الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص:
المنطوق والمفهوم
.
ص: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق
ش: لما توقف الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً على معرفة أقسام اللغة، شرع في بيانها، وهي تنقسم باعتبارات/ (25ب/ م)
فباعتبار المراد من اللفظ: إلى منطوق ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر/ (21ب/ د) ونهى.
وباعتبار عوارضه وهي إما متعلقاته إلى عام وخاص، أو النسبة بين ذاته ومتعلقاته: إلى مجمل ومبين، أو بقاء دلالته أو رفعها: إلى ناسخ ومنسوخ.
فذكرها المصنف على هذا الترتيب، فبدأ بتقسيمه إلى منطوق ومفهوم.
فالمنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي بغير واسطة، كدلالة قوله تعالى:{فلا تقل لهما أف} على تحريم التأفيف، فخرج المفهوم فإن دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق، بل في محل السكوت، كدلالة هذه الآية على تحريم الضرب.
ص: وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحاً كالأسد.
ش: قسم المنطوق إلى نص
وظاهر، فالنص ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد لدلالته على شخص بعينه، والظاهر، ما أفاد معنى مع احتمال غيره احتمالا مرجوحاً، كالأسد، فإن دلالته على الحيوان أرجح من دلالته على الرجل الشجاع.
واعلم أن في النص أربعة اصطلاحات:
أحدها: وهو المذكور هنا ما لا يحتمل التأويل.
ثانيها: ما احتمله احتمالاً مرجوحاً، فهو حينئذ بمعنى الظاهر، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء.
ثالثها: ما دل على معنى كيف كان.
ذكر هذه الثلاث القرافي في (التنقيح).
رابعها: دلالة الكتاب أو السنة مطلقاً، وهو اصطلاح كثير من متأخري الخلافيين، كما ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العنوان، وعليه مشى البيضاوي في القياس، وكلام الشارح هنا في ذكر معاني النص غير محرر.
ص: واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعني فمركب وإلا فمفرد.
ش: اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب، فإن دل جزؤه على جزء معناه، فهو مركب، وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه فهو مفرد، فتناول ما لا جزء له أصلاً، كالبناء مثلاً، وما له جزء، لكن لا يدل على جزء معناه كـ (زيد) مثلاً، فإن الزاي منه لا تدل على جزء معناه، وهو الذات المعينة.
فإن قلت: قوله: (جزؤه) يتناول كل جزء منه، لأنه اسم جنس مضاف فيعم.
قلت: المراد بالجزء ما صار به اللفظ مركباً، كزيد وحده، وقائم وحده، من قولنا:(زيد قائم) والزاي جزء لزيد الذي هو جزء لقولنا: زيد قائم، فجزئية الزاي كزيد قائم باعتبار أنه جزء جزئه، والله أعلم / (26أ/ م).
ص: ودلالة اللفظ على معناه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام.
ش: الدلالة كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر، وبإضافتها إلى اللفظ خرجت (الدلالة العقلية) وهي دلالة وجود المسبب على وجود سببه، (والوضعية) كدلالة الذراع على القدر المعين، وكان ينبغي أن يقول: دلالة اللفظ الوضعية ليخرج دلالة اللفظ العقلية، كدلالة اللفظ على حياة اللافظ، ودلالة اللفظ الطبيعية، كدلالة أح أح على وجع الصدر/ (22أ/د).
ودلالة اللفظ الوضعية وهي كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عارفاً بالوضع ـ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، لأن اللفظ إن دل على معناه الموضوع له فهي المطابقة، لتطابق اللفظ والمعنى، ولم يقل المصنف:(تمام مسماه) كالبيضاوي، لأن التمام إنما يكون في ذي أجزاء، فيخرج عنه دلالة الجوهر الفرد على معناه، وأيضاً فالتعريفات تصان عن الحشو، وهذه الزيادة لا معنى لها، لأن جزء الشيء غير الشيء، ومع ذلك فهي مضرة، وإن دل اللفظ على جزء معناه فهي التضمن، وإن دل على لازمه الذهني فهي الالتزام، وقيدنا اللزوم بالذهني لأنه المعتبر، سواء كان لازماً في الخارج، كالارتفاع مع السرير، أو لا كالعمى مع البصر، فدلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى الحيوان فقط أو على الناطق فقط تضمن، وعلى الضاحك مثلاً التزام.
قال الشارح: واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء كان المفهم للزوم بينهما في ذهن كل أحد أو
عند العالم بالوضع أو في الخارج، أو لم يكن بينهما لزوم أصلاً، لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحاً فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع انتهى.
قلت: بل ما ذكره المناطقة أظهر، فإن المراد بيان الدلالات التي يقع بها الخطاب الشرعي، وتقوم الحجة بها على المكلف، وذلك لا يأتي في غير اللزوم الذهني، ومراد البياني التفنن في البلاغة، واختبار الفطنة، والغباوة بفهم المعنى القريب والبعيد، / (26ب/م) ولا نسلم اكتفاء الأصولي في الدلالة بما يكتفي به البياني، بل هو كالمنطقي في ذلك، وعنه تلقى هذه الدلالات، والله أعلم.
ص: والأولى لفظية والثنتان عقليتان.
ش: الدلالة الأولى: وهي المطابقة لفظية، والثنتان وهما التضمن والالتزام عقليتان، هذا أحد المذاهب الثلاثة، واختاره صاحب (المحصول) وابن التلمساني والصفي الهندي وغيرهم.
والثاني: أن الثلاثة لفظية، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن الالتزام فقط عقلية، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب.
ص: ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء، وإن لم يتوقف ودل على ما لم يقصد فدلالة إشارة.
ش: دلالة المنطوق قد لا تستفاد من الصيغة فقط، بل باقتران أمر آخر بها، وتنقسم إلى دلالة اقتضاء
وإشارة.
الأولى: الاقتضاء وهي ما توقف الصدق، أي كون المتكلم صادقاً، أو ثبوت المخبر به، / (22ب/د) وصحته عقلاً أو شرعاً على إضمار، فهذه ثلاثة أقسام:
فالأول نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
فإنهما واقعان في هذه الأمة.
والثاني: كقوله تعالى: {فانفلق} فإنه إنما ينتظم بإضمار فضرب.
والثالث: كفهم حصول الملك لمن قال لغيره: أعتق عبدك عني على ألف قبيل العتق، لأن العتق لا يصح من جهة الشرع إلا في مملوك، وهذان القسمان داخلان في قول المصنف:(أو الصحة) أي عقلاً أو شرعاً.
الثانية: (الإشارة) وهي أن لا يتوقف الصدق ولا الصحة على إضمار لكن يدل اللفظ على ما ليس مقصوداً منه في الأصل، ولكنه من توابعه، كقوله تعالى:{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} الآية، فإنه يعلم
من دلالة الآية على جواز ذلك إلى طلوع الفجر جواز صوم الجنب، فإنه متى استمر إلى الفجر كان جنباً في جزء من النهار، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين.
ص: والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.
ش: خرج بقوله: (لا في محل النطق) المنطوق، وفهم منه أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإن الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وعرفه بعضهم بأنه ما فهم عند النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: فإن وافق حكمه/ (27أ/ م) المنطوق فموافقة، فحوى الخطاب إن كان أولى، ولحنه إن كان مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً.
ش: قسم المفهوم إلى ما يوافق حكمه حكم المنطوق، وإلى ما يخالف حكمه حكمه.
فالأول: مفهوم الموافقة.
والثاني: مفهوم المخالفة.
ثم قسم مفهوم الموافقة إلى ما كان أولى بالحكم من المنطوق، وإلى ما كان
مساوياً له.
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، والفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع.
والثاني: وهو المساوي، كالأذى بما يساوي التأفيف يسمى لحن الخطاب، أي معناه من قوله تعالى:{ولتعرفنهم في لحن القول} أي معناه، وهذا التقسيم مبني على أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة الأولوية وهو المختار عند المصنف، وقيل: يشترط، فلا يكون مساوياً وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين، والخلاف في التسمية، واتفقوا على الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: ثم قال الشافعي والإمامان: دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ لها عرفاً.
ش: في دلالة مفهوم الموافقة ثلاثة مذاهب.
الأول: أنها من باب القياس، نص عليه الشافعي في/ (23أ/د)(الرسالة) وذهب إليه الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف في النسخة القديمة عن إمام الحرمين أيضاً، فقال:(قال الإمام الشافعي والإمامان) واعتمد في ذلك نقل بعضهم عن (البرهان) له أنه نقله فيه عن معظم الأصوليين، وهذا وهم فالذي حكاه في (البرهان) عن معظم الأصوليين أنها دلالة مفهوم، والله أعلم.
الثاني: أنها ليست قياسية بل لفظية، فهمت من السياق، والقرائن وهي مجازية، ونوع العلاقة فيها إطلاق الأخص على الأعم، وبهذا قال الغزالي والآمدي.
الثالث: أنها لفظية حقيقية، نقل اللفظ في العرف من وضعه الأصلي لثبوت الحكم في المذكور خاصة إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت معاً.
قال الشارح: وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره المصنف في العموم حيث قال: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى.
قلت: لعله مثل به هناك لهذا القسم على رأي مرجوح، والله أعلم.
ص: وإن خالف (27ب/ م) فمخالفة، وشرطه أن لا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال أو حادثة أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر.
ش: هذا قسيم لقوله أولاً: (فإن وافق حكم المنطوق) أي، وإن خالف حكم المسكوت عنه حكم المنطوق فهو مفهوم مخالفة، ويسمى دليل الخطاب، وللاحتجاج به شروط:
أحدها: أن لا يكون المسكوت إنما ترك ذكره لخوف ونحوه، فالخوف هو المانع من الذكر فلا يكون المفهوم معتبراً.
قال الشارح: وكلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، أي لا يرد المذكور لدفع خوف، ـ فإن ورد لذلك فلا مفهوم له.
الثاني: ألا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، فما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، كذا نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثم نازع فيه، وقال: الذي أراه أن ذلك لا يسقط التعلق بالمفهوم ولكن ظهوره أضعف من ظهور غيره، وقال ابن عبد السلام: إن القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، بخلاف ما إذا لم يكن غالباً، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها
عن ذكر اسمه، فذكره له إنما هو ليدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه، فإذا لم يكن عادة فقد يقال: إن غرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع ثبوت هذه الصفة لهذه الحقيقة، وأجاب في أماليه بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه فإذا نطق/ (23ب/د) باللفظ أولا فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعده يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب.
وأجاب القرافي بأن الوصف إذا كان غالباً كان ملازماً لتلك الحقيقة في الذهن فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه، لا لتخصيص الحكم به، بخلاف غير الغالب.
الثالث: أنه لا يخرج المذكور جواباً لسؤال كأن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة.
الرابع: أن لا يخرج مخرج حادثة، كما لو/ (28أ/ م) قيل:(لزيد غنم سائمة) فيقال: فيها زكاة.
الخامس: أن لا يكون المنطوق إنما ذكر لجهل المخاطب بحكمه، كأن يعلم حكم المعلوفة بالنسبة إلى الزكاة ويجهل حكم السائمة، فيذكر حكمها، والضابط لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بها، بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعلى ذلك اقتصر البيضاوي وتبع المصنف ابن الحاجب في سردها.
ص: ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً.
ش: إذا ظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير اختصاص الحكم به، كأن يعلم
أن قوله: (في سائمة الغنم الزكاة) خرج جواباً لسؤال عن السائمة ـ جاز لنا أن نقيس المسكوت عنه وهي المعلوفة على السائمة في الحكم، وهو وجوب الزكاة، إذا وجد شرط القياس، ولا يكون التخصيص بالذكر في هذه الحالة مانعاً من القياس، فالضمير في قوله:(ولا يمنع) عائد على قوله: (ما يقتضي التخصيص بالذكر أو على التخصيص).
ثم حكى المصنف خلافاً في أن اللفظ المعروض في هذه الحالة كالغنم هل يعم المعلوفة فيستغني بذلك عن القياس أو لا يعمه، بل هو مسكوت عنه، وإنما عبر بالمعروض لأن السوم عارض له، ولم يعبر بالموصوف لئلا يتخيل اختصاص ذلك بالصفة، وأشار بقوله:(إجماعاً) إلى أن بعضهم حكى الإجماع على القول الثاني، وهو ابن الحاجب، فإنه قال في أثناء المسألة: وأجيب بأن ذلك فرع العموم، ولا قائل به، ولا يقال: كيف يحكي الإجماع على قول حكاه بصيغة التمريض، لأن حكاية الإجماع من تتمة هذه القولة التي عبر عنها بـ (قيل) وحاصله نقل حكاية الإجماع عن بعضهم.
ص: وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم، لا مجرد السائمة على الأظهر، وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان.
ش: شرع في ذكر مفاهيم المخالفة، فمنها:
مفهوم الصفة، وهو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، فهو عند القائل بمفهوم الصفة يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء تلك الصفة، وذكر له المصنف ثلاثة أمثلة:
أحدها: في الغنم السائمة الزكاة.
ثانيها: وهو لفظ الحديث (في سائمة الغنم الزكاة) وبين الصيغتين فرق في: / (24/أ/د) المعنى، فمقتضى الأولى عدم الوجوب في الغنم المعلوفة التي لولا القيد
بالسوم لشملها لفظ الغنم، ومقتضى الثانية: عدم الوجوب/ (28/ب/م) في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، كذا قال المصنف.
والحق عندي أنه لا فرق بينهما فإن قولنا: (سائمة الغنم) من إضافة الصفة إلى موصوفها، فهو في المعنى كالأولى، فالغنم موصوفة، والسائمة صفة على كل حال، وقد عرف أنه ليس المراد بالصفة هنا النعت، ولهذا مثل بقوله عليه الصلاة والسلام:((مطل الغني ظلم)) والتقييد فيه بالإضافة لكنه في المعنى صفة، فإن المراد به المطل الكائن من الغني لا من الفقير.
ثالثها: أن يقتصر على ذكر الصفة من غير ذكر الذات، كقولنا:(في السائمة الزكاة) واختلف في أن ذلك من مفهوم الصفة، كالمثالين قبله، أو لا مفهوم له كاللقب، بخلاف المثالين قبله، فإنه لا فائدة فيهما لذكر الصفة إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، حكاه الشيخ أبو حامد وابن السمعاني وغيرهما، وحكى ابن السمعاني الأول عن جمهور الشافعية، على خلاف ما رجحه المصنف، ثم نقل المصنف خلافاً في المثالين الأولين، هل المنفي فيهما غير سائمة الغنم، أو غير مطلق السوائم؟ فعلى الأول: إنما يدل على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم، وعلى الثاني يدل على نفي الزكاة عن كل معلوفة ولو من الإبل أو البقر، وصحح الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول وصاحب
(المحصول) الأول، لأن المنطوق سائمة الغنم، والمفهوم نقيضه.
قال المصنف: ولعل الخلاف مخصوص تصوره في الغنم السائمة، أما صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة على العموم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان.
ص: ومنها العلة والظرف والعدد والحال.
ش: هذه الأنواع من مفهوم الصفة، وإن غاير الأصوليون بينها وبين الصفة.
وقال إمام الحرمين: ولو عبر عن جميع هذه الأنواع بصفة لكان منقدحاً، فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيهما.
وسبقه إليه في العدد القاضي أبو الطيب، فقال: إنه قسم من الصفة، لأن قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضاً، فالضمير في قوله:(منها) يعود على الصفة، فمثال مفهوم العلة قوله عليه الصلاة والسلام:((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) فمفهومه أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، وفرق القرافي بينه وبين مفهوم الصفة، بأن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة، وهي أعم من العلة، فإن وجوب الزكاة في السائمة ليس للسوم وإلا لوجبت في الوحوش، وإنما/ (29/ أ/ م) وجبت لنعمة الملك، وهو مع السوم أتم/ (24ب/د) منه مع العلف، ومثال مفهوم ظرف الزمان قوله تعالى:{الحج أشهر معلومات} والمكان
كقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ومثال العدد قوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} والمحكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه حجة.
وحكاه إمام الحرمين عن الجمهور، لكن جزم البيضاوي تبعاً للقاضي أبي بكر وإمام الحرمين وغيرهما أنه ليس بحجة.
أما مفهوم المعدود كقوله عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) فليس بحجة كما ذكره السبكي، وفرق بينه وبين مفهوم العدد بأن العدد يشبه الصفة، لأن قولك: في خمس من الإبل، في قوة قولك: في إبل خمس، تجعل الخمس صفة للإبل وهي إحدى صفتي الذات، لأن الإبل قد تكون خمساً وأقل وأكثر، فلما قيد وجوب الشاة بالخمس فهم أن غيرها بخلافه، فإذا قدمت لفظ العدد كان الحكم كذلك، والمعدود لم يذكر معه أمر زائد يفهم منه انتفاء الحكم عما عداه، فصار كاللقب.
واللقب لا فرق فيه بين أن يكون واحداً أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلت: رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى، لأنه اسم موضوع لاثنين كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد، انتهى.
ومثال مفهوم الحال قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} .
ص: وشرط.
ش: وهو معطوف على قوله: (صفة) أي ومن المفاهيم مفهوم
الشرط، وهو تقييد الحكم بما هو مقرون بحرف شرط، وهو أقوى من مفهوم الصفة، فإنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج.
ص: وغاية.
ش: ومنها مفهوم الغاية، وهو تقييد الحكم بغاية كـ (إلى) و (حتى) كقوله تعالى:{ثم أتموا الصيام إلى الليل} و {ولا تقربوهن حتى يطهرن} .
ص: وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول.
ش: ومنها مفهوم الحصر: فيه مذاهب.
أحدها: إنكاره.
والثاني: أنه من المنطوق.
والثالث: أنه من المفهوم، وبه قال الجمهور، وله صيغ منها:(إنما) فالجمهور على أنها تدل على الحصر، ومعناه إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، وكلام ابن دقيق العيد في شرح العمدة يقتضي الاتفاق عليه.
واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين.
ومنها: النفي والإثبات، سواء كان النفي بـ (لا) أو (ما) نحو: لا عالم إلا زيد، وما قام إلا زيد، / (29/ب/م) وقد يفهم من تمثيله بالاستثناء المفرغ أن التام نحو قولك: ما قام أحد إلا زيد، بخلافه، وليس كذلك.
ومنها: ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، كقولك: زيد هو العالم، فيفيد ثبوت العلم له ونفيه عن غيره بالمفهوم، ومنه: (إن شانئك هو الأبتر}
ومنها تقديم المعمول نحو: {إياك نعبد / (25 أ/ د) وإياك نستعين} أي لا غيرك، ودخل في المعمول الحال والظرف وتقديم الخبر نحو: تميمي أنا.
ص: وأعلاه: لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل: منطوق أي بالإشارة، وهو إنما، ثم غيره.
ش: أعلى أنواع الحصر، أي أقواها النفي والإثبات نحو:(لا عالم إلا زيد) لأن (إلا) موضوعة للاستثناء، وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق، لكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه فلذلك كان من المفهوم، وبعد النفي والإثبات ما ذهب بعضهم إلى أن دلالته بالمنطوق كـ (إنما) فإن قلت: القسم الأول داخل في هذا لأنه قيل: إنه بالمنطوق، لعلة التنبيه.
قلت: ذاك قيل: إنه منطوق بالنص ودلالة (إنما) قيل: إنها منطوق بالإشارة كما ذكره المصنف، أي بإشارة النص إليه، لا بنفس النص، ثم بعد ذلك غيره من أنواع الحصر، وهو ضمير الفصل، وتقديم المعمول كما تقدم.
ص: مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة وقيل شرعاً وقيل معنى.
ش: جميع مفاهيم المخالفة عندنا حجة، إلا مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بالاسم الجامد، سواء أكان اسم جنس أو علماً، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح، وليس المراد باللقب الاصطلاح النحوي بل أعم منه ومن الاسم والكنية، ثم إن المشهور أن دلالته من جهة اللغة أي ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله.
وقيل: من جهة الشرع أي تصرف من جهة الشرع زائد على الوضع اللغوي، وقيل: من جهة المعنى، أي العرف العام.
ص: واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة.
ش: الدقاق من أصحابنا الشافعية، وكنيته أبو بكر، ونقل الأستاذ أبو إسحاق أنه ألزم على قوله بمفهوم اللقب أن إيجاب الصلاة يكون دليلاً على عدم وجوب الزكاة والصوم وغيرهما.
قال: فبان له غلطه، وتوقف فيه، ويقال: إنه ألزم تكفير من قال: عيسى رسول الله، فإنه على قوله يدل على نفي الرسالة عن غيره، وحكى السهيلي في (نتائج الفكر) هذا المذهب عن الصيرفي أيضاً، ويقال: إنه/ 30/أ/م) حكاه فيه أيضاً عن أبي إسحق المروزي، وحكاه المازري عن ابن خويز منداد ـ وهو بفتح الميم، وعن ابن عبد البر أنه بكسر الباء الموحدة ـ وحكاه الآمدي
وابن الحاجب عن الحنابلة.
ص: وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره.
ش: اختلف المنكرون لمفاهيم المخالفة في الجملة على مذاهب.
أحدها: إنكارها مطلقاً ولا يرد على قول المصنف: (مطلقاً) مفهوم الموافقة، فإنه متفق عليه، كما حكاه القاضي أبو بكر وغيره، لأن الكلام في مفاهيم المخالفة، وبهذا قال أبو حنيفة، فلا يتوهم من اقتصار المصنف على نقله/ (25/ب/د) عنه انفراده به عنا، فإنه وجه عندنا، ذهب إليه ابن سريج والغزالي، وتوهم صاحب (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاطه الزكاة في المعلوفة، وليس كذلك، بل إنما لم يوجبها فيها تمسكاً بالأصل.
الثاني: إنكار المفاهيم في الخبر والعمل بها في الأمر، أي وما في معناه من الإنشاء.
وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب في أثناء الاستدلال.
الثالث: أنها ليست حجة في كلام الآدميين في الأوقاف والأقارير وغيرهما لغلبة ذهولهم، وإنما هي حجة في خطاب الشرع خاصة، لعلمه بواطن الأمور وظواهرها، ذهب إليه الشيخ الإمام تقي الدين السبكي، قال: فلو وقف على الفقراء لا نقول: إن الأغنياء خارجون بالمفهوم بل عدم استحقاقهم بالأصل، ويوافقه ما في فتاوى القاضي الحسين أنه لو ادعى عليه عشرة، فقال: لا تلزمني اليوم، لا يطالب بها، لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم، وحكى ابن تيمية هذا التفصيل في بعض مؤلفاته عن بعض الناس، وقال: إنه خلاف الإجماع، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من دلالات الألفاظ، أو ليس منها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، حكاه الشارح، ثم قال: وعكس بعض
الحنفية هذا ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج: أن شمس الأئمة ذكر في (السير الكبير) أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطاب الشرع، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنه يدل عليه، ويوافق هذا ما ذكره الهروي في (الأشراف) فيما لو قال/ 30/ب/م): ما لزيد علي أكثر من مائة، لم يكن مقرا بالمائة، لأنه نفي مجرد فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار وهو قول أبي حنيفة وأصل هذا أن دليل الخطاب هل هو حجة أم لا؟ انتهى، ففي هذا عن أبي حنيفة أنه إقرار مع أنه لا يقول بالمفهوم، ولما ذكر السبكي كلامه المتقدم قال: إنه لم ير في هذه المسألة نصاً لأصحابنا، ولا لغيرهم.
ويرد عليهم ما تقدم عن القاضي حسين وأن الكيا الهراسي حكى خلافاً في أن قواعد الأصول المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك هل يختص بكلام الشارع أو يجري في كلام الآدميين.
الرابع: إنكار المفهوم إذا لم يشتمل على معنى يناسب الحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض يشبع، والقول به إذا اشتمل على مناسب كالسائمة، فإن خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب وعدمها في عدمه وبهذا قال إمام الحرمين في (البرهان) وبهذا يعلم أن نقل صاحبي (المحصول) و (المنهاج) عنه المنع ونقل ابن الحاجب عنه القول به كلاهما مختل، وأنه إنما قال بهذا التفصيل.
الخامس: إنكار مفهوم العدد دون غيره من المفاهيم أي خلا اللقب، ولم يحتج لاستثنائه لفهمه بما تقدم، وقد قدمت حكاية الخلاف في مفهوم العدد.
ص: مسألة: الغاية قيل منطوق والحق مفهوم.
ش:/ (26/أ/د) ذهب القاضي أبو بكر إلى أن دلالة الغاية على نفي الحكم عما بعدها منطوق فإنهم اتفقوا على أن الغاية ليست كلاماً مستقلاً، فإن قوله تعالى {حتى تنكح زوجاً غيره} وقوله {حتى يطهرن} لابد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام، وذلك المضمر إما ضد ما قبله أو غيره.
والثاني باطل، لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه، فتعين الأول، فيقدر حتى يطهرن فاقربهن، وحتى تنكح فتحل، قال: والإضمار بمنزلة الملفوظ، فإنه إنما يضمر لسبقه إلى فهم العارف باللسان، انتهى.
والحق الذي عليه الجمهور أنه مفهوم ومنعوا وضع اللغة لذلك.
