الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سنة اثْنَتَيْ عشر وَسَبْعمائة)
فِيهَا انْتَهَت عمَارَة الْجَامِع الْجَدِيد الناصري بساحل مصر فَنزل السُّلْطَان إِلَيْهِ ورتب فِيهِ قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة الشَّافِعِيَّة خَطِيبًا ورتب فِيهِ أَرْبَعِينَ صوفياً فِي سطحه وَأَرْبَعين صوفياً بداخله ورتب لكل مِنْهُم الْخبز وَاللَّحم فِي الْيَوْم. ومبلغ خَمْسَة عشر درهما فِي الشَّهْر وَجعل شيخهم قوام الدّين الشِّيرَازِيّ ووقف السُّلْطَان عَلَيْهِ قيسارية العنبر بِالْقَاهِرَةِ وَعمر لَهُ ربعا وحماماً وَأقَام لَهُ خَطِيبًا. وَأول صَلَاة صليت بِهِ ظهر يَوْم الْخَمِيس ثامن صفر بإمامة الْفَقِيه تَاج الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن الشَّيْخ مرهف وخطب فِيهِ من الْغَد يَوْم الْجُمُعَة تاسعه قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة. فحكر النَّاس حوله وبنوا الدّور وَغَيرهَا. وَقدم الْبَرِيد من حلب بعبور قرا سنقر وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء إِلَى بِلَاد التتر وَأَنَّهُمْ بعثوا بأولادهم وحريمهم إِلَى مصر. وَكَانَ من خبرهم أَنهم لما وصلوا إِلَى الرحبة انْقَطع كثير مِمَّن تَبِعَهُمْ من المماليك والتركمان فَبعث قرا سنقر وَلَده الْأَمِير فرج وَبعث الأفرم وَلَده مُوسَى مَعَ بعض من يوثق بِهِ وأمرا بتقبيل الأَرْض بَين يَدي السُّلْطَان وَأَن يبلغاه أَن الْأُمَرَاء مَا حملهمْ على دُخُول بِلَاد الْعَدو إِلَّا الْخَوْف وَأَن الْأَوْلَاد والحريم وداعه فَلْيفْعَل السُّلْطَان مَعَهم مَا يَلِيق بِهِ فَقدما إِلَى الْقَاهِرَة وبقيا فِي الْخدمَة. وَسَار الْأُمَرَاء إِلَى ماردين وَكَتَبُوا إِلَى خربندا بقدومهم فَبعث أكَابِر الْمغل إِلَى لقائهم وَتقدم إِلَى وُلَاة الْأَعْمَال بخدمتهم وَالْقِيَام لَهُم. بِمَا يَلِيق بهم. فَلَمَّا قاربوا الأرد وَركب خربندا وتلقاهم وترجل لَهُم لما ترجلوا لَهُ وَبَالغ فِي إكرامهم وَسَار بهم إِلَى مخيمه وأجلسهم مَعَه على التخت وَضرب لكل مِنْهُم خركاه ورتب لَهُم الرَّوَاتِب السّنيَّة. ثمَّ استدعاهم بعد يَوْمَيْنِ واختلا بقرًا سنقر فَحسن لَهُ عبور الشَّام وَضمن لَهُ تَسْلِيم الْبِلَاد بِغَيْر قتال ثمَّ خلا بالأفرم فَحسن لَهُ أَيْضا أَخذ الشَّام إِلَّا أَنه خيله من قُوَّة السُّلْطَان وَكَثْرَة عساكره. فأقطع خربندا مراغة لقرا سنقر وأقطع همذان للأفرم واستمروا هَكَذَا. وَفِي يَوْم الْأَحَد عَاشر ربيع الأول: قبض السُّلْطَان على القَاضِي فَخر الدّين مُحَمَّد ابْن فضل الله نَاظر الْجَيْش وعَلى وَلَده شمس الدّين: وَسبب ذَلِك مُفَاوَضَة حصلت بَينه وَبَين
فَخر الدّين أياز الشمسي مشد الدَّوَاوِين اشتط فِيهَا القَاضِي على الْفَخر أياز الشمسي وأهانه فَاجْتمع أياز بالدواوين وعرفهم مَاله من الْأَمْوَال والدواليب فِي أَعمال مصر وَاجْتمعَ بالسلطان وأغراه بِهِ وَالْتزم لَهُ أَن يستخلص مِنْهُ ألف دِرْهَم فأعجبه ذَلِك ومكنه مِنْهُ فَاشْتَدَّ بأسه حِينَئِذٍ وَجلسَ على بَاب القلعة وَفتح مَعَ الْفَخر بَاب شَرّ وَأَغْلظ فِي القَوْل بِحَضْرَة الْأُمَرَاء إِلَى أَن قَالَ لَهُ: أَنْت كسرت معاملات السُّلْطَان وَخَربَتْ بِلَاده وَأخذت أَرَاضِي الْخَاص عملتها لَك رزقا ثمَّ نَهَضَ وَقَالَ: أَنا بِاللَّه وبالسلطان وَدخل وَالْفَخْر خَلفه حَتَّى وَقفا بَين يَدي السُّلْطَان فَبسط أياز لِسَانه وحانق الْفَخر على عدَّة فُصُول حَتَّى غضب السُّلْطَان قَالَ لَهُ: تسلمه وَخذ مَالِي مِنْهُ فَأَخذه إِلَى قاعة الصاحب وَكتب أياز إِلَى الْأَعْمَال بالحوطة على مواشيه وزراعاته وسواقي أقصابه وَغير ذَلِك وأحيط بموجوده فِي الْقَاهِرَة ومصر وتتبعت حَوَاشِيه فَلم يطق الْفَخر مَا هُوَ فِيهِ من الْبلَاء مَعَ أياز وَبعث إِلَى طغاي وكستاي وَإِلَى الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الأحمدي أَمِير جاندار فتحدثوا فِي أمره مَعَ السُّلْطَان على أَن ينْقل إِلَى بيبرس الأحمدي وَأَنه يحمل جَمِيع مَاله وَلَا يدع مِنْهُ شَيْئا فتسلمه لبيبرس أَمِير جاندار من أياز. وفيهَا كتب بِطَلَب قطب الدّين مُوسَى بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن شيخ السلامية نَاظر الْجَيْش بِدِمَشْق على الْبَرِيد فَحَضَرَ وَاسْتقر عوضا عَن الْفَخر فِي نظر الْجَيْش. وَتمكن أياز من حَاشِيَة الْفَخر وَضرب جمَاعَة مِنْهُم بالمقارع وَأخذ سَائِر موجودهم وَحمل الْفَخر نَحْو الْخَمْسمِائَةِ ألف دِرْهَم. ثمَّ أفرج السُّلْطَان عَنهُ وَعَن وَلَده وخلع عَلَيْهِمَا فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشرى ربيع الآخر وَاسْتقر الْفَخر عوضا عَن معِين الدّين هبة الله ابْن حشيش صَاحب ديوَان الْجَيْش. وَلم يوفق ابْن شيخ السلامية وارتبك فِي الْمُبَاشرَة بِحَيْثُ أَن السُّلْطَان كَانَ إِذا سَأَلَهُ عَن كشف بلد وَفِي حادي عشرى ربيع الأول: ولى قَضَاء الْقُضَاة الْحَنَابِلَة بِالْقَاهِرَةِ ومصر تَقِيّ الدّين أَحْمد بن عز الدّين عمر بن عبد الله الْمَقْدِسِي عوضا عَن سعد الدّين مَسْعُود الْحَارِثِيّ.
وَفِي سادس ربيع الآخر: أَمر السُّلْطَان مِمَّن مماليكه سِتَّة وَأَرْبَعين أَمِيرا مِنْهُم طبلخاناه تِسْعَة وعشراوات سَبْعَة عشر وألوف عشرُون وشقوا الْقَاهِرَة بالشرابيش وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما. وفيهَا قدم الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى الشَّام فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي ربيع الآخر وطلع الْأُمَرَاء إِلَى القلعة فَقبض على عدَّة من الْأُمَرَاء لميلهم إِلَى قرا سنقر: مِنْهُم جمال الدّين أقوش نَائِب الكرك - وَكَانَ قد حضر من دمشق وخلع عَلَيْهِ - وبيبرس المنصوري نَائِب السلطنة بِمصْر وسنقر الكمالي ولاجين الجاشنكير وبينجار والدكز الأشرفي ومغلطاي المَسْعُودِيّ وسجنوا. وفيهَا اسْتَقر سودون الجمدار نَائِبا بحلب فِي ربيع الأول وتمر الساقي المنصوري فِي نِيَابَة طرابلس فِي ربيع الآخر. وفيهَا كتب بِطَلَب فضل أخي مهنا وَولده أبي بكر وسير إِلَيْهِ تَقْلِيد الإمرة عوضا عَن مهنا وَأَن مهنا لَا يُقيم بالبلاد وَخرج بذلك الْأَمِير بهاء الدّين أرسلان الدوادار. وفيهَا قبض أَيْضا فِي رَابِع ربيع الأول على بيبرس العلمي بحمص وعَلى الْأَمِير بيبرس الْمَجْنُون. والأمير علم الدّين سنجر البرواني والأمير طوغان المنصوري وبيبرس التاجي وقيدوا وحملوا من دمشق إِلَى الكرك وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير تنكر الناصري فِي نِيَابَة دمشق عوضا عَن الْأَمِير جمال الدّين نَائِب الكرك مستهل ربيع الآخر وَسَار على الْبَرِيد يَوْم الْجُمُعَة سابعه فَدَخلَهَا يَوْم الْخَمِيس عشرى ربيع الآخر ورسم لَهُ أَلا يستبد بِشَيْء إِلَّا بعد الِاتِّفَاق مَعَ الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي والأمير حسام الدّين طرنطاي البشمقدار. وَفِي سادس عشر ربيع الآخر: أَمر السُّلْطَان فِي يَوْم وَاحِد سِتَّة وَأَرْبَعين أَمِير مِنْهُم طبلخاناه تِسْعَة وَعِشْرُونَ وعشراوات سَبْعَة عشر وشقوا الْقَاهِرَة بالشرابيش وَالْخلْع. وَفِي يَوْم الأثنين أول جُمَادَى الأولى: اسْتَقر الْأَمِير سيف الدّين أرغون الدوادار الناصري نَائِب السلطنة عوضا عَن بيبرس الدوادار المنصوري. ورسم بنيابة صفد لبلبان طرنا أَمِير جاندار عوضا عَن بهادر آص وَأَن يرجع بهادر إِلَى دمشق أَمِيرا على عَادَته فسافر إِلَيْهَا. وَفِيه ركب السُّلْطَان إِلَى بر الجيزة وَأمر طقتمر الدِّمَشْقِي وقطلوبغا الفخري الْمَعْرُوف بالفول المقشر وطشتمر البدري حمص أَخْضَر. وفيهَا هدم السُّلْطَان الرفرف الَّذِي أنشأه أَخُوهُ الْأَشْرَف خَلِيل على يَد الشجاعي.
