيتمش وجغطاي والجاي الساقي وطقطاي الساقي. وكنب السُّلْطَان لنائب دمشق بتجريد كجكن وكتبغا الْحَاجِب بمضافيهما وَجعل مقدم هَذِه العساكر قرا لاجين الأستادار وَصَاحب السِّرّ والمشورة أرغون الدوادارة فَسَارُوا من دمشق يُرِيدُونَ جِهَة مهنا. فاستعد قرا سنقر وَكتب إِلَى الْأَمِير جمال الدّين أقوش الأفرم نَائِب طرابلس يستدعيه إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ بالموافقة ووعده بالحضور إِلَيْهِ. وَكتب الأفرم إِلَى صهره الْأَمِير عز الدّين أيدمر الزردكاش بِدِمَشْق يَأْمُرهُ باستفساد من قدر عَلَيْهِ ولحاقه بِهِ وبقرا سنقر وجهز إِلَيْهِ خَمْسَة آلَاف دِينَار ليفرقها فِيمَن يستميله وَنزل الْعَسْكَر السلطاني حمص. فأرادا قرا سنقر مخادعة السُّلْطَان ليتسع لَهُ المجال وَكتب إِلَيْهِ مَعَ مَمْلُوكه وَكتب إِلَيْهِ مهنا مَعَ وَلَده بِالدُّعَاءِ وَالشُّكْر وَأَن قرا سنفر قد اخْتَار صرخد وسألا يَمِين السُّلْطَان بِالْوَفَاءِ وَإِخْرَاج مَا لقرا سنقر بحلب من المَال وتمكينه مِنْهُ. فَمر ابْن مهنا ومملوك قرا سنقر على حمص وَعرفا الْأَمِير قرا لاجين وأرغون الدوادار بِدُخُول قرا سنقر فِي الطَّاعَة وَأَنه عين صرخد. فَمشى ذَلِك عَلَيْهِمَا وكتبا مَعَهُمَا إِلَى السُّلْطَان بِمَعْنى ذَلِك. فانخدع السُّلْطَان أَيْضا وَكتب تَقْلِيد قرا سنقر بنيابة صرخد ورسم أَن يتَوَجَّه بِهِ إِلَيْهِ أيتمش المحمدي وَكتب لأيتمش بِأَن يُوصل الملطف إِلَى مهنا سرا وَأَن طقطاي يتَوَجَّه إِلَى حلب وَيخرج مَا لقرا سنقر بهَا من المَال ويسيره إِلَيْهِ. وأنعم السُّلْطَان على مَمْلُوك قرا سنقر بِأَلف دِينَار ووعده أَنه مَتى قَامَ على أستاذه حَتَّى يعود إِلَى الطَّاعَة أنعم عَلَيْهِ بإمرة وَأخرجه على الْبَرِيد هُوَ وَابْن مهنا. فسارا إِلَى حمص ودفعا كتب السُّلْطَان إِلَى الْأُمَرَاء وسارا بأيتمش إِلَى قرا سنقر فسر بِهِ وأنزله وَاحْتج بِأَنَّهُ لَا يتَوَجَّه إِلَى صرخد حَتَّى يَأْتِيهِ مَا لَهُ فِي حلب فتحيل أيتمش حَتَّى أوصل ملطف السُّلْطَان إِلَى مهنا فَأطلع عَلَيْهِ قرا سنقر. وَبينا هم فِي ذَلِك إِذْ قدمت أَمْوَال قرا سنقر الَّتِي كَانَت بحلب إِلَيْهِ فَإِن طقطاي توجه إِلَيْهَا وَبعث إِلَى قرا سنقر بِمَا كَانَ لَهُ فِيهَا فَمَا هُوَ إِلَّا أَن وصل مَاله بحلب إِذا بالأفرم قد قدم عَلَيْهِ أَيْضا من الْغَد وَمَعَهُ خَمْسَة أُمَرَاء طبلخاناه وَسِتَّة عشراوات فِي جمَاعَة من التركمان. وَقدم الزردكاش وَمَعَهُ الْأَمِير بلبان الدِّمَشْقِي وَالِي القلعة وبيبرس الحسامي فسر قرا سنقر بقدومهم. وَلما اسْتَقر بهم الْمنزل استدعوا أيتمش وعددوا عَلَيْهِ من قَتله السُّلْطَان من الْأُمَرَاء وَأَنَّهُمْ قد خَافُوا على أنفسهم وعزموا على الدُّخُول إِلَى بِلَاد التتر وركبوا بأجمعهم. فَعَاد أيتمش إِلَى الْأُمَرَاء بحمص وعرفهم الْخَبَر فَرَكبُوا عائدين إِلَى مصر بِغَيْر طائل وَوَقعت الحوطة على أَمْوَال الأفرم وَمن تبعه.