ص: يتلوه الشرط فالصفة المناسبة فمطلق الصفة غير العدد فالعدد فتقديم المعمول لدعوى البيانيين إفادته الاختصاص وخالفهم ابن الحاجب وأبو حيان.
ش: لما فرغ من بيان كونها حجة، شرع في بيان مراتبها في القوة والضعف،
وفائدته الترجيح عند التعارض، فأقواها مفهوم الغاية/ 31/ أ/م) ولهذا قيل: إنه منطوق، ثم مفهوم الشرط، وقدم على مفهوم الصفة، لأنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة، كابن سريج، ثم مفهوم الصفة المناسبة، وقد جعلها في (المستصفى) من قبيل دلالة الإشارة لا المفهوم، ثم مطلق الصفة غير العدد، واقتضى كلامه استواء بقية أقسام مفهوم الصفة من العلة والظرف والحال.
قال الشارح: وينبغي أن يكون أعلاها العلة، لدلالتها على الإيماء فهي قريب من المنطوق، انتهى.
ثم مفهوم العدد، ثم تقديم المعمول، وإنما أخره لأنه لا يفيد في كل صورة، ولأن البيانيين لم يصرحوا بأنه للحصر، وإنما قالوا: للاختصاص، وفي كونه بمعناه نزاع يأتي، وخالف في دلالته على ذلك ابن الحاجب، واحتج على ذلك في شرح المفصل بأنه لو دل على الحصر لدل تأخيره على عدمه، وهو غير لازم، فتأخيره لا يدل على حصر، ولا عدمه، وكذلك أبو حيان، فنقل في أول تفسيره عن سيبويه أنه قال: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم، وهم ببيانه أعني، ولم يذكر المصنف هنا مرتبة بقية أدوات الحصر، كأنه اكتفى بقوله:(فيما تقدم وأعلاها لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل منطوق أي بالإشارة ثم غيره) ولكن ذاك إنما فيه بيان مراتبها في أنفسها، وليس فيه بيان مرتبتها مع غيرها من المفاهيم، وقال في شرح المختصر: إن أعلاها (ما) و (إلا) ثم مفهوم (إنما) والغاية ثم حصر المبتدأ في الخبر، وهو في تقديم ذلك على الشرط متابع للغزالي.
ص: والاختصاص: الحصر، خلافاً للشيخ الإمام حيث أثبته وقال: ليس هو الحصر.
ش: تقدم عن علماء البيان أن تقديم المعمول يدل على الاختصاص/ (26/ب/د) والذي يفهمه أكثر الناس من ذلك الحصر، وخالف في ذلك الشيخ الإمام السبكي، وقال: إنه غيره، فالاختصاص افتعال من الخصوص، وهو مركب
من عام مشترك بين أشياء، ومعنى ينضم إليه يفصله عن غيره، كضربت زيداً، فإنه أخص من مطلق الضرب، لما انضم إليه منك ومن زيد، فمطلق الضرب ووقوعه منك: وكونه واقعاً على زيد قد يقصدها المتكلم على السواء، وقد يرجح قصده لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل/ 31/ب/م) على الاهتمام به.
فإذا قلت: زيداً ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود، فهو الأهم الذي قصد إفادته من غير قصد غيره بإثبات ولا نفي، والحصر وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن غيره زائد على ذلك، وإنما جاء هذا في {إياك نعبد} للعلم بأنه لا يعبد غير الله لا من موضوع اللفظ انتهى.
ص: مسألة: (إنما) قال الآمدي وأبو حيان: لا تفيد الحصر، وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وإلكيا والإمام والشيخ الإمام: تفيد فهما، وقيل: نطقاً.
ش: اختلف في (إنما) على مذاهب.
أحدها: أنها لا تدل على الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات، وبه قال الآمدي، واختاره أبو حيان، وحكاه عن البصريين، وفيه نظر، فقد نقل الأزهري في كتابه (الزاهر) عن أهل اللغة أنها تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره.
الثاني: أنها تفيده من جهة المفهوم، وقال السكاكي: ليس الحصر في إنما من جهة أن (ما) للنفي كما يفهمه من لا وقوف له على علم النحو، يريد به
طريقة الإمام فخر الدين والبيضاوي، لأنها لو كانت للنفي لكان لها صدر الكلام، وإنما هي (ما) الكافة لـ (إن) عن العمل، وكلام ابن دقيق العيد في (شرح العمدة) يقتضي الاتفاق على ذلك، فإنه قال: إن ابن عباس فهم الحصر من قوله: (إنما الربا في النسيئة) ولم يعارض في فهمه، وإنما عورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، قال: وفي ذلك اتفاق منهم على أنها للحصر. انتهى.
وفي كلامه نظر من وجه آخر، وهو أن ابن عباس وإن روى هذه الصيغة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد رواه عن أسامة بن زيد بلفظ:(ليس الربا إلا في النسيئة) وهو في صحيح مسلم، فلعله فهم الحصر من هذه الصيغة الثانية، وهي متفق عليها لا من الصيغة الأولى.
الثالث: أنها تفيده من جهة المنطوق، حكاه الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة) عن القاضي أبي حامد المروزي، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: إنما قام زيد ثم قال: وعمرو، فمن قال بالمفهوم جعله تخصيصاً، ومن قال بالمنطوق جعله نسخاً.
ص: وبالفتح الأصح أن حرف/ (27/أ/د) أن فيها فرع المكسورة ومن ثم ادعى الزمخشري إفادتها الحصر.
ش:/ 32/أ،/م) ما تقدم في (إنما) بالكسر، أما المفتوحة كقوله تعالى:{قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} فقال الزمحشري: إنها تفيد الحصر
أيضاً انتهى.
وقال أبو حيان: إنه تفرد بهذه المقالة، وذكر المصنف أنه مفرع على (أن) المفتوحة فرع المكسورة، وهو الأصح، وقيل: المفتوحة أصل، وقيل: كل منهما أصل بنفسه، حكاها ابن الخباز، وهي مقوية لكلام الزمخشري، ويؤيده أن سيبويه بوب على إن وأخواتها باب الأحرف الخمسة، فجعل (إن) و (أن) واحدة وإذا كانت فرعها فكل حكم ثبت للأصل ثبت للفرع.
ص: مسألة: من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية ليعبر عما في الضمير، وهي أفيد من الإشارة والمثال وأيسر، وهي الألفاظ الدالة على المعاني.
ش: من ألطاف الله تعالى إحداث الموضوعات اللغوية لاحتياج الخلق إلى إعلام بعضهم بعضاً ما في أنفسهم من أمر معايشهم للمعاملات، فإن الإنسان لا يستقل بجميع ما يحتاج إليه، وأمر معادهم لإفادة معرفة الله تعالى وأحكامه، فوضع لهم الألفاظ للدلالة على المعاني، ووقفهم عليها على قول التوقيف، وهو مذهب الأشعري، أو جعلهم قادرين على وضع الألفاظ لمعانيها على قول الاصطلاح وهو رأي أبي هاشم.
قال الشارح: ولهذا عبر المصنف بالحدوث لينبه على أنه لطف على كلا القولين: بخلاف تعبير ابن الحاجب بالإحداث، فإنه يوهم التخصيص بالتوقيف.
قلت: بل التعبير بالإحداث أولى، فإنه مصدر أحدث، واللطف حاصل سواء قلنا إن الله تعالى أحدثها أو البشر لإقدارهم عليها، وأما الحدوث فإنه مصدر حدث، وهو فعل لازم غير منسوب إلى محدث، ومن تمام النعمة
أنه جعل ذلك بالنطق دون الإشارة والمثال، وهو وضع شيء على شكل المطلوب لكونه أكثر فائدة وأسهل، فالأول لأنه يعبر به عن الذات والموجود والحادث وأضداها، بخلاف الإشارة والمثال/ 32ب/م) فإنه لا يمكن التعبير بهما عن المعنى والمعدوم والقديم.
والثاني فلأنه مركب من الحروف، وهي كيفيات تعرض للنقص الضروري.
واعلم أن تعبير المصنف وغيره بـ (أفيد) لا يستقيم، فإن صيغة أفعل إنما يصاغ من فعل ثلاثي، وفعل أفيد أفاد وهو رباعي.
ثم بين الموضوعات اللغوية، وأنها الألفاظ الدالة على المعاني، فخرج عن ذلك الخط والإشارة وغيرهما، ودخل في الألفاظ المقدرة وهي الضمائر المستترة في الأفعال، فهي ملفوظ بها حكماً، بدليل إسناد الفعل إليها، وجواز تأكيدها، والعطف عليها، وخرج/ (27/ب/د) بالدلالة على المعاني المهملات، ودخل في هذا التعريف المفرد والمركب.
ص: وتعرف بالنقل تواتراً أو آحاداً، وباستنباط العقل من النقل لا مجرد العقل.
ش: الطريق في معرفة الموضوع وهو اللغة منحصرة عقلاً في العقل والنقل، والمركب منهما.
أما الأول: فلا تعرف به اللغة، لأنه إنما يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات.
أما وقوع أحد الجائزين فلا مدخل له فيه، والوضع من ذلك.
وأما الثاني: فالنقل إما متواتر كالسماء والأرض، والحر والبرد، وإما آحاد كأكثر اللغات فيتمسك به في المسائل الظنية دون القطعية.
وأما الثالث: المركب منهما وهو استنباط العقل عن النقل، فمثاله: كون الجمع المعرف بـ (أل) للعموم فإنه مستفاد من مقدمتين نقليتين حكم العقل بواستطها، إحداهما: أنه يدخله الاستثناء.
والثانية: أن الاستثناء إخراج ما تناوله اللفظ، فحكم العقل عند وجود هاتين المقدمتين بأنه للعموم، ولا التفات إلى قول الشيخ زين الدين بن الكتاني أنه إذا كانت المقدمتان نقليتين كانت النتيجة أيضاً نقلية، وإنما العقل يفطن لنتيجتها لأنا نقول: ليس هذا الدليل مركباً من نقليتين لعدم تكرر الحد الأوسط فيهما، وإنما هو مركب من مقدمة نقلية، وهي الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ومقدمة عقلية لازمة لمقدمة أخرى نقلية، وهي أن كل ما دخله الاستثناء عام، لأنه لو لم يكن عاماً لم يدخل المستثنى فيه، ثم جعلت هذه القضية كبرى للمقدمة الأخرى النقلية، فصار صورة الدليل هكذا/ 33/ أ/م): الجمع المحلى بـ (أل) يدخله الاستثناء، وكل ما يدخله الاستثناء عام ينتج أن المحلى بـ (أل) عام.
ص: ومدلول اللفظ إما معنى جزئي أو كلي، أو لفظ مفرد مستعمل كالكلمة فهي قول مفرد، أو مهمل كأسماء حروف الهجاء أو مركب مستعمل.
ش: مدلول اللفظ ينقسم إلى معنى ولفظ، فالأول وهو المعنى ينقسم إلى جزئي وكلي، وسيأتي بيانهما.
والثاني: وهو اللفظ، ينقسم إلى مفرد ومركب، وكل منهما إما مستعمل أو مهمل، فهذه أربعة أقسام، فالمفرد المستعمل كالكلمة وهي قول مفرد.
ولما عبر المصنف بالقول لم يحتج إلى أن يقول كما قال غيره (وضع لمعنى مفرد) لأن القول خاص بالمستعمل، بخلاف من عبر باللفظ فإنه احتاج معه إلى ذكر الوضع لإطلاقه على المهمل والمفرد المهمل، كأسماء حروف الهجاء، ألا
ترى أن الصاد موضوع لهذا الحرف، وهو مهمل لا معنى له، وإنما يتعلمه الصغار في الابتداء للتوصل به إلى معرفة غيره، والمركب المستعمل نحو الخبر: كقام زيد، والمركب المهمل في وجوده خلاف، حكاه المصنف في باب الأخبار، وذكر هناك أقسام المركب فلذلك لم يذكر ههنا.
ص: والوضع/ (28/أ /د) جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
ش: المراد جعله متهيئاً لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على وجه مخصوص كتسمية الولد زيداً، وعرفه بعضهم بأن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني.
ص: ولا يشترط مناسبة اللفظ للمعنى خلافاً لعباد حيث أثبتها، فقيل: بمعنى: أنها حاملة للواضع على الوضع، وقيل: بل كافية في دلالة اللفظ على المعنى.
ش: قال الجمهور: لا يشترط أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة، واشترط ذلك عباد بن سليمان من المعتزلة، واختلف النقل عنه، فقيل: أراد أن المناسبة حاملة للواضع على الوضع، وهو مقتضى نقل الآمدي عنه، وقيل: أراد أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى من غير وضع، وهو مقتضى نقل الإمام عنه، وهو ظاهر الفساد، والأول أقرب منه، وحكاه الشيخ تقي الدين بن تيمية/ 33/ ب/م) عن المحققين وهو مردود، فإنه يلزم عليه امتناع وضع اللفظ الواحد للضدين وهو باطل لوجود القرء والجون ونحوهما.
ص: واللفظ موضوع للمعنى الخارجي لا الذهني خلافاً للإمام، وقال الشيخ الإمام: للمعنى من حيث هو.
ش: اختلف في أن اللفظ وضع لماذا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه موضوع للمعنى الخارجي أي الموجود في الخارج، وبه قال
الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) ونصره ابن مالك في (شرح المفصل)
والثاني: للمعنى الذهني، وإن لم يطابق الخارج، واختاره الإمام والبيضاوي، لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجوداً وعدماً، فإن من رأى شبحاً من بعد تخيله طللا سماه طللا، فإذا تحرك فظنه شجراً سماه شجراً، فلما قرب منه ورآه رجلاً سماه رجلاً، ورد ذلك بأنه إنما تغيرت التسمية لاعتقاد أنه في الخارج كذلك.
والثالث: أنه موضوع للمعنى من حيث هو أعم من الذهني والخارجي، واختاره الشيخ، الإمام السبكي وله فيه تصنيف.
ص: وليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى يحتاج إلى اللفظ.
ش: لا يجب أن يوضع لكل معنى لفظ يدل عليه، فإن أنواع الروائح كثيرة، ولم يوضع لها ألفاظ توازيها، وإنما وضع لما تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فيجب الوضع له للإفهام، وعبارة (المحصول) لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، بل لا يجوز، واقتصر في (الحاصل) على نفي الوجوب، وفي (المنتخب) على نفي الجواز، وأتى المصنف بلفظ يحتملهما.
ص: والمحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه.
ش: قال الله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر
متشابهات} والمشهور أن المحكم هو المتضح/ (28/ب/د) المعنى، مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، فيدخل فيه النص والظاهر.
والمتشابه مقابله فهو ما لم يتضح معناه، فيدخل فيه المجمل، وما ظاهره غير مراد كالتشبيه، وهو المقصود هنا، وعبر عنه المصنف بحكمه فقال: إنه ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم قال: وقد يطلع عليه بعض أصفيائه، وهذا مذهب الأشاعرة والمعتزلة: أن الوقوف على قوله: {والراسخون في العلم} وأنه لا بد أن يكون في الراسخين من يعلمه.
وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر، لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقال النووي في الأدب من (شرح مسلم) إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته انتهى.
وذهب آخرون من أصحابنا وغيرهم إلى الوقوف على قوله: {إلا الله} وقالوا: لا يعلم المتشابه سواه (34/أ/م)، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الأصح
عندنا، لأنه قوله الصحابة، وقال ابن السمعاني: إنه المختار على طريقة أهل السنة، واختاره الشيخ موفق الدين بن قدامة.
ص: قال الإمام: واللفظ الشائع لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى خفي إلا على الخواص، كما يقول مثبتو الحال: الحركة معنى يوجب تحرك الذات.
ش: قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يجوز أن يكون اللفظ الشائع المشهور بين الخاصة والعامة في معنى موضوعاً لمعنى خفي جداً بحيث لا يعرفه إلا الخواص، والقصد بذلك الرد على مثبتي الأحوال في قولهم: إن الحركة معنى يوجب تحرك الذات، فإن ذلك معنى خفي إلا على الخواص، والمشهور تفسير الحركة بنفس الانتقال لا أنها/ معنى أوجب الانتقال، ورده الأصفهاني في شرحه، وقال: قد يدرك الإنسان معاني حقيقة لطيفة ولا يجد لها لفظاً يدل عليها لأن المعنى مبتكر، ويحتاج إلى وضع لفظ بإزائه، ليفهم الغير ذلك المعنى، سواء أكان اللفظ مشهوراً أم لا، نعم إن قيل: إن اللفظ المشهور موضوع بإزاء المعنى الخفي أو لا، فممنوع، قال: وأسماء الله المقدسة من القسم الأول، فإن فيها ألفاظاً مشهورة، وبإزائها معان دقيقة لا يفهمها إلا
الخواص.
ص: مسألة: قال ابن فورك والجمهور: اللغات توقيفية، علمها الله بالوحي أو خلق الأصوات أو العلم الضروري، وعزي إلى الأشعري، وأكثر المعتزلة: اصطلاحية حصل عرفانها بالإشارة والقرينة، كالطفل، والأستاذ القدر المحتاج في التعريف توقيف وغيره محتمل له وقيل: عكسه وغيره محتمل له وتوقف كثير، والمختار: الوقف عن القطع وأن التوقيف مظنون.
ش: ذكر في هذه المسألة الخلاف في واضع اللغات وفيه مذاهب:
أحدها: أنها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى هو الذي وضعها، ووقف خلقه عليها إما بوحيها إلى نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإما بخلق أصوات تدل عليها وإسماعها لمن عرفها ونقلها، وإما بخلق علم/ (29أ/ د) ضروري بها عند من شاء، وبهذا قال الجمهور، ومنهم ابن فورك وهو من أكابر أصحاب الأشعري.
وقول المصنف: (وعزي إلى الأشعري) يقتضي توقفه في نسبته إليه، ولعل ذلك لأن بعضهم قال: إنما تكلم الأشعري في الوقوع مع تجويز صدور اللغة اصطلاحاً، ولو منع الجواز لنقله عنه القاضي وغيره من أصحابه.
الثاني ـ وبه قال أكثر المعتزلة ـ: أنها اصطلاحية، بمعنى أن الواضع لها واحد من البشر أو جماعة، وعلمها الباقون بالإشارة والقرائن كتعريف الأطفال ذلك في ابتداء نطقهم وتمييزهم.
الثالث: ـ وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ـ: أن ابتداءها وهو القدر المحتاج إليه في التعريف توقيفي، والباقي محتمل للتوقيف والاصطلاح، كذا نقلها عنه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب والإمام في موضع، ونقل عنه في موضع آخر أن الباقي اصطلاحي، وتبعه على النقل الثاني البيضاوي.
والأول هو المعروف عنه.
الرابع: عكسه، أي ابتداؤها محتمل للتوقيف والاصطلاح، وباقيها توقيفي، هذا مقتضى اللفظ.
وقال الشارح: (قوله: عكسه) يفهم أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي والباقي محتمل لكن الذين حكوا هذا المذهب قالوا: إن الباقي مصطلح.
قلت: صوابه توقيفي، وقوله: مصطلح، سبق قلم، لا أدري من المصنف أو الناسخ.
وقوله: (أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي) فيه نظر، ومقتضى اللفظ ما قدمته من أنه محتمل، والله تعالى أعلم.
الخامس: التوقف في المسألة لتعارض الأدلة، وعزاه في (المحصول) للقاضي وجمهور المحققين.
السادس: الوقف عن القطع بشيء من هذه المذاهب، وترجيح مذهب الأشعري في التوقيف بحسب الظن، اختاره المصنف تبعاً لابن الحاجب/ وقال الآمدي: إن كان المطلوب اليقين فالحق قول القاضي، وإن كان المطلوب الظن وهو الحق فالقول قول الأشعري، لظهور أدلته.
فائدة:
ذكر الإبياري شارح (البرهان) أنه لا فائدة للخلاف في هذه المسألة.
وقال الماوردي في تفسيره: فائدته أن من قال بالتوقيف جعل التكليف مقارناً لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام.
وقال بعضهم: فائدته قلب اللغة، ورتب بعضهم على هذا ما لو عقد النكاح بحضور الناس على ألفين مريدين بها ألفا.
والحق أن الخلاف في اللغات الموجودة هل هي توقيفية أو اصطلاحية، أما اصطلاح اثنين الآن على تسمية الألف ألفين أو الثوب فرساً فلا يجوز قطعاً.
ص: مسألة: قال القاضي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي: لا تثبت اللغة قياساً، وخالفهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام، وقيل: تثبت الحقيقة/ (29/ب/د) لا المجاز ولفظ القياس يغني عن قولك محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء.
ش: اختلف في أن اللغة هل تثبت بالقياس أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: المنع، وهو قول أكثر أصحابنا والحنفية، والمحكي هنا عن القاضي من المنع هو الموجود في تقريبه، وكذا حكاه عنه المازري وغيره، ونقل ابن الحاجب عنه جواز ذلك مردود.
الثاني: الجواز، والذاهبون إلى هذا منهم من جوزه من حيث اللغة، ومنهم من جوزه من حيث الشرع، فتحصل في ذلك مذهبان.
وبالثاني قال ابن سريج، كما حكاه عنه ابن السمعاني فقال بعد ذكر
المانعين: وهذه الأدلة قوية جداً، فالأولى أن نقول: يجوز إثبات الأسامي شرعاً، ولا يجوز لغة، وهو الذي اختاره ابن سريج، والدليل عليه: أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لصفة، متى انتفت عنها لم تسم صلاة، فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، فبان بهذا ثبوت الأسماء الشرعية بالعلل، انتهى.
ونقل المنصف عن الإمام الجواز لا ينافيه قوله في مواضع: (هذا قياس في اللغة، فلا نقول به) فإن المناظرة قد يرتكب فيها مذهب الخصم والاعتماد على المذكور في مظنته دون المستطرد.
الرابع: أنه تثبت الحقيقة دون المجاز لأنه أخفض رتبة منها، فيجب تميزها عليه، وهذا يخرج من كلام القاضي عبد الوهاب.
تنبيهات:
أحدها: قال ابن الحاجب: ليس الخلاف فيما يثبت تعميمه بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، وذكر المصنف أن لفظ القياس يغني عن ذلك، أي فإن اطراد ذلك في كل ما أسند إليه فعل قد علم بالنص فلا يحتاج فيه القياس.
ثانيها: محل الخلاف إذا اشتمل الاسم على وصف، واعتقدنا أن التسمية لذلك الوصف، فهل يجوز تعدية الاسم إلى محل آخر مسكوت عنه كالخمر إذا اعتقدنا أن تسميتها بذلك باعتبار تخمير العقل فعديناه إلى النبيذ؟ أما الأعلام فلا يجري فيها القياس اتفاقاً، لأنها غير معقولة المعنى، والقياس فرع المعنى، وكذلك الصفات كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما، لأنه/ 35/ب/م) لا بد للقياس من أصل وهو غير متحقق فيها، فإنه ليس جعل/ البعض أصلاً والبعض فرعاً بأولى من العكس، واطرادهما في محالها مستفاد من الوضع لوضعهم القائم مثلاً لكل من
قام.
وثالثها: فائدة الخلاف أن المثبت للقياس في اللغة يستغني عن القياس الشرعي، فإيجاب الحد على شارب النبيذ والقطع على النباش بالنص، ومن أنكر القياس في اللغة جعل ثبوت ذلك بالشرع، والله تعالى أعلم.
ص: مسألة: واللفظ والمعنى إن اتحدا فإن منع تصور معناه الشركة فجزئي وإلا فكلي.
ش:/ 30أ/ د) هذه المسألة في تقسيم اللفظ إذا نسب للمعنى باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة المعنى وتعدده، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: متحد اللفظ والمعنى، ويسمى المنفرد، لانفراد لفظه بمعناه، وينقسم إلى جزئي وكلي، فإن منع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الجزئي كالعلم نحو (زيد) وإن لم يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الكلي، سواء أوقعت فيه الشركة كالإنسان، أو لم تقع وأمكنت كالشمس، أو استحالت كالآلة، فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه.
واعلم أن الجزئي والكلي بالذات هو ذلك المعنى، وإطلاقه على اللفظ الدال عليه باعتبار التبعية تسمية للدال باسم المدلول.
ص: متواطئ إن استوى، مشكك إن تفاوت.
ش: ينقسم الكلي إلى متواطئ ومشكك.
فالأول: ما استوى معناه في أفراده كالإنسان، فإن كل واحد من أفراده لا يزيد على الآخر في معنى الإنسانية وهي الحيوانية والناطقية.
والثاني: أن يتفاوت معناه في أفراده كالنور فإنه يطلق على الشمس والسراج، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت، وسمي مشككاً لأنه يشكك الناظر
هل هو متواطئ لوحدة، الحقيقة فيه، أو مشترك لما بينهما من التفاوت.
وقال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك لأن ما حصل به التفاوت إن دخل في التسمية فاللفظ مشترك، وإن لم يدخل بل وضع للقدر المشترك فهو المتواطئ، وأجاب عنه القرافي بأن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، ولكن الاختلاف إن كان بأمر من جنس المسمى فهو المشكك، وإن كان / 36/أ/م) بأمور خارجية من مسماه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فهو المتواطئ.
واعلم أن بعضهم قال: التعبير بالاختلاف أولى من التعبير بالتفاوت، لأنه يدخل فيه ما كان اختلافه بالوجوب والإمكان، كالوجود واجب في حق الله تعالى، جائز في حق غيره، أو بالاستغناء والافتقار كالوجود يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع افتقارها إليه، ولا يدخل ذلك في التعبير بالتفاوت.