وفيهَا ورد الْخَبَر فِي أول رَجَب بحركة خربندا وَسبب ذَلِك رحيل مهنا إِلَيْهِ عِنْد إِخْرَاج خبزه لِأَخِيهِ وإقامته عِنْده وتقوية عزمه على أَخذ الشَّام. وَكَانَ السُّلْطَان تَحت الأهرام بالجيزة فقوي عزمه على تَجْرِيد العساكر وَلم يزل هُنَاكَ إِلَى عَاشر شعْبَان فَعَاد إِلَى القلعة وَكتب إِلَى نواب الشَّام بتجهيز الإقامات. وَعرض السُّلْطَان الْعَسْكَر وَقطع جمَاعَة من الشُّيُوخ العاجزين عَن الرّكُوب وانفق فيهم الْأَمْوَال. وابتدأ الْعرض من خَامِس ربيع الآخر وكمل فِي أول جُمَادَى الأولى فَكَانَ السُّلْطَان يعرض فِي كل يَوْم أميرين بِنَفسِهِ من مقدمي الألوف ويخرجان بِمن مَعَهُمَا من الْأُمَرَاء ومقدمي الْحلقَة والأجناد وترحلوا شَيْئا بعد شَيْء. من أول رَمَضَان إِلَى ثامن عشريه حَتَّى لم يبْق بِمصْر أحد من الْعَسْكَر. وَخرج السُّلْطَان فِي ثَانِي شَوَّال وَنزل مَسْجِد تبر خَارج الْقَاهِرَة ورحل فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثالثه ورتب بالقلعة سيف الدّين أيتمش المحمدي. فَلَمَّا كَانَ ثامنه قدم الْبَرِيد برحيل التتار لَيْلَة سادس عشرى رَمَضَان من الرحبة وعودهم إِلَى بلادِهم بَعْدَمَا أَقَامُوا عَلَيْهَا من أول رَمَضَان فَفرق السُّلْطَان العساكر فِي قانون وعسقلان وعزم على الْحَج. وَدخل السُّلْطَان دمشق فِي تَاسِع عشره وَخرج مِنْهَا ثَانِي ذِي الْقعدَة إِلَى الكرك وَكَانَ قد أَقَامَ بِدِمَشْق أرغون النَّائِب للنَّفَقَة على العساكر وَغير ذَلِك من الْأَعْمَال وكلف الصاحب أَمِين الدّين بن الغنام بِجمع المَال اللَّازِم. وَدخل السُّلْطَان الكرك فِي ثامن ذِي الْقعدَة وَتوجه إِلَى الْحجاز فِي أَرْبَعِينَ أَمِيرا. وفيهَا خرج الصاحب أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام من الْقَاهِرَة يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشرى شَوَّال وَدخل دمشق وَأقَام بهَا بعد توجه السُّلْطَان ليحصل الْأَمْوَال فأوقع الحوطة على الْوَزير والمباشرين وطالب محيي الدّين بن فضل الله بِمَال كَبِير عمل بِهِ أوراقاً وَأَغْلظ عَلَيْهِ وأحاط بموجوده وتتبع حَوَاشِيه وصادر أَمِين الدّين أَكثر النَّاس. وَأما الْقَاهِرَة فَإِن الْأَمِير علم الدّين سنجر الخازن نقل من ولَايَة البهسنا إِلَى ولَايَة الْقَاهِرَة أَقَامَ الْأَمِير أيتمش المحمدي نَائِب الْغَيْبَة الْحُرْمَة وَمنع الأكابر من الْهِجْرَة وأنصف الضُّعَفَاء مِنْهُم. وَحج بالركب الْمصْرِيّ الْأَمِير مظفر الدّين قيدان الرُّومِي.
وفيهَا اسْتَقر فِي نِيَابَة قلعة دمشق عز الدّين أَبِيك الجمالي عوضا عَن بلبان البدري ثمَّ كتب بِأَن يكون بلبان شَرِيكا لَهُ فباشرا جَمِيعًا. وفيهَا قدت هَدِيَّة الأشكري وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر ضِيَاء الدّين أَحْمد بن عبد الْقوي بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي الإسنائي الْمَعْرُوف بِابْن الْخَطِيب. الْفَقِيه الشَّافِعِي وَكَانَت وَفَاته ببلدة أدفو فِي شَوَّال وَهُوَ فِي الطَّرِيق إِلَى الْحَج فَحمل إِلَى سنا فَدفن بهَا. وَمَات تَاج الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي نصر الشِّيرَازِيّ محتسب دمشق وناظر الدَّوَاوِين بهَا فِي رَجَب عَن بضع وَخمسين سنة. وَمَات عماد الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْوَاحِد بن سرُور الْمَقْدِسِي الْفَقِيه الْحَنْبَلِيّ فِي جُمَادَى الْآخِرَه بِمصْر ومولده بِبَغْدَاد سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة. وَمَات زين الدّين حسن بن عبد الْكَرِيم بن عبد السَّلَام الغماري الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد الْمَالِكِي سبط زِيَادَة بن عمرَان وَكَانَت وَفَاته فِي شَوَّال بِمصْر قَرَأَ الْقُرْآن وَكَانَ خيرا فَاضلا. وَمَات نور الدّين على بن نصر الله بن عمر الْقرشِي - الْمَعْرُوف بِابْن الصَّواف - الْخَطِيب الْفَقِيه الشَّافِعِي فِي رَجَب بِمصْر. وَمَات أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن هَارُون ابْن مُحَمَّد بن هَارُون الثَّعْلَبِيّ الدِّمَشْقِي - قَارِئ المواعيد - الْفَاضِل الصَّالح فِي ربيع الآخر بِمصْر عَن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة وَمَات نور الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ شهَاب الدّين عبد الرَّحِيم ابْن عبد عز الدّين بن عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ الْحَمَوِيّ بحماة وَكَانَ فَاضلا دينا وَمَات الْملك الْمَنْصُور نجم الدّين غَازِي بن الْمَنْصُور نَاصِر الدّين أرتق بن إيلغازي بن البن بن تمر تاس بن ايلغازي بن أرتق الأرتقي صَاحب ماردين فِي تَاسِع رَجَب وَكَانَت إمرته نَحْو عشْرين سنة وَكَانَ مهاباً فَقَامَ بعده ابْنه الْملك الْعَادِل عَليّ وَأقَام سَبْعَة عشر يَوْمًا ثمَّ ملك أَخُو الْملك الصَّالح شمس الدّين بن الْملك الْمَنْصُور. وَمَات الْملك المظفر شهَاب الدّين غَازِي بن النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد بن الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي عشر رَجَب بِالْقَاهِرَةِ عَن نَيف