وفيهَا أفرج عَن الْأَمِير عز الدّين أيدمر الخطيري وأنعم عَلَيْهِ بِخبْز الجاولي. وفيهَا ولي شمس الدّين غبريال كَاتب قرا سنقر نظر الْجَامِع الْأمَوِي بِدِمَشْق والأوقاف عوضا عَن شرف الدّين ابْن صصري وَكَانَ غبريال لما خرج قرا سنقر من حلب قدم إِلَى مصر وسعى حَتَّى ولى ذَلِك. وَفِي ثَالِث ذِي الْحجَّة: قدمت تقدمة الْيمن على الْعَادة فَقبلت. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر الْأَمِير بدر الدّين بكتوت الخازنداري - عرف بأمير شكار - نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَت وَفَاته بعد عَزله فِي ثامن عشرى رَجَب بِالْقَاهِرَةِ وَأَصله من مماليك الْأَمِير بيليك الخازندار نَائِب السلطنة بِمصْر فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة وتنقل حَتَّى اشْتهر فِي الْأَيَّام العادلية كتبغا وَصَارَ أَمِير شكار ثمَّ ولى الْإسْكَنْدَريَّة وَكثر مَاله واختص بيبرس وسلار فَلَمَّا عَاد الْملك النَّاصِر إِلَى السلطنة حضر وَحسن للسُّلْطَان حفر خليج الْإسْكَنْدَريَّة ليستمر المَاء فِيهِ دَائِما فندب مَعَه الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن كيدغوي الْمَعْرُوف بِابْن الوزيري وَفرض الْعَمَل على سَائِر الْأُمَرَاء فَأخْرج كل مِنْهُم أستاداره وَرِجَاله وَركب وُلَاة الأقاليم. وَوَقع الْعَمَل من رَجَب سنة عشر وَسَبْعمائة فَكَانَ فِيهِ نَحْو الْأَرْبَعين ألف راجل تعْمل وَقد قسم بالأقصاب على الْأُمَرَاء والولاة وحفر كل أحظ مَا حد لَهُ فَكَانَ قِيَاس الْعَمَل من فَم الْبَحْر إِلَى شنبار ثَمَانِيَة آلَاف قَصَبَة وَمثلهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة. وَكَانَ الخليج الْأَصْلِيّ من حد شنبار يدْخل المَاء فَجعل فَم هَذَا الْبَحْر يَرْمِي إِلَيْهِ وَعمل عمقه سِتّ قصبات فِي عرض ثَمَانِي قصبات. فَلَمَّا وصل الْحفر إِلَى حد الخليج الأول حفر بِمِقْدَار الخليج المستجد وَجعل بحراً وَاحِدًا وَركب عَلَيْهِ القناطر. وَوجد فِي الخليج من الرصاص الْمَبْنِيّ تَحت الصهاريج شَيْء كثير فأنعم بِهِ على بكتوت هَذَا. فَلَمَّا فرغ أنشأ النَّاس عَلَيْهِ أَرَاضِي وسواقي واستجدت عَلَيْهِ قَرْيَة عرفت بالناصرية فَبلغ مَا أنشئ عَلَيْهِ زِيَادَة على مائَة ألف فدان وَنَحْو سِتّمائَة ساقية وَأَرْبَعين قَرْيَة وسارت فِيهِ المراكب الْكِبَار وَاسْتغْنى أهل الثغر عَن خزن المَاء فِي الصهاريج وَعمر عَلَيْهِ نَحْو ألف غيط وعمرت بِهِ عدَّة بِلَاد. وتحول النَّاس حَتَّى سكنوا مَا عمر من الْأَرَاضِي على الخليج فَصَارَ بَعْدَمَا كَانَ سباخاً سواقي الْقصب والقلقاس والسمسم وَغَيره. فَلَمَّا تمّ ذَلِك أنشأ بكتوت من مَاله جِسْرًا أَقَامَ فِيهِ نَحْو ثَلَاثَة أشهر حَتَّى بناه رصيفا وَاحِدًا نَحْو