وفيه نظر، فإن الواجب والجائز متفاوتان، والاستغناء والافتقار متفاوتان، فقد دخل هذان القسمان في التعبير بالتفاوت أيضاً، والله تعالى أعلم.
ص: وإن تعددا فمتباين.
ش: القسم الثاني أن يتعدد اللفظ والمعنى، كالإنسان والفرس فهو المتباين، سمي بذلك لتباين لفظه ومعناه، أي: أن كلا من اللفظين لفظه ومعناه غير لفظ، الآخر ومعناه، وعندي في مباينة هذا القسم للذي قبله نظر، فإن الكلي إن أخذ باعتبار معناه/ 30ب/د) وحده من غير نظر إلى لفظ آخر فهو مفرد، وإن أخذ باعتبار مدلول آخر فهو متباين بالنسبة إلى ذلك الآخر كالإنسان، فإن معناه مفرد وهو بالنظر إلى الفرس مثلاً متباين، فيدخل أحد/ القسمين في الآخر، فلينظر في ذلك فإني لم أر من تعرض له، والله تعالى أعلم.
ص: وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف، وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك وإلا فحقيقة ومجاز.
ش: القسم الثالث: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى كالإنسان والبشر، فهو المترادف.
القسم الرابع: عكسه أن يتحد اللفظ، ويتعدد المعنى، فإن وضع لكل منهما وضعاً أولياً فهو مشترك بينهما كالقرء للطهر والحيض، وإن وضع لأحدهما ثم نقل للآخر لعلاقة سمي بالنسبة للأول حقيقة، وبالنسبة للثاني مجازاً كالأسد، ومحل هذا إذا لم يغلب استعماله في المنقول/ (36/ب/م) إليه فإن غلب سمي بالنسبة للأول منقولاً عنه، وبالنسبة للثاني منقولاً إليه، ومقتضى هذا أنه لا يطلق عليه اسم الحقيقة والمجاز، وهذا مخالف لقولهم: إنه قد تكون الحقيقة مرجوحة والمجاز راجحاً.
ص: والعلم ما وضع لمعين لا يتناول غيره، فإن كان التعين خارجياً فعلم الشخص، وإلا فعلم الجنس، وإن وضع للماهية من حيث هي فاسم الجنس.
ش: ذكر المصنف من أقسام الجزئي العلم، وعرفه بأنه ما وضع لمعين لا يتناول غيره.
فخرج بالمعين النكرات.
وبقوله: (لا يتناول غيره) بقية المعارف، فإن الضمير صالح لكل متكلم ومخاطب وغائب، واسم الإشارة صالح لكل مشار إليه، وكذلك بقيتها.
وهذا التعريف ذكره ابن الحاجب في كافيته، وزاد فيه (بوضع واحد) لئلا يرد عليه أن زيداً مثلاً قد يسمى به واحد وآخر فهو متناول لغيره، فأخرجه بقوله:(بوضع واحد) فإن ذلك بأوضاع.
واعترض عليه في قوله: (لا يتناول غيره) بأنه إذا قصد بذلك إخراج
الضمير كـ (أنت) مثلاً فإنه يصح أن يخاطب به زيد وعمرو وغيرهما ـ يقال له: والعلم كذلك، فكما أنه قد يعرض الاشترك في لفظ الضمير بحسب المخاطب قد يعرض في العلم باعتبار تعدد التسمية، لكن كل منهما لم يوضع إلا لواحد بخلاف النكرات، ولو تبع المصنف ابن مالك في تعريف العلم بأنه:(اسم يعين مسماه مطلقاً) أي من غير قيد ولا قرينة ـ لكان أحسن.
ثم قسم المصنف العلم إلى علم الشخص كزيد، وعلم الجنس كأسامة، وفرق بينهما بأن التعين في الشخصي خارجي وفي الجنسي ذهني، وتقرير ذلك أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد التشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني.
ومن المهمات: الفرق بين علم الجنس كأسامة، واسم الجنس كأسد، فإنهما في المعنى سواء لصدق كل منهما على كل فرد من هذا الجنس، وفي الأحكام اللفظية مختلفان فإن لأسامة حكم الأعلام من منع الصرف لاجتماع فرعية الأنوثة والعلمية/ (31/أ/د) وغير ذلك من الأحكام، وأسد نكرة محضة، قال القرافي: وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد إلا منه، / (37/أ/ م) وكان يقول: ما في البلاد المصرية من يعرفه، وتقرير الفرق بينهما أن الواضع إذا استحضر صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة المتشخصة في ذهنه جزئية باعتبار تشخصها في ذهنه، ومطلق الصورة كلي، فإن وضع اللفظ للصورة التي في ذهنه فهو علم الجنس، وإن وضعه لمطلق الصورة فهم اسم الجنس/ وحينئذ فلا يعرف الفرق بينهما إلا باعتبار وضع الواضع.
وفي كلام سيبويه إشارة إلى هذا الفرق، وقال ابن مالك بعد ذكره كلامه:
جعله خاصاً شائعاً في حال واحدة مخصوصة باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشائعة باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطاً من تلك الحقيقة في الخارج.
واختار والد المصنف أن علم الجنس ما قصد به تمييز الجنس عن غيره، مع قطع النظر عن أفراده، واسم الجنس ما قصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على الأفراد، حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية صار مساوياً لعلم الجنس، لأن الألف واللام الجنسية لتعريف الماهية، وفرع على ذلك أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع، لأن الحقيقة من حيث هي لا تقبل جمعاً ولا تثنية، لأن التثنية والجمع إنما هو للأفراد.
ص: مسألة: الاشتقاق رد لفظ إلى آخر ولو مجازاً لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية.
ش: الاشتقاق لغة الاقتطاع، واصطلاحاً ما ذكره بقوله:(رد لفظ إلى آخر) أي يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً، والفرع مردود إلى الأصل.
وقوله: (لمناسبة بينهما في المعنى) خرج به نحو: اللحم والملح والحلم، فإنها متوافقة في الحروف الأصلية دون المعنى.
وقوله: (والحروف) خرج به الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر.
وقوله: (الأصلية) أخرج به الحروف الزوائد، فإنه لا يحتاج إلى الاتفاق فيها.
قال ابن الحاجب: وقد يقال: (بتغيير ما) أي يزاد ذلك في التعريف، ولم يأت به المصنف، وهو الحق، فإنه إذا لم يكن فيه تغيير فالمشتق حينئذ هو المشتق منه.
وقد أورد على المصنف أنه أهمل/ (37/ ب/م) تبعاً لغيره الترتيب في الحروف، ولا بد منه.
وأجاب عنه بأنه إذا لم يكن على ترتيبه لم يناسبه.
وأشار بقوله: (ولو مجازاً) إلى أن الاشتقاق قد يكون من المجاز، كما يكون من الحقيقة وهذا هو الصحيح خلافاً للقاضي أبي بكر والغزالي وإلكيا حيث منعوا الاشتقاق من المجاز وجعلوا ذلك مختصاً بالحقيقة، كالأمر إذا كان بمعنى القول الطالب للفعل، كما هو حقيقة فإنه يشتق منه الآمر والمأمور وغيرهما، فإن كان بمعنى الفعل أو غيره من مجازاته لم يشتق منه، ويشهد للأول إجماع البيانيين على صحة/ (31ب/ د) الاستعارة التبعية، وهي مشتقة من المجاز، لأن الاستعارة أولاً تكون في المصدر ثم تشتق منه.
ص: ولا بد من تغيير، وقد يطرد كاسم الفاعل وقد يختص كالقارورة.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: أنه لا بد من تغيير بين لفظي المشتق والمشتق منه، وذلك بزيادة حرف أو حركة أو هما معاً، أو نقصان حرف أو حركة أو هما معاً، أو زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حرف ونقصان حركة، أو زيادة حركة ونقصان حرف، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو نقصان حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة الحرف ونقصانه، وزيادة الحركة ونقصانها، فهذه خمسة عشر قسماً.
ثم قد يكون التغيير لفظياً، وقد يكون تقديرياً، كالفلك مفرداً أو جمعاً، فتقدير حركة الجمع غير حركة المفرد، وطلب من الطلب، فحركة البناء في الفعل غير حركة الإعراب في المصدر، وقد يزاد التغيير المعنوي، لأن التغيير اللفظي مفهوم من رد أحدهما إلى الآخر لاستحالة رد الشيء إلى نفسه.
ثانيهما: أن المشتق قد يطرد استعماله: كاسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما، وقد لا يطرد كالقارورة، فهي مشتقة من الاستقرار، ولا يطرد في
كل مستقر بل مختص بالزجاجة.
ص: ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق له منه اسم، خلافاً للمعتزلة، ومن بنائهم اتفاقهم على أن سيدنا إبراهيم ذابح، واختلافهم/ (38/أ/م) هل إسماعيل مذبوح.
ش: لا يجوز أن يشتق الاسم إلا لمن قام به الوصف، فلا يطلق على من لم يتصف بالقيام أنه قائم، وهذا واضح، والقصد الرد به على المعتزلة في أنهم لم يثبتوا للباري الصفات الثمانية التي أثبتها الأشاعرة، وهي المجموعة في قول بعضهم.
حياة وعلم قدرة وإرادة كلام وإبصار وسمع مع البقا.
مع اعترافهم بثبوت الأسماء له، وهي أنه حي عليم إلى آخرها، فاشتقوا الاسم لمن لم يقم به الوصف، وهم لم يطردوا هذا في جميع الأمور، فغايته أن هذا لازم لمذهبهم، والصحيح أن لازم المذهب/ ليس بمذهب، وبنوا أي المعتزلة على هذا الأصل مسألة وهي:(النسخ قبل الفعل) فمنعه المعتزلة، وجوزه جمهور أصحابنا، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ولده، ثم نسخ قبل التمكن، فأجابوا بأنه ذبح، وكان يلتحم، ووجه البناء الاتفاق على أن إبراهيم عليه السلام ذابح، مع أنه لم يقم به فعل الذبح، فإنه لا بد فيه من ثبوت مذبوح تزهق روحه، واختلفوا مع ذلك في أن إسماعيل مذبوح أم لا، كذا قاله المصنف هنا، وقال في (شرح المختصر): اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح، واختلفوا في أن إبراهيم عليه السلام هل هو ذابح أم لا؟ فقال قوم: هو (32أ/د) ذابح للقطع، والولد غير مذبوح للالتئام وأنكره قوم، وقالوا: ذابح ولا مذبوح محال.
قال الشارح: وهو أولى من كلامه هنا.
ص: فإن قام به ما له اسم وجب الاشتقاق، أو ما ليس له اسم كأنواع الروائح لم يجب.
ش: اختلفوا في أنه هل يجب أن يشتق لمحل المعنى القائم بالشيء منه اسم قال في (المحصول): والحق التفصيل، فإن كان لذلك المعنى اسم وجب، وإن لم يكن له اسم كأنواع الروائح والآلام استحال أن يشتق لمحله منه اسم.
ص: والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن، وإلا فآخر جزء، وثالثها الوقف.
ش: إطلاق المشتق مع بقاء المشتق منه حقيقة بالاتفاق، وقيل: وجوده باعتبار المستقبل مجاز بالاتفاق، وأما/ (38/ ب/م) إطلاقه بعد انقضائه باعتبار (المضي كإطلاق الضارب) بعد انقضاء الضرب فهل هو حقيقة أو مجاز؟
فيه مذاهب.
أحدها: أنه مجاز، وإنما يكون حقيقة إذا أطلق مع قيام المشتق منه، ثم إن أمكن حصوله دفعة واحدة كالقيام والقعود فلا إشكال فيه، وإن لم يمكن كالأعراض السيالة التي لا يمكن اجتماع أجزائها دفعة واحدة كالكلام ونحوه اكتفى في كون الإطلاق حقيقياً، بأن يقترن ذلك بآخر جزء، وبهذا قال الجمهور، وفي (المحصول) أنه الأقرب، واختاره البيضاوي.
الثاني: أنه حقيقة، وبه قال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وابن
سينا.
فإن قلت: لم يشترط أبو علي وابنه صدق الأصل، وهذه فرع تلك.
قلت: إنما خالفا في صفات الله تعالى ووافقا فيما عداها.
الثالث: الوقوف في ذلك، وقال الشارح: لم أر هذا القول صريحاً لأحد إلا أن العضد في (شرح المختصر) قال: كان ميل ابن الحاجب إلى التوقف في المسألة، ولذلك ذكر أدلة الفريقين، وأجاب عنها.
تنبيه:
غاير الشارح بين القول الذاهب إلى أنه مجاز مطلقاً، والقول المفصل بين ما يوجد أجزاؤه دفعة واحدة، وبين ما يوجد أجزاؤه شيئاً فشيئاً، فيكتفي
في الإطلاق الحقيقي في الثاني بأن يكون ذلك عند آخر جزء، والحق أنهما قول واحد، ولكن لما اعترض القائل بالمذهب الثاني على الأول بأنه يلزم عليه أن المشتق مما لا يمكن اجتماع أجزائه لا يمكن كونه حقيقة أجاب عنه بأنه يكتفي في كونه حقيقة بأن يكون إطلاقه عند آخر جزء، فهذا من تتمة القول بأن إطلاقه بعد انقضاء المشتق منه مجاز، فإن/ ذلك قدر مشترك بين الحالتين، والتفصيل إنما هو في كيفية الإطلاق الحقيقي مع قيام المشتق منه، فهو تنقيح لهذا القول الذاهب إلى المجاز، لا مغاير له.
نعم في المسألة قول آخر: إن ما أمكن بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق كالضارب فمجاز، وما لم يمكن كالمتكلم/ (32ب/د) فحقيقة، ولم يحكه المصنف ولا الشارح.
ورتب الشارح على هذه المغايرة التي سلكها أمرين.
أحدهما: قال:/ (39/أ/م) إن ما عزاه المصنف للجمهور تابع فيه الصفي الهندي، وفيه نظر، فإن كلام الإمام في (المحصول) مصرح بأنه بحث له لم يقل به أحد.
فإن أورد من جهة المانع أنه لو كان وجود المعنى شرطاً في كون المشتق حقيقة لما كان اسم المتكلم والمخبر حقيقة في شيء أصلاً، لأن الكلام اسم لجملة الحروف المركبة، ويستحيل قيام جملتها بالمتكلم حال التكلم ضرورة أنه لا يمكن النطق بالكل دفعة واحدة، بل على التدريج، مع أنه يقال: زيد متكلم ومخبر، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ثم قال: فإن أجيب بأنه لم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة إذا كان ممكن الحصول فأما إذا لم يكن كذلك فلا.
قلنا: هذا باطل، لأنه لم يقل بهذا الفرق أحد من الأمة، وقال الآمدي في (الإحكام): هل يشترط بقاء الصفة المشتق منها في إطلاق الاسم المشتق حقيقة؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون، وفصل بعضهم بين الممكن الحصول
فاشترط ذلك فيه، وبين ما لا يمكن حصوله فلا، والظاهر أن مراده به احتمال صاحب (المحصول) انتهى.
قلت: وهذا الذي نفاه الإمام وأثبته الآمدي هو القول الذي زدته لا القول الذي حكاه المصنف عن الجمهور، والذي حكاه عن الجمهور هو القول بالمجاز مطلقاً، كما قدمته، والله تعالى أعلم.
الثاني: قال الشارح: كان ينبغي للمصنف أن يقول: ورابعها الوقف، لأن هذا التفصيل هو ثالثها، كما صرح به ابن الحاجب.
قلت: ما زعم الشارح أنه ثالث ليس في كلام المصنف أصلاً، نعم في المسألة ثالث لم يحكه المصنف ولا الشارح كما قدمته، فالأقوال حينئذ أربعة، إن ثبت قول الوقف، لكن لا على الوجه الذي قرره الشارح، والله تعالى أعلم.
ص: ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافاً للقرافي.
ش: لما تقرر أن الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه/ (39/ب/م) في كون المشتق حقيقة، علم منه أن إطلاق اسم الفاعل ونحوه باعتبار الحال حقيقة، وهذا متفق عليه كما تقدم.
ثم بين أن المراد بالحال حال تلبس الفاعل بالفعل، لا حال نطق الناطق باللفظ المشتق، خلافاً للقرافي، ومقتضى هذه العبارة أن القرافي اعتبر حال النطق، وليس ذلك وافياً بقوله، فإنه قال: محل الخلاف إذا كان المشتق محكوماً به، كقولنا:(زيد زان) أو (سارق) فإن كان محكوماً عليه كقولنا: (السارق تقطع يده) فإنه حقيقة مطلقاً فيمن اتصف به في الماضي والحال والاستقبال، وإلا سقط الاستدلال بقوله تعالى:{فاقتلوا المشركين} {الزانية
والزاني} {والسارق والسارقة} ونحوها في هذه الأعصار، فإنه يقال: لا يتناول حقيقة إلا من كان متصفاً بهذا الوصف حالة نزول الآية، وإطلاقه على غيره مجاز، والأصل عدم المجاز، انتهى.
وقد (33أ/د) عرفت/ منه أنه لم يدر ذلك مع زمن النطق، وإنما أدراه مع المحكوم به، ومتعلق الحكم، والمخلص مما قاله القرافي أن اسم الفاعل لا دلالة له على زمن الخطاب، بل مدلوله شخص متصف بصفة صادرة منه، لا تعرض له لزمان كما هو شأن الأسماء كلها، وإذا لم يدل على الزمان الذي هو أعم من الحال فلأن لا يدل على الحال الأخص منه أولى، وإنما جاء الفساد من جهة أنهم فهموا من قولنا:(زيد ضارب) أنه ضارب في الحال، فاعتقدوا أن هذا لدلالة اسم الفاعل عليه، وهو باطل لأنك تقول:(هذا حجر) وتريد إنسانا، فيفهم منه الحال أيضاً، مع أن الحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان، وهذا من تحقيق والد المصنف.
قلت: لم يظهر لي ذلك، والحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان أصلاً بخلاف ضارب فإنه يدل بحقيقته على الزمان والحال، وقولهم: إن الاسم لا دلالة له على الزمان، أي بهيئته التصريفية، وإلا فقد يدل على الزمان بأمر آخر، كلفظ الزمان والوقت، وضارب الآن، وضارب مطلقاً، والله تعالى أعلم.
ص: وقيل: إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الأول لم يسم بالأول إجماعاً/ (40/أ/م).
ش: القائل لذلك هو الآمدي، وحكي إجماع المسلمين وأهل اللسان على أنه لا يجوز تسمية القائم والقاعد قائماً للقعود والقيام السابق، وهو مقتضى كلام الإمام وأتباعه، فإنهم ردوا على الخصوم بأنه لا يصح أن يقال لليقظان: إنه
نائم، باعتبار النوم السابق، وإذا كان كذلك فما أدري لم ذكره المصنف بصيغة التمريض.
ص: وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات.
ش: المشتق كضارب لا دلالة له على خصوصية تلك الذات من كونه بشرا أو حماراً أو غيرهما، فإنه لا معنى له، إلا أنه ذات قام بها المشتق منه، كالأسود يدل على ذات متصفة بسواد، من غير دلالة على خصوص تلك الذات، قال الصفي الهندي: فإن دلت على ذلك فهو بطريق الالتزام، وحينئذ فيحمل نفي المصنف الإشعار على المطابقة والتضمن.
ص: مسألة: المترادف واقع خلافاً لثعلب وابن فارس مطلقاً، وللإمام في الأسماء الشرعية.
ش: المترادف الكلمتان فصاعداً الدالتان على معنى واحد باعتبار واحد، واختلف في وقوعه على مذاهب أصحها نعم، ولغة العرب طافحة به.
والثاني: المنع، وبه قال ثعلب وابن فارس، فإن ورد ما يوهم الترادف أول.
ومن ذلك ما حكي عن ابن خالويه أنه قال بمجلس سيف الدولة: أحفظ للسيف خمسين اسماً.
فقال أبو علي الفارسي: ما أحفظ له إلا اسماً واحداً، هو السيف،
فقال ابن خالويه: وأين المهند، والصارم، والرسوب والمخدم وجعل يعدد.
فقال أبو علي: هذه صفات، وكان الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة.
قال الأصفهاني: وينبغي حمل كلامهم علي (33/ب/د) منعه في لغة واحدة، فأما في لغتين فلا ينكره عاقل.
والثالث: أنه واقع في اللغة دون الأسماء الشرعية، وإليه ذهب في (المحصول) فقال: الأظهر/ أنه لم يوجد، لأنه على خلاف الأصل، فيتقدر بقدر الحاجة، ويشكل على هذا قول الإمام: إن الفرض والواجب مترادفان وكذا السنة والتطوع.
ص: والحد، والمحدود ونحو: حسن بسن غير مترادفين على الأصح.
ش: فيه مسألتان:
الأولى: قيل: الحد والمحدود مترادفان، والصحيح تغايرهما وذلك خارج بقولنا، في تعريف المترادف باعتبار واحد، فإن دلالتهما على المعنى باعتبارين: الحد يدل على الأجزاء بالمطابقة،/ (40/ب/م) والمحدود يدل عليها بالتضمن، وقال القرافي في (التنقيح) هو غير المحدود، إن أريد اللفظ، ونفسه إن أريد المعنى، وأخذ ذلك من قول الغزالي في (المستصفى) إن ذلك ليس خلافاً، بل من نظر إلى الحقيقة في الذهن قال: إنه نفسه، ومن نظر إلى للعبارة عنها قال: إنه غيره.
الثانية: التابع وهو الذي لا يستعمل منفرداً، وإنما يستعمل مع متبوعه نحو حسن بسن، وخراب يباب، قيل: إنه مع متبوعه مترادفان، والصحيح المنع، فإنه إذا قطع عن متبوعه لا دلالة له أصلاً.
ص: والحق إفادة التابع التقوية.
ش: ذهب الآمدي إلى أنه لا فائدة للتابع أصلاً، وهو ظاهر قول البيضاوي:(والتابع لا يفيد) والحق أنه يفيد تقوية الأول، فإنه لم يوضع عبثاً، والفرق بينه وبين التأكيد أن التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز، فإن قولك:(جاء القوم) يحتمل بعضهم على سبيل المجاز، فإذا قلت: كلهم، انتفى ذلك.
ص: ووقوع كل من المترادفين مكان الآخر إن لم يكن تعبد بلفظه خلافاً للإمام مطلقاً، وللبيضاوي والهندي: إذا كانا من لغتين.
ش: هل يجوز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر أم لا؟ فيه مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقاً، وهو اختيار ابن الحاجب.
والثاني: المنع مطلقاً، وهو اختيار الإمام وأتباعه.
والثالث: الجواز إذا كان من لغة واحدة والمنع إذا كان من لغتين، وبه قال البيضاوي والصفي الهندي.
وأشار المصنف بقوله: (إن لم يكن تعبد بلفظه) إلى تقييد محل الخلاف بذلك فيما تعبد بلفظه، كالتكبير لا يقوم غيره مقامه قطعاً، وفي هذا القيد نظر، فإن المنع هناك لعارض شرعي، والبحث في هذه المسألة إنما هو من حيث اللغة، وهذا هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة الرواية بالمعنى، فإنهما متشابهتان، والفرق بينهما أن المستند في الجواز هنا أو المنع اللغة، وهناك الشرع، وفي عبارة البيضاوي إشارة إلى أن الخلاف في حال التركيب، فأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جوازه.
ص: مسألة: المشترك واقع خلافاً لثعلب والأبهري والبلخي مطلقاً ولقوم في القرآن، قيل: والحديث، وقيل/ (34أ/ د): واجب الوقوع، وقيل: ممتنع، وقال الإمام الرازي: ممتنع بين النقيضين فقط/
ش: في المشترك مذاهب.
أصحها: أنه جائز واقع،/ (41 / أ/ م) وليس بواجب.
الثاني: أنه جائز غير واقع، وبه قال ثعلب والأبهري والبلخي.
وقيل: المعروف عن هؤلاء الإحالة.
الثالث: أنه غير واقع في القرآن خاصة، وحكي عن ابن داود الظاهري.
الرابع: غير واقع في الحديث أيضاً.
الخامس: أنه واجب الوقوع.
السادس: أنه ممتنع أي محال عقلاً.
السابع: أنه ممتنع بين النقيضين فقط، وبه قال الإمام، وعلله بأن سماعه لا يفيد غير التردد بين الأمرين، وهو حاصل عقلاً، فالوضع له عبث، وأجيب بأن فائدته استحضار التردد بأمرين يغفل الذهن عنهما، والفائدة الإجمالية قد تقصد.
ص: مسألة: يصح إطلاقه على معنييه معاً مجازاً، وعن الشافعي والقاضي والمعتزلة: حقيقة زاد الشافعي: وظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن فيحمل عليهما، وعن القاضي: مجمل، ولكن يحمل احتياطاً، وقال أبو الحسين والغزالي: يصح أن يراد لا أنه لغة، وقيل: يجوز في النفي لا الإثبات.
ش: تقدم على تقدير هذه المسألة الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل.
فأما الوضع: فهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وهو من صفات الواضع.
وأما الاستعمال فهو إطلاق اللفظ، وإرادة المعنى وهو من صفات المتكلم.