وَسبعين سنة وَقد حدث وَمَاتَتْ امْرَأَته ابْنة عَمه الْملك المغيث بعده فحرجت الجنازتان مَعًا وَكَانَ قد حج وَقدم الْقَاهِرَة من طَرِيق الْقُدس بَعْدَمَا زَارَهُ ومولده بالكرك فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ دينا متواضعاً فَاضلا. وَمَات الْأَمِير علم الدّين سنجر الصَّالِحِي أَمِير آخور بِدِمَشْق عَن مَال كَبِير جدا مَاتَ شرف الدّين مُحَمَّد بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن خَلِيل الْقُدسِي فِي خَامِس عشر شعْبَان بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يُبَاشر التوقيع فِي الْإِنْشَاء وَيكْتب الْخط الْمليح وَيَقُول الشّعْر ويغلب عَلَيْهِ الهجاء مَعَ تفننه فِي عُلُوم كَثِيرَة. وَمَات تَاج الدّين عبد الرَّحِيم بن تَقِيّ الدّين عبد الْوَهَّاب بن الْفضل بن يحيي السنهوري فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع عشر ربيع الآخر وباشر نظر النظار بديار مصر سِتِّينَ سنة وَعرضت عَلَيْهِ الوزارة غير مرّة فأباها وَكَانَ أَمينا كثير الْخَيْر وَلم ينكب قطّ وعاش مائَة وتسع سِنِين عزل قبل مَوته. وَمَات قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن دَاوُد بن حَازِم الْأَذْرَعِيّ الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق وَهُوَ مَعْزُول. وَمَات الشَّيْخ عمر بن الشَّيْخ أبي عبد الله بن النُّعْمَان بِمصْر يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشرى رَمَضَان. وَمَات شهَاب الدّين غَازِي بن أَحْمد الوَاسِطِيّ بحلب فِي ثامن عشر ربيع الآخر ولى نظر الدَّوَاوِين بِمصْر مُدَّة ثمَّ نقل إِلَى نظر حلب وَولي نظر دمشق وَنظر الصُّحْبَة وَكتب بديوان الْإِنْشَاء مُدَّة. وَمَات الْفَقِيه نجم الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْفَقِيه جمال الدّين عبد الْعَزِيز بن أَحْمد ابْن عمر بن جَعْفَر بن اللهيب فِي خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة. وَمَات بطرابلس الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي البهائي وَقد رسم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَمَاتَ قبل وُصُول الْبَرِيد بِيَوْم.
سنة ثَالِث عشرَة وَسَبْعمائة فِي أول الْمحرم: قدم الْأَمِير سيف الدّين قجليس من الْحجاز إِلَى الْقَاهِرَة مبشرا بِعُود السُّلْطَان. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشره: قدم السُّلْطَان من الْحجاز إِلَى دمشق بعد دُخُوله إِلَى الْمَدِينَة لنبوية وتوجهه على الكرك وَكَانَ دُخُوله إِلَى دمشق يَوْمًا مشهوداً بلغت فِيهِ أجر الْبيُوت مبلغا زَائِدا حَتَّى إِن بَيْتا أخذت أجرته للنَّظَر إِلَى السُّلْطَان فِي مُدَّة من بكرَة النَّهَار إِلَى الظّهْر سِتّمائَة دِرْهَم. وَعبر السُّلْطَان وَهُوَ على نَاقَة وَعَلِيهِ لشت من ملابس الْعَرَب بلثام وَبِيَدِهِ حَرْبَة وَلعب يَوْم السبت فِي الميدان بالكرة. ثمَّ أَخذ فِي الإنعام على بعض رجال دولته فولى شمس الدّين عبد الله بن غبريال بن سعيد نظر دمشق على قَاعِدَة الوزراء وَكَانَ نَاظر الْبيُوت وَنقل الْأَمِير بدر الدّين بكتوت القرماني من شدّ الدَّوَاوِين بِدِمَشْق إِلَى نِيَابَة الرحبة عوضا عَن بدر الدّين مُوسَى الأزكشي. وخلع السُّلْطَان على الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا صحبته بالحجاز وعدتهم نَحْو الْأَرْبَعين أَمِيرا وَأَفْرج عَن المصادرين وَأعَاد الْفَخر إِلَى نظر الْجَيْش بديار مصر وَأعَاد قطب الدّين مُوسَى بن شيخ السلامية إِلَى نظر الْجَيْش بِدِمَشْق. وَصَارَ السُّلْطَان إِلَى مصر فِي سَابِع عشريه بعد أَن أَقَامَ بِدِمَشْق خَمْسَة عشر يَوْمًا وَصلى بالجامع الْأمَوِي الْجُمُعَة مرَّتَيْنِ. وَقدم قلعة الْجَبَل فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر صفر وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وفيهَا نقل الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن فَخر الدّين عيسي التركماني من ولَايَة الجيزة إِلَى شدّ الدَّوَاوِين وَاسْتقر فَخر الدّين أياز الشمسي فِي شدّ الدَّوَاوِين بِدِمَشْق عوضا عَن القرماني وَاسْتقر كريم الدّين أكْرم بن الخطيري - كَاتب الْحميدِي - الْمَعْرُوف بكريم الدّين الصَّغِير فِي نظر الدَّوَاوِين رَفِيقًا لتقي الدّين أسعد كَاتب برلغي ابْن أَمِين الْملك مُسْتَوْفِي الْحَاشِيَة.