ثَلَاثَة أشهر حَتَّى بناه رصيفاً وَاحِدًا نَحْو الثَّلَاثِينَ قنطرة بناها بِالْحِجَارَةِ والكلس وَعمل أساسه رصاصاً وَأَنْشَأَ بجانبه خَانا وحانوتاً وَعمل فِيهِ خفراء وأجرى لَهُم رزقة فبلغت النَّفَقَة عَلَيْهِ نَحْو سِتِّينَ ألف دِينَار. وأعانه على ذَلِك أَنه هدم قصراً قَدِيما خَارج الْإسْكَنْدَريَّة وَأخذ حجره وَوجد فِي أساسه سرباً من رصاص مَشوا فِيهِ إِلَى قرب الْبَحْر المالح فَحصل منهه جملَة عَظِيمَة من الرصاص. ثمَّ إِنَّه شجر مَا بَينه وَبَين صهره فسعى بِهِ إِلَى السُّلْطَان وأغراه بأمواله وَكتب أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام - وَهُوَ مُسْتَوْفِي الدولة - عَلَيْهِ أوراقاً بمبلغ مائَة ألف دِينَار فَطلب إِلَى الْقَاهِرَة. وَلما قُرِئت عَلَيْهِ الأوراق قَالَ: قبلوا الأَرْض بَين يَد السُّلْطَان وعرفوه عَن مَمْلُوكه أَنه إِن كَانَ رَاضِيا عَنهُ فَكل مَا كتب كذب وَإِن كَانَ غير رَاضِيا فَكل مَا كتب صَحِيح. وَكَانَ قد وعك فِي سَفَره من الْإسْكَنْدَريَّة فَمَاتَ بعد لَيَال فِي ثامن عشر رَجَب وَأخذ لَهُ مَال عَظِيم جدا وَكَانَ من أَعْيَان الْأُمَرَاء وكرمائهم وشجعانهم مَعَ الذكاء والمروءة والعصبية وَله مَسْجِد خَارج بَاب زويلة وَله عدَّة أوقاف على جِهَات بر. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين سنقر شاه الظَّاهِرِيّ مَاتَ بِدِمَشْق. وَمَات الْوَزير فَخر الدّين عمر بن عبد الْعَزِيز الْحُسَيْن بن الْحَنْبَلِيّ التَّمِيمِي وَهُوَ مَعْزُول لَيْلَة عيد الْفطر وَدفن بالقرافة ومولد فِي سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ كَرِيمًا جواداً. وَمَات مجد الدّين عِيسَى بن عمر بن خَالِد بن الخشاب المَخْزُومِي الشَّافِعِي وَكيل بَيت المَال فِي ثامن ربيع الأول بِالْقَاهِرَةِ دفن بالقرافة وَكَانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء وَولى الْحِسْبَة فِي الْأَيَّام المنصورية قلاوون وَصَحب الشجاعي وأضاف لَهُ قلاوون وكَالَة بَيت المَال ووكالة السُّلْطَان وعدة مباشرات فعظمت مهابته وعيب عَلَيْهِ مجونه وعزله وَكَثْرَة اجتماعه بالشجاعي ومعاشرته لَهُ وَكَانَ الْوَزير ابْن الخليلي يبكته بذلك وَكَانَ لَا يكْتب فِي أخر كتبه سوى: حَسبنَا الله فَقَط من غير وَنعم الْوَكِيل وَسُئِلَ أَن يكْتب وَنعم الْوَكِيل فَأبى. وَمَات قَاضِي الْقُضَاة سعد