وأما الحمل: فاعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل على مراده، فتقدم الكلام على وضع المشترك في المسألة المتقدمة، وتكلم المصنف في هذه المسألة على الاستعمال، وذكر في إثباته مسألة الحمل، فأما استعمال المشترك في معنييه ففيه مذاهب.
أحدها ـ وبه قال الأكثرون ـ: جوازه، كقولنا: العين مخلوقة، ونريد جميع معانيها، وشرطه أن لا يمتنع الجمع بينهما، كاستعمال صيغة (افعل) للأمر والتهديد، واختار المصنف تبعاً لابن الحاجب أن ذلك مجاز، وإليه ميل إمام الحرمين.
الثاني: جوازه، وأنه حقيقة، وحكاه الآمدي عن الشافعي والقاضي أبي بكر، وحكاه المصنف عنهما، وعن المعتزلة، وهو قول بعضهم كأبي علي الجبائي والقاضي عبد الجبار، لكن منعه أبو هاشم وأبو الحسين وأبو عبد الله البصريان والكرخي.
الثالث: يصح أن يراد باللفظ الواحد معنياه بوضع جديد، لكن ليس من اللغة،/ فإن اللغة منعت منه.
الرابع: أنه يجوز: (41/ب/م) في النفي كقولنا: (لا قرء للحامل تعتد به) ويمتنع في الإثبات، والفرق بينهما أن النكرة في سياق النفي تعم، وبه قال صاحب (الهداية) من الحنفية، وبقي مذهبان آخران.
أحدهما: المنع مطلقاً، ونصره ابن الصباغ في (العدة) والإمام في (المحصول).
الثاني: أنه يجوز في الجمع نحو: (اعتدي بالأقراء) دون المفرد سواء في ذلك الإثبات والنفي، وأما حمله على معنييه فقد ذكره المصنف بقوله:/ (34/ب/د) (زاد
الشافعي) إلى قوله: (احتياطاً) وتقريره أنه اختلف في حمل السامع المشترك على معنييه عند تجرده عن القرائن على مذاهب.
أحدهما: المنع، وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين.
الثاني: وجوب حمله على معنييه، وأنه من باب العموم، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: حمله على معنييه، وأنه من باب الاحتياط، وهو محكي عن القاضي أبي بكر كذا نقله المصنف، ونقل الآمدي عنهما أنه من باب العموم، ونقل البيضاوي عنهما أنه من باب الاحتياط.
واعلم أن نقل حمل المشترك على معنييه عن القاضي هو كذلك في (المحصول) لكن الذي في كتاب (التقريب) له أنه لا يجوز حمله عليهما ولا على واحد منهما إلا بقرينة.
ص: والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه إن ساغ مبني عليه.
ش: اختلف في جمع المشترك باعتبار معنييه، كعيون زيد، وتريد به: باصرة، وذهباً، وجارية، فقال الأكثرون ـ وهو مبني على الخلاف في المفرد ـ: إن جوزنا هناك فكذا هنا، وإن منعنا امتنع.
وقول المصنف: (إن ساغ) هو من زيادته على المختصرات، وأشار به إلى خلاف النحاة في تثنية اللفظين المختلفين في المعنى، فرجح ابن الحاجب في (شرح المفصل) المنع، وحكاه عن الأكثرين، ورجح ابن مالك الجواز مطلقا، وصحح قول الحريري فانثنى بلا عينين يريد الباصرة والذهب.
ويؤيده قوله في الحديث: ((الأيدي ثلاث)) وقال ابن عصفور: إن اتفقا في المعنى الموجب
للتسمية كالأحمرين، أي: الذهب والزعفران جاز، وإلا فلا، كالعين الباصرة والذهب.
ص: وفي الحقيقة والمجاز الخلاف خلافاً للقاضي، ومن ثم عم نحو:{وافعلوا الخير} الواجب والمندوب، خلافاً لمن خصه بالواجب ومن قال: للقدر المشترك.
ش:/ (42/أ/م) استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه على الخلاف في استعماله في معنييه الحقيقين، إذا لم يكن بينهما تناف، كإطلاق الشراء على الشراء الحقيقي والسوم، وخالف في ذلك القاضي أبو بكر، فمنع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن جوز استعماله في معنييه فارقاً بأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، والمجاز فيما لم يوضع له، وهما متناقضان، كذا نقله عنه المصنف، ووهمه الشارح في ذلك، فقال: لم يمنع القاضي استعماله في حقيقته ومجازه، وإنما منع حمله عليهما بغير قرينة، فاختلطت مسألة الاستعمال بمسألة الحمل، وموضع الخلاف كما فرضه ابن السمعاني فيما إذا ساوى المجاز الحقيقة لشهرته، وإلا امتنع الحمل قطعاً، لأن المجاز لا يعلم تناول اللفظ له إلا بتقييد، / والحقيقة تعلم بالإطلاق.
ثم بين المصنف أن من فوائد الخلاف في ذلك الخلاف في عموم قوله تعالى {وافعلوا الخير} فمن حمله عليهما جعل الآية شاملة للواجب والمندوب، واستدل بها عليهما ومن منع ذلك/ 35أ/ د) خصها بالواجب، وقال بعضهم: هي للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب.
ص: وكذا المجازان.
ش: أي يجري الخلاف في استعمال اللفظ في مجازيه، كإطلاق الشراء
على السوم، وشراء الوكيل، وهي مسألة غريبة، قل من ذكرها، وقد تعرض لها إمام الحرمين، وابن السمعاني في (القواطع)، واختار الآمدي وابن الحاجب، فيها الإجمال، وهو مخالف لاختيارهما في الحقيقتين الإعمال.
قال الشارح: لا يخفى أن صورة المسألة حيث تعذرت الحقيقة، ولا بد من تقييد المجازين بالمتساويين فإنه متى رجح أحدهما تعين، ويحتمل أن يجري فيه خلاف الحقيقة والمجاز، لأن المجاز الراجح هنا بمثابة الحقيقة هناك، قال الأصفهاني: وشرطه ألا يتنافى المجازان كالتهديد والإباحة، فإن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز فيهما.
ص: الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء.
ش: لو صدر الحد بالقول لكن أولى، فإنه لا يتناول المهمل، فهو جنس أقرب، (43ب/م).
وخرج بقوله: (مستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، فإنه لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز.
وقوله (فيما وضع له) يحتمل، أن يكون من تمام الفصل، ويحتمل أن يكون فصلاً مستقلاً، لإخراج الوضع الجديد، فإنه ليس من وضع واضع اللغة، والأعلام، إن قلنا: إنها ليست حقيقة، والمستعمل في غير ما وضع له غلطاً.
وقوله: (ابتداء) أخرج المجاز، فإنه موضوع وضعاً ثانياً.
وإنما عدل عن قول ابن الحاجب (أولاً) للخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانياً؟ فإن قلنا: يستلزمه، لزم أن الحقيقة تستلزم المجاز، ولا قائل
به، إنما اختلفوا في عكسه.
ولم يقل المصنف (في اصطلاح التخاطب به) كما عبر به غيره، لإدخال الحقيقة الشرعية والعرفية، فإنهما باعتبار الوضع اللغوي مستعملان في وضع ثان، لأنه لم يقيد الوضع باللغوي، بل أطلقه فتناول الشرعي والعرفي، وهما مستعملان فيهما في وضع أول.
وقال الأصفهاني في (شرح المحصول)، لا يحتاج لقيد الأولية، لأنا وإن قلنا بوضع المجاز، فإن المراد به اعتبار العرب ذلك النوع، لا استعمال آحاد النوع، فهو غير الوضع المعتبر في الحقيقة.
ص: وهي لغوية وعرفية وشرعية ووقع الأوليان ونفى قوم إمكان الشرعية، والقاضي وابن القشيري، وقوعها، وقال قوم: وقعت مطلقاً، وقوم: إلا الإيمان، وتوقف الآمدي، والمختار وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي، والإمامين وابن الحاجب وقوع الفرعية لا الدينية ومعنى الشرعي ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع وقد يطلق على المندوب والمباح.
ش: الحقائق ثلاث: اللغوية، والعرفية، والشرعية، ودخل في العرفية العامة، وهي المنقولة، عن موضوعها الأصلي إلى غيره بالاستعمال العام، إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها موضوعة في اللغة لكل ما يدب، فخصها العرف العام بذات الحافر، وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافة الحرمة إلى الخمر، وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب، فهذان قسمان ذكرهما في (المحصول).
والخاصة وهي التي نقلها عن موضوعها الأصلي قوم مخصوصون، كاصطلاح / (44أ/م) النحاة على الرفع والنصب والجر وغيرها من اصطلاح أصحاب العلوم. فأما الأوليان: وهما اللغوية والعرفية فهما واقعتان ـ قال الشارح: بلا
خلاف ـ وهو مسلم في العرفية الخاصة، أما العرفية العامة فأنكرها قوم كالشرعية وفي الشرعية مذاهب.
أحدها: منع إمكانها، حكاه في (شرح المعتمد) لأبي الحسين عن قوم كذا في (شرح المحصول) للأصفهاني معترضاً به على قول (المحصول): اتفقوا على إمكانها، لكن قال الشارح: الذي رأيته في (المعتمد) لأبي الحسين لما حكي عن قوم من المرجئة نفي الحقيقة الشرعية، أي: وقوعها، قال: وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك.
قال الشارح: وحينئذ فلم يصرحوا به، نعم قال بعضهم: من يقول بأن دلالة اللفظ طبعية لا يقول بالجواز هنا، لأن الاسم عنده واجب للمسمى. انتهى.
الثاني: وهو قول القاضي أبي بكر وابن القشيري: نفي وقوعها والألفاظ المستعملة في الشرع لمعان لم تعهدها العرب باقية على مدلولها اللغوي، والأمور الزائدة على المعنى اللغوي بشروط معتبرة فيه، وحكاه الماوردي في (الحاوي) عن الجمهور.
الثالث، وهو قول المعتزلة: وقوعها مطلقاً، أي: أن الشارع ابتدأ وضع لفظ الصلاة والصوم وغيرهما للمعاني الشرعية من غير نقل لها من اللغة، فليست مجازات لغوية.
الرابع: وقوعها إلا الإيمان، فإنه باق على مدلوله اللغوي، قاله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
الخامس: الوقف، وإليه ميل الآمدي.
السادس: الوقوع في فروع الشريعة كالصلاة والصوم دون أصولها، وهي المراد بالدينية، كالإيمان والكفر والفسق، واختاره المصنف، وفي نقله ذلك عن أبي إسحاق الشيرازي نظر، لأنه لم يستثن الدينية مطلقاً، بل الإيمان فقط، كما تقدم في (شرح اللمع) له، وعن الباقين نظر من وجهين.
أحدهما: أنهم لم يفرقوا بين الفروع والدينية.
والثاني: أن مقتضى كلامه أنهم أثبتوها في الفروع مطلقاً من غير أن يكون مجازات لغوية، كما تقول به المعتزلة على الإطلاق، وليس كذلك بل راعوا فيها الوضع اللغوي، وقالوا: إنها مجازات لغوية اشتهرت فصارت/ (44ب/ م) حقائق شرعية، فإطلاق لفظ الصلاة على ذات الأركان مجاز لغوي حقيقة شرعية، لا أنها مخترعة، بل سبق لها استعمال في اللغة مجازي.
ثم بين أن الحقيقة الشرعية هي التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع، هذه العبارة هي المحررة.
وأما قول المصنف: (ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع) فإن/ 36أ/ د) مقتضاه حصرها في ألفاظ ابتكرها الشرع لا يعرفها أهل اللغة، وليس كذلك، وقد ذكر الصفي الهندي أنها على أربعة أقسام.
أحدها: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم كذلك للمعنى كـ (الرحمن).
الثاني: أن يكونا غير معلومين لهم أصلاً كأوائل السور عند من يجعلها أسماء لها وللقرآن.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوماً لهم دون المعنى، كالصلاة والصوم ونحوهما.
والرابع: عكسه، ومثل له بالأب، فإن معناه معروف عند العرب، وهو العشب، لكنهم لا يعرفون هذا اللفظ.
كذا قيل، وفيه نظر، والأقسام الأربعة واقعة، كما قال الصفي الهندي: إنه الأشبه ولعل مراد المصنف بالاسم التسمية، أي: لم تعرف التسمية بها لهذا المعنى الخاص، إلا من الشرع وإن كان ذلك الاسم معهوداً في اللغة، وكان ينبغي تقديم تعريف الشرعية على ذكر حكمها، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره.
ثم ذكر المصنف أن الاسم الشرعي لا يختص بالواجب، بل يطلق أيضاً على المندوب والمباح.
وقال الشارح: هذا بالنسبة إلى عرف الفقهاء لا الأصوليين، لكن قد يتوقف في إطلاقه على المباح، ولهذا قال إمام الحرمين في (الأساليب): الذي يعنيه الفقيه بالشرعي هو الواجب والمندوب.
وقال النووي في صلاة الجماعة من (الروضة): معنى قولهم: لا تشرع الجماعة في النوافل المطلقة: لا تستحب، فلو صلاها جماعة جاز، ولا يقال مكروه، انتهى.
قلت: الظاهر أن الخلاف في إثبات الحقيقة الشرعية يأتي في ألفاظ الأحكام الخمسة، وأن كلام إمام الحرمين والنووي في نفي الحكم وهو المشروعية، فلا يقال: شرع كذا وكذا، إلا في الواجب والمندوب فقط، وأما استعمال الشارع له لفظاً مبتكراً أو مجازاً لغوياً فليس كلامهما فيه والله أعلم.
تنبيه: / (45/أ/ م) قوله: الأوليان بضم الهمزة، وبالياء المثناة من تحت، تثنية أولى.
وإن قلت: الأولتان بفتح الهمزة، وتشديد الواو، وبالتاء المثناة من فوق، فهو تثنية أولة وهي لغة قليلة.
ص: مسألة: والمجاز اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة، فعلم وجوب سبق الوضع وهو اتفاق لا الاستعمال وهو المختار، قيل: مطلقاً، والأصح لما عدا المصدر، وهو واقع خلافاً للأستاذ والفارسي مطلقاً، وللظاهرية في الكتاب والسنة.
ش: (اللفظ) جنس.
وخرج بقوله (المستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، ولو عبر بالقول لكان أولى، كما تقدم.
وخرج بقوله: (بوضع ثان) الحقيقة، وهو أحسن من قول ابن الحاجب:(في غير وضع أول).
وخرج بالعلاقة العلم المنقول: كبكر، وكلب فليس بمجاز، لأنه لم ينقل لعلاقة.
وعلم من هذا التعريف أمران.
أحدهما: أن المجاز يستلزم وضعاً سابقاً عليه، ولا خلاف فيه.
وثانيهما: أنه لا يستلزم سبق استعمال، فقد يستعمل المجاز من غير استعمال الحقيقة،/ 36/ب/د) وهي مسألة أن المجاز هل يستلزم الحقيقة؟ ونقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب.
أحدها: منع ذلك، بل لا بد لصحة المجاز من سبق استعمال اللفظ في حقيقته، وهذا مقابل المختار في كلام المصنف، وبه قال أبو الحسين البصري وابن السمعاني والإمام.
الثاني: جوازه، أي جواز استعمال المجاز بدون استعمال الحقيقة مطلقاً.
الثالث: وهو مختار المصنف تبعاً للآمدي: جوازه في غير المصدر.
ثم حكي الخلاف في أن المجاز واقع أم لا؟
والمشهور وقوعه مطلقاً أي في اللغة والشرع والعرف، وذهب الأستاد أبو إسحاق، وأبو علي الفارسي إلى منع وقوعه مطلقاً وتوقف الإمام والغزالي في صحته عن الأستاذ، وقالا: لعله أراد أنه ليس بثابت ثبوت الحقيقة، ونقل ذلك عن الفارسي هو في فوائد الرحلة لابن الصلاح، عن ابن كج عنه، لكن نقل عنه تلميذه أبو الفتح أن المجاز غالب على اللغات.
ومنع الظاهرية وقوع المجاز في الكتاب والسنة، كذا نقله في (المحصول) عن ابن داود، لكن قال الأصفهاني في شرحه: إن المنع في السنة لا يعرف إلا في (المحصول)
قال الشارح: لكن في (الإحكام) لابن حزم/ (45ب/ م) عن قوم منعه في القرآن والسنة.
وقال ابن الحاجب في الإضافة في (شرح المفصل): ذهب القاضي إلى أنه لا مجاز في القرآن.
قلت: وفي (طبقات العبادي) عن أبي العباس بن القاص من أصحابنا منعه في القرآن والحديث، وذلك يرد على الأصفهاني، والله أعلم.
ص: وإنما يعدل إليه لثقل الحقيقة أو بشاعتها أو جهلها أو بلاغته أو شهرته أو غير ذلك.
ش: إنما يعدل المتكلم في خطابه عن الحقيقة إلى المجاز، لأسباب: أحدها: ثقل لفظ الحقيقة على اللسان، كالخنفقيق بفتح الخاء
المعجمة، وإسكان النون وفتح الفاء، وكسر القاف وإسكان الياء المثناة، من تحت وآخره قاف، اسم للداهية، فيعدل عنه إلى النائبة أو الحادثة، أو نحوهما.
ثانيهما: بشاعة لفظها كالتعبير بالغائط عن الخراء.
ثالثها: جهل المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي.
رابعها: بلاغة لفظ المجاز لصلاحيته للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع دون الحقيقة، قاله الشارح تبعاً لغيره، وفيه نظر، فمعنى البلاغة معروف، في علم المعاني والبيان، وهذه الأمور ليست من البلاغة، وإنما هي وجوه تحسينات للكلام زائدة عليها.
نعم، ما ذكره يصلح لأن يكون من الأسباب التي يعدل لأجلها عن الحقيقة.
خامسها: أن يكون المجاز أشهر من الحقيقة.
وقوله: (أو غير ذلك) أي كأن يكون معلوماً عند المتخاطبين، ويقصدان إخفاءه عن غيرهما، أو لعظم معناه كقولهم: سلام الله على المجلس العالي، فهو أرفع في المعنى من قوله، سلام عليك، أو لكونه أدخل في التحقير.
ص: وليس غالباً على اللغات، خلافاً لابن جني، ولا
معتمداً حيث تستحيل الحقيقة خلافاً لأبي حنيفة.
الأولى: قال في (المحصول) ادعى ابن جني أن المجاز غالب على كل لغة، سواء لغة العرب وغيرها، فإن قولنا: قام زيد، يفيد المصدر، وهو جنس يتناول جميع أفراد القيام، وهو غير مراد بالضرورة، قال: وهذا ركيك، فإن المصدر لا يدل على أفراد الماهية، بل على القدر المشترك.
قلت: وكيف يتناول جميع أفراد القيام، والأفعال في معنى النكرات والنكرة في سياق الإثبات لا تعم؟! / (46/أ/ م).
الثانية: إذا أريد باللفظ معناه المجازي وكان المعنى الحقيقي هناك مستحيلاً فالمجاز عندنا لاغ غير معتمد، وعند أبي حنيفة معمول به، مثاله: إذا قال لعبده الذي هو أسن منه: هذا ابني، وأراد به العتق، لم يعتق عندنا، لأن اللفظ إنما يصلح مجازاً، إذا كان له حقيقة، وهذا اللفظ في هذا المحل لا حقيقة له، فلغى، وقال أبو حنيفة: يعتق.
ص: وهو والنقل خلاف الأصل وأولى من الاشتراك، قيل: ومن الإضمار، والتخصيص أولى منهما.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن المجاز خلاف الأصل، فإن أريد بالأصل الغالب، فالمخالف فيه ابن جني كما تقدم، وإن أريد به الدليل فالمراد أن المجاز على خلاف الدليل، فإذا دار اللفظ بين احتمال الحقيقة والمجاز فاحتمال الحقيقة أرجح.
الثانية: أن النقل خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه منقولاً وكونه باقياً على حقيقته اللغوية فالثاني أولى، ولا يقال: لم يتقدم للمصنف ذكر النقل حتى يذكر معارضه، لأن الخلاف في وجود الحقيقة الشرعية هو الخلاف في النقل، فالقاضي يمنعه، والجمهور يجوزونه.
الثالثة: إذا تعارض المجاز والاشتراك فالمجاز أولى على الصحيح.
الرابعة: إذا تعارض النقل والاشتراك فالجمهور على ترجيح النقل أيضاً.
الخامسة: إذا تعارض المجاز والإضمار ففيه مذاهب.
أحدها: تقديم المجاز لكثرته، قاله الإمام في (المعالم) والصفي الهندي والقرافي.
ثانيها: تقديم الإضمار لأن قرينته متصلة.
ثالثها: تساويهما، قاله في (المحصول) وتبعه البيضاوي، وضعف المصنف الأول، فمختاره إما الثاني أو الثالث وهو الظاهر.
السادسة: إذا تعارض النقل والإضمار فمقتضى كلام المصنف جريان الخلاف فيه، والمعروف تقديم الإضمار.
السابعة والثامنة: التخصيص أولى منهما، أي من المجاز ومن النقل.
تنبيه: ذكر المصنف هنا مما يخل بالفهم أي اليقيني دون الظني: التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، فهذه خمسة، وأهمل خمسة أخرى وهي: النسخ، والتقديم، والتأخير، والمعارض/ (46/ب/م) العقلي، وتغير الإعراب، والتصريف، لقوة الظن مع انتفاء الخمسة الأولى، فانتقاء الاشتراك والنقل يفيد أنه/ 37/ب / د) ليس للفظ سوى معنى واحد، وانتفاء المجاز والإضمار يفيد أن المراد باللفظ ما وضع له، وانتفاء التخصيص يفيد أن المراد جميع ما وضع له، ويقع التعارض بينهما على عشرة أوجه، وضابطه أن تأخذ كل واحد مع ما قبله، فالاشتراك يعارضه الأربعة قبله، والنقل يعارضه الثلاثة قبله، والإضمار يعارضه الاثنان قبله، والمجاز يعارضه التخصيص قبله، فهذه عشرة، ولبعضهم
في ذلك وضم إليها النسخ:
تجوز ثم إضمار وبعدهما
…
نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
وأرجح الكل تخصيص وآخرها نسخ فما بعده قسم يخلفه.
ص: وقد يكون بالشكل أو صفة ظاهرة أو باعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً لا احتمالا وبالضد والمجاورة والزيادة والنقصان والسبب للمسبب والكل للبعض والمتعلق للمتعلق وبالعكوس، وما بالفعل على ما بالقوة.
ش: يشترط لصحة المجاز علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل معنى، وهل يشترط اعتبار العرب لنوعها؟ يأتي الكلام فيه، وذكر لها المصنف أربعة عشر نوعاً.
الأول: علاقة المشابهة في الشكل كتسمية صورة الأسد المنقوشة على جدار أسداً.
الثاني: علاقة المشابهة في الصفة، وقيدها المصنف بأن تكون ظاهرة لينتقل الذهن إليها، كإطلاق الأسد على الشجاع، بخلاف إطلاقه على الأبخر.
الثالث: علاقة الاستعداد، وهي تسمية الشيء باعتبار ما يكون، وعبارة ابن الحاجب:(باسم ما يؤول إليه)، وعبر الإمام بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، واشتهر التعبير عنها بتسمية الشيء باسم ما هو مستعد له، وزاد المصنف على المختصرات قوله:(قطعاً أو ظناً لا احتمالاً) فمثال القطع قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} ومثال الظن تسمية العصير خمراً، في قوله تعالى:{إني أراني أعصر خمراً} وأخذ ذلك من قول أصحابنا في
الرد على الحنفية في قولهم في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما امرأة نكحت نفسها/ (47/ أ / م) فنكاحها باطل) سماه باطلاً لأنه يؤول إلى البطلان باعتراض الولي ـ المآل إلى البطلان هنا ليس قطعاً ولا غالباً.
وقال الشارح: لو عبر المصنف بدل قوله: (أو ظناً لا احتمالاً)، (أو غالباً لا نادراً) لكان أولى، قال: وحقه إذا زاد هذا القيد أن يقول: (بنفسه) ليخرج العبد فإنه لا يطلق عليه حر، باعتبار ما يؤول إليه.
الرابع: علاقة المضادة، وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سمى القصاص سيئة باسم ضده.
الخامس: علاقة المجاورة، وهي تسمية الشيء باسم ما جاوره، كتسمية القربة رواية، والراوية في اللغة اسم الدابة التي يستقى عليها، فأطلق على القربة لمجاورتها.
السادس: / 38 / أ/ د) علاقة الزيادة، ومثل بقوله تعالى:{ليس كمثله شيء}
فالكاف زائدة، والتقدير (ليس مثله شيء) إذ لو كانت الكاف أصلية لكان التقدير: ليس مثل مثله شيء، فيلزم إثبات مثل لله تعالى، وهو محال.
السابع: علاقة النقصان، ومثل بقوله تعالى:{واسأل القرية} فإن تقديره أهل القرية، لأن القرية هي الأبنية المجتمعة، ولا تسأل.
الثامن: علاقة السببية وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، سواء كان السبب مادياً كقولهم: سال الوادي، أو صورياً كقوله تعالى:{الله يد الله فوق أيديهم} أي قدرته فوق قدرتهم، أو فاعلياً كقوله:
(إذا نزل السماء بأرض قوم) ........
أي: المطر.
أو غائياً كتسمية العنب خمراً.
التاسع: علاقة المسببية أي إطلاق اسم المسبب على السبب، كإطلاق الموت على المرض الشديد.