وفيهَا ابْتَدَأَ السُّلْطَان بعمارة الميدان تَحت القلعة فاختطه من بَاب الإسطبل إِلَى نَحْو بَاب القرافة ووزع عمله على الْأُمَرَاء فنقلت جمَالهمْ الطين إِلَيْهِ حَتَّى امْتَلَأَ وغرس فِيهِ النّخل وَالْأَشْجَار وحفرت فِيهِ الْآبَار وَركبت عَلَيْهَا السواقي وأدير عَلَيْهِ سور من حجر وَبنى خَارجه حَوْض مَاء للسبيل. فَلَمَّا فرغت عِمَارَته لعب السُّلْطَان فِيهِ مَعَ الْأُمَرَاء بالكرة وخلع عَلَيْهِم وشملهم الإنعام الْكثير. وفيهَا اجْتمع الْقُضَاة فِي حادي عشر ربيع الآخر بالمدارس الصالحية بَين القصرين للنَّظَر فِي الشُّهُود وأقيم مِنْهُم جمَاعَة. وفيهَا عمل السُّلْطَان أَيْضا أَربع سواقي على النّيل تنقل المَاء وترميمه على المَاء الْجَارِي من النّيل إِلَى السُّور حَتَّى يصل إِلَى القلعة ورم السُّور وأزال شعثه فَكثر المَاء بقلعة الْجَبَل وَزَاد الْبِئْر الظَّاهِرِيّ المجاور لزاوية تَقِيّ الدّين رَجَب. بِأَن عمل عَلَيْهِ نقالة إِلَى بِئْر الإسطبل واهتم بِعَمَل مصَالح الجسور الَّتِي بالنواحي والترع. وفيهَا قبض على الصاحب أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام فِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشرى جُمَادَى الأولى وألزم بِحمْل ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم وَذَلِكَ بسعي كريم الدّين الْكَبِير وَبدر الدّين بن التركماني. وَأغْرقَ السُّلْطَان بِهِ وَقيل لَهُ إِنَّه أَخذ مَالا كثيرا من المصادرين بِمصْر وَالشَّام. وفيهَا أبطلت الوزارة فَلم يل أحد بعد أَمِين الدّين وَنقل كريم الدّين أكْرم الصَّغِير من ديوَان الْجَيْش إِلَى نظر الدولة شَرِيكا للتقي أسعد بن أَمِين الْملك كَاتب برلغي كَمَا تقدم وَاسْتقر شرف الدّين الخيري كَاتب سلار والتاج إِسْحَاق الْموقف أَخُو الخيري مُسْتَوْفِي الدولة. فَانْفَرد كريم الدّين الْكَبِير بالتمكن من السُّلْطَان وَصَارَت الْأُمُور كلهَا منوطة بِهِ وَركب بجنيبين وخلع عَلَيْهِ أطلس بطرز زركش وَأشْهد على السُّلْطَان أَنه ولاه جَمِيع مَا ولاه الله تَعَالَى وكاتبه الْمُلُوك الْمُجَاورَة مثل مَا كاتبوا السُّلْطَان. وفيهَا أَخذ كريم الدّين الْكَبِير مَعَ السُّلْطَان فِي الْعَمَل على الْوَزير وأغراه بالأسعد غبريال كَاتب نَائِب السلطنة وَأَنه كثير الظُّلم وَأَنه نقل إِلَى أستاذه أموراً تضر الدولة وأغراه بِالْعلمِ كبيبه كَاتب منكلي بغا. وَمَا زَالَ كريم الدّين الْكَبِير بالسلطان حَتَّى سلم الأسعد إِلَى الْأَمِير علم الدّين سنجر الخازن مُتَوَلِّي الْقَاهِرَة ليخلص مِنْهُ المَال وَسلم الْعلم كبيبه إِلَيْهِ أَيْضا وَضَربا قُدَّام السُّلْطَان وَضرب مَعَهُمَا أَمِين الدّين بن الغنام بِالْعِصِيِّ إِلَّا غبريال فَإِنَّهُ ضرب بالمقارع. وأوقعت الحوطة على مَوْجُود غبريال وَسلم
هُوَ وَأمين الدّين إِلَى شاد الدَّوَاوِين ورسم لمجد الدّين سَالم أَن يتَوَلَّى بيع موجودهما وَحمله إِلَى بَيت المَال فَأَقَامَ البيع نَحْو شهر. وَحمل من أَمِين الدّين نَحْو ثلاثماثة ألف دِرْهَم من ثمن الْمَبِيع وَلم يُوجد لَهُ نقد ألبته ثمَّ أفرج عَنهُ. وَأما غبريال فَإِن الخازن وَالِي الْقَاهِرَة عاقبه حَتَّى هلك بعد أُسْبُوع. وَمَا زَالَ أَمِين الدّين ملازماً لداره إِلَى يَوْم السبت تَاسِع عشرى ذِي الْحجَّة فاستدعى وأخلع عَلَيْهِ وَاسْتقر نَاظر النظار عوضا عَن الصاحب ضِيَاء الدّين النشائي وَنقل النشائي إِلَى نظر الخزانة عوضا عَن سعد الدّين الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الأقفهسي بعد وَفَاته. وَلما اسْتَقر