الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(سنة تسع وَسَبْعمائة)
فِيهَا قدم عَلَاء الدّين التليلي وأيدغدي من بِلَاد الْمغرب ومعهما الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّا الليحاني مُتَوَلِّي طرابلس الغرب وَأَبُو إِدْرِيس عبد الْحق المريني يُريدَان الْحَج فَكَانَت غيبَة النليلي ورفيقه ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة اً شهر فَنزل اللحياني بمناظر الْكَبْش ورتب لَهُ مَا يَلِيق بِهِ. وفيهَا بني الْأَمِير برغلي على ابْنة السُّلْطَان وَعمل مُهِمّ عَظِيم خلع فِيهِ على سَائِر الْأُمَرَاء. وعزل الْأَمِير بيبرس العلائي من نِيَابَة عزة وَاسْتقر عوضه بلبان البدري. وَكتب إِلَى دمشق بِإِبْطَال الْمُقَرّر على الْخُمُور بساحل الشَّام وإراقتها وتعويض الْجند بدلهَا. وَقدم شمس الدّين مُحَمَّد بن عَدْلَانِ من الْيمن وَقد مَاتَ رَفِيقه سنقر السَّعْدِيّ. وَقدم الْخَبَر باً ن الْملك النَّاصِر كثير الرّكُوب للصَّيْد بِبِلَاد الكرك فِي مماليكه فتخيل الْملك المظفر من ذَلِك وخشي عاقبته. وَاتفقَ أَنه قدم الْخَبَر أَيْضا بحركة خربندا للسير إِلَى بِلَاد الشَّام فَكتب إِلَى الْملك النَّاصِر بحركة خربندا وَقد دعت الْحَاجة إِلَى المَال فَيُرْسل مَا أَخذه مَعَه من مَال مصر وَمَا استولى عَلَيْهِ من حَاصِل الكرك وَمن عِنْده من المماليك وَلَا يدع عِنْده مِنْهُم سوى عشرَة برسم الْخدمَة وَيُرْسل الْخُيُول الَّتِي قادها من مصر وَمَتى لم يفعل خرجت إِلَيْهِ العساكر حَتَّى تخرب الكرك عَلَيْهِ. ورأي النَّاصِر أَن المغالطة أولى وَكتب الْجَواب: الْمَمْلُوك مُحَمَّد بن قلاوون يقبل الأَرْض وَيُنْهِي أَنه مَا قصد الْإِقَامَة إِلَّا طلبا للسلامة وَإِن مَوْلَانَا السُّلْطَان هُوَ الَّذِي رباني وَمَا أعرف لي والداً غَيره وكل مَا أَنا فِيهِ فَمِنْهُ وعَلى يَدَيْهِ وَالْقدر الَّذِي أَخَذته من الكرك لأجل مَا لَا بُد لي فِيهِ من الكلف وَالنَّفقَة. وَقد امتثلت المرسوم الشريف وَأرْسلت نصف الْمبلغ الَّذِي تَأَخّر عِنْدِي امتثالا لأمر مَوْلَانَا السُّلْطَان وَأما الْخَيل فقد مَاتَ بَعْضهَا وَلم يبْق إِلَّا مَا أكبه والمماليك فَلم أترك عِنْدِي إِلَّا من اخْتَار أَن يُقيم معي مِمَّن هُوَ مَقْطُوع العلائق من الْأَهْل وَالْولد فَكيف يحل لي أَن أخرجهم. وَمَا بَقِي إِلَّا إِحْسَان مَوْلَانَا السُّلْطَان. وَكتب النَّاصِر بِأَعْلَى الْكتاب: الملكي المظفري وخلع على مغلطاي وَدفع إِلَيْهِ الْكتاب وَحمله مَعَه مِائَتي ألف دِرْهَم وَأَعَادَهُ وَقد حمله مشافهة بمعني جَوَابه فقنع السُّلْطَان المظفر بيبرس بذلك. وفيهَا قدم السُّلْطَان البرجية أَمر مِنْهُم جمَاعَة كَبِيرَة وَأَرَادَ أَن يُؤمر جمَاعَة الْأَمِير سلار فَلم يُوَافق على ذَلِك وَحلف بأيمان مُغَلّظَة أَنه لَا يُمكن أحدا مِنْهُم أَن يتآمر.