العاشر: علاقة الكلية وهي إطلاق اسم الكل على البعض كقوله تعالى {يجعلون أصابعهم في آذانهم} أي أناملهم.
الحادي عشر: علاقة الجزئية وهي إطلاق اسم البعض على الكل، كقولهم للزنجي: أسود، مع بياض أسنانه، وبعض عينيه، ونوزع في هذا المثال بأنه ليس مفهوم الأسود من قام السواد بجميع أجزائه، بل من قام بظاهر جلده، فإطلاق الأسود على الزنجي حقيقة، فالأولى تمثيله بتسمية جميع الذات رقبة.
الثاني عشر: علاقة التعلق، أي تسمية المتعلق باسم المتعلق، والمراد التعلق الحاصل بين المصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، فيشمل ستة
أقسام، إطلاق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى:{هذا خلق الله} أي مخلوقة/ (47/ب/م) وعكسه كقوله تعالى: {بأييكم المفتون} أي: الفتنة، وإطلاق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى:{ماء دافق} أي مدفوق وعكسه كقوله تعالى: {حجابا ًمستوراً} أي: ساتراً، وإطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل عدل، أي عادل، وعكسه قولهم: قم قائماً أي قياماً.
الثالث عشر: عكسه، أي تسمية المتعلق بفتح اللام باسم المتعلق بكسرها، ومثل بقوله عليه الصلاة والسلام:((تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)) فإن التقدير تحيضي ستاً أو سبعاً، وهو معلوم الله تعالى، فقول المصنف: و (بالعكوس) راجع للثلاثة الأخيرة، وقد بيناه كذا قرره المصنف
وتبعه الشارح.
والحق أن هذه الثالثة عشر ليست علاقة مستقلة، بل هي داخلة في التي قبلها، لأن لكل من هذه الثلاثة المذكورة ـ وهي المصدر واسم الفاعل واسم المفعول ـ تعلقاً بالأخرى، وكل منها متعلق باعتبار، ومتعلق باعتبار.
والمذكور في الثالثة عشر مندرج في الرابعة عشر.
والعجب تمثيل الشارح للثالثة عشر بمثال موافق لمثال الثانية عشرة، فإن كلا منهما أطلق المصدر على اسم المفعول، الخلق مصدر، والمخلوق مفعول، والعلم مصدر، والمعلوم مفعول، وكان ينبغي له إذ أفرد هذا القسم تمثيله بقوله تعالى {بأييكم المفتون} أي/ 38 ب/ د) الفتنة كما مثلته فهو عكسه، لكن لو فتحنا هذا التغاير لكثرت الأقسام لاستدعاء ذلك ذكر الأقسام الأربعة التي قدمتها، والله أعلم.
الرابع عشر: إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة كتسمية الخمر في الدن بالمسكر.
قال الشارح: وقد يقال برجوع هذه إلى قوله أولاً: (باعتبار ما يكون)، ولهذا اقتصر الصفي الهندي على هذه ولم يذكر تلك، بل ذكر بدلها باعتبار ما كان، لكن الظاهر أن ما صنعه المصنف في حذفها أولى، خلافاً للمختصرين، لأنهم جزموا بأن إطلاق اللفظ باعتبار ما كان مجاز، ثم ترجموا مسألة إطلاق اسم الفاعل باعتبار الماضي، وحكوا فيها الخلاف، وهي عين المسألة المذكورة هنا.
قلت: الصواب ذكرها، وجزمهم هنا لا ينافي حكايتهم الخلاف في موضع آخر، لأنهم إنما أرادوا هنا بيان العلاقة عند من يجعله/ (48/ أ / م) مجازاً، وليسوا هنا بصدد بيان أنه حقيقة أو مجاز، فالخلاف في ذلك معروف في موضعه، وإنما أريد هنا بيان أنواع العلاقة، فذكرت هذه منها على قول من يجعل إطلاق اسم الفاعل باعتبار ما مضى مجازاً.
ثم إن الشارح لم يحقق أن هذه العلاقة وهي تسمية ما بالفعل على ما بالقوة، هل هي العلاقة المتقدمة، وهي تسميته باعتبار ما يكون؟ وظاهر كلام المصنفين ترادفها لأنهم لم يجمعوا بينهما بل اقتصروا على تلك العبارة أو على هذه، والظاهر أنها أخص منها، فإنه لا يلزم من إطلاقه باعتبار ما يكون أن ذلك الذي يكون موجوداً بالقوة قبل كونه بالفعل، فإن الموت ليس موجوداً في الحي بالقوة، وكذا الخمرية في العصير، بخلاف الإسكار في الخمر، فإنه حاصل فيها قبل شربها بالقوة فالعلاقة الأولى تغني عن الثانية، والثانية لا تغني عن الأولى، والله أعلم.
ص: وقد يكون في الإسناد خلافاً لقوم، وفي الأفعال والحروف وفاقاً لابن عبد السلام والنقشواني، ومنع الإمام الحرف مطلقاً والفعل والمشتق إلا بالتبع ولا يكون في الأعلام خلافاً للغزالي في متلمح الصفة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: قد لا يقع المجاز في المفردات، بل في التركيب، وهو الإسناد كقوله تعالى:{وأخرجت الأرض أثقالها} فالمجاز في نسبة الإخراج للأرض وهو بالحقيقة لله تعالى، ويسمى المجاز العقلي، لأن التجوز فيه في نسبة الفعل إلى غير من صدر عنه، وخالف في ذلك قوم منهم السكاكي وابن الحاجب، لكن اختلفا فيما هو، فقال السكاكي: هو استعارة بالكناية، وقال
ابن الحاجب بل حقيقة لإسناد الفعل إلى فاعله عرفاً.
الثانية: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أن الفعل والمشتق كاسم الفعل واسم المفعول لا يدخلهما المجاز بالذات وإنما يدخلهما بالتبع للمصدر الذي هو المشتق/ 39/أ / د) منه، فإن تجوز في المصدر تجوز فيهما، وإن كان المصدر حقيقة فهما كذلك، وخالفه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والنقشواني فقالا: إنه قد يقع في الفعل وغيره من المشتق، بدون وقوعه في المصدر،/ (48/ ب / د) واختاره المصنف، ومثل ابن عبد السلام ذلك بقوله {ونادى أصحاب الجنة} {ونادى أصحاب الأعراف} {ونادى أصحاب النار} فأطلق الماضي على المستقبل لتحققه وعكسه مثل قوله تعالى:{واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي تلته، واستعمل لفظ الخبر في الأمر في قوله {والوالدات يرضعن} وعكسه نحو:{من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} أي: مد.
الثالثة: اختلف في دخول المجاز في الحروف، فمنعه الإمام مطلقاً، ومراده بالأصالة لأن معناه غير مستقل بنفسه، فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد، والكلام إنما هو في المفرد ومراده أنه مجاز عقلي لقوله بعد ذلك: إن المجاز في التركيب عقلي لا لغوي.
وقال النقشواني راداً على الإمام: إذا استعمل الحرف في موضعه كان حقيقة، وإذا استعمل في غيره لعلاقة كان مجازاً، ومثله بقوله تعالى:{ولأصلبنكم في جذوع النخل} فإن حقيقة (في) الظرفية، وهنا استعملت
لغيرها.
وقال ابن عبد السلام في كتاب المجاز وقد تجوزت العرب في الحروف كـ (هل) تجوزوا بها عن الأمر، نحو:{فهل أنتم مسلمون} أي فأسلموا، أو النفي {فهل ترى لهم من باقية} أي ما ترى، والتقرير {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم} .
الرابعة: منع الجمهور وقوع المجاز في الأعلام بالأصالة وبالتبعية، إذ لا بد في المجاز من علاقة، ولا علاقة في الأعلام، فإن وجدت كمن سمى ولده مباركاً لما اعتقده من اقتران البركة بولادته فليس مجازاً، إذ لو كان كذلك لامتنع إطلاقه بعد زوال العلاقة، واعترضه النقشواني بأنك تقول: جاءني تميم أو قيس وأنت تريد طائفة منهم وهذا مجاز، وتميم علم، فقد تطرق المجاز إلى العلم، لما بين هؤلاء وبين المسمى بذلك العلم من التعلق انتهى.
وقال الغزالي: يدخل المجاز في الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود، والحارث، دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات كزيد وعمرو.
ص: ويعرف بتبادر غيره لولا القرينة وصحة النفي وعدم وجوب الاطراد وجمعه على خلاف جمع الحقيقة وبالتزام تقييده، وتوقفه على المسمى الآخر والإطلاق على المستحيل.
ش: للمجاز علامات يعرف بها:
أحدها: / (49/أ/م) إن يتبادر غيره إلى الفهم، لولا القرينة، وأورد المجاز الراجح، وأجيب بأنه نادر، فلا يقدح لأن الغالب أن المتبادر الحقيقة.
ثانيها: صحة النفي كقولك للبليد ليس بحمار.
ثالثها: عدم وجوب الاطراد فقد يستعمل لوجود معنى في محل ولا
يستعمل في محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول: اسأل القرية، أي أهلها، ولا تقول: اسأل البساط، قال ابن الحاجب: ولا عكس، أي / 39 ب / د) ليس الاطراد دليل الحقيقة، فإن المجاز قد يطرد كالأسد للشجاع، وجوابه: أنه وإن اطرد لكنه لا يجب، ولهذا عدل المصنف عن قول ابن الحاجب:(وبعدم اطراده) إلى قوله: (وعدم وجوب الاطراد).
رابعها: جمعه على خلاف جمع الحقيقة، كالأمر يجمع إذا كان بمعنى القول الذي هو حقيقته على أوامر، وإذا كان بمعنى الفعل على أمور.
خامسها: التزام تقييده كجناح الذل، ونار الحرب، فإن الجناح والذل يستعملان في مدلولهما الحقيقي من غير قيد، وخرج بـ (الالتزام) المشترك، فقد يقيد كقولك: عين جارية، لكنه ليس قيداً لازماً.
سادسها: توقف استعماله على المسمى الآخر الحقيقي، سواء أكان ملفوظاً به كقوله تعالى:{ومكروا ومكر الله} فلا يقال: مكر الله ابتداء، أو مقدراً كقوله تعالى:{قل الله أسرع مكراً} ولم يتقدم لمكرهم ذكر في اللفظ، لكنه تضمنه المعنى.
سابعها: الإطلاق على المستحيل، فإن الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له، فيكون مجازاً كقوله:{واسأل القرية} .
وأورد أن المجاز العقلي كذلك مع أنه حقيقة لغوية.
وأجيب بأن المراد أن معرفة استحالة ذلك بديهة، والامتناع في المجاز العقلي نظري.
ص: والمختار اشتراط السمع في نوع المجاز وتوقف الآمدي.
ش: هل يشترط أن يكون بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي علاقة اعتبرتها
العرب وهو مراد المصنف (بالسمع) أي سماع ذلك من العرب؟
أجمعوا على أنه لا يعتبر شخص العلاقة، وأنه لا بد من جنسها، واختلفوا في النوع، فاختار المصنف اشتراطه، / (49 / ب / م) وهو الذي صححه الإمام وأتباعه، وصحح ابن الحاجب مقابله وتوقف فيه الآمدي، فعلى الأول لا يحتاج إلى استعمال العرب قولنا: سال الوادي، بل يكفي في ذلك إطلاقهم اسم السبب على المسبب في صورة ما، ولو قدم المصنف هذا على ذكر أنواع العلاقة لكان أولى.
ص: مسألة: المعرب لفظ غير علم استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم وليس في القرآن وفاقاً للشافعي وابن جرير والأكثر.
ش: عقب المجاز بالمعرب لأنهما ليسا من موضوعات اللغة الحقيقية، فخرج بقوله:(غير علم) الأعلام كـ إبراهيم، وإسماعيل، وفيه نظر فالأعلام معربة قطعاً، ولكن اتفقوا على وقوعها ـ في القرآن فإنها لو اتفقت فيها اللغتان لم تمنع من الصرف للعلمية والعجمة، وخرج بالفصل الأخير الحقيقة والمجاز، فإن كلا منهما استعمال اللفظ، فيما وضع له في لغتهم.
واختلف في وقوعه في القرآن، فنفاه الأكثرون، كما حكاه عنهم ابن الحاجب ولم يحك الشارح من لفظ المصنف حكاية ذلك عن الأكثرين.
ونص عليه الشافعي، واشتد في (الرسالة) نكيره على من خالفه، ونصره القاضي أبو بكر في / (40/ أ / د) التقريب، وابن جرير الطبري في تفسيره، وخالفه ابن الحاجب واستدلاله بإجماع النحاة على منع صرف إبراهيم للعلمية والعجمة، لا يحصل مقصوده، لأن محل الخلاف في أسماء الأجناس دون الأعلام كما تقدم، وتمسك بألفاظ وقعت في القرآن كالمشكاة وهي هندية، في قريب من ثلاثين لفظة، وأجاب الجمهور بأنها مما اتفقت عليه اللغات كالصابون، والله أعلم.
ص: مسألة: اللفظ إما حقيقة أو مجاز أو حقيقة ومجاز باعتبارين، والأمران منتفيان قبل الاستعمال.
ش: اللفظ الواحد قد يكون حقيقة فقط، كإطلاق الأسد على الحيوان المعروف، وقد يكون مجازاً فقط كإطلاقه على الشجاع، وقد عرف هذان القسمان، وقد يكون حقيقة ومجازاً باعتبارين، وذلك قد يكون بمعنيين مختلفين، كلفظ العام المخصوص على قول من يقول إنه حقيقة باعتبار دلالته على ما بقي، مجاز باعتبار/ (50أ / م) سلب دلالته على ما أخرج، وقد يكون بمعنى واحد، لكن بحسب وضعين كلغوي وعرفي، كاستعمال لفظ الدابة في الإنسان فهو حقيقة باعتبار اللغة ومجاز باعتبار العرف، فأما بمعنى واحد من واضع واحد فمحال لامتناع اجتماع النفي والإثبات من جهة واحدة، وقد لا يكون حقيقة ولا مجازاً، وهو اللفظ قبل الاستعمال فإنه لا يوصف بواحد منهما، لاشتراط الاستعمال في كليهما، وذكر البيضاوي في هذا القسم الرابع الأعلام أيضاً.
قال الشارح: وقد يقال: التقسيم ناقص، وبقي عليه اجتماعهما في الإرادة على قولنا: يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قلت: وقد يدعى دخوله في قوله: أو حقيقة ومجاز باعتبارين.
ص: ثم هو محمول على عرف المخاطب أبداً ففي الشرع الشرعي لأنه عرفه ثم العرفي العام ثم اللغوي، وقال الغزالي والآمدي في الإثبات الشرعي وفي النفي الغزالي: مجمل والآمدي: اللغوي.
ش: هذه المسألة في تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية، وضابط ذلك أن اللفظ محمول على عرف المخاطب ـ بكسر الطاء ـ أبداً، فإن كان
الخطاب من الشارع حمل على الحقيقة الشرعية، لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشريعة لا اللغة، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية العامة، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ومن أمثلة ذلك إذا حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة وأطلق لم يحنث حملاً على الشرعي، لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها، فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافاً إليها حنث به تنزيلاً على العرف، فإن تعذر حمله على هذه الحقائق حمل على مجازاتها وينزل / (40/ب/د) مجاز كل واحدة منزلتها، هذا رأي الجمهور، ووراء ذلك مذهبان.
أحدهما: قاله الغزالي: إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله عليه الصلاة والسلام ((إني أذن أصوم)) فيستدل به على صحة صوم النفل بنية من النهار، وإن كان في النفي فهو مجمل كالنهي عن صوم يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرعي لدل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه.
ثانيهما: وهو اختيار الآمدي: أنه في الإثبات محمول على/ (50 ب / م) الشرعي، وفي النهي على اللغوي.
تنبيه:
هذا المذكور هنا من تقديم العرفي على اللغوي يخالفه قول الفقهاء: ما لا حد له في اللغة ولا في الشرع يرجع فيه إلى العرف، وجمع السبكي بينهما بأن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف،
ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: معنى فالمراد أن أهل اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل عليه بالعرف، انتهى.
وحكى الشارح هذا الجمع عن الباجي، قال: وجمع بعضهم بينهما بحمل كلام الأصوليين على اللفظ الصادر من الشارع، وكلام الفقهاء على الصادر من غيره، قال: وفيه نظر، فإن الفقهاء يستعملون هذه العبارة في لفظ الشارع أيضاً، كالقبض في البيع وغيره.
قلت: كلام الرافعي يقتضي ترجيح تقديم اللغوي على العرفي في أصول المدلول، فقال في كتاب الطلاق: إذا تعارض المدلول اللغوي والعرفي فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف، ثم ذكر بعده بقليل مثله، فقال في مسألة الأصح: وبه أجاب المتولي مراعاة للفظ، فإن العرف لا يكاد ينضبط.
قلت: وهذا لا ينافي الجمع المتقدم عن بعضهم) فإن الظاهر أن كلام الرافعي في ألفاظ الآدميين فالعبارة المتقدمة عن الفقهاء إن أطلقوها في ألفاظ الشارع فالجمع ما ذكره السبكي، وإن أطلقوها في كلام غيره فهي موافقة لكلام الرافعي، والجمع بينهما وبين كلام الأصوليين أنها في ألفاظ غير الشرع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشرع والله تعالى أعلم.
ص: وفي تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة أقوال ثالثها المختار مجمل.
ش: إذا غلب الاستعمال المجازي على الحقيقي كالدابة فإنها في اللغة كل ما يدب، ثم نقلت في العرف إلى الحمار، وكثر حتى صار حقيقة عرفية، وصار الوضع الأول مجازاً بالنسبة إلى العرف لقلة استعماله فيه:
فقال أبو حنيفة: تقدم الحقيقة، وقال أبو يوسف: يقدم المجاز، وقال
الإمام في (المعالم) يتساويان فيكون مجملاً، وحكاه في (المحصول) عن بعضهم، ونقله الصفي الهندي عن الشافعي واختاره/ (51أ/ م) المصنف.
ومحل الخلاف إذا لم تهجر الحقيقة بالكلية فإن هجرت فالمجاز (41أ/د) مقدم بالاتفاق.
ص: وثبوت حكم يمكن كونه مراداً من خطاب لكن مجازاً لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته خلافاً للكرخي والبصري.
ش: إذا كان للخطاب حقيقة ومجاز، ووجدنا حكماً شرعياً ثابتاً يمكن كونه مستنبطاً من ذلك الخطاب بتقدير المجاز، فهل نجعله مأخوذاً منه ونقول: إنه المراد منه ويحمل الخطاب المذكور على المجاز، أو يبقى ذلك الخطاب على حقيقته؟ ولعل لذلك الحكم دليلاً غير مجاز هذا الخطاب كقوله تعالى:{أو لامستم النساء} فحقيقة اللمس الجس باليد، ومجازه الجماع، وقد ثبت هذا الحكم للجماع بالإجماع على جواز التيمم للجماع، فهل يدل ذلك على حمل الآية على المجاز دون الحقيقة، حتى لا ينقض الوضوء باللمس أو الآية على حقيقتها دالة على الانتقاض باللمس؟
في المسألة مذهبان: ذهب إلى الأول الكرخي من الحنفية، والبصري من المعتزلة، وذهب إلى الثاني القاضي عبد الجبار، وتبعه في (المحصول) واختاره المصنف.
واعلم أن هذا الخلاف مفرع على امتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، كما صرح به الأصفهاني، فإن حمل عليهما فلا ينافي.
وكان ينبغي للمصنف التنبيه على هذا، وقد ظهر أن كلامه مفرع على قول مرجوح عنده، والله أعلم.
ص: مسألة: الكناية: لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى فهو حقيقة فإن لم يرد المعنى وإنما عبرنا بالملزوم عن اللازم فهو مجاز والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره فهو حقيقة أبداً.
ش: هذا الكلام لعلماء البيان، وليس للأصوليين، ولكن الشيء بالشيء يذكر، فقالوا: اللفظ ينقسم إلى صريح، وكناية، وتعريض، فاختلف في الكناية هل هي حقيقة أو مجاز على مذاهب؟
الأول: أنها حقيقة، وإليه مال ابن عبد السلام، فقال: إنه الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له، وأريد بها الدلالة على غيره.
الثاني: أنها مجاز.
الثالث: أنها ليست بحقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب (التلخيص).
الرابع ـ وهو اختيار المصنف تبعاً لوالده ـ: أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإذا قلت: زيد كثير الرماد، فإن أردت معناه استفاد منه الكرم، فإن كثرة الرماد / (51 ب/م) والطبخ لازم له غالباً فهو حقيقة، وإن لم ترد المعنى وإنما عبرت بالملزوم وأردت كما إذا استعملت كثرة الرماد وأردت الكريم فهو مجاز، لاستعماله في غير ما وضع له أولى.
وحاصله أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له، والمجاز منها أن يريد غير موضوعه استعمالاً وإفادة.
وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه ليلوح به إلى غرض آخر هو المقصود، سمي تعريضاً لفهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه، وهو يشبه الكناية إذا / (41 / ب / د) قصد بها الحقيقة، مثاله قوله:{بل فعله كبيرهم هذا} أي كبير الأصنام، غضب أن تعبد هذه الأصنام الصغار فكسرها،
فكذلك الله تعالى يغضب لعبادة من دونه، وهذا اللفظ مستعمل في معناه، لكن لوح منه للسامع غيره فهو حقيقة أبداً أي في جميع الأحوال بخلاف الكناية فإن فيها تفصيلاً تقدم، والله أعلم.
ص: الحروف.
ش: المراد الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفتها، وليس المراد هنا قسيم الاسم والفعل بخصوصه، فقد ذكر معها كثير من الأسماء كـ (إذا) و (كل) وأطلق عليها حروفاً تغليباً باعتبار الأكثر، وقال الصفار: الحرف يطلقه سيبويه على الاسم والفعل.
ص: الأول: (إذن) قال سيبويه: للجواب والجزاء، قال الشلوبين: دائماً وقال الفارسي: غالباً.
ش: معنى (إذن) الجواب والجزاء كما نص عليه سيبويه، فإذا قيل لك: أنا أقصدك، فقلت: إذن أكرمك، فقد أجبته وصيرت إكرامك جزاء على قصده، فحمله قوم منهم الشلوبين على ظاهره، وقال: إنها لهما دائماً، ويكلف تخريج ما خفي فيه ذلك، وقال الفارسي: هذا هو الغالب، وقد تتمحض للجواب وحده، نحو قولك: أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقاً، فلا يتصور هنا الجزاء، وهذا كما قال سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق وهو باعتبار حالين.
ص: الثاني: (إن) للشرط والنفي والزيادة.
ش: مجيء (إن) ـ بكسر الهمزة وتخفيف النون ـ للشرط هو الأكثر، والمراد به تعليق حصول مضمون جملة بحصوله بمضمون جملة أخرى فقط، أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها، وهي أم أدوات الشرط.
ومجيئها للنفي بمعنى (ما) نحو إن زيد قائم، / (52أ/ م) ومذهب الكوفيين أنها ترفع
الاسم وتنصب الخبر، وعليه قراءة سعيد بن جبير:{إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} والأكثر إهمالها كما في قوله تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور} .
والأكثر في زيادتها أن تكون بعد (ما) النافية لتأكيد النفي نحو: ما إن زيد قائم، واستغنى المصنف عن ذكر (إن) المشددة هنا بذكرها في مسالك العلة.
ص: الثالث: (أو) للشك والإبهام والتخيير ومطلق الجمع والتقسيم وبمعنى (إلى) والإضراب كـ (بل) قال الحريري: والتقريب نحو: ما أدري أسلم أو ودع.
ش: مثال الشك: قام زيد أو عمرو، إذا لم يعلم) أيهما قام، والفرق بينها وبين (إما) التي للشك أن الكلام مع (إما) لا يكون إلا مبنياً على الشك بخلاف (أو) فقد يبني المتكلم كلامه على اليقين، ثم يدركه الشك، فيأتي بها.
ومثال الإبهام: (قام زيد أو عمرو) إذا علمت القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على المخاطب فالشك من جهة المتكلم / (42أ/ د) والإبهام من جهة السامع.
ومثال التخيير: (خذ ديناراً أو درهماً)
ولم يذكر المصنف الإباحة، وقد مثلها من غاير بينها وبين التخيير بقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، وفرق بينهما بامتناع الجمع في التخيير، وجوازه في الإباحة.
وقال الشارح: الظاهر أنهما قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، وإنما امتنع في:(خذ ديناراً أو درهماً) للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص
فيه، انتهى.
والتخيير أو الإباحة لا يكونان إلا في الطلب بخلاف الشك أو الإبهام، فإنهما في الخبر.
ومثال مطلق الجمع كالواو قوله تعالى: {أو يزيدون} وهذا قول كوفي.
ومثال التقسيم الكلمة اسم أو فعل أو حرف، وعبر ابن مالك بالتفريق المجرد أي عن المعاني السابقة، ومثله بقوله تعالى:{وقالوا كونوا هوداً أو نصارى} قال: والتعبير عنه بالتفريق أولى من التقسيم، لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو).
واعترض عليه بأن استعمال الواو في التقسيم / (52ب / م) أكثر لا يقتضي أن (أو) لا تأتي له بل يقتضي ثبوت ذلك، غير أكثر.
ومثال كونها بمعنى (إلى): لألزمنك أو تقضي حقي.
