المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح - الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

[ابن العراقي]

الفصل: وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح

وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح الصاد أي دخله تخصيص، فكأن المراد أنه لا يجب إعلامه بتعين المخصص الوارد على الرسول، ولا بأن ذلك العام مخصوص، فلا يجب الإعلام لا على التفصيل ولا على الجملة، والمراد قبل وقت العمل، فكأن القائل بالمنع اكتفى بإعلام الرسول بذلك، وإن لم يعلم به المكلفين،/ (104/أ/م).

ولعل فرق ما بين هذه المسألة والتي قبلها فرق ما بين العام والخاص فالأولى في مطلق التبليغ، وإن لم يكن بيانا لمجمل، وقوله تعالى:{يا أيها الرسول بلغ} لا يدل على الفور، والثانية: في بيان المجمل.

وقال الشارح في قوله: (ولا بأنه مخصص) هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا، وليس كذلك، بل الجميع كما قال القاضي (85/ب/د) على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه، ولعله أراد المخصص السمعي. انتهى.

ص:‌

‌ النسخ:

اختلف في أنه رفع أو بيان والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب فلا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه/نسخ غسلهما مدخول ولا بالإجماع ومخالفتهم تتضمن ناسخا.

ش: النسخ يطلق في اللغة على الإزالة، وعلى النقل، فقيل: مشترك بينهما، وقيل: حقيقة في الأول، وقيل: في الثاني.

وأما في الاصطلاح فاختلف في أنه رفع أو بيان، فقال بالأول القاضي أبو بكر وطائفة، وبالثاني الأستاذ أبو إسحاق وطائفة.

ص: 365

ومعنى الأول: أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر

ومعني الثاني: أنه انتهى بذاته، ثم حصل بعده حكم، لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة.

فالناسخ بيان لها، واختار المصنف الأول، وارتضى في تعريفه أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج بالحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية، كتحريم، أو إيجاب ما هو على البراءة الأصلية، لم يرد فيه قبل ذلك حكم، فإنه لا يسمى نسخا.

وتناول قوله: (بخطاب) اللفظ والمفهوم، وأورد عليه النسخ بالفعل كنسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ وأجيب عنه بأن الفعل نفسه لا ينسخ وإنما يدل على نسخ سابق وخرج به الرفع بالنوم أو الغفلة أو الجنون أو الموت، وعلم من ذلك أنه لا نسخ بالعقل فمن سقطت عنه العبادة لعجزه عنها لا يقال: إنها نسخت في حقه، ومن ذلك رد على الإمام فخر الدين في قوله في (المحصول): إن من سقطت رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، لأن زوال الحكم لزوال محله أو سببه ليس نسخا، وكذلك الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد في زمنه عليه الصلاة والسلام، ولا نسخ بعده، فإن أجمعوا على مخالفة نص فهو دال على ناسخ سواه، فالنسخ بدليله لا به، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: إن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع، وقد كان المصنف رحمه الله تعالى ذكر هذا في التخصيص/ (104/أ/م) ثم ضرب عليه هناك وألحقه هنا فإنه محله.

ص: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.

ص: 366

ش: خرج بالبعض الجميع، فلا يجوز نسخ جميع القرآن بالاتفاق ومثال نسخ التلاوة والحكم ما في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها:(كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس) ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: (الشيخ/ (86/أ/د) والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) كان في القرآن كما رواه النسائي.

والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ومثال عكسه نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليه بقوله تعالى:{متاعا إلى الحول غير إخراج} بقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} والمعروف أن الخلاف في نسخ أحدهما فقط، وعبارة المصنف تبعا لابن الحاجب تقتضي جريانه في نسخهما معا لكنه قال في شرحه: الخلاف في نسخهما معا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن.

قلت: والمانع من وقوع النسخ في بعض القرآن مطلقا هو أبو مسلم الأصفهاني، وذكر ابن التلمساني في شرح (المعالم) أنه الجاحظ، وفيه

ص: 367

نظر، فليست كنية الجاحظ أبا مسلم بل أبو عثمان، وأبو مسلم شخص آخر من المعتزلة معروف.

ص: ونسخ الفعل قبل التمكن.