وفيهَا تفاوض كَاتب السِّرّ شرف الدّين عبد الْوَهَّاب بن فضل الله والتاج بن سعيد الدولة: وَسبب ذَلِك أَن التَّاج تزايد تحكمه فِي الدولة بِحَيْثُ اٍ نه لم يكْتب لأحد توقيع برزقه أَو براتب أَو استخدم فِي وَظِيفَة حَتَّى يكْتب عَلَيْهِ ثمَّ شَارك كَاتب السِّرّ فِي معرفَة أجوبة النواب وَغَيرهم فَامْتنعَ ابْن فضل الله من ذَلِك ورد عَلَيْهِ الْجَواب وَفِيه وَلَا كَرَامَة أَن يكون مطلعاً على أسرار المملكة. ثمَّ حدث ابْن فضل الله الْأَمِير سلار النَّائِب فِي ذَلِك وقبح عِنْده أَن يطلع رجل قبْطِي على أسرار المملكة وأخبار الْعَدو وَأَنه لَا يُوَافق على ذَلِك بِوَجْه. فشق على سلار مَا قصد التَّاج وَقَامَ فِي مساعدة ابْن فضل الله وَمَا زَالَ بالسلطان إِلَى أَن منع التَّاج من الإطلاع على شَيْء من أَمر ديوَان الْإِنْشَاء فَاشْتَدَّ غَضَبه وباين ابْن فضل الله. وَقد قَامَ الْبَرِيد بِإِبْطَال سَائِر الخمارات فسر السُّلْطَان بِهَذَا وعزم على أَن يفعل مثل ذَلِك بديار مصر. وَندب لذَلِك الْأَمِير سيف الدّين الشيخي أحد البرجية وَتقدم إِلَيْهِ أَلا يُرَاعِي أحدا من خشداشيته وَلَا يدع بَيْتا بِمصْر والقاهرة من بيُوت أَعلَى النَّاس وأدناهم يبلغهُ أَن فِيهِ خمرًا إِلَّا ويكبسه وَيكسر مَا فِيهِ. وَكَانَ الشيخي فِيهِ شدَّة وَقُوَّة نفس فَطلب وَالِي الْقَاهِرَة ومقدميها وَأَصْحَاب الأرباع وسألهم عَن مَوَاضِع الْخمر فَلم يُجِيبُوهُ أخفوا سَائِر الْمَوَاضِع وَضرب جمَاعَة مِنْهُم بالمقارع حَتَّى دلوه على عصر الْعِنَب أَو من عِنْده خمر وَكتب أسمائهم فَكَانَ فيهم عدَّة من الْأُمَرَاء وَالْكتاب والأجناد والتجار وَأخذ فِي كبس الْبيُوت: فَكَانَ الرجل لَا يشْعر إِلَّا بِهِ فِي مماليكه وَقد هجم عَلَيْهِ وَمَعَهُ النجارون والبناءون لتفقد مطامير الْخمر وإخراجها فَإِذا ظفر بهَا كسر سَائِر مَا فِيهَا. فَنزل بِالنَّاسِ من ذَلِك بلَاء شَدِيد وَافْتَضَحَ كثير من المستورِين وَنهب من بُيُوتهم أَشْيَاء لِكَثْرَة مَا كَانَ يجْتَمع من الْعَامَّة ولفرار صَاحب الْبَيْت خوفًا على نَفسه وَأخذ الأجناد وَغَيرهم من ذَلِك مَا أغناهم. وَأخذ النَّاس يدل بَعضهم على بعض وتشفي جمَاعَة من أعاديهم بنلك. وكبست أَيْضا دور الْيَهُود وَالنَّصَارَى وأريق مَا فِيهَا من الْخُمُور وتعدي الْأَمر دون الْأُمَرَاء فكبست دور من عرف بِشرب الْخمر مِنْهُم وَمِنْهَا دَار الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي المَسْعُودِيّ أحد أُمَرَاء الألوف من البرجية. فأزال
الله بذلك فَسَادًا كَبِيرا وَوَقع أَيْضا بِسَبَبِهِ من نهب الْأَمْوَال فَسَاد كَبِيرَة فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمر تجمع الْأُمَرَاء وَحَدثُوا السُّلْطَان فِيهِ فَكف عَنهُ. وَفِي ربيع الأول: خسف جَمِيع جرم الْقَمَر. وَفِيه كثر الإرجاف بحركة التتر فبرز الدهليز السلطاني إِلَى الريدانية. وفيهَا اسْتَقر سعد الدّين مَسْعُود بن أَحْمد بن مَسْعُود الْحَارِثِيّ فِي قَضَاء الْحَنَابِلَة بِالْقَاهِرَةِ بعد موت القَاضِي شرف الدّين عبد الْغَنِيّ بن عبد الله الْحَرَّانِي فِي ثَالِث ربيع الآخر. وفيهَا فَشَا بِالنَّاسِ أمراض حادة وَعم الوباء وَطلبت الْأَدْوِيَة والأطباء وَعز سَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ المرضى حَتَّى أبيع السكر وأبيع الْفروج بِخَمْسَة دَرَاهِم والرطل الْبِطِّيخ بدرهم وَكَانَ الرجل الْوَاحِد من العطارين يَبِيع فِي كل يَوْم بثلاثمائة دِرْهَم إِلَى مِائَتي دِرْهَم. وفيهَا توقفت زِيَادَة النّيل إِلَى أَن دخل شهر مسرى وارتفع سعر الْقَمْح حَتَّى أبيع الأردب بِخَمْسِينَ درهما والأردب الشّعير والفول بِعشْرين درهما. وَمنع الْأُمَرَاء البيع من شونهم إِلَّا الْأَمِير عز الدّين أيدمر الخطيري الأستادار فَإِنَّهُ تقدم إِلَى مباشريه أَلا يتْركُوا عِنْده مُبَاشرَة سنة وَبَاعَ مَا عداهُ قَلِيلا قَلِيلا. وَخَافَ النَّاس من وُقُوع