ومثال الإضراب قوله تعالى: {أو يزيدون} على قول الفراء.
ومثال التقريب ما ذكره المصنف أي: لسرعته، وإن كان يعلم أنه سلم أو لا وذكره أبو البقاء أيضاً وجعل منه قوله تعالى:{وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} .
وذهب بعضهم في (أو) إلى أنها موضوعة للقدر المشترك بين المعاني السابقة، وهو لأحد الشيئين أو الأشياء وإنما فهمت هذه المعاني من القرائن.
ص: (أي) بالفتح والسكون للتفسير ولنداء القريب أو البعيد أو المتوسط أقوال، وبالتشديد للشرط والاستفهام وموصولة ودالة على معنى الكمال ووصلة لنداء ما فيه أل.
ش: (أي) بفتح الهمزة، وإسكان الياء لها معنيان.
أحدهما: التفسير، ومعناه أن يكون ما بعدها مفسراً لما قبلها وعبارة عنه وهو أعم من (أن) المفسرة لدخولها على الجملة والمفرد ووقوعها بعد القول وغيره.
قال ابن مالك: والمذكور بعدها عطف بيان، يوافق ما قبلها في التعريف والتنكير.
ثانيها: النداء، وهل هي لنداء القريب أو البعيد أو المتوسط؟
فيه أقوال، والراجح الثاني، ونقله ابن مالك عن سيبويه، لأنه صرح بأنها مثل هيا وأيا في البعد.
أما (أي) بفتح الهمزة والتشديد فلها معان:
أحدها: الشرط نحو: (أيهم يكرمني أكرمه).
ثانيها: الاستفهام، نحو:{أيكم زادته هذه إيماناً} .
ثالثها: أن تكون موصولة بمعنى الذي نحو: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً} التقدير: لننزعن الذي هو أشد. قاله سيبويه.
رابعها: أن تكون دالة على معنى/ (42 / ب / د) الكمال، وهي الصفة، وقد تكون صفة لنكرة، نحو:(زيد رجل) أي كامل في صفات الرجال، وتكون حالاً للمعرفة، كمررت بزيد أي رجل.
ثم الواقعة صفة إن أضيفت إلى مشتق فهي للمدح بالمشتق منه خاصة، نحو: مررت بعالم أي عالم، وإن أضيفت إلى غير مشتق فهي للمدح بكل صفة يمكن أن يثنى بها كمررت برجل أي رجل، فالثناء / (53/ أ / م) عليه بكل ما يمدح به الرجل.
خامسها: أن تكون وصلة لنداء ما فيه (أل) كقوله: {يا أيها النبي} وقال الشارح: كان ينبغي ذكر (إي) بكسر الهمزة وسكون الياء، ليستوفي جميع أقسامها، وهي حرف جواب بمعنى نعم، ولا يجاب بها إلا مع القسم في جواب الاستفهام كقوله:{أحق هو قل إي وربي} .
قلت: احتياج الفقيه لهذه اللفظة نادر فلذلك لم يذكرها.
ص: الخامس (إذ) اسم للماضي ظرفا ومفعولا به وبدلا من المفعول ومضافاً إليها اسم زمان وللمستقبل في الأصح وترد للتعليل حرفاً وقيل ظرفاً وللمفاجأة وفاقاً لسيبويه.
ش: (إذ) اسم بالإجماع، لتنوينها في نحو:(يومئذ)، والإضافة إليها نحو:{بعد إذ هديتنا} ولها معان أغلبها أن تكون ظرفاً للزمان الماضي، نحو قوله تعالى:{فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} .
والثاني: أن تكون مفعولاً به نحو: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم} الثالث: أن تكون بدلاً من المفعول نحو: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت} فـ (إذ) بدل اشتمال من مريم.
الرابع: أن يضاف إليها اسم الزمان، سواء صلح للاستغناء عنه نحو: يومئذ، أو لا نحو:{بعد إذ هديتنا} .
الخامس: أن تكون ظرفاً للزمان المستقبل، مثل (إذا) كذا صححه المصنف تبعاً لابن مالك وطائفة ومثاله قوله تعالى: {فسوف يعلمون إذ
الأغلال في أعناقهم} ومنع الأكثرون ذلك، وأجابوا عن هذه الآية ونحوها بأن ذلك نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه مثل {أتى أمر الله} .
السادس: أن تكون للتعليل مثل قوله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم} {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون} ثم اختلف في أنها حينئذ تكون حرفاً بمنزلة لام العلة، ونسب لسيبويه، وصرح به ابن مالك في بعض نسخ (التسهيل) أو ظرفاً والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ.
السابع: أن تكون للمفاجأة الواقعة بعد بينا وبينما نحو قولك (بينا أنا كذا إذ جاء زيد) نص عليه سيبويه، ويعود هنا الخلاف في أنها حينئذ حرف أو باقية على ظرفيتها الزمانية، ويريد هنا قول إنها ظرف مكان كما قيل به في إذا الفجائية / (43أ/ د).
ص: السادس (إذا للمفاجأة حرفاً وفاقاً للأخفش وابن مالك وقال المبرد وابن عصفور/ (53 ب/م) ظرف مكان والزجاج والزمخشري ظرف زمان وترد ظرفاً للمستقبل مضمنة معنى الشرط غالباً وندر مجيئها للماضي والحال.
ش: لـ (إذا) معان.
أحدها: أن تكون للمفاجأة، وهي التي يقع بعدها المبتدأ فرقاً بينها وبين الشرطية نحو:(خرجت فإذا الأسد) ومنه قوله تعالى: {فألقاها فإذا هي حية تسعى} قال ابن الحاجب: ومعنى المفاجأة: حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، وتصويره في هذا المثال: حضور السبع معك في زمن وصفك بالخروج أو في مكان خروجك، وحضوره معك في مكان
خروجك ألصق بك من حضوره في زمن خروجك، لأن ذلك المكان يخصك دون من أشبهك، وكذلك الزمان لا يخصك دون من أشبهك، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى.
واختلف فيها على ثلاثة مذاهب، أصحها: أنها حرف، وبه قال الأخفش وابن مالك.
والثاني: أنها ظرف مكان، وبه قال المبرد وابن عصفور.
والثالث: ظرف زمان، وبه قال الزجاج والزمخشري، ونسب القولان الأخيران لسيبويه، وتظهر فائدة الخلاف في أنه لا يصح إعرابها خبراً في قولك:(خرجت فإذا الأسد) لا على الحرفية ولا على ظرفية الزمان، لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة، ويصح على ظرفية المكان أي فبالحضرة الأسد.
ثانيها: أن تكون ظرفاً للمستقبل متضمنة معنى الشرط غالباً، وكذلك يجاب بما يجاب به أدوات الشرط نحو: إذا جاء زيد فقم إليه، فهي باقية على ظرفيتها إلا أنها ضمنت معنى الشرط، ولذلك لم يثبت لها سائر أحكام الشرط، فلم يجزم بها المضارع ولا تكون إلا في المحقق، ومنه:{وإذا مسكم الضر في البحر} لأن مس الضر في البحر محقق، ولما لم يقيد بالبحر أتى بـ (أن) التي تستعمل في المشكوك فيه نحو:{وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} .
ثالثها: أن تكون ظرفاً للماضي مثل (إذ) كقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك} قاله ابن مالك، وأنكره الجمهور، وتأولوا ما أوهم ذلك.
رابعها: أن تكون ظرفًا للحال كقوله تعالى: {والليل إذا يغشى} قاله ابن الحاجب وقال غيره: كما جردت هنا عن الشرط جردت عن الظرف، وهي هنا لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفاً.
ص: السابع/ (54/ أ / م) الباء للإلصاق حقيقة ومجازاً والتعدية والاستعانة والسببية والمصاحبة والظرفية والبدلية والمقابلة والمجاوزة والاستعلاء والقسم والغاية والتوكيد وكذا التبعيض وفاقاً للأصمعي والفارسي وابن/ (43 ب / د) مالك.
ش: للباء معان.
أحدها: أن تكون للإلصاق، وهو أصل معانيها، ولم يذكر لها سيبويه غيره، ولهذا قالت المغاربة، لا تنفك عنه إلا أنها قد تتجرد له، وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر، ثم قد يكون حقيقة نحو: أمسكت الحبل بيدي، وقد يكون مجازاً نحو: مررت بزيد، فإن المرور لم يلصق بزيد، وإنما التصق بمكان
يقرب منه.
ثانيها: التعدية، وتسمى بالنقل أيضاً وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً: نحو {ذهب الله بنورهم} أي أذهب الله نورهم، وأصله ذهب نورهم.
ثالثها: الاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم.
رابعها: السببية نحو قوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} ولم يذكر في (التسهيل) باء الاستعانة، وأدرجها في السببية، وقال في شرحه: النحويون يعبرون عن هذه بالاستعانة، وأثرت التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز انتهى.
واستغنى المصنف بذكر باء السببية عن باء التعليل، لأن العلة والسبب واحد، وغاير ابن مالك بينهما، ومثل التعليلية بقوله تعالى:{فبظلم من الذين هادوا} والفرق بينهما أن العلة موجبة لمعلولها بخلاف السبب لمسببه فهو كالأمارة عليها.
خامسها: المصاحبة وهي التي تصلح في موضعها (مع) أو يغني عنها، وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى:{قد جاءكم الرسول بالحق} أي مع الحق، أو محقاً.
سادسها: الظرفية بمعنى (في) للزمان في قوله تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} والمكان في قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} .
سابعها: البدل بأن يجيء موضعها بدل كقوله في الحديث: ((ما يسرني بها حمر النعم)) أي بدلها.
ثامنها: المقابلة، وهي الداخلة على الأثمان والأعراض، نحو: اشتريت الفرس بألف.
تاسعها: المجاورة بمعنى (عن) وتكثر بعد/ (54ب/ م) السؤال نحو: {فاسأل به خبيراً} وتقل بعد غيره، نحو:{ويوم تشقق السماء بالغمام} وهذا مذهب كوفي، وتأوله الشلوبين على أنها باء السببية، أي: فاسأل بسببه أو تضمن (اسأل) معنى (اطلب) لأن السؤال طلب في المعنى.
عاشرها: الاستعلاء كقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي عليه، وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي.
حادي عشرها: القسم وهي أصل حروفه نحو: (بالله لأفعلن)
ثاني عشرها: الغاية، نحو:{وقد أحسن بي} أي إلي.
ثالث عشرها: التوكيد، وهي الزائدة إما مع الفعل نحو: أحسن بزيد، على قول البصريين أنه فاعل، أو مع المفعول نحو:{وهزي إليك بجذع النخلة} أو مع المبتدأ نحو (بحسبك زيد) والخبر نحو: {أليس الله بكاف عبده} .
رابع عشرها: التبعيض/ (44أ / د) قال به الكوفيون وجماعة من غيرهم كالأصمعي وأبي علي الفارسي وغيرهما، واختاره ابن مالك مثل قوله تعالى:{عيناً يشرب بها عباد الله} ومنه قوله:
شربن بماء البحر ثم ترفعت .........
وقوله:
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج ..........
وخرج عليه قوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم} وأنكره قوم منهم ابن جني، ورد عليه البيضاوي تبعاً للإمام بأنها شهادة نفي، فهي غير مسموعة، وقال ابن دقيق العيد: بل هي إخبار مبني على ظن غالب مستند إلى الاستقراء من أهل ذلك، مطلع على لسان العرب متتبع لسائر أحكامهم في نفي ما دل الاستقراء على نفيه، نعم إن وقع نقل إثبات من معتبر في الصنعة أنها للتبعيض قدم على هذا النفي، انتهى.
ص: الثامن (بل) للعطف والإضراب إما للإبطال أو للانتقال من غرض إلى آخر.
ش: إما أن يقع بعد (بل) مفرد أو جملة، فإن وقع بعدها مفرد فهي للعطف، ثم إن كانت في الإثبات نحو: جاء زيد بل عمرو، فهي لنقل الحكم عما قبلها، وجعله لما بعدها قطعاً، وليس المراد بذلك أنها تنفيه عما قبلها، بل تصيره كالمسكوت عنه، وإن كانت في النفي نحو ما قام زيد بل عمرو، فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، فتقرر نفي القيام عن زيد وتثبته لعمرو، وأجاز المبرد وعبد الوارث وتلميذه الجرجاني مع ذلك أن تكون ناقلة حكم النفي لما بعدها، كما في الإثبات، فيحتمل عندهم/ (55أ/ م) في نحو: ما قام زيد بل عمرو، أن يكون التقدير بل ما قام عمرو، وقال القواس في (شرح الدرة): وأوجبوا تقدير حرف النفي بعدها لتتحقق المطابقة في الإضراب عن منفي إلى منفي، كما تتحقق في الإضراب عن موجب إلى موجب، ويخالف كلام المبرد هذا قول أبي علي الفارسي في (الإيضاح): في (ما زيد خارجاً بل ذاهب) ـ: لا يجوز إلا الرفع، لأن الخبر موجب و (ما) الحجازية لا تعمل في الخبر إلا منفياً، انتهى.
وإن وقع بعدها جملة لم تكن حرف عطف بل حرف ابتداء، ومعناها الإضراب ثم هو قسمان.
أحدهما: أن يكون لإبطال السابق نحو: {يقولون به جنة بل جاءهم بالحق} .
ثانيهما: أن يكون للانتقال من غرض إلى آخر كقوله تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} .
تنبيه:
مقتضى كلام المصنف أنها إذا كانت للعطف لا تكون للإضراب وليس كذلك،
وأنها إذا كانت للإضراب لا تكون عاطفة وبه قال الجمهور، وظاهر كلام ابن مالك أنها عاطفة وصرح به ولده في شرح الألفية.
ص: التاسع: (بيد) بمعنى (غير) وبمعنى من أجل وعليه بيد أني من قريش.
ش: (بيد) اسم ملازم للإضافة إلى (أن) وصلتها، وله معنيان:
أحدهما: بمعنى (غير) كقوله عليه الصلاة والسلام: ((نحن الآخرون السابقون بيد أنهم/ (44 ب/ د) أوتوا الكتاب من قبلنا)).
وثانيهما: بمعنى (من أجل) قاله الشافعي فيما حكاه عنه ابن حبان في صحيحه وعليه الحديث الآخر: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر)) وقال الزمخشري في الفائق: هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
ص: العاشر: (ثم) حرف عطف للتشريك والمهلة على الصحيح وللترتيب خلافاً للعبادي.
ش: (ثم) حرف عطف يدل على أمور.
أحدها: التشريك، أي بين المعطوف والمعطوف عليه، وخالف فيه الكوفيون فقالوا: قد تقع زائدة فلا تكون عاطفة أصلاً كقوله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم} .
ثانيها: المهلة، أي: التراخي، وخالف فيها الفراء فقال: قد تتخلف بدليل: / (55 ب/ م) أعجبني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، لأن (ثم) في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين، ووافقه ابن مالك فقال: قد تقع (ثم) في عطف المتقدم بالزمان، اكتفاء بترتيب اللفظ، وجعل منه قوله تعالى:{ثم آتينا موسى الكتاب} فقول المصنف: (على الصحيح) عائد عليهما.
ثالثها: الترتيب وخالف فيها العبادي.
وقال الشارح: إنما قاله العبادي في بعض التراكيب الخاصة ففي فتاوى القاضي حسين: لو قال: وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بطناً بعد بطن، فهو للترتيب، وقال العبادي: للجمع.
قال الشارح: فلم يقل ذلك في الاقتصار على وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بل فيما إذا أضاف إليها بطناً بعد بطن، فإن ذلك يقتضي الجمع عنده، فلما اقتضى صدر الكلام الترتيب لـ (ثم) وآخره الجمع ـ وذلك تناقض مبطل للفظ ـ حمل (ثم) على مجازها، وهو الجمع بدون ترتيب، فنقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز بقرينة قوله: بطناً بعد بطن.
قلت: لم يقل أحد إن قوله: بطناً بعد بطن يدل على الجمع، بل قال فريق: إنه يدل على الترتيب، وقال آخرون: إنه يدل على استيعاب البطون وعدم الاقتصار على بعضها، ولا دلالة له على ترتيب، ولا معية، فإذا استفيد الترتيب من لفظ آخر لم يكن في قوله: بطنا بعد بطن معارضة له، فلولا مخالفة العبادي في (ثم) لما قال هنا: بالجمع بدون ترتيب، والله أعلم.
نعم، القول بأنها لا تدل على الترتيب كالواو حكاه السيرافي عن الفراء وعزاه غيره للأخفش.
ص: الحادي عشر: (حتى) لانتهاء الغاية غالباً وللتعليل وندر للاستثناء.
ش: لـ (حتى) معان.
أحدها وهو الغالب: أن تكون لانتهاء الغاية، نحو قوله تعالى:{حتى مطلع الفجر} .
ثانيها: التعليل نحو: (كلمته حتى يأمر لي بشيء) وعلامتها أن يصلح موضعها (كي).
ثالثها: أن تكون للاستثناء وهذا نادر، ذكره ابن مالك في التسهيل والمراد الاستثناء المنقطع كقول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك / (45 / أ / د) قليل ويمكن جعلها هنا بمعنى إلى.
ومن المهم البحث عن حكمها في الترتيب، وقد قال ابن الحاجب: إنها في ذلك مثل الفاء، وقال ابن مالك في/ (56أ/م) (شرح العمدة) تبعاً لطائفة: هي كالواو، وأنكر على القائل: بأنها للترتيب، فإنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة، وإن كانت أول ما حفظت أو متوسطاً، وقال ابن أبان: ليس ترتيبها كالفاء وثم، فإنهما يرتبان أحد الفعلين على الآخر في الوجود وهي ترتب ترتيب الغاية، وبشرط أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الكل قبل الجزء.
وقال القواس: تفيد المهلة، إلا أن المهلة فيها أقل من (ثم).
ص: الثاني عشر: (رب) للتكثير وللتقليل ولا تختص بأحدهما خلافاً لزاعمي ذلك.
ش: اختلف في (رب) على مذاهب.
أحدها: أنها للتقليل وعليه الجمهور.
الثاني: أنها للتكثير، ونسب كل منهما إلى سيبويه.
الثالث: أنها ترد لهما ولا تختص بأحدهما، وظاهر تعبير المصنف ورودها لهما على السواء، وهو قول الفارسي، واختار ابن مالك أن أكثر ورودها للتكثير، وندرت للتقليل، واختار أبو حيان أنها حرف إثبات لم توضع لتقليل ولا تكثير، وإنما يستفاد ذلك من القرائن.
ص: الثالث عشر: (على) الأصح أنها قد تكون اسماً بمعنى (فوق) وتكون حرفاً للاستعلاء والمصاحبة والمجاوزة والتعليل والظرفية والاستدراك والزيادة أما علا يعلو ففعل.
ش: اختلف في (على) هل تكون اسماً أم لا؟ على مذاهب.
أحدهما: أنها اسم دائماً، وبه قال ابن طاهر، وابن خروف وابن الطراوة والآمدي
والشلوبين، وحكي عن سيبويه.
ثانيها: أنها لا تكون اسماً إلا إذا دخل عليها حرف جر كقوله:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها .......
وهو المشهور عند البصريين.
ثالثها وبه قال الأخفش ـ: أنها تكون اسما في موضع آخر، وهو أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد كقوله تعالى:{أمسك عليك زوجك} .
رابعها وبه قال الفراء: أنها لا تكون اسماً أبداً، والظاهر أن الثاني هو الذي صححه المصنف.
فأما إذا كانت حرفاً فلها معان.
أحدها ـ ولم يثبت لها أكثر البصريين سواه ـ: الاستعلاء، سواء كان حسياً كقوله تعالى {كل من عليها فان} أو معنوياً كقوله تعالى:{ولعلا بعضهم على بعض} .
ثانيها: المصاحبة نحو: {وأتى المال على حبه} .
ثالثها: المجاورة بمعني (عن) كقوله:
إذا رضيت علي بنو قشير
…
لعمر الله أعجبني رضاها.
رابعها: / (56 ب/ م) التعليل نحو: {ولتكبروا الله على ما هداكم} .
خامسها: الظرفية نحو: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} .
سادسها: الاستدراك نحو: فلان لا يدخل الجنة، على أنه لا ييأس من رحمة الله.
سابعها: / (45 ب/ د) الزيادة، كقوله عليه الصلاة والسلام:((من حلف على يمين)) أي يمينا، وأنكر سيبويه وقوعها زائدة.
أما مثل قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} فإنها فعل إذ لو كانت حرفاً لما دخلت على (في) وقد اجتمعت الفعلية والحرفية في قوله تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض} ونبه المصنف بذكر المضارع في قوله: (يعلو) إلى أن الفعلية تفارق الاسمية والحرفية بتصرفها.
ص: الرابع عشر: الفاء العاطفة للترتيب المعنوي والذكري وللتعقيب في كل شيء بحسبه وللسببية.
ش: للفاء معنيان:
أحدهما: الترتيب والتعقيب.
فالترتيب معنوي، نحو: قام زيد فعمرو، وذكري وهو عطف مفصل على مجمل هو في المعنى، نحو:{فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه} ونحو: توضأ فغسل وجهه إلى آخره، والمشهور أن معنى التعقيب كون الثاني
بعد الأول بغير مهلة.
وقال المحققون: تعقيب كل شيء بحسبه، فيقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن طالت.
ونقل الإمام فخر الدين وأتباعه الإجماع على أنها للترتيب والتعقيب، لكن قال الفراء: إنها لا تدل على الترتيب بل قد تستعمل مع انتفائه كقوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً} مع أن مجيء البأس متقدم على الإهلاك، وأجيب بأنها للترتيب الذكري أو فيه حذف تقديره أردنا إهلاكها.
وقال الجرمي: إنها لا تدل على الترتيب إن دخلت على الأماكن والمطر، وقال ابن مالك: إنها تكون للترتيب بمهلة كـ (ثم) بدليل قوله: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} وقال غيره: هذا من تعقيب كل شيء بحسبه.
ثانيهما: أن تكون للسببية نحو: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} ورد السهيلي ذلك إلى التعقيب.
تنبيه:
تقييد المصنف الفاء بالعاطفة ليخرج الرابطة للجواب، وبه صرح القاضي أبو بكر في (التقريب) فقال: إنها لا تقتضي التعقيب/ (57أ/ م)
ص: الخامس عشر: في للظرفين والمصاحبة والتعليل والاستعلاء والتوكيد والتعويض وبمعنى الباء وإلى ومن.
ش: لـ (في) معان:
أحدها: أن تكون للظرفين أي المكان والزمان، ومثالهما قوله تعالى:{ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} وقد تكون مجازاً نحو: (نظر زيد في الكتاب) لأنه قد صار وعاء لنظره.
ثانيها: المصاحبة نحو: {فخرج على قومه في زينته}
ثالثها: التعليل نحو: {فذلكن الذي لمتنني فيه} أثبته ابن مالك وغيره وأنكره الإمام وتبعه البيضاوي.
رابعها: الاستعلاء نحو: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} كذا ذكره الكوفيون وتبعهم ابن مالك، وأنكر ذلك سيبويه والجمهور، وجعلها الزمخشري والبيضاوي/ (46أ/ د) في هذه الآية للظرف مجازاً، كأن الجذع ظرف للمصلوب، لما تمكن عليه تمكن المظروف من الظرف.
خامسها: التأكيد نحو: {وقال اركبوا فيها} .
سادسها: التعويض وهي الزائدة عوضاً من أخرى محذوفة كقولك: (رغبت فيمن رغبت أي فيه).
سابعهاً: أن تكون بمعنى (الباء) نحو: {يذرؤكم فيه} أي يلزمكم به.
ثامنها: أن تكون بمعنى (إلى) نحو: {فردوا أيديهم في أفواههم} .
تاسعها: أن تكون بمعنى (من) كقول امرئ القيس:
وهل يعمن من كان أحدث عهده
…
ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال.
أي: من ثلاثة.
ص: السادس عشر: (كي) للتعليل وبمعنى أن المصدرية.
ش: (كي) لها معنيان:
أحدهما: أن تكون للتعليل بمعنى اللام، قال أبو بكر بن طلحة:(كي) حرف سبب وعلة، كذا يقول النحويون، وإذا تأملتها وجدتها حرفاً يقع بين فعلين: الأول سبب للثاني، والثاني علة للأول، وذلك قولك:(جئتك كي تكرمني) فالمجيء سبب لوجود الكرامة، والكرامة علة في وجود المجيء.
قلت: المجيء سبب الكرامة في الخارج، والكرامة علة المجيء في الذهن فاختلفت الجهة، والله أعلم.
ثانيهما: أن تكون بمعنى (أن) المصدرية كقوله تعالى: {لكيلا تأسوا} فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل فيها حرف تعليل.
ص: السابع عشر: (كل) اسم لاستغراق أفراد المنكر والمعرف المجموع وأجزاء المفرد المعرف.
ش: لـ (كل) ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تضاف إلى نكرة، فهي دالة على استغراق أفراده نحو:{كل نفس / (57 ب/ م) ذائقة الموت} .
ثانيها: أن يضاف إلى معرف مجموع نحو: (كل الرجال قاموا) فهي لاستغراق أفراده أيضاً، لكن أبدى السبكي احتمالين في أن الألف واللام أفادت العموم، و (كل) تأكيد لها، أو لبيان الحقيقة و (كل) تأسيس، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، وكل تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب، فلكل منهما معنى وهو أولى
من التأكيد.