أَمِين الدّين فِي نظر النظار وَدخل عَلَيْهِ مجد الدّين سَالم ليهنه والمجلس غاص بِالنَّاسِ نظر أَمِين الدّين إِلَى الْحَاضِرين وَقَالَ: هَذَا القَاضِي مجد الدّين تفصل فِي حَقي. حَيْثُ كَانَ يتَوَلَّى أَمْرِي فِي بيع حواصلي وَبَاعَ حَتَّى زبادي المطبخ. فَالْتَفت إِلَيْهِ الْمجد على الْفَوْر وَكَانَ مقداماً جريئاً وَقَالَ لَهُ: يَا مَوْلَانَا أَنِّي والّه تفضلت عَلَيْك وأحسنت إِلَيْك غَايَة الْإِحْسَان وخدمتك أتم خدمَة وبعت من زبادي ونحاس وفرش بمبلغ ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم وَمَا تحدثنا فِي ظُهُور دِرْهَم وَلَا دِينَار بل سكتنا وَنحن سكُوت إِلَى الْآن. فَلم يجب أَمِين الدّين سوى بقول حَسبنَا الله. وفيهَا ولى السُّلْطَان الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن كندغدي بن الوزيري نِيَابَة دَار الْعدْل وَشد الْأَوْقَاف بِسَبَب قصَّة رفعت فِي الْأَوْقَاف. وَكَانَ ابْن الوزيري أَمينا حاد الْخلق عَارِفًا بالأمور. فباشر الْأَوْقَاف فِي دَاره يَوْم الثَّامِن من ربيع الأول. وَجلسَ ابْن الوزيري بدار الْعدْل فِي يَوْم السبت خَامِس عشرى ربيع الأول وَجلسَ الْقُضَاة الْأَرْبَعَة بَين يَدَيْهِ بدار الْعدْل وَرفعت إِلَيْهِ الْقَصَص وَصرف الْأُمُور وَطلب سَائِر مباشري الْأَوْقَاف وألزمهم بِعَمَل الْحساب مُدَّة عشْرين سنة بالأوقاف وَطلب موادع الحكم وتشدد عَلَيْهِم. فقلق الْقُضَاة من ذَلِك وسألوه الاغضاء عَن ذَلِك فتمادى فِي الطّلب وأخرق بعدة من المباشرين وضربهم لفساد حسابهم. فَقَامَ قَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة فِي الْعَمَل عَلَيْهِ - وَكَانَ عَارِفًا بالسعي وَله فِي ذَلِك أياد وتراتيب - وَوَافَقَ رفاقه وَصَارَ إِلَى القَاضِي كريم الدّين الْكَبِير بِنَفسِهِ وترامى عَلَيْهِ ثمَّ اجْتمع بالفخر نَاظر الْجَيْش وبعلاء الدّين كَاتب السِّرّ وبعدة من الخاصكية وَمَا زَالَ بهم حَتَّى خيلوا السُّلْطَان من ابْن الوزيري أَنه شرس الْأَخْلَاق وَله أغراض فَاسِدَة وقصده إهانة الْقُضَاة وَأهل الْعلم وَحط أقدارهم وَقد كثر الدُّعَاء على لسلطان بِسَبَبِهِ. فَلَمَّا تكاثر ذكر ذَلِك لَدَى السُّلْطَان وبلغه عدَّة حكايات عَنهُ وَمنعه من التحدث فِي الْأَوْقَاف وَمن حِينَئِذٍ بَدَت عَدَاوَة ابْن جمَاعَة لفتح الدّين مُحَمَّد بن سيد
النَّاس وَاشْتَدَّ الْأَمر بَينهمَا إِلَى أَن بلغ السُّلْطَان ذَلِك وتسلط الشهَاب أَحْمد بن عبد الدَّائِم الشارمساحي الشَّاعِر عَليّ ابْن جمَاعَة وهجاه بعدة قصائد بعثها إِلَيْهِ ورتب هُوَ وَابْن سيد النَّاس القصيدة الَّتِي أَولهَا: تري يسمع السُّلْطَان شكوى الْمدَارِس وعدتها سِتُّونَ بَيْتا فحبسه ابْن جمَاعَة بِسَبَبِهَا لِأَنَّهُ أقذع فِيهَا وشهرها فِي النَّاس إِلَى أَن قُرِئت على السُّلْطَان فَقَامَ أيدغدي شقير فِي حَقه وَأخرجه من السجْن. وَفِي يَوْم السبت ثَانِي جُمَادَى الأولى: اسْتَقر صدر الدّين بن المرحل فِي تدريس الزاوية المجدية بالجامع الْعَتِيق عوضا عَن جلالي الدّين على بن عبد الله العسلوجي بِحكم عَزله. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِعَة: أوفى النّيل وَهُوَ أخر أَيَّام النسيء قبل الْمُفْرد ثمَّ قدم الْمُفْرد بعد الْوَفَاء فِي يَوْم الْخَمِيس سادسه. وفيهَا عمل الروك بالبلاد الشامية وَندب لَهُ الْأَمِير علم الدّين سنجر الجاولي نَائِب غَزَّة وَابْن معبد ومعين الدّين هبة الله بن حشيش نَاظر الْجَيْش بِالشَّام مَعَ مباشري ديوَان الجيوش بِمصْر. فَتوجه الجاولي إِلَى دمشق وأمام مَعَ الْأَمِير تنكر النَّائِب إِلَى أَن عملت أوراق بعبرة الْبِلَاد ومنحصلها وَمَا فِيهَا من إقطاع ووقف وَملك. وكمل ذَلِك فِي ذِي الْحجَّة ونقلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة إِلَى سنة ثَلَاث عشرَة وجهزت الأوراق إِلَى السُّلْطَان فقرئت عَلَيْهِ فَكتب السُّلْطَان مثالات جَدِيدَة لأمراء دمشق وأجنادها ووفر عدَّة قطاعات وبلاد أدخلها فِي ديوَان الْخَاص وَزَاد إقطاع النيا وَكتب بلك مناشير سَار بهَا على الْبَرِيد الْأَمِير سيف الدّين قجليس حَتَّى فرقها على أَرْبَابهَا وَعَاد. وفيهَا تَوَجَّهت تجريدة إِلَى مَكَّة صُحْبَة الْأَمِير سيف الدّين طقصاي الناصري وَالِي قوص وَسيف الدّين بيدوا وعلاء الدّين أيدغدي الْخَوَارِزْمِيّ وصاروجا الحسامي وَتوجه دمشق سيف الدّين بلبان البدري مَعَ الركب وأضيف إِلَيْهِم عدَّة من الأجناد وَذَلِكَ بِسَبَب حميضة بن أبي نمي فَإِنَّهُ كثر ظلمه. وفيهَا قبض على الأميرين عز الدّين أيبك الرُّومِي المنصوري وركن الدّين بيبرس الأحمدي أَمِير جاندار فِي رَابِع عشرى رَمَضَان. وبسبب ذَلِك مُفَاوَضَة جرت بَين الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي شقير وَبَين أيبك الرُّومِي بِحَضْرَة الْأُمَرَاء على بَاب القلعة فِي انْتِقَال إقطاعات بَينهمَا خرجا فِيهَا عَن الْحَد. فَخرج الْأَمِير طغاي وهما فِي ذَلِك - (سقط: من صفحة 489 إِلَى 504)
وَكَانَ يَعْنِي بأيدغدى حَتَّى قربه من السُّلْطَان - فشق عَلَيْهِ استطالة أيبك من أجل أَنه من أُمَرَاء البرجية وشجعانهم، وَمِمَّنْ عرف بالعفة. فَلَمَّا كَانَت خدمَة الْعَصْر بلغ السُّلْطَان مَا كَانَ بَينهمَا، فرسم بحملهما إِلَى ديوَان السُّلْطَان، وَمن تعين عَلَيْهِ شَيْء قَامَ بِهِ، وَأسر مَا أغراه بِهِ طغاي فِي نَفسه. ثمَّ قبض السُّلْطَان عَلَيْهِ وعَلى الأحمدى، وَبعث إِلَى الأحمدى مَعَ قجليس " بأنك وحشداشك اتفقتما على أَنه يتسلطن، فَبكى وَسَأَلَ الله إِن كَانَ مَا نقل عَنْهُمَا حَقًا أَنى يقسى قلب السُّلْطَان رق لَهُ، وَأمر بِهِ ففك قَيده، وأحضر وَأعْطى سَيْفه، وخلع عَلَيْهِ من سَاعَته، وَذَلِكَ فِي رَابِع عشرى شَوَّال. وفيهَا أرسل السُّلْطَان صدر الدّين مُحَمَّد بن عمر بن المرحل على الْبَرِيد إِلَى الْأَمِير منهنا ليَرُدهُ إِلَى الطَّاعَة، فَإِنَّهُ حصل مِنْهُ حيف على التُّجَّار، وَقطع أَوْلَاده وعربانه الطرقات فَاجْتمع بِهِ ابْن المرحل قَرِيبا من الْعرَاق، وَمَا زَالَ بِهِ يعده برد إقطاعه ويرغبه إِلَى أَن أذعن، وَبعث مَعَه بِابْنِهِ مُوسَى، وجهز الْقود على الْعَادة صُحْبَة وَلَده سليم. فَقدم ابْن المرحل بمُوسَى بن مهنا فِي ربيع الآخر، وَأنزل مُوسَى فِي القاعة الأشرفية بالقلعة وَأكْرم إِكْرَاما زَائِدا، ثمَّ قدم الْقود، وأعيدت الإمرة لمهنا، وَزيد إقطاعه مبلغ مائى الف دِرْهَم؛ وأعيد إقطاع فضل إِلَيْهِ على عاداته قبل الإمرة. وفيهَا توجه السُّلْطَان إِلَى الصَّيْد فِي ثامن عشرى رَجَب، وَنزل تَحت الأهرام بالجيزة، وَأظْهر أَنه يُرِيد الصَّيْد وَقصد أحد العربان، فَإِنَّهُ كثر قطعهم الطَّرِيق، وكسروا الْخراج. وَبعث السُّلْطَان عدَّة من الْأُمَرَاء حَتَّى أَمْسكُوا طَرِيق السويس وَطَرِيق الواحات، فضبط البرين على العربان، ثمَّ رَحل من منزلَة الأهرام بالجيزة، وَسَار إِلَى فرجوط. وَعَاد السُّلْطَان إِلَى القلعة فِي يَوْم السبت عَاشر رَمَضَان، وَقد أَخذ كثيرا من العربان؛ وبعثهم مقيدين فِي المراكب إِلَى الْقَاهِرَة، فسجنوا واستعملوا فِي الجسور، وَقبض على مقداد بن شماس - وَكَانَ قد عظم