الدّين مَسْعُود بن أَحْمد بن مَسْعُود بن زيد الْحَارِثِيّ الْحَنْبَلِيّ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشرى ذِي الْحجَّة وَدفن بالقرافة وَسمع وَخرج وصنف وَصَارَ من الْأَئِمَّة الْحفاظ وَكتب على سنَن أبي دادو قِطْعَة. وَمَات الشَّيْخ صَالح مُحَمَّد العربان فِي ثامن عشر رَجَب. وَمَات شرف الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن شرِيف بن يُوسُف بن الوحيد الزرعي فِي
يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر شعْبَان بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يكْتب فِي التوقيع وَله معرفَة بالإنشاء وَبلغ الْغَايَة فِي جودة الْكِتَابَة وانتفع النَّاس بِالْكِتَابَةِ عَلَيْهِ وَكَانَ فَاضلا شجاعاً مقداماً لسناً متكلماً يَرْمِي فِي دينه بالعظائم وَيعرف عدَّة لُغَات وَله نظم ونثر. وَمَات الطَّبِيب شرف الدّين عبد الله بن أَحْمد بن أبي الحوافر رَئِيس الْأَطِبَّاء فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث عشرى شَوَّال وَدفن بالقرافة وَكَانَ دينا فَاضلا رَضِي الْأَخْلَاق ماهراً فِي علم الطِّبّ. وَمَات التَّاج عبد الرَّحْمَن الطَّوِيل القبلي الْأَسْلَمِيّ نَاظر الدَّوَاوِين فِي ثَانِي عشرى ذِي الْقعدَة وَقد انْتَهَيْت إِلَيْهِ معرفَة الْكِتَابَة الديوانية وَكَانَ إِسْلَامه فِي الْأَيَّام الأشرفية وَله صدقَات كَثِيرَة. وَمَات القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين على بن مخلوف الْمَالِكِي لَيْلَة الْخَمِيس حادي عشر ذِي الْحجَّة وَكَانَ يَنُوب عَن أَخِيه بالقاهر فِي الحكم ورسم لَهُ باستقلال بوظيفة الْقَضَاء بعد أَبِيه فَمَاتَ فِي حَيَاته وَكَانَ من النجباء. وَمَات جمال الدّين أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن الشَّيْخ جلال الدّين المكرم بن عَليّ فِي ثَالِث عشرى الْمحرم عَن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بالقرافة وَكَانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وروءساء الْقَاهِرَة وأماثل كتاب الْإِنْشَاء وَمن رُوَاة الحَدِيث. وَمَات شمس الدّين مُحَمَّد ابْن يُوسُف الْجَزرِي الشَّافِعِي خطيب جَامع ابْن طولون وَكَانَ يعرف بالمحوجب وَكَانَ عَارِفًا بالفقه وَالْأُصُول ودرس بالمعزية بِمصْر. وفيهَا قتل متملك تونس الْأَمِير أَبُو الْبَقَاء خَالِد بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص فِي جُمَادَى الأولى فَكَانَت مدَّته نَحْو عَاميْنِ وَقدم الْأَمِير أَبُو يحيى زَكَرِيَّا اللحياني منطرابلس، فَملك تونس بعده.
فارغة