ش: الجمهور على أنه يجوز نسخ الشيء بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من فعله، سواء أكان قبل مجيء وقته أو بعده، ولكن لم يمض منه ما يمكن فعله فيه، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الحنفية والحنابلة فأما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي، لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الخلاف جريان الخلاف فيه، وحكى الصفي الهندي المنع في هذه الصورة عن الكرخي.

ص: والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة وبالسنة للقرآن وقيل يمتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة قال الشافعي وحيث وقع بالسنة فمعها/قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق/ (105/أ/م) الكتاب والسنة.

ش: فيه مسائل:

الأولى: يجوز نسخ القرآن بالقرآن إجماعا، كما تقدم في عدتي الوفاة.

ص: 368

الثانية: يجوز نسخ السنة بالقرآن كالتوجه لبيت المقدس إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة، فإنه نسخ بالقرآن، وكذا مباشرة الصائم ليلا حرمت بالسنة ثم نسخ تحريمها بالقرآن، والمشهور عن الشافعي منعه، ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابنا.

الثالثة: نسخ القرآن بالسنة له صورتان.

إحداهما: أن تكون متواترة، والمشهور جواز وقوعه ومنعه الشافعي.

والمشهور عنه الجزم بمنعه، كذا نقله إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والنووي وغيرهم.

وذكر البيضاوي أن له في ذلك قولين،/ (86/ب/د) والظاهر أنه إنما نفى الوقوع فقط.

الثانية: أن تكون آحادا والمشهور جوازه عقلا، وحكى الآمدي وغيره الاتفاق عليه، لكن الخلاف ثابت، نقله القاضي أبو بكر وغيره، والمشهور عدم وقوعه، وحكى إمام الحرمين عليه إجماع الأمة لكن مخالفة بعض الظاهرية في هذا مشهورة وكأنه ما اعتد بخلافهم لكن ذهب القاضي أبو بكر والغزالي إلى وقوعه في زمنه عليه الصلاة والسلام دون ما بعده، ثم قال الشافعي:(حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون مع السنة قرآن يعضدها على النسخ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فلا بد أن يكون مع القرآن سنة موافقة له على النسخ) وعبارته في (الرسالة): (فإن قيل: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟. قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله) انتهى.

وفائدته في الصورة الأولى الاطلاع على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم في نسخ القرآن بسنته، وفي عكسه، انتقال الناس من سنة إلى سنة لما يترتب عليه من الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

ص: 369

ص: وبالقياس وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه والسلام والعلة منصوصة.

ش: هل يجوز النسخ بالقياس، كأن يرد نص بإباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا لم يرد جريان الربا في السنة المنصوصة فتنسخ الإباحة/ (105/ب/م) المتقدمة بالقياس على السنة المنصوصة؟ فيه مذاهب:

أحدها: الجواز مطلقا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه.

الثاني: المنع مطلقا، وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي أبو بكر واختاره، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين: إنه المذهب.

الثالث: أنه يجوز بالقياس الجلي دون غيره.

الرابع: يجوز إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، وكانت علته منصوصة وإلا فلا، واختاره الآمدي وجعل الصفي الهندي المنع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام محل وفاق.

تنبيه:

أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا مع قوله تبعا لغيره في القياس على المستنبطة أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض. فإذا كانت المعارضة تقطعها عن العمل فقياس المستنبطة ملغى عند المعارضة فلا يكون ناسخا.

وأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: إن القياس ينسخ، وإن كانت علته مستنبطة بل أطلقنا أنه ناسخ وإنما يكون ناسخا/ (87/أ/د) إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.

ص: 370

قلت: إطلاقه أولا النسخ بالقياس ثم تفصيله في القول الرابع بين أن يكون علته منصوصة أم لا، يدل على اختياره النسخ بالقياس ولو كانت علته مستنبطة والله أعلم.

ص: ونسخ القياس في زمنه عليه الصلاة والسلام وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى، وفاقا للإمام، وخلافا للآمدي.

ش: الجمهور على جواز نسخ القياس لكن بشرط أن يكون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام لاستحالته بعده، ثم قد يكون ناسخه نصا كأن يقول: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فيقاس عليه الأرز فنقول بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، وقد يكون قياسا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس.

واشترط/الإمام فخر الدين فيما إذا كان قياسا أن يكون الثاني أجلى بأن يترجح أمارته على أمارة الأول، ووافقه المصنف – ولم يتشرط الآمدي ذلك – ومنع القاضي عبد الجبار وغيره نسخ القياس لأنه مستنبط من أصل، فحكم الفرع باق ببقاء حكم الأصل، واختار الآمدي مذهبا ثالثا، وهو الجواز فيما علته منصوصة والمنع في المستنبطة.

ص: ويجوز نسخ الفحوى دون أصله/ (106/أ/م) كعكسه على الصحيح والنسخ به والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.

ش: فيه مسائل:

الأولى: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، كنسخ الضرب دون التأفيف، وعكسه كنسخ التأفيف دون الضرب كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر.

وحكى ابن السمعاني في الأولى الجواز عن أكثر المتكلمين، والمنع عن أكثر

ص: 371

الفقهاء ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال، ثالثها: منع الأولى، وجواز الثانية وعليه ابن الحاجب.

الثانية: يجوز النسخ بالفحوى، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق فيه، لكن نقل فيه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) خلافا بناء على أنه قياس، وأن القياس لا ينسخ به، وحكى ابن السمعاني المنع عن الشافعي.

الثالثة: هل يلزم من نسخ الأصل نسخ الفحوى وعكسه؟ فيه مذاهب: أحدها وبه قال الأكثرون: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.

والثاني: المنع.

والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، لأنها تابعة فلا تبقى بدون متبوعها بخلاف عكسه.

وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب.

فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والأولى؟

قلت: لعل تلك فيما إذا نص مع نسخ أحدهما على بقاء الآخر وهذه عند/ (87/ب/: د) الإطلاق. والله أعلم.

ص: ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر ولا النسخ بها.

ش: فيه مسائل.

ص: 372

الأولى: يجوز نسخ مفهوم المخالفة سواء نسخ الأصل أم لا، ومثال نسخها بدون المنطوق نسخ مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام:((إنما الماء من الماء)) بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) مع بقاء منطوقه، وهو وجوب الغسل من الإنزال.

الثانية: في نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة احتمالان للصفي الهندي وقال: إن أظهرهما أنه لا يجوز، قال: وليس المعنى فيه أنه يرتفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أنه يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.

الثالثة: لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة، قاله ابن السمعاني، لكن قال الشيخ أبو إسحاق في اللمع بعد حكايته وجها: المذهب الصحيح جوازه.

ص: ونسخ الإنشاء ولو بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد، وغيره مثل صوموا أبدا صوموا حتما، وكذا الصوم واجب مستمر أبدا إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.

ش: هذا معطوف على الإثبات/ (106ب/م) والمتقدم وليس معطوفا على المنفي قبله، وحاصله أن الإجماع منعقد على نسخ الإنشاء في الجملة ولكن اختلف في

ص: 373

صور منها:

إحداها: أن يكون بلفظ (قضى بكذا وكذا) فقال بعضهم: لا يجوز نسخه، لأن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه.

قال الشارح: وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول، إنما أخذه المصنف من كتب التفسير.

الثانية: أن يكون بصيغة الخبر نحو: {والوالدات يرضعن أولادهن} . فقال الجمهور: يجوز نسخه باعتبار معناه.

وقال أبو بكر الدقاق: يمتنع باعتبار لفظه.

الثالثة: أن يقيد بالتأبيد جملة فعلية كقوله: صوموا أبدا وغيره، مما هو في معناه كقوله: صوموا حتما، فقال بعض المتكلمين: يمتنع نسخه لئلا يؤدي إلى البداء، وجوزه الجمهور كما يقال: لازم غريمك أبدا، والمراد: إلى أن يقضيك، والمراد هنا إلى وقت النسخ، وحكاه ابن برهان عن المعظم، وقال: القصد به المبالغة لا الدوام.

الرابعة: أن يقيد بالتأبيد جملة اسمية كقوله: الصوم واجب مستمر أبدا،/ إذا قاله على سبيل الإنشاء، فالجمهور على جواز نسخه، ومنعه ابن الحاجب وعلله بأنه خبر، فيلزم من تطرق النسخ إليه الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى.

واختار المصنف التسوية بين الصورتين نظرا للمعنى.

ص: ونسخ الإخبار بإيجاب الإخبار بنقيضه لا الخبر وقيل:/ (88/أ/د) يجوز إن كان عن مستقبل.

ص: 374

ش: اختلف في جواز نسخ الخبر على مذاهب:

أحدها: المنع مطلقا، وهو مختار المصنف تبعا لابن الحاجب، وحكاه في (المحصول) عن أكثر المتقدمين.

الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول الإمام فخر الدين والآمدي.

الثالث: الجواز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي واستدل عليه بأنه يصح أن يقول السيد لعبده: لا أرضى عنك أبدا، ثم يقول: عاما واحدا.

وقال الخطابي: أنه الصحيح.

هكذا أطلق الجمهور الخلاف، وقال القاضي أبو بكر: يجوز نسخ إيجاب الإخبار بشيء، بإيجاب الإخبار بنقيضه، وهذا هو الذي بدأ المصنف بذكره، واقتضى كلامه نفي الخلاف فيه، وهو مسلم فيما يقبل التغيير كالتكليف بالإخبار بقيام زيد/ (107/أ/م) ثم التكليف بالإخبار بعدمه، لاحتمال كونه قائما عند الأول، وغير قائم عند الثاني، فإن لم يقبل التغيير كحدوث العالم فمنعه المعتزلة بناء على التقبيح العقلي وجوزه أهل السنة.

ص: ويجوز النسخ ببدل أثقل وبلا بدل لكن لم يقع وفاقا للشافعي.

ش: فيه مسألتان:

إحداهما: يجوز النسخ ببدل أثقل كصوم عاشوراء إن قلنا بوجوبه

ص: 375

برمضان، والحبس في البيوت بالزنا بالحد، وترك قتال المشركين لقوله:{ودع آذاهم} بإيجابه، ومنعه ابن داود الظاهري، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله عن الشافعي وليس بصحيح.

الثانية: يجوز النسخ بلا بدل ومنعه أكثر المعتزلة ثم قال أكثر أصحابنا بوقوعه كصدقة النجوى، فإنها وجبت ثم نسخت لا إلى بدل، وتوهم بعضهم أنه أبدل منها الزكاة وهو مردود لأنه تعالى قرن بها الصلاة والطاعة بقوله تعالى:{فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله} وهما فرضان قبل ذلك ولتوقفه على معرفة التاريخ.

وإنما المعنى: رفعناه عنكم، فتمسكوا بما لا بد منه من الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

وذهب الشافعي إلى أنه لم يقع، فقال في (الرسالة):(وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) ووافقه المصنف، لكن أوله أبو بكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم، أي إذا نسخ لا بد أن يعقبه حكم آخر، وليس منافيا لكلام أهل الأصول لأنه يرجع إلى ما كان عليه وهو حكم فإن صدقة النجوى

ص: 376

لما/ (88/ب/د) نسخ إيجابها عاد الأمر إلى ما كان عليه من التخيير.

ص: مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.

ش: أشار بالمسلمين إلى مخالفة غيرهم فيه، وهو فرقة من اليهود أحالته عقلا، وهو السمعونية، وأخرى منهم وهم العنانية منعت وقوعه فقط، وثالثة منهم وهم العيسوية قالت بوقوعه.

كذا ذكر ابن برهان والآمدي، وغيرهما، وذهب أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة إلى إنكاره، فقيل: إنما أراد في القرآن كما تقدم عنه، وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل المعنى في علم الله تعالى كالمعنى في اللفظ، ويسمي الكل تخصيصا ويسوي بين قوله:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} وبين صوموا مطلقا/ (107/ب/م) مع علمه تعالى بأنه سينزل: لا تصوموا ليلا، والجمهور يسمون الأول تخصيصا، والثاني نسخا فالخلاف لفظي.

ص: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.

ش: إذا نسخ حكم الأصل استمر حكم الفرع عند الحنفية، وقال الجمهور: بل يرتفع، لأنه تابع فيزول بزوال متبوعه ثم سماه بعضهم نسخا.

ص: 377

وعبر المصنف تبعا لابن الحاجب بقوله: (لا يبقى) وهو أحسن، لأنه قد زال حكمه لزوال علته فلا يقال فيه: إنه منسوخ.

ص: وأن كل حكم شرعي/يقبل النسخ ومنع الغزالي نسخ جميع التكاليف والمعتزلة نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.

ش: ذهب أصحابنا إلى أن كل حكم شرعي يقبل النسخ وخالفهم المعتزلة في مسألتين:

إحداهما: أنهم منعوا نسخ جميع التكاليف ووافقهم الغزالي على ذلك.

ثانيهما: منعوا أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى، كذا قال المصنف وهو مثال.

ولا يختص الحكم بذلك عندهم، بل منعوا النسخ في كل ما كان بذاته أو بلازم ذاته حسنا أو قبيحا لا يختلف باختلاف الأزمنة، وهو مبني على أصلهم في الحسن والقبح العقليين.

والخلاف في المسألتين في الجواز العقلي مع الإجماع على عدم وقوع ذلك.

ص: والمختار أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة لا يثبت في حقهم وقيل يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا الامتثال.

ش: لا يثبت الحكم الشرعي قبل بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغه ثبت حكمه في حقه، وحق كل من بلغه، أو لم يبلغه لكن تمكن من العلم به، فإن لم يبلغه ولا تمكن من العلم به فهو محل الخلاف.

قال الجمهور: لا يثبت لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت/ (89أ/د) في الذمة.

ص: 378

وقال بعضهم: يثبت بالمعنى.

الثاني: كالنائم، وذكر القاضي أبو بكر أن الخلاف لفظي، وما رجحه المصنف تبع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) إنما حكاه عن الحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا ونصره، وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.

وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت/ (108/أ/م) في حكم النائم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.

قلت: وهو معنى كلام المصنف، فالذي عبر عنه المصنف بالاستقرار في الذمة هو الذي عبر عنه بالقضاء، والذي عبر عنه المصنف بالامتثال هو الذي عبر عنه بالتأثيم والله أعلم.

ص: أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.

ش: للزيادة على النص صور:

الأولى: أن يكون المزيد من غير جنس الأول، كزيادة الزكاة على الصلاة، فليست نسخا بالإجماع.

الثانية: أن يكون من جنسه مع استقلاله كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، وليس نسخا أيضا عند الجمهور.

وقال بعض أهل العراق: هو نسخ، لأنه بغير الوسط فتتغير الصلاة المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: {حافظوا على الصلاوات والصلاة

ص: 379

الوسطى} وأجيب عنه بأجوبة أحسنها: أن الوسطى في الآية ليست من عدد بل هي علم على صلاة معينة، وهو مأخوذ من الوسط وهو الخيار، والفاصل لا يتغير بزيادة صلاة.

الثالثة: أن لا يستقل كزيادة ركعة أو ركوع فقال أصحابنا: ليس نسخا أيضا.

وقال الحنفية: هو نسخ، واختاره بعض أصحابنا ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة، كقول عبد الجبار، هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه، كأن صار لا يعتد به كجعل الصلاة الثنائية رباعية، وإن لم يتغير كضم التغريب إلى الجلد، فليست بنسخ واختاره القاضي، وكقول بعضهم: إن نفاها مفهوم الأول كقوله في (المعلوفة زكاة) بعد قوله: ((في السائمة زكاة)) فنسخ وإلا فلا، واختاره الإمام في (المعالم) وكذلك يرجع إلى هذا المأخذ الفروع المبنية عليها، لأنه إذا رجع المبني عليه إلى ذلك فرجوع المبني إليه أولى.

ص: كذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.

ش:/ (108ب/م) الخلاف المتقدم في أن الزيادة على النص نسخ يجري في النقصان منه سواء الجزء كنقص ركعة من أربع والشرط/ (89/ب/د) كالطهارة، وفرق بعضهم بينهما فقال: إسقاط الجزء نسخ، وإسقاط الشرط ليس بنسخ، وبه قال عبد الجبار، ووافقه الغزالي في الجزء وتردد/في الشرط.

ص: 380