مَاله حَتَّى بلغ عدد جواريه أَرْبَعمِائَة جَارِيَة، وعدة أَوْلَاده ثَمَانُون ولدا - وَقتل عدَّة كَثِيرَة من العربان، وَعَاد. فحبس (السُّلْطَان) مقدادا مُدَّة ثمَّ أفرج عَنهُ، وأنعم عَلَيْهِ بِمَال وغلال، وَكتب برد أَهله وَأَوْلَاده وعبيده إِلَيْهِ، وأنزله بالناصرية الَّتِي أَنْشَأَهَا خليج الْإسْكَنْدَريَّة، فَأَقَامَ مقداد هُنَاكَ، وَأَنْشَأَ للبيوت والسواقي والدواليب، وَعمر تِلْكَ الْجِهَات، بَقِي عقبه من بعده بهَا. وفيهَا ابتدئ بِعَمَل الْقصر الأبلق على الإسطبل فِي أول السّنة، فكمل فِي سَابِع عشر
رَجَب. وَقصد السُّلْطَان أَن يحاكى بِهِ قصر الْملك الظَّاهِر بيبرس بطاهر دمشق، واستدعى لَهُ الصناع من دمشق، وَجمع صناع مصر، فكمل، وَأَنْشَأَ بجانبه جنينة. وَعمل السُّلْطَان عِنْده سماطا لِلْأُمَرَاءِ، وخلع عَلَيْهِم، وَحمل إِلَى كل أَمِير مائَة ألف دِينَار، وَإِلَى كل أَمِير طبلخاناه عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَلكُل مقدم حَلقَة خَمْسمِائَة دِرْهَم فَكَانَ جملَة مَا فرق فِي هَذَا المهم خَمْسمِائَة ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف دِرْهَم. وَصَارَ السُّلْطَان يجلس فِيهِ سَائِر الْأَيَّام، مَا عدا يومى الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَإِنَّهُ يجلس فيهمَا بالإيوان. وفيهَا أخرب السُّلْطَان مناظر اللوق بالميدان الظَّاهِرِيّ، وعملها بستانا، وأحضر إِلَيْهِ سَائِر أَصْنَاف الزراعات، واستدعى حولة الشَّام والمطعمين، فجَاء من أبدع الْبَسَاتِين، وَعرف أهل جَزِيرَة الْفِيل مِنْهُ صناعَة تطعيم الشّجر، واغتنوا بهَا. وفيهَا ركب السُّلْطَان إِلَى الجيزة، وَندب بدر الدّين بن التركماني لعمل جسورها وقناطرها، واستدعى المهندسين. فَأَنْشَأَ ابْن التركماني لكل بلد جِسْرًا متقنا وَعمل جِسْرًا من الْبَحْر إِلَى أمدنيار، وَخرج الْعَسْكَر جَمِيعه والأمراء بمضافيهم للْعَمَل فِي ذَلِك، فَكَانَ مهما عَظِيما، وَصَارَ السُّلْطَان يركب إِلَيْهِ كل قَلِيل حَتَّى كمل، وعمرت القناطر من حِجَارَة الْهَرم الصَّغِير، وَمن حجار القناطر الظَّاهِرَة الَّتِي تعرف بالأربعين قنطرة. وَأكْثر السُّلْطَان من العمائر، وَولى آقسنقر أَمِير آخور شاد العمائر، وأحضر العتالين من سَائِر الْبِلَاد الشامية، وأفرد للعمائر ديوانا بلغ مصروفه فِي كل يَوْم اثنى عشر ألف دِرْهَم إِلَى ثَمَانِيَة آلَاف، وَهِي أقل مَا كَانَ يصرف فِي الْيَوْم الْوَاحِد. وَأَنْشَأَ السُّلْطَان دَار الْبَقر الَّتِي كَانَت برسم بقر السواقي السُّلْطَانِيَّة، بِبَاب القلعة بجوار إسطبل الطَّوِيل، وَندب لذَلِك كريم الدّين الْكَبِير، فأنفق عَلَيْهَا مَا ينيف على ألف ألف دِرْهَم وَأَنْشَأَ دَارا للأمير سيف الدّين طاش تمر " حمص أَخْضَر " بحدرة اليقر، وَاشْترى لَهُ بُسْتَان ابْن المغربي بِجَزِيرَة الْفِيل بتسعين ألف دِرْهَم. فامتدت أَيدي النَّاس إِلَى الْعِمَارَة، وكأنما نُودي فِي النَّاس أَلا يبْقى أحد حَتَّى يعمر، وَذَلِكَ أَن النَّاس على دين ملكهم. وأنعم السُّلْطَان على الْأَمِير سيف الدّين طغاي دبار الْملك الْمَنْصُور قلاوون بِالْقَاهِرَةِ. وفيهَا ابْتَدَأَ النَّاس بعمارة نَاحيَة اللوق خَارج المقس، وَعمارَة أَرَاضِي بُسْتَان الخشاب فِيمَا بَين اللوق ومنشأة المهراني على النّيل. وفيهَا قدم الْبَرِيد بإجراء الْأَمِير علم الدّين سنجر الجاولي عين مَاء إِلَى الْخَلِيل، وَأَنه عمر بِمَسْجِد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عليه السلام عمائر حَسَنَة وَجعل عَلَيْهَا أوقافا.