نَظِير غلاء كتبغا وَخرج بهم الْخَطِيب نور الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحسن بن على الْقُسْطَلَانِيّ فَاسْتَسْقَى وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً فَنُوديَ من الْغَد بِثَلَاثَة أَصَابِع ثمَّ توقف. وانتهت زِيَادَة النّيل فِي سَابِع عشرى توت إِلَى خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَسَبْعَة عشر إصبعاً. وَاتفقَ أَنه نقص فِي أَيَّام النسئ وَجَاء النوروز وَلم يوف النّيل سِتَّة عشر ذِرَاعا وَفتح الخليج يَوْم الْجُمُعَة ثامن توت وَهُوَ ثامن عشرى ربيع الأول. وَذكر بَعضهم أَنه لم يوف إِلَى تَاسِع عشر بَابه وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس حادي عشر جُمَادَى الأولى وَذَلِكَ بعد الْيَأْس مِنْهُ. وانحط مَعَ ذَلِك السّعر بعد الْوَفَاء وغنت عَامَّة مصر: سلطاننا ركين ونائبنا دقين يجينا المَاء منين. جيبوا لنا الْأَعْرَج يجي الما ويدحرج.
وفيهَا قدم الْبَرِيد من حلب بِأَن الْأَمِير سرتاي استنابه الْملك خربندا بديار بكر وَأَنه حَارب طقطاي فَقتل طقطاي وعزم على الْمسير إِلَى حلب. فَخرج الْأَمِير جمال الدّين أقوش قتال السَّبع والأمير حسام الدّين لاجين الجاشنكير وعدة الطبلخاناه والعشراوات فِي ألفي فَارس وَسَارُوا فِي جماد الأولى إِلَى حلب. وَكتب الْأَمِير سلار للأمير جمال الدّين أقوش بأَرْبعَة آلَاف غرارة من الْقَمْح وَثَمَانِينَ ألف دِرْهَم من مَاله بِدِمَشْق مَعُونَة لَهُ وَلمن مَعَه. وفيهَا ابْتَدَأَ اضْطِرَاب دولة السُّلْطَان الْملك المظفر: وَذَلِكَ أَنه كثر توهمه من الْملك النَّاصِر وخيله الْأُمَرَاء وحذروا السُّلْطَان مِنْهُ. وحسنوا لَهُ الْقَبْض عَلَيْهِ فجبن بيبرس عَن ذَلِك ثمَّ مازالوا بِهِ حَتَّى بعث الْأَمِير مغلطاي إِلَى الْملك النَّاصِر ليَأْخُذ مِنْهُ الْخَيل والمماليك الَّتِي عِنْده. وتغلظ مغلطاي فِي القَوْل فَغَضب الْملك النَّاصِر من ذَلِك غَضبا شَدِيدا وَقَالَ لَهُ: أَنا خليت ملك مصر وَالشَّام لبيبرس وَمَا يَكْفِيهِ حَتَّى ضَاقَتْ عينه على فرس عِنْدِي أَو مَمْلُوك لي ويكرر الطّلب ارْجع إِلَيْهِ وَقل لَهُ وَالله لَئِن لم يتركني وَإِلَّا دخلت بِلَاد التتر وأعلمتهم أَنِّي قد تركت ملك أبي وَأخي وملكي لمملوكي وَهُوَ يَتبعني وَيطْلب مني مَا أخفته. فجافاه مغلطاي وخشن فِي القَوْل بِحَيْثُ اشْتَدَّ غضب الْملك النَّاصِر وَصَاح بِهِ: وَيلك! وصلنا إِلَى هُنَا وَأمر أَن يجر ويرمى من سور القلعة. فثار بِهِ المماليك يَسُبُّونَهُ ويلعنونه وأخرجوه إِلَى السُّور فَلم يزل الْأَمِير أرغون الدوادار والأمير طغاي إِلَى أَن عَفا عَنهُ النَّاصِر وحبسه ثمَّ أخرجه مَاشِيا إِلَى الْغَوْر وامتعض مغلطاي عِنْد ذَلِك مِمَّا حل بِهِ. وَكتب النَّاصِر ملطفات إِلَى نواب الشَّام بحلب وحماة وطرابلس وصفد وَإِلَى أُمَرَاء مصر مِمَّن يَثِق بِهِ. مِمَّا كَانَ فِيهِ من ضيق الْيَد وَقلة الْحُرْمَة وَأَنه لأجل هَذَا ترك ملك مصر وقنع بِالْإِقَامَةِ فِي الكرك وَأَن السُّلْطَان الْملك المظفر فِي كل قَلِيل يُرْسل يُطَالِبهُ بِالْمَالِ ثمَّ بِالْخَيْلِ ثمَّ بالمماليك وَقَالَ لَهُم: أَنْتُم مماليك أبي وربيِتموني. فإمَّا أَن تردوه عني وَإِلَّا أَسِير إِلَى بِلَاد التتار وتلطف فِي مخاطبتهم غَايَة التلطف وسير إِلَيْهِم العربان بهَا فأوصلوها إِلَى أَرْبَابهَا. وَكتب الْأَمِير قبجق المنصوري نَائِب حماة الْجَواب: باً ني مَعَ الْأَمِير قرا سنفر نَائِب حلب وَكتب الْأَمِير قرا سنقر الْجَواب: باً ني مَمْلُوك السُّلْطَان فِي كل مَا يرسم بِهِ وساْل أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِ أحد المماليك السُّلْطَانِيَّة فَبعث النَّاصِر مَمْلُوكه أيتمش المحمدي وَكتب مَعَه ملطفًا إِلَى الْأَمِير سيف الدّين قطلوبك المنصوري والأمير بكتمر الحسامي الْحَاجِب بِدِمَشْق. وَأما بكتمر الجوكندار نَائِب صفد فَإِنَّهُ طرد القاصد وَلم يجْتَمع لَهُ.
وَقدم أيتمش دمشق فِي خُفْيَة وَنزل عِنْد بعض مماليك الْأَمِير قطلوبك وَدفع إِلَيْهِ الملطف. فَلَمَّا أوصله إِلَى قطلوبك أنكر عَلَيْهِ وَأمره بالاحتفاظ على أيتمش ليوصله إِلَى الأفرم نَائِب الشَّام ويتقرب إِلَيْهِ بذلك. فَترك أيتمش رَاحِلَته الَّتِي قدم عَلَيْهَا عِنْدَمَا بلغه ذَلِك وَمضى إِلَى دَار الْأَمِير سيف الدّين بهادر آص فِي اللَّيْل وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأذن لَهُ فَعرفهُ مَا كَانَ من الْأَمِير قطلوبك فطمن خاطره وأنزله عِنْده وَقَامَ بِحقِّهِ وأركبه من الْغَد مَعَه إِلَى الموكب. وَقد سبق قطلوبك وَعرف النَّائِب قدوم مَمْلُوك الْملك النَّاصِر إِلَيْهِ وهربه لَيْلًا فقلق الأفرم من ذَلِك وألزم وَالِي الْمَدِينَة بتحصيل الْمَمْلُوك فَقَالَ بهادر آص: هَذَا الْمَمْلُوك عِنْدِي وَأَشَارَ إِلَيْهِ فَنزل عَن الْفرس وَسلم على الأفرم وَسَار مَعَه فِي الموكب إِلَى دَار السَّعَادَة وَقَالَ بِحَضْرَة الْأُمَرَاء: السُّلْطَان الْملك النَّاصِر يسلم عَلَيْكُم وَيَقُول مَا مِنْكُم أحد إِلَّا وَأكل خبز الشَّهِيد وَالِده وخبزه وَمَا مِنْكُم إِلَّا من إنعامه عَلَيْهِ. وَأَنْتُم تربية الشَّهِيد وَالِده وَأَنه قَاصد الدُّخُول إِلَى دمشق وَالْإِقَامَة فِيهَا. فَإِن كَانَ فِيكُم من يقاتله ويمنعه العبور فعرفعوه. فَلم يتم هَذَا القَوْل حَتَّى صَاح عز الدّين أيدمر الكوكندي الزراق أحد أُمَرَاء دمشق وَابْن أستاذاه! وَبكى. فَغَضب الأفرم نَائِب الشَّام عَلَيْهِ وَأخرجه ثمَّ قَالَ لأيتمش: قل لَهُ - يَعْنِي الْملك النَّاصِر - كَيفَ تَجِيء إِلَى الشَّام أَو إِلَى غير الشَّام كَأَن الشَّام ومصر الْآن تَحت حكمك أَنا لما أرسل إِلَيْنَا السُّلْطَان الْملك أَن أَحْلف لَهُ مَا حَلَفت حَتَّى سيرت أَقُول لَهُ: كَيفَ يكون ذَلِك وَابْن أستاذنا بَاقٍ فَأرْسل يَقُول: أَنا مَا تقدّمت عَلَيْهِ حَتَّى خلع ابْن أستاذنا نَفسه وَكتب خطه وَأشْهد عَلَيْهِ بنزول عَن الْملك فَعِنْدَ ذَلِك حَلَفت لَهُ. ثمَّ فِي هَذَا الْوَقْت تَقول من يردني عَن الشَّام وَأمر بِهِ فَسلم إِلَى أستاداره الطنقش. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل استدعاه وَدفع إِلَيْهِ خمسين دِينَارا وَقَالَ لَهُ: قل لَهُ لَا يذكر الْخُرُوج من الكرك وَأَنا أكتب إِلَى الْملك المظفر وأرجعه عَن طلب الْخَيل والمماليك وخلى عَنهُ ليعود إِلَى الكرك. فَقدم أيتمش على الْملك النَّاصِر وحدثه بِمَا جرى لَهُ فَأَعَادَهُ على الْبَريَّة وَمَعَهُ أر كتمر وَعُثْمَان الهجان ليجتمع بقرًا سنقر نَائِب حلب ويواعده على الْمسير إِلَى دمشق. وَسَار الْملك النَّاصِر من الكرك إِلَى بركَة زيزاء. وَأما الْملك المظفر فَإِنَّهُ لما بلغه أَن الْملك النَّاصِر حبس الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي أيتعلى الْمُقدم ذكره قلق واستدعى الْأَمِير سلار النَّائِب وعرفه ذَلِك. وَكَانَت البرجية قد أغروا المظفر بسلار واتهموه بِأَنَّهُ قد بَاطِن الْملك النَّاصِر وأشاروا عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ وخوفوه مِنْهُ. فَبلغ ذَلِك سلار فخاف من البرجية لكثرتهم وقوتهم وَأخذ فِي مداراتهم. وَكَانَ أَشَّدهم عَلَيْهِ الْأَمِير سيف الدّين بيكور فَبعث إِلَيْهِ - وَكَانَ قد شكا لَهُ من انكسار خراجه - سِتَّة أُلَّاف أردب غلَّة وَألف دِينَار مصرية فَكف عَنهُ وهادى خَواص السُّلْطَان وأنعم عَلَيْهِم اٍ نعامات كَثِيرَة طلبا للسلامة مِنْهُم. ثمَّ حضر سلار عِنْد المظفر
وتكلما فِيمَا هم فِيهِ فاقتضي الرَّأْي تجهيز قَاصد للْملك النَّاصِر بتهديده ليفرج عَن أيتغلي. وبينما هم فِي ذَلِك قدم الْبَرِيد من عِنْد نَائِب دمشق باً ن الْملك النَّاصِر سَار من الكرك إِلَى البرج الْأَبْيَض وَلم يعرف مقْصده فَكتب إِلَيْهِ بالكشف عَن مقْصده وَحفظ الطرقات عَلَيْهِ. هَذَا وَقد اشْتهر بِالْقَاهِرَةِ حَرَكَة الْملك النَّاصِر وَخُرُوجه من الكرك فَتحَرك الْأَمِير سيف الدّين نوغاي القبجاقي - وَكَانَ شجاعاً مقداماً حاد المزاج قوي النَّفس وَمن ألزام الْأَمِير سلار النَّائِب - وواعده جمَاعَة من المماليك السُّلْطَانِيَّة أَن يهجم بهم على السُّلْطَان الْملك المظفر بيبرس إِذا ركب ويقتله. فَلَمَّا نزل إِلَى بركَة الْجب استجمع نوغاي بِمن وَافقه يُرِيدُونَ الفتك بالسلطان فِي عوده من الْبركَة وتقرب نوغاي من السُّلْطَان قَلِيلا قَلِيلا وَفد تغير وَجهه وَظهر فِيهِ أَمَارَات الشَّرّ فَفطن بِهِ خَواص السُّلْطَان وتحلقوا حوله فَلم يجد نوغاي سَبِيلا إِلَى مَا عزم عَلَيْهِ. وَعَاد السُّلْطَان إِلَى القلعة فَعرفهُ ألزامه مَا فهموه عَن نوغاي وحسنوا لَهُ الْقَبْض عَلَيْهِ وَتَقْرِيره على من مَعَه. فاستدعى السُّلْطَان الْأَمِير سلار وأعلمه الْخَبَر - وَكَانَ قد بَاطِن نوغاي أَيْضا - فحذره من ذَلِك وخوفه عَاقِبَة الْأَخْذ بِالظَّنِّ وَأَن فِيهِ فَسَاد قُلُوب الْجَمِيع وَلَيْسَ إِلَّا الإغضاء فَقَط وَقَامَ عَنهُ فَأَخذه البرجية فِي الإغراء بسلار وَأَنه ولابد قد بَاطِن نوغاي وَمَتى لم يقبض عَلَيْهِ فسد الْحَال. فَبلغ نوغاي مَا هم فِيهِ من الحَدِيث فِي الْقَبْض عَلَيْهِ فواعد أَصْحَابه على اللحاق بِالْملكِ النَّاصِر وَخرج هُوَ والأمير عَلَاء الدّين مغلطاي القازاني والأمير سيف الدّين طقطاي الساقي وَنَحْو سِتِّينَ مَمْلُوكا وَقت الْمغرب عِنْد بَاب القلعة من لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة. وَعرف السُّلْطَان بذلك من الإسطبل فَفتح بَاب القلعة وَطلب الْأَمِير سلار وشاوره فَأَشَارَ بتجهيز الْأُمَرَاء فِي طَلَبهمْ وَعين أَخَاهُ عَلَاء الدّين سمك وقطز بن الفارقاني فِي عدَّة من حَاشِيَته وَخَمْسمِائة مَمْلُوك وَسَارُوا من وقتهم غير مجدين فِي طَلَبهمْ وَصَارَ بَين الْفَرِيقَيْنِ مرحلة وَاحِدَة إِذا رَحل هَؤُلَاءِ نزل هَؤُلَاءِ. فَلَمَّا وصل نوغاي إِلَى قطيا وجد الْحمل قد تجهز إِلَى الْقَاهِرَة وَهُوَ مبلغ عشْرين ألف دِرْهَم فَأَخذه وَأخذ خيل الْوَالِي وخيول الْعَرَب وَسَار إِلَى غَزَّة وَمضى إِلَى الكرك فَنزل الْأُمَرَاء بعده غَزَّة وعادوا إِلَى الْقَاهِرَة. وَقد اشْتَدَّ خوف الْملك المظفر وَكثر خياله فَقبض على جمَاعَة تزيد عدتهمْ على ثَلَاثمِائَة مَمْلُوك وَأخرج أخبارهم وأخباز المتوجهين إِلَى الكرك لمماليكه.
وَبلغ الْملك النَّاصِر قدوم نوغاي وَمن مَعَه وَهُوَ فِي الصَّيْد فَأمر بإحضارهم فَأتوهُ وقبلوا لَهُ الأَرْض وهنأوه بالعافية فسر بهم. وَسَارُوا مَعَه إِلَى زيزاء وَمضى إِلَى زرع يُرِيد دمشق ثمَّ رَجَعَ إِلَى الكرك. فشق على الْملك المظفر ذَلِك وَدَار بِهِ البرجية وشوشوا فكره بِكَثْرَة إيهامهم وتخيلهم لَهُ بمخاطرة الْعَسْكَر عَلَيْهِ وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أخرج الْأَمِير بينجار والأمير صارم الدّين الجرمكي فِي عدَّة من الْأُمَرَاء مجردين وَأخرج الْأَمِير أقوش الرُّومِي بجماعته إِلَى طَرِيق السويس ليمنع من عساه يتَوَجَّه من الْأُمَرَاء والمماليك إِلَى الْملك النَّاصِر وَقبض على أحد عشر مَمْلُوكا وَقصد أَن يقبض على آخَرين فاستوحش الْأَمِير سيف الدّين أيطرا وفر فأدركه الْأَمِير جركتمر بن بهادر راً س نوبَة وأحضره فحبس وَعند إِحْضَاره طلع الْأَمِير سيف الدّين الدكز السِّلَاح دَار بملطف من الْملك النَّاصِر استجلا بِهِ إِلَيْهِ فَكثر قلق الْملك المظفر وَزَاد توهمه ونفرت مَعَ ذَلِك قُلُوب جمَاعَة من الْأُمَرَاء والمماليك وخشوا على أنفسهم وَاجْتمعَ كثير من المنصورية والأشرفية والأويرانية وتواعدوا على الْحَرْب وَخرج مِنْهُم مائَة وَعِشْرُونَ فَارِسًا بِالسِّلَاحِ وَسَارُوا إِلَى الْملك النَّاصِر. فَخرج إِلَيْهِم الْأَمِير بينجار والصارم الجرمكي فَقَاتلهُمْ المماليك وجرح الجرمكي بِسيف فِي فَخذه سقط إِلَى الأَرْض وَمضى المماليك على حمية إِلَى الكرك. فَعظم الْخطب على السُّلْطَان وَاجْتمعَ إِلَيْهِ البرجية وَقَالُوا لَهُ: هَذَا الْفساد كُله من الْأَمِير سلار وَمَتى لم تقبض عَلَيْهِ خرج الْأَمر من يدك فَلم يُوَافق على ذَلِك وَاتفقَ الرَّأْي على تَجْرِيد العساكر. وَفِي يَوْم السبت ثَانِي رَجَب: مَاتَ التَّاج بن سعيد الدولة وَاسْتقر ابْن أُخْته كريم الدّين أكْرم الْكَبِير فِي وظائفه وتكبر على الْأُمَرَاء واستقرت فِيهِ الْأَحْوَال حَتَّى كتب على مَا يعرف وَمَا لَا يعرف. وَأما أيتمش المحمدي فَإِنَّهُ سَار إِلَى حماة وَاجْتمعَ بالأمير قبجق نائبها فأحال قبجق الْأَمر على الْأَمِير قرا سنقر نَائِب حلب وَأَنه مَعَه حَيْثُ كَانَ. فَسَار أيتمش إِلَى حلب وَاجْتمعَ بقرًا سنقر فَأكْرمه وَوَافَقَ على قيام الْملك النَّاصِر وَدخل فِي طَاعَته ووعده على السّير إِلَى دمشق أول شعْبَان. وَكتب قرا سنقر إِلَى الأفرم نَائِب يحثه دمشق على طَاعَة الْملك النَّاصِر ويرغبه وَأَشَارَ بمكاتبة الْملك النَّاصِر للأمير بكتمر الجوكندار نَائِب صفد والأمير كراي المنصوري بالقدس ونائب طرابلس وَأعَاد أيتمش وَمن مَعَه إِلَى الْملك النَّاصِر فسر بذلك. وَكَانَ نوغاي مُنْذُ قدم لَا يبرح يحرضه على الْمسير إِلَى دمشق فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ خبر قرا سنقر اشْتَدَّ باً سه وَقَوي عزمه على الْحَرَكَة إِلَّا أَنه ثقل عَلَيْهِ أَمر
نوغاي من مخاشنته لَهُ فِي المخاطبة وجفاه القَوْل بِحَيْثُ إِنَّه قَالَ لَهُ: لَيْسَ لي بك حَاجَة ارْجع إِلَى حَيْثُ شِئْت فَترك نوغاي الْخدمَة وَانْقطع إِلَى أَن قدم أيتمش من حلب فَدخل بَينه وَبَين السُّلْطَان حَتَّى أَزَال مَا بَينهمَا وَأسر لَهُ السُّلْطَان ذَلِك حَتَّى قَتله بعد عوده إِلَى الْملك كَمَا ثمَّ إِن الْملك النَّاصِر بعث أيتمش أَيْضا إِلَى صفد فتلطف حَتَّى اجْتمع بناصر الدّين مُحَمَّد بن بكتمر الجوكندار نَائِب صفد وَجمع بَينه وَبَين أَبِيه لَيْلًا فِي مَقَابِر صفد فعتبه أيتمش على مَا كَانَ من رده قَاصد الْملك النَّاصِر فَاعْتَذر بالخوف من بيبرس وسلار وَأَنه لَوْلَا ثقته بِهِ لما اجْتمع بِهِ قطّ. فَلَمَّا عرفه أيتمش طَاعَة الْأَمِير قرا سنقر والأمير قبجق أجَاب بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَأَنه على ميعاد النواب إِلَى الْمُضِيّ إِلَى الشَّام فَأَعَادَ أيتمش جَوَابه على الْملك النَّاصِر فسر بِهِ. وَسَار من الْقَاهِرَة عشرَة من الْأُمَرَاء المقدمين فِي يَوْم السبت تَاسِع رَجَب مِنْهُم: الْأَمِير سيف الدّين برلغي الأشرفي. والأمير جمال الدّين أقوش الأشرفي نَائِب الكرك والأمير عز الدّين أيبك الْبَغْدَادِيّ والأمير سيف الدّين طغريل الإيغاني والأمير سيف الدّين تناكر وَمَعَهُمْ نَحْو ثَلَاثِينَ أَمِيرا من الطبلخاناه بَعْدَمَا أنْفق فيهم السُّلْطَان الْملك المظفر فَأخذ برلغي عشرَة آلَاف دِينَار وكل من المقدمين ألفي دِينَار وكل من الطبلخاناه ألف دِينَار وكل من مقدمي الْحلقَة ألف دِرْهَم وكل من أجناد الكرك خَمْسمِائَة دِرْهَم ونزلوا تجاه مَسْجِد تبر خَارج الْقَاهِرَة ثمَّ عَادوا بعد أَرْبَعَة أَيَّام إِلَى الْقَاهِرَة لوُرُود الْخَبَر بِعُود الْملك النَّاصِر إِلَى الكرك. ثمَّ ورد الْخَبَر ثَانِيًا بمسيره فتجهز الْعَسْكَر فِي أَرْبَعَة آلَاف فَارس وَخرج برلغي ونائب الكرك وَمن تقدم ذكره وَسَارُوا فِي الْعشْرين من شعْبَان إِلَى العباسة. فورد الْبَرِيد من عِنْد الأفرم نَائِب دمشق بقدوم أيتمش المحمدي عَلَيْهِ من قبل الْملك النَّاصِر وَبِمَا شافهه بِهِ من الْجَواب وَأَنه بعث الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الحسامي والأمير سيف الدّين جوبان لكشف الْأَخْبَار وَأَشَارَ بِتَأْخِير الْعَسْكَر فَكتب بإقامتهم على العباسة. فَقدم أيدغدي شقير وجوبان على الْملك النَّاصِر وعرفاه أَنَّهُمَا قدما لكشف حَاله وحلفا لَهُ على الْقيام بنصرته ورجعا إِلَى دمشق فعرفا الأفرم أَن النَّاصِر مُقيم ليتصيد فخاف أَن يطْرق دمشق بغته فَجرد إِلَيْهِ ثَمَانِيَة أُمَرَاء بمضافيهم: مِنْهُم الْأَمِير سيف الدّين قطلوبك المنصوري والأمير سيف الدّين الْحَاج بهادر الْحلَبِي الْحَاجِب والأمير سيف الدّين جوبان والأمير كجكن والأمير علم الدّين الجاولي ليقيموا على الطرقات لحفظها على من يخرج إِلَى الْملك النَّاصِر. وَكتب الأفرم إِلَى الْملك المظفر يحثه على إِخْرَاج الْعَسْكَر الْمصْرِيّ ليجتمع مَعَ عَسْكَر دمشق على قتال الْملك النَّاصِر وَأَنه قد جدد الْيَمين لَهُ وَحلف أُمَرَاء دمشق أَنهم لَا
يخونون الْملك المظفر وَلَا ينْصرُونَ الْملك النَّاصِر وَأَن نَائِب حلب وَغَيره من النواب قد دخلُوا فِي طَاعَة الْملك النَّاصِر. فَلَمَّا قَرَأَ الْملك المظفر كتاب نَائِب الشَّام اضْطربَ وَزَاد قلقه. فورد كتاب الْأَمِير برلغي من العباسة بِأَن مماليك الْأَمِير جمال الدّين أقوش الرُّومِي تجمعُوا عَلَيْهِ وقتلوه وَسَارُوا وَمَعَهُمْ خزائنه إِلَى الْملك النَّاصِر وَأَنَّهُمْ لحق بهم بعض أُمَرَاء الطبلخاناه فِي جمَاعَة من مماليك الْأُمَرَاء وَقد فسد الْحَال والرأي أَن يخرج السُّلْطَان بِنَفسِهِ. فَأخْرج المظفر تجريدة أُخْرَى فِيهَا عدَّة من الْأُمَرَاء وهم بشاش وبكتوت الفتاح وَكثير من البرجية وَبعث إِلَى برلغي ألفي دِينَار ووعده بِأَنَّهُ عازم على التَّوَجُّه إِلَيْهِ بِنَفسِهِ. فَلَمَّا ورد كتاب الْملك المظفر بذلك وبقدوم التجريدة إِلَيْهِ عزم على الرحيل من الْغَد إِلَى جِهَة الكرك. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل رَحل كثير مِمَّن مَعَه يُرِيدُونَ الْملك النَّاصِر فَكتب إِلَى السُّلْطَان بِأَن نصف الْعَسْكَر قد صَار عَلَيْهِ وحرضه على الْخُرُوج بِنَفسِهِ. فَلم يطلع الْفجْر إِلَّا والأمير سيف الدّين بهادر جكي قد وصل بِكِتَاب الْأَمِير برلغي على الْبَرِيد إِلَى السُّلْطَان فَلَمَّا قضي صَلَاة الصُّبْح تقدم إِلَيْهِ وأعلمه برحيل أَكثر الْعَسْكَر إِلَى الْملك النَّاصِر وناوله الْكتاب فَلَمَّا قَرَأَهُ تَبَسم وَقَالَ: سلم على برلغي وَقل لَهُ لَا تخش من شَيْء فَإِن الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عقد لنا بيعَة ثَانِيَة وجدد لنا عهدا وَقد قرئَ على المنابر وجددنا الْيَمين على الْأُمَرَاء وَمَا بَقِي أحد يَجْسُر أَن يُخَالف مَا كتب بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ قد أكد فِي كِتَابَة العقد. ثمَّ دفع المظفر إِلَيْهِ الْعَهْد الخليفتي وَقَالَ: امْضِ بِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يقرأه على الْأُمَرَاء والجند ثمَّ يُرْسِلهُ لي فَإِذا فرغ من قرائته يرحل بالعساكر إِلَى الشَّام وجهز لَهُ أَيْضا ألفي دِينَار أُخْرَى وَكتب جَوَابه بنظير المشافهة. فَعَاد بهادر إِلَى برلغي فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْكتاب وانتهي إِلَى قَوْله: وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ولاني تَوْلِيَة جَدِيدَة وَكتب لي عهدا وجدد لي بيعَة ثَانِيَة فتح برلغي الْعَهْد فَإِذا أَوله: إِنَّه من سُلَيْمَان فَقَالَ: ولسليمان الرّيح ثمَّ الْتفت إِلَى بهادر وَقَالَ لَهُ: قل لَهُ يَا بَادر الذقن! وَالله مَا معي أحد يلْتَفت إِلَى الْخَلِيفَة ثمَّ قَامَ وَهُوَ مغضب. وَكَانَ سَبَب تَجْدِيد الْعَهْد أَن نَائِب دمشق لما ورد كِتَابه بِأَنَّهُ حلف أُمَرَاء الشَّام ثَانِيًا وَبعث صدر الدّين مُحَمَّد بن عمر بن مكي بن عبد الصَّمد الشهير بِابْن المرحل برسالة إِلَى السُّلْطَان صَار صدر الدّين يجْتَمع عِنْده هُوَ وَابْن عَدْلَانِ ويشغل السُّلْطَان وقته