ثالثها: أن يضاف إلى معرف مفرد، نحو: كل زيد حسن، فيفيد التعميم، في أجزائه، وجعل بعضهم منه قوله تعالى:{كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله)) رواه الترمذي وقال بعضهم: بل هذان المثالان من قسم المجموع لأن المقصود به الجنس، ونظيره:(كل الناس يغدو).
ص: الثامن عشر: اللام للتعليل والاستحقاق والاختصاص والملك والصيرورة أي العاقبة والتمليك وشبهه وتوكيد النفي والتعدية والتأكيد وبمعنى إلى وعلى وفي وعند وبعد ومن وعن.
ش: لللام معان:
أحدها: التعليل نحو: زرتك/ (46ب/ د) لشرفك، ومنه قوله:{لتحكم بين الناس} وقوله: (أنت طالق لرضى زيد) فيقع عند الإطلاق رضي أم سخط.
ثانيها: الاستحقاق نحو: النار للكافرين.
ثالثها: الاختصاص نحو: الجنة للؤمنين، وفرق القرافي بين الاستحقاق والاختصاص بأن الاختصاص أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة كما شهدت للفرس بالسرج، وللدار بالباب، وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة نحو: هذا ابن لزيد، فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون له ولد.
رابعها: الملك نحو: {ولله ملك السماوات والأرض} قال الراغب: وقد يطلق على ملك نوع من التصرف كقولك لمن يأخذ معك خشبة: خذ طرفك لآخذ طرفي.
قال الشارح: كذا جعلوا الملك والاستحقاق قسيماً للاختصاص، والظاهر أن أصل معانيها الاختصاص، ولهذا لم يذكر الزمخشري في مفصله غيره، وأما الملك فهو نوع من أنواع الاختصاص، وهو أقوى أنواعه، وكذا الاستحقاق لأن من استحق شيئاً فقد حصل له نوع اختصاص.
خامسها: أن تكون للصيرورة وهي لام/ (58أ/ م) العاقبة، والمآل نحو:{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً} .
سادسها: التمليك نحو: وهبت لزيد ديناراً ومنه: {إنما الصدقات للفقراء.} .
وشبه التمليك نحو: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} .
سابعها: تأكيد النفي نحو قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم} وتسمى لام الجحود لمجيئها بعد النفي.
ثامنها: التعدية نحو: ما أضرب زيداً لعمرو! وجعل منه ابن مالك قوله: {فهب لي من لدنك ولياً}
قال الشارح: والظاهر أنها لشبه التمليك.
تاسعها: التوكيد إما لتقوية عامل ضعف بالتأخير نحو: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} أو لكونه فرعاً في العمل نحو: {إن ربك فعال لما يريد} .
عاشرها: أن تكون بمعنى إلى نحو: {فسقناه إلى بلد ميت} .
حادي عشرها: أن تكون بمعنى (على) نحو قوله: {يخرون للأذقان} وحكى البيهقي عن حرملة، عن الشافعي في قوله صلى الله عليه وسلم:((واشترطي لهم الولاء)) أن المراد عليهم.
ثاني عشرها: أن تكون بمعنى (في) نحو: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} .
ثالث عشرها: تكون بمعنى (عند) والمراد بها التأقيت إذا قرن بها الوقت أو بما يجري مجراها مثل ((صوموا لرؤيته)).
رابع عشرها: أن تكون بمعنى (بعد) كذا رأيته في نسخة مقروءة على المصنف ولم يذكرها الشارح، ويمكن أن يكون منه قراءة الجحدري {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} بتخفيف اللام، أي: بعد ما جاءهم، وجعلها الزمخشري في هذه القراءة بمعنى (عند).
خامس عشرها: أن تكون بمعنى (من) نحو سمعت له صراخاً، أي: منه.
سادس عشرها: أن تكون / (47أ / د) بمعنى (عن) وهي الجارة اسم من غاب حقيقة أو حكماً عن قول قائل يتعلق به نحو: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً} أي عن الذين آمنوا، وإلا لقيل: ما سبقتمونا إليه.
قال الشارح: واعلم أن مجيئها لهذه المعاني مذهب كوفي، وأما حذاق البصريين فهي عندهم على بابها ثم يضمنون الفعل ما يصلح معها، ويرون التجوز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف، انتهى.
ص: التاسع عشر: (لولا) حرف مقتضاه في الجملة الاسمية امتناع جوابه لوجود شرطه، وفي المضارعة التحضيض، وفي الماضية التوبيخ، وقيل: ترد للنفي.
ش: (لولا) له أحوال:
أحدها: أن يدخل على جملة اسمية فيكون معناه امتناع جوابه لوجود شرطه، نحو:(لولا زيد لأكرمتك) أي لولا زيد موجود، فامتنع الإكرام لوجود زيد.
ثانيها: أن تدخل على جملة فعلية مصدرة بفعل مضارع نحو: {لولا
تستغفرون الله} فهو للتحضيض وهو طلب بحث وفي معناه العرض، وهو طلب بلين نحو:{لولا أخرتني إلى أجل قريب} .
قال الشارح: وكأن المصنف / (58 أ / م) استغنى عنه بالتحضيض، لأنه يفهم من باب أولى.
ثالثها: أن تدخل على مصدرة بماض نحو: {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} فهو للتوبيخ، وذكر الهروي أنها ترد للنفي مثل (لم) وجعل منه قوله تعالى:{فلولا كانت قرية آمنت} وقال الجمهور: هي هنا للتوبيخ أيضاً، أي فهلا كانت قرية من القرى المهلكة آمنت قبل حلول العذاب فنفعها ذلك.
ص: (لو) حرف شرط للماضي، ويقل للمستقبل، قال سيبويه: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وقال غيره: حرف امتناع لامتناع، وقال الشلوبين: لمجرد الربط، والصحيح وفاقاً للشيخ الإمام: امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه ثم ينتفي التالي إن ناسب ولم يخلف المقدم وغيره كـ {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لا إن خلفه كقولك لو كان إنساناً لكان حيواناً ويثبت التالي إن لم يناف وناسب بالأولى كـ (لو لم يخف الله لم يعصه) أو بالمساواة كـ (لو لم تكن ربيبته لما حلت للرضاع أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع وترد
للتمني وللعرض والتحضيض والتقليل نحو: (ولو بظلف محرق).
ش: (لو) حرف شرط للماضي، وإن دخلت على مضارع صرفته للمضي وهذا عكس (إن) الشرطية، فإنها تصرف الماضي إلى الاستقبال، كذا قال الزمخشري وابن مالك وغيرهما، وأنكر قوم كونها حرف شرط، لأن الشرط في الاستقبال، و (لو) للتعليق في الماضي.
وقال بعضهم: النزاع لفظي، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي/ (47 ب / د) الحكمي فهي شرط، وإن أريد به ما يعمل في الجزأين فلا.
وقد ترد للمستقبل مثل (إن) فتصرف في الماضي إلى الاستقبال كقوله: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} قاله جماعة وخطأهم ابن الحاج، فإنك لا تقول: لو يقوم زيد فعمرو منطلق، كما تقول: إن لا يقم زيد فعمرو منطلق، وكذا قال بدر الدين بن مالك: عندي أنها لا تكون لغير الشرط في الماضي.
ولا حجة فيما تمسكوا به لصحة حمله على المضي.
واختلف في معناها على أربعة أقوال:
أحدها وبه قال سيبويه: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أي أنها تقتضي فعلاً ماضياً كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقع غير واقع فكأنه قال: حرف يقتضي فعلاً امتنع لامتناع ما كان ثبت بثبوته.
الثاني ـ / (59أ / م) وبه عبر الأكثرون ـ: أنها حرف امتناع لامتناع، أي: يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، فقولك: لو جئتني لأكرمتك، دال على
انتفاء المجيء والإكرام، واعترض على هذا بأن جوابها قد لا يكون ممتنعاً، بل يثبت كقولك لطائر: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، فإنسانيته منتفية وحيوانيته ثابتة، وكذا قول عمر في صهيب رضي الله عنهما إن ثبت:(لو لم يخف الله لم يعصه) فعدم المعصية محكوم بثبوته لأنه إذا ثبت مع عدم الخوف فثبوته مع الخوف أولى.
وأشرت بقولي: (إن ثبت) إلى أني لا أعلم لهذا الكلام إسناداً، ويغني عنه ما رواه أبو نعيم في الحلية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سالم مولى أبي حذيفة:((إنه شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه)) أي لانتفاء المعصية، سببين: المحبة والخوف، فلو انتفى الخوف لم توجد المعصية لوجود السبب الآخر لانتفائها وهو المحبة.
الثالث ـ وبه قال الشلوبين ـ: أنها لمجرد الربط، أي: إنما تدل على التعليق في الماضي، كما تدل على التعليق في المستقبل، ولا تدل على امتناع شرط ولا جواب، وضعف بأنه جحد للضرورات، إذ كل من سمع (لو فعل) فهم عدم وقوع الفعل، ولهذا جاز استدراكه فتقول: لو جاءني زيد لأكرمته، لكنه لم يجئ.
الرابع: أنه يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، أي: يقتضي أمرين.
أحدهما: امتناع ما يليه وهو شرطه.
والثاني: كون ما يليه مستلزماً لتاليه وهو جوابه، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى، فيكون ثبوته مستلزماً لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام أو لا؟ ليس في الكلام تعرض له، وصحح المصنف هذه العبارة، وحكاها عن والده، ووقعت في بعض نسخ التسهيل، واعترضت بأنها لا تفيد لأن اقتضاءها للامتناع في الماضي.
فكان ينبغي التصريح به.
ثم قسم/ (48أ/ د) صاحب هذه المقالة الجواب، وهو مراده بالتالي إلى أقسام:
أحدها: أن يكون منتفياً، وذلك فيما إذا كان الترتيب بينه وبين الأول مناسباً ولم يخلف الأول/ (59 ب/ م) غيره نحو:{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} .
ثانيها: أن يكون مع مناسبه خلفه غيره، كقولنا لطائر: لو كان إنسانا لكان حيواناً فإنه خلف الإنسانية شيء آخر يدل على الحيوانية فثبتت.
ثالثها: أن لا يكون الترتيب بين الأول والثاني مناسباً، فيثبت التالي.
ثم قسم المصنف ثبوته إلى أقسام:
أحدها: أن يكون بالثبوت أولى من الأول، نحو: لو لم يخف الله لم يعصه.
الثاني: أن يكون مساوياً كقوله عليه الصلاة والسلام في بنت أم سلمة:
((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة)) فإن لتحريمها سببين: كونها ربيبته، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة.
الثالث: أن تكون أدون منه ولكن يلحق به لمشاركته في المعنى، كقولك في أخت النسب والرضاعة: لو انتفت أخوة النسب لما كانت حلالاً، لأنها أخت من الرضاعة، فتحريم أخت الرضاعة دون تحريم أخت النسب، لكنه مستقل بالتعليل لصلاحيته له، ثم ذكر المصنف لها معاني أخر غير معناها المشهور.
الأول: التمني نحو {فلو أن لنا كرة} أي: فليت، ولهذا نصب {فنكون} في جوابها، وهل هي الامتناعية أشربت معنى التمني، أو قسم برأسه، أو هي المصدرية أغنت عن التمني؟
ثلاثة أقوال: وبالأخير قال ابن مالك.
الثاني: العرض نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيراً.
الثالث: التحضيض نحو لو فعلت كذا بمعنى افعل، وتقدم أن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
الرابع: التقليل نحو: في قوله في الحديث: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق)).
قال الشارح: أثبته ابن هشام الخضراوي وابن السمعاني في
(القواطع) والحق أنه مستفاد مما بعدها لا من الصيغة.
ص: الحادي والعشرون: لن حرف نفي ونصب واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافاً لمن زعمه وترد للدعاء وفاقاً لابن عصفور.
(60أ/ م) ش: (لن) حرف يدل على النفي، وتنصب الفعل المضارع، وتخلصه للاستقبال، وزعم الزمخشري في (الكشاف) أنها تفيد تأكيد النفي، وفي (الأنموذج) تأبيده، وقال ابن مالك: وحمله على ذلك اعتقاده أن الله لا يرى، وهو باطل.
وقال ابن عصفور: ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون النفي (بلا) آكد من (لن) لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جواباً للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون جواباً له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد، ورده غيره بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله / (48 ب/ د) تعالى:{فلن أكلم اليوم إنسيا} ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: {ولا يتمنونه أبداً} تكراراً، والأصل عدمه، ولما صح التوقيت في قوله:{لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} ووافق الزمخشري على التأكيد جماعة، منهم ابن الخباز، وعلى التأبيد ابن عطية، وقالوا: لو بقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة، لكن في الحديث المتواتر: أن أهل الجنة يرونه.
وأثبت لها المصنف معنى آخر، وهو الدعاء مثل:(لا) وحكاه ابن السراج عن قوم، وخرج عليه قوله تعالى:{فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ورده ابن مالك وغيره وقالوا: هذا خبر، والدعاء لا يكون للمتكلم، وفي تعبير المصنف تجوز، والمراد أن الفعل المقترن بها يكون في الدعاء، كما عبر به في التسهيل فقال: ولا يكون الفعل معها دعاء خلافاً لبعضهم.
ص: الثاني والعشرون: (ما) ترد اسمية وحرفية موصولة ونكرة موصوفة وللتعجب واستفهامية وشرطية زمانية وغير زمانية ومصدرية كذلك ونافية وزائدة كافة وغير كافة.
ش: قد تكون (ما) اسمية، وهي التي لها وحدها موضع من الإعراب، وقد تكون حرفية وهي بخلافها وللإسمية موارد.
أحدها: أن تكون موصولة، وهي التي يصلح موضعها (الذي) نحو: يعجبني ما عندك، ومنه:{ما عندكم ينفد} .
ثانيها: نكرة موصوفة، وتقدر بشيء نحو: مررت بما معجب لك أي: بشيء.
ومنه:
ربما تكره النفوس من الأمـ
…
ـر له فرجة كحل العقال.
أي رب شيء، (وتكره النفوس) صفة له، والعائد محذوف أي تكرهه.
ثالثها: تعجبية، نحو: ما أحسن زيداً أي: شيء أحسن زيداً، أي صيره حسناً.
وجاز الابتداء بالنكرة للتعجب، وعبارة المصنف توهم أن / (60 ب/ م) التعجبية قسيمة
للنكرة، وقال الشارح: وليس كذلك، بل النكرة قسمان: ناقصة وهي الموصوفة وتامة وهي التعجبية.
رابعها: استفهامية نحو: {وما تلك بيمينك يا موسى}
خامسها: الشرطية وهي تنقسم إلى: زمانية نحو: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، وغير زمانية نحو:{ما ننسخ من آية أو ننسها} .
وأما الحرفية فلها استعمالات: أحدها: أن تكون مصدرية، أي تكون مع ما بعدها في تأويل المصدر نحو قولك: أعجبني ما قلت، أي: قولك.
وأشار بقوله: (كذلك) إلى أنها قد تكون زمانية أي ظرف زمان وهي الواقعة موقع الظرف نحو: {ما دمت حياً} أي مدة دوامي، وقد تكون غير زمانية نحو: يعجبني ما تقوم، أي قيامك، ومنه قوله تعالى:{لما تصف ألسنتكم الكذب} أي: لوصف، كذا قسمه الجزولي ونازع فيه ابن عصفور، لأن الظرفية ليست من معاني (ما) بل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر والمصادر، قد تستعمل ظروفاً نحو: أتيتك خفوق النجم، أي: وقت خفوقه، فلا ينبغي أن يعد قسماً للمصدر.
ثانيها: أن تكون (49أ / د) نافية إما عاملة كقوله تعالى: {ما هن أمهاتهم} أو غير عاملة نحو: ما قام زيد.
ثالثها: أن تكون زائدة، إما كافة، إما عن عمل الرفع، نحو: قلما
وطالما، أو الرفع والنصب وهي المتصلة بـ (إن) وأخواتها، نحو:{إنما الله إله واحد} أو الجر، وهي المتصلة بـ (رب) وإما غير كافة نحو شتان ما بين زيد وعمرو.
تنبيه:
لا يفهم أن الموصولة وما بعدها إلى المصدرية أقسام الإسمية وأن قوله: (ومصدرية) إلى آخر كلامه أقسام الحرفية إلا بتوقيف.
ص: الثالث والعشرون (من) لابتداء الغاية غالباً، وللتبعيض والتبيين والتعليل والبدل والغاية وتنصيص العموم والفصل ومرادفة الباء وعن وفي وعند وعلى.
ش: لـ (من) معان:
أحدها: ابتداء الغاية في المكان اتفاقاً، نحو:{من المسجد الحرام} وفي الزمان عند الكوفين نحو: من أول يوم، وصححه ابن مالك لكثرة شواهده.
وأشار المصنف بقوله: (غالباً) إلى أنه الغالب عليها، حتى رد بعضهم سائر معانيها لابتداء الغاية / (61أ/ م) فإذا قلت: أخذت من الدراهم، فقد جعلت الدراهم ابتداء غاية الأخذ.
ثانيها: التبعيض نحو: {تلك
…
منهم من كلم الله}، وعلامتها صحة أن يوضع موضعها بعض.
ثالثها: التبيين نحو: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} وعلامتها أن يصلح موضعها الذي هو.
رابعها: التعليل، نحو:{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} .
خامساً: البدل نحو: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} .
سادسها: الغاية، أي انتهاء الغاية، مثل (إلى) فيكون لابتداء الغاية من الفاعل ولانتهاء غاية الفعل من المفعول نحو: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، أي من مكاني إلى خلل السحاب.
فابتداء الرؤية واقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، ذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى وأنكره جماعة، وقالوا: هي لابتداء الغاية لكن في حق المفعول، ومنهم من جعلها في هذا المثال لابتداء الغاية في حق الفاعل بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهراً من خلل السحاب، ويحتمل أن يريد المصنف الغاية كلها ابتداء وانتهاء حكاه ابن أبي الربيع عن قوم فيما إذا دخلت (من) على فعل ليس له امتداد فيكون المبتدأ والمنتهى واحداً.
سابعها: تنصيص العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الوحدة، ولهذا يصح معه بل رجلان، فإذا دخلت تعين لنفي الجنس.
أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو: ما جاءني من أحد، فهي للتأكيد، وهذا كله في النفي ولا يجوز زيادتها في الإثبات خلافاً للكوفيين، ولا حجة/ (49ب/د) لهم في قوله تعالى:{يغفر لكم من ذنوبكم} لجواز إرادة البعض.
ثامنها: الفصل نحو: {والله يعلم المفسد من المصلح} وتعرف بدخولها على ثاني المتضادين.
تاسعها: مرادفة الباء، نحو:{ينظرون من طرف خفي} ، قال
يونس: بطرف، ويحتمل ابتداء الغاية.
عاشرها: مرادفة (عن) كقوله تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي عن.
حادي عشرها: مرادفة (في) نحو: {ماذا خلقوا من الأرض} كذا قيل: والظاهر أنها على بابها، وينبغي تمثيله بما في (الشامل) لابن الصباغ عن الشافعي رضي الله عنه في قوله:{فإن كان من قوم عدو لكم} أنها بمعنى (في) بدليل قوله وهو {مؤمن} .
ثاني عشرها: مرادفة (عند) نحو: {لن/ (61/ ب/ م} تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار} قاله أبو عبيدة.
ثالث عشرها: مرادفة (على) نحو: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا} وقيل: ضمن قوله: (نصرناه) معنى (منعناه).
ص: الرابع والعشرون: من شرطية واستفهامية وموصولة ونكرة موصوفة قال أبو علي ونكرة تامة.
ش: (من) بالفتح تكون شرطية نحو: {من يعمل سوءا يجز به} واستفهامية نحو: {فمن ربكما يا موسى} وموصوله نحو: {ألم تر أن الله
يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} ونكرة موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، فوصفك لـ (من) بمعجب وهو نكرة، دليل على أن (من) نكرة.
وقال أبو علي الفارسي: تكون نكرة تامة لقوله:
(ونعم من هو في سر وإعلان).
فقال: إن الفاعل مستتر، ومن تمييز، وقوله:(هو) مخصوص بالمدح، وقال غيره: من موصول فاعل.
ص: الخامس والعشرون: (هل) لطلب التصديق الإيجابي لا للتصور ولا للتصديق السلبي.
ش: (هل) حرف استفهام، ولا يستفهم بها عن التصور، وهو العلم بالمفردات، أي لا يسأل بها عن ماهية الشيء، وإنما يستفهم بها عن التصديق وهو النسبة أي إسناد شيء إلى شيء، ولا يستفهم بها عن النفي فلا يقال:(هل لم يقم زيد؟) وإنما يستفهم بها عن التصديق الإيجابي، كقولك: هل قام زيد؟ وقد ترك الشارح هذا فلم يذكره ولم يشرحه؟
ص: السادس والعشرون الواو لمطلق الجمع وقيل للترتيب وقيل للمعية.
ش: في (الواو) العاطفة مذاهب: أصحها: أنها لمطلق الجمع، أي لا تدل على ترتيب ولا معية، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل قيامهما معاً، وتقدم قيام زيد وتقدم، قيام عمرو، والتعبير بهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما بالجمع المطلق، فإن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، فلا يتناول المقيد بمعية، ولا بتقديم ولا بتأخير، بخلاف مطلق الجمع، فإنه يتناول الصور كلها، وهذا
كمطلق الماء، والماء المطلق، وقد ادعى إجماع النحاة على هذا المذهب السيرافي والسهيلي والفارسي، ووافقهم الإمام فخر الدين والبيضاوي وهو مردود/ (50/ أ /د) بما سنحكيه من الخلاف.
الثاني: أنها تفيد الترتيب، حكي عن الفراء، وثعلب وقطرب وهشام، وأبي جعفر والدينوري، وأبي عمر الزاهد، وأنكره السيرافي عن الفراء وقال: لم أره في كتابه، وعزاه ابن الخبار وغيره للشافعي، وأنكر أصحابنا نسبته إليه، ونقله الماوردي عن جمهور أصحابنا.
الثالث: أنها للمعية، نسبه الإمام في (البرهان) للحنفية.
ص: الأمر (أم ر) حقيقة في القول المخصوص، مجاز في الفعل، وقيل: للقدر المشترك، وقيل: مشترك بينهما وبين الشأن والصفة والشيء.
ش: إنما عبر بقوله: (أم ر) ليبين أنه ليس المراد بالأمر هنا مدلوله بل لفظه، وفي ذلك مذاهب.
أحدها: أنه حقيقة في القول المخصوص، والمراد بالقول الصيغة، وبالمخصوص الطالب للفعل، وسيأتي تعريفه وهو إما فعل أمر، أو اسم فعل، أو فعل مضارع مقرون باللام، فإن أطلق الأمر على الفعل نحو قولك:
زيد في أمر عظيم، كان مجازاً وإلا لزم الاشتراك، والمجاز أولى منه.
القول الثاني: أنه حقيقة في القدر المشترك بين القول والفعل، دفعاً للاشتراك والمجاز، فيكون من باب المتواطئ.
قال الشارح: ولا يعرف قائله، وإنما ذكره في الأحكام على سبيل الفرض والالتزام، أي لو قيل: فما المانع؟ ولهذا قال ابن الحاجب: إنه قول حادث هنا.
القول الثالث: أنه مشترك بينهما، أي بين القول المخصوص والفعل والشأن كقوله تعالى:{وما أمر فرعون برشيد} والصفة كقوله: لأمر ما يسود من يسود، أي لصفة من صفات الكمال، والشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر، أي لشيء، حكاه المصنف عن أبي الحسين البصري.
قال الشارح: وعليه نقد، فإن أبا الحسين لم يتعرض للفعل بخصوصه، إنما ذكر الشأن وقد اعترض بذلك الأصفهاني على صاحبي (المنتخب) و (التحصيل)، ولذلك لم يذكر في (المحصول) عن أبي الحسين الفعل في ذلك.
ص: وحده اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف.
ش: الكلام المتقدم في الأمر بحسب ما يقتضيه لفظه، وهنا بحسب ما يقتضيه مدلوله.
فقوله: (اقتضاء فعل)، أي طلب فعل، وهو جنس يشمل الأمر والنهي، ويخرج الإباحة وغيرها (62/ ب / م) مما يستعمل فيه صيغة الأمر، وليس أمراً.
وقوله: (غير كف) فصل خرج به النهي، فإنه طلب فعل، وهو كف.
وقوله: (مدلول عليه بغير كف) صفة لقوله (كف) وهو قيد زاده
المصنف على ابن الحاجب لإدخال نحو، قولنا: كيف نفسك عن كذا، أو أمسك عن كذا، فإنه أمر مع أنه يخرج بقولنا:(غير كف) فبين أن الكف الذي أريد إخراجه ما دل عليه غير كف، أما طلب فعل هو كف دل عليه كف، فإنه ليس نهياً بل أمرا، وعلم أن هذا التعريف مبني على إثبات الكلام النفسي، فمن نفاه عرف الأمر/ (50/ ب/ د) بأنه القول الطالب للفعل.
ص: ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء وقيل: يعتبران، واعتبرت المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني العلو، واعتبر أبو الحسين والإمام والآمدي وابن الحاجب الاستعلاء.
ش: في اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر أربعة مذاهب.
أصحها: عدم اعتبارهما.
والثاني: اعتبارهما، وبه قال ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب.
والثالث: اعتبار العلو، فإن كان مساويا له فهو التماس أو دونه فسؤال.
والرابع: اعتبار الاستعلاء، والمراد بالعلو كون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، وبالاستعلاء، أن يكون الطلب بغلظة، وإظهار تعاظم، فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام.
ص: واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب.
ش: ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه يعتبر في الأمر إرادة الدلالة بلفظه على الطلب ليخرج صيغة التهديد، ومن سبق في العلم القديم موته على الكفر، فالإرادة هي المميزة، ولم يعتبر الأكثرون ذلك، وقالوا: يحصل التمييز بأن الصيغة حقيقية في الطلب، فإن أريد غيره فهو مجاز لا بد له من قرينة.
ص: والطلب بديهي.
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، فإنه أورد على ذكر الاقتضاء ـ وهو الطلب في تعريف الأمر ـ أن الطلب أخفى من الأمر، فهو تعريف بالأخفى، فأجيب عنه بأن الطلب بديهي التصور، بأن كل أحد يفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك والخبر، فهو وجداني كالجوع والشبع.
ص: والأمر غير الإرادة خلافاً للمعتزلة.
ش: ذهبت المعتزلة إلى / (63/أ/ م) أن الأمر بالشيء هو إرادة فعله، وقال أصحابنا، بل هو غيرها، فإن الميت على كفره مأمور بالإيمان بلا شك، وهو غير مراد منه، إذ لو أريد منه لم يتخلف، كذا قرره بعضهم، واعترض بأنه مصادرة على المطلوب لأنهم يقولون: يقع غير المراد، ويراد ما لا يقع! تعالى الله عن جهلهم، فالأولى تقدير أن الإيمان غير مراد منهم بأنه ممتنع لسبق العلم القديم بانتفائه، والممتنع غير مراد بالاتفاق منا ومنهم، كما قال في (المحصول).
وتعبير المصنف بالأمر أولى من تعبير غيره بالطلب، لأن الطلب ليس كله أمراً عند المعتزلة، بل أمر خاص وهو مع العلو.
ص: مسألة: القائلون بالنفسي اختلفوا هل للأمر صيغة تخصه؟ والنفي عن الشيخ فقيل: للوقف، وقيل: للاشتراك، والخلاف في صيغة: افعل.
ش: اختلف القائلون بالكلام النفسي في أن الأمر هل له صيغة تخصه أم لا؟
على قولين:
أحدهما: وهو المنقول عن الشيخ الأشعري أنه ليست/ (51 / أ/ د) له صيغة تخصه، فقول القائل: افعل متردد بين الأمر والنهي.
ثم اختلف أصحابه في تحقيق مذهبه، فقيل: أراد الوقف، أي أن قول القائل: افعل، لا ندري وضع في اللسان العربي لماذا؟
وقيل: أراد الاشتراك، أي أن اللفظ صالح لجميع المحامل، صلاحية اللفظ المشترك للمعاني التي يثبت اللفظ لها.
القول الثاني: أن له صيغاً تخصه، لا يفهم منها غيره عند التجرد عن القرائن كفعل الأمر، واسم الفعل، والفعل المضارع المقرون باللام، وذكر إمام الحرمين والغزالي أن الخلاف في صيغة:(افعل) دون قول القائل: أمرتك، وأوجبت عليك، وألزمتك، فإنه من صيغ الأمر بلا خلاف، وتبعهما المصنف، وقال الآمدي: لا وجه لهذا التخصيص، فإن مذهب الأشعري أن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس، وليس له صيغة تخصه، وإنما يعبر عنه بما يدل عليه لانضمام القرينة إليه.
أما المنكرون للكلام النفسي فلا حقيقة للأمر، وسائر الأقسام عندهم إلا العبارات، ولا يأتي عندهم هذا الخلاف، فلهذا خص الخلاف بالقائلين بالنفسي.
ص: وترد للوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز والإهانة والتسوية والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب والمشورة والاعتبار.
ش: ذكر المصنف هنا لصيغة (افعل) ستة وعشرين معنى.
فمثال الواجب قوله: {وأقيموا الصلاة}
ومثال الندب {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} .
ومثال الإباحة {كلوا من الطيبات} .
واختلف المعتزلة في الإباحة في الجنة كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} فقال أبو علي الجبائي هو كمباح الدنيا، وقال ابنه أبو هاشم: بجواز أن يريده الله تعالى لما فيه من زيادة السرور للمثاب.
وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها، ومثال التهديد:{اعملوا ما شئتم} .
ومثال الإرشاد {واستشهدوا شهيدين} والفرق بينه وبين الندب تعلقه بمصلحة دنيوية، بخلاف الندب فإن مصلحته أخروية فلا ثواب في الإرشاد على المشهور.
وفرق بعضهم بين أن يأتي بالمرشد إليه بقصد امتثال الإرشاد، فيثاب دون ثواب الندب أو بقصد تحصيل المصلحة الدنيوية فلا يثاب، أو بقصدهما فيثاب وهو دون ثواب القسم الأول.
ومثال إرادة الامتثال ـ كما في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه لم يذكره عند تعداد معاني (افعل) قولك عند العطش: اسقني/ (51/ ب / د) ماء، فإنه يحدث لك إرادة السقي، وهو طلبه، والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة، فإن فرض ذلك من السيد لعبده أمكن أن يكون للوجوب أو الندب مع زيادة كونه لغرض السيد، فإنه غير متصور في حق الباري تعالى، لغناه.
ومثال الإذن، قولك لطارق الباب: أدخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ومثال التأديب قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن أبي سلمة: ((كل مما يليك)) وهو قسم من الندب، كما ذكره البيضاوي، وفي هذا المثال نظر، لأن الشافعي رضي الله تعالى عنه نص في (الأم) و (مختصر البويطي) على أن الأكل من غير ما يليه حرام، وجوابه أن الخطاب لعمر بن أبي سلمة، وكان إذ ذاك صغيراً، فليس أمره إيجاباً قطعاً.
وفيه نظر، لأنه عليه الصلاة والسلام خاطب بهذا اللفظ غير عمر بن أبي سلمة من البالغين.
وجوابه أن التمثيل إنما هو بخطابه لعمر بن أبي سلمة، والله أعلم.
ومثال الإنذار: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وجعله بعضهم قسماً من التهديد، لكن الفرق بينهما أن التخويف هو التهديد، والإنذار هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في المخوف، فقوله:{قل تمتعوا} أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بهذه/ (64/ أ/ م) الصيغة.
ومثال الامتنان: {وكلوا مما رزقكم الله} .
قال الشارح: والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، وأن الإباحة قد يتقدمها حظر، مثل:{وإذا حللتم فاصطادوا} قلت: الظاهر أن الامتنان نوع من الإباحة.
ومثال الإكرام: {آدخلوها بسلام آمنين} فقرينة السلام والأمن تدل على الإكرام.
ومثال التسخير: {كونوا قردة خاسئين} وقال القرافي: اللائق تسميته سخرية بكسر السين، لا تسخيراً فإن التسخير النعمة والإكرام، قال الله تعالى:{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} {فسخرنا له الريح} والسخري الهزل قال الله تعالى: {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} .
قلت: التسخير النقل إلى حالة ممتهنة وليس في السخرية انتقال أصلاً.
ومثال التكوين: {كن فيكون} وجعل الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين هذين المعنيين واحداً، لكن الفرق بينهما أن التكوين سرعة الوجود عن العدم، والتسخير الانتقال إلى حالة ممتهنة، كما تقدم.
ومثال التعجيز: {فأتوا بسورة من مثله} .
ومثال الإهانة {ذق إنك أنت العزيز الكريم} .
ومثال التسوية: {فاصبروا أو لا تصبروا} .
ومثال الدعاء: (اللهم اغفر لي).
ومثال التمني: قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
/ (52أ/ د) ومثال الاحتقار: قول موسى عليه السلام للسحرة: {ألقوا} والفرق بينه وبين الإهانة أن محل الاحتقار القلب، ومحل الإهانة الظاهر، فإذا اعتقدت في شخص أنك لا تعبأ به كنت محتقراً له بدون إهانة، وإذا أتيت بقول أو فعل يقتضي تنقيصه أو تركت قولاً أو فعلاً يقتضي تعظيمه كنت مهيناً له، وإن لم تحتقره بقلبك، فإن اجتمعا كان احتقاراً وإهانة.
ومثال الخبر قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي صنعت ما شئت، فمن لا حياء عنده يصنع ما شاء، لانتفاء المانع من ذلك وهو الحياء.
وجوز ابن عبد السلام أن تكون الصيغة هنا للإباحة على معنى أنك إذا أردت فعل أمر فاعرضه على نفسك، فإن وجدته لا تستحي منه فافعله، أو إنه تهكم).
ومثال الإنعام: {كلوا مما طيبات من رزقناكم} / (64/ ب/ م) قاله الإمام في (البرهان)، قال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكر
النعمة.
قلت: والظاهر أنه نوع من الإباحة كما قدمته في الامتنان بل هو بمعنى الامتنان.
ومثال التفويض: {فاقض ما أنت قاض} ذكره الإمام.
ومثال التعجب كما ذكره الصفي الهندي: {قل كونوا حجارة} وذكر ابن برهان والآمدي ذلك مثالاً للتعجيز.
ومثل العبادي في طبقاته التعجب بقوله: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} ومثال التكذيب: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} .
ومثال المشورة: {فانظر ماذا ترى} .
ومثال الاعتبار {انظروا إلى ثمره} .
ص: والجمهور حقيقة في الوجوب لغة أو شرعاً أو عقلاً؟ مذاهب، وقيل: في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل مشتركة بينهما وتوقف
القاضي والغزالي والآمدي فيها، وقيل: مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل: في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة والمختار وفاقاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل.
ش: لما ذكر لصيغة افعل هذه المعاني، أخذ في بيان الحقيقة منها والمجاز، وفيه مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي.
وهل ذلك بوضع اللغة أو الشرع أو العقل؟
أقوال، حكي في البرهان عن الشافعي الأول، واختار هو الثاني، وصحح الشيخ أبو إسحاق الأول أيضاً.
الثاني: أنها حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره.
والثالث: أنها / (52ب/ د) موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، فيكون من المتواطئ وبه قال أبو منصور الماتريدي من الحنفية.
والرابع: أن الصيغة مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي، أي وضعت لكل منهما، وبه قال المرتضي من الشيعة.
والخامس: الوقف فيهما، أي: يحتمل أنه حقيقة في الوجوب، ويحتمل أنه حقيقة في الندب، ويحتمل أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي،/ (65 / أ / م) وبه قال القاضي أبو بكر والغزالي والآمدي وفي تأدية عبارة المصنف لما قررته نظر.
والسادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة، وهل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي فيه خلاف، وعبارة المصنف محتملة للأمرين.
والسابع: أنها مشتركة بين هذه الثلاثة وبين التهديد.
والثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال والوجوب، وغير مستفادة من القرائن، وبه قال القاضي عبد الجبار.
قال الشارح: وهذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله (واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب) ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره فكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا: لا يكون أمراً إلا بالإرادة.
والتاسع: أن أمر الله حقيقة في الوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة في الندب، إذا كان مبتدأ، أي غير موافق لنص ولا مبيناً لمجمل، فإن كان كذلك فهو للوجوب أيضاً، حكاه القاضي عبد الوهاب عن شيخه أبي بكر الأبهري وذكر المازري أنه روى عنه أيضاً أنه للندب مطلقاً.
العاشر: أنها مشتركة بين الخمسة المذكورة أولاً في معاني صيغة (افعل) وهي الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، حكاه الغزالي.
الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة المشهورة، وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، حكاه في (المحصول).
الثاني عشر: أنها حقيقة في اللغة في الطلب الجازم، والتوعد على تركه بالعقاب ثبت بالشرع بأمر خارج فاستفيد الوجوب من مجموع ذلك، وهذا يوافق القول بأنها حقيقة في الوجوب، ولا يوافق واحداً من الأقوال المحكية هناك
في أن ذلك باللغة أو الشرع أو العقل، بل هو زائد عليها لقوله بثبوته لمجموع اللغة والشرع، وكلام الشافعي رضي الله عنه لا ينافيه، واختاره المصنف تبعاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين.
ص: وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام.
ش: إذا وردت صيغة الأمر / (65/ ب / م)(53أ/ د) من الشارع مجردة عن القرائن، وفرعنا على أنها حقيقة في الوجوب، فهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن كون المراد بها ذلك أو غيره؟ فيه الخلاف الآتي في وجوب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص، حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ في (العدة) وهي مسالة غريبة قل من ذكرها.
ص: فإن ورد الأمر بعد حظر قال الإمام أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب وتوقف إمام الحرمين.
ش: إذا فرعنا على اقتضاء الأمر الوجوب، فورد بعد حظر ففيه مذاهب:
أحدها: أنه للإباحة، فإن سبق الحظر قرينة صارفة، وهذا هو المحكي عن نص الشافعي، ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورجحه ابن الحاجب.
والثاني: أنه للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا ينافيه وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي المظفر السمعاني والإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين.
والثالث: الوقف بينهما، وإليه مال إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف
في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر.
قال الشارح: ولم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا يبعد طرده.
قلت: كان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن هذا هو المختار، فإنه للإباحة في قوله تعالى:{وإذا حللتم فاصطادوا} وللإيجاب في قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فالاصطياد كان قبل تحريمه بالإحرام مباحاً، فاستمر كذلك، وقتال المشركين قبل تحريمه في هذه المدة كان واجباً فاستمر كذلك.
تنبيهان:
أحدهما حكي عن القاضي أبي بكر أنه رغب عن تعبير الجمهور بالأمر بعد الحظر إلى أن الأولى أن يقال: افعل بعد الحظر، لأن افعل يكون أمراً تارة وغير أمر أخرى، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه.
ثانيهما: ذكر الإمام أن الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، ومثل له بقوله عليه الصلاة والسلام لما قيل له كيف نصلي عليك:((قولوا ....)) الحديث.
قلت: ويمكن التمثيل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (66 / أ / م) لما سئل عن
الوضوء من لحوم الإبل: ((توضؤوا منها)) فيجري فيه الخلاف المتقدم.
ص: وأما النهي بعد الوجوب فالجمهور للتحريم، وقيل: للكراهة وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب، وإمام الحرمين على وقفه.
ش: اختلف في النهي الوارد بعد الوجوب على مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنه يقتضي التحريم، ونقل القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق الاتفاق / (53 ب/ د) عليه، وفرق بينه وبين الأمر بأوجه.
أحدها: أن مقتضى النهي ـ وهو الترك ـ موافق للأصل، بخلاف مقتضى الأمر وهو الفعل.
ثانيها: أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه، والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من جلب المصالح.
ثالثها: أن القول بالإباحة في الأمر بعد التحريم سببه وروده في القرآن والسنة كثيراً للإباحة، وهذا غير موجود في النهي بعد الوجوب.
المذهب الثاني: أنه لكراهة التنزيه حكاه ابن تيمية في (المسودة الأصولية) عن حكاية القاضي أبي يعلى من الحنابلة.
الثالث: أنه للإباحة كالقول به في المسألة المتقدمة، ويدل له قوله تعالى:{إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} .
الرابع: أنه يرفع ذلك الوجوب فيكون نسخاً، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبله، وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية).
الخامس: الوقف كالمسألة قبلها، وبه قال إمام الحرمين.
أما النهي بعد الاستئذان فهو مرتب على ما فهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة، لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر، لكن القرائن ترشد إلى أن المراد الاستفهام عن الحكم الشرعي نقل هذا عن السبكي، ومثل له بحديث سعد: أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) وبحديث: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: (لا) والظاهر فيهما التحريم لما فهم منه أن الاستفهام عن الإباحة.
قلت: ويحتمل أن المفهوم منه فيهما السؤال عن الندب، ويحتمل أن المفهوم من المثال الأول أن السؤال عن الندب، وفي الثاني عن الإباحة، ومن أمثلته حديث: سئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضؤوا منها)) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم.
ص: مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية، وقيل: مدلولة، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار
مطلقاً، وقيل: إن / (66 / ب / م) علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف.
ش: اختلف في الأمر المطلق أي الذي ليس مقيدا بمرة ولا تكرار على مذاهب:
أحدها: أنه لطلب فعل الماهية، من غير دلالة على تكرار ولا مرة، لكن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به، وهذا مختار الإمام مع نقله عن الأقلين، ورجحه أيضاً الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، وأن هذا مدلوله فلا يحمل على التكرار إلا بدليل، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وعن اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، وقال ـ أعني الشيخ أبا حامد ـ: إنه مقتضى/ (54أ/ د) قول الشافعي.
الثالث: أنه للتكرار، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو حاتم القزويني كما نقله عنه صاحبه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
وقول المصنف: (مطلقاً) يحتمل أنه أراد به التكرار المستوعب لزمان العمر، وهو كذلك عند القائل به، لكن بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ، ويحتمل أنه أراد به مقابل ما سنحكيه من التفصيل في القول بعده، وإليه ذهب الشارح.
والرابع: أنه إن علق على شرط أو صفة اقتضى التكرار مثل: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وإن كان مطلقاً لم يقتضيه، وقال البيضاوي في هذه الصورة: يقتضه قياساً لا لفظاً.
الخامس: الوقف وهذا محتمل لأمرين كلاهما قول محكي، أحدهما: أن يكون مشتركاً بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة.
والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فيتوقف لعدم علمنا بالواقع، فتكون الأقوال ستة وفيه قول سابع، وهو: أن المعلق بالصفة يقتضي التكرار دون المعلق بالشرط، ارتضاه القاضي أبو بكر، ورجحه بعض المتأخرين، لأنهم لم يذكروا في القياس أن تعليق الحكم على الشرط يفيد كونه علة له، إنما ذكروا ذلك في الصفة، وذكر الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وغيرهم: أن محل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة فإن ثبت كونه علة كالزنا، تكرر الحكم بتكرره اتفاقاً، وهذا مناف لكلام الإمام وأتباعه، حيث مثلوا بهاتين الآيتين مع كون / (67/ أ / م) الجنابة علة للطهر، والسرقة علة للقطع، والله أعلم.
تنبيه:
جعل الشارح لفظ المصنف الأمر بطلب الماهية بالباء، وشرحه على أنه تصوير للمسألة، والخبر في قوله:(لا لتكرار ولا مرة) ولا معنى لذلك، فإن الأمر هو الطلب وإنما عبارة لطلب الماهية باللام وهو الخبر، وقوله:(لا التكرار ولا مرة) لتقرير ذلك، وتأكيده والله أعلم.
ص: ولا لفور خلافاً لقوم وقيل للفور أو العزم وقيل مشترك والمبادر ممتثل خلافاً لمن منع ومن وقف.
ش: اختلف في أن الأمر المطلق أي المجرد عن القرائن هل يقتضي الفور أم لا؟
على مذاهب.
أحدها: انه لا يفيد الفور ولا التراخي، قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في
مجموعاته في الأصول، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
فقول المصنف: (ولا فور) معطوف على قوله: (لا لتكرار).
الثاني: أنه يقتضي الفور، وهو قول الحنفية والحنابلة، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية، وقال به من أصحابنا أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد.
الثالث: أنه يقتضي الفور أو العزم، وهذا شامل للمضيق والموسع، والعزم/ (54 ب/ د) إنما يكون في الموسع، ولا ينافي هذا العود للأعم، فإن انفراد بعض أفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود للأعم، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بناء على أصله في الواجب الموسع أنه يجب العزم فيه عند التأخير على إيقاع الفعل في بقية الوقت.
الرابع: أنه مشترك بين الفور والتراخي، ولو عبر المصنف بالوقف لتناول القول بالاشتراك والوقف لعدم العلم بمدلوله، وهو قول خامس أنه يقتضي التراخي كذا أطلقه البيضاوي وجماعة، وقال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: إن هذا الإطلاق مدخول، إذ مقتضاه أنه لو امتثل على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
قلت: إنما أرادوا التأخير جوازاً لا على سبيل التحتم، والله أعلم.
وسواء قلنا: الأمر يقتضي الفور/ أم لا لو بادر إلى فعله أول الوقت كان ممتثلاً للأمر، ووراءه قولان غريبان:
أحدهما: حكاه ابن الصباغ في العدة عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلاً للأمر لجواز إرادة التراخي وقال: إنه خرق للإجماع، ومثله قول
الإمام في (البرهان): إن من ترجم المسألة بأن الصيغة (هل) تقتضي التراخي / (67/ ب / م) فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها للتراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
الثاني: أنا نتوقف في ذلك لكونه مشكوكاً في أن المراد به الفور أو التراخي، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين، قلت: وعبارة ابن الصباغ تقتضي مساواة الأول من هذين القولين للثاني، والله أعلم.
ص: مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر الأول يستلزم القضاء وقال الأكثر القضاء بأمر جديد.
ش: إذا أخرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعاً فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟
فيه مذهبان، وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة والرازي أي الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف عن الشيرازي وهو الشيخ أبو إسحاق، وفيه نظر، فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين وبالثاني قال الأكثرون.
ص: والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء، وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به، وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه، وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء، وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضياً إما لذلك المأتي به فيلزم تحصيل الحاصل، أو لغيره فيلزم أنه لم يأت بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه.
وقال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد.
وفي الرد على أبي هاشم بما تقدم نظر فإنه لا يقول ببقاء التكليف بالمأمور به، بل يوافق على سقوطه، لكنه يقول: السقوط مستفاد من البراءة الأصلية / (55/ أ / د) وغيره يقول: من ذلك الأمر.
واعلم أن هذا الخلاف مبني على تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، فأما إذا فسر بسقوط التعبد به كما هو المختار فإنه حاصل عند الإتيان بالمأمور به على الوجه المشروع بلا خلاف كما صرح به جماعة.
المسألة الثانية: الأصح أن الأمر الوارد على زيد بأن يأمر عمرا بشيء لا يصير عمراً مأموراً من جهة الأمر الأول بذلك الشيء، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الأولاد:((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر)) فليس الصبيان مأمورين بأمر الشارع، ومثل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (68/ أ/ م) لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض:((مره فليراجعها)) ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضى أنه يجب على الناس الفعل جزماً، وإنما الخلاف في تسميته أمراً.
وقال في (المحصول): الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا، وقال لعمرو: كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالأمر بالأمر أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب عليك فلان فهو واجب عليك، فإن لم يقل ذلك لم يجب لقوله عليه
الصلاة والسلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع) فإن ذلك الأمر لا يقتضي الوجوب على الصبي.
وقال الشارح: الحق التفصيل، فإن كان للأول أن يأمر الثالث فالأمر للثاني بأمر الثالث أمر للثالث، وإلا فلا.
المسألة الثالثة: إذا ورد الأمر بلفظ يتناوله، أي تناول الآمر، فهل يدخل فيه الآمر أم لا؟ فيه مذهبان.
أصحهما عند المصنف: نعم نظراً إلى عموم الأمر، وكونه آمراً لا ينافيه وعزاه الهندي للأكثرين، لكن قال الشارح: إن الأكثرين ـ وهو مذهب الشافعي ـ على عدم الدخول لا سيما على قول من اشترط في الآمر العلو، قال: وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن الآمر مأموراً بمخاطبة غيره، فإن كان لم يدخل فيه قطعاً ولهذا قال: قطع أصحابنا فيما لو وكله ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء أنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله صاحب التتمة بما ذكرنا، ونص الشافعي على أنه لو وكله أن يفرق ثلثه على الفقراء ليس له صرفه على نفسه، وإن كان فقيراً أو مسكيناً، ووجهه القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر، انتهى.
واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الآمر تحته قطعاً.
تنبيه:
اعترض على المصنف/ (55 ب/ د) بأنه / (68 / ب / م) كيف يجتمع كلامه هنا مع قوله في آخر العام (الأصح أن المخاطب داخل في خطابه إن كان خبراً لا أمراً) وجمع المصنف
بينهما بحمل كلامه في الأوامر على الإنشاء، سواء صدر عن المنشئ للحكم، وهو الله تعالى، أو عن المبلغ عنه وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وكلامه في العموم على الخطاب أعم من كونه إنشاء أو خبراً.
قال الشارح: ولا يخفى ما فيه من التعسف، مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما بحمل المذكور هنا على ما إذا تناوله الخطاب كقوله: إن الله يأمر بكذا، والمذكور في العام على ما إذا لم يتناوله اللفظ كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} لكان أولى ولهذا لم يدخل موسى عليه السلام في ذلك الأمر بدليل قوله:{فذبحوها وما كادوا يفعلون} ولا يظن بموسى عليه السلام ذلك.
وقول المصنف هنا بلفظ: (يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك ـ صريح فيما ذكرته، والعجب منه كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ففرق المصنف المسألة في موضعين، وذكر كل شق في موضع. انتهى.
المسألة الرابعة: مذهبنا كما قال الآمدي: جواز دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية، خلافاً للمعتزلة، استدلوا بأن الوجوب لقهر النفس وكسرها، والنيابة تنافي ذلك، وقال أصحابنا: النيابة لا تأباه لما فيها من بدل المؤنة وتحمل المنة.
وخرج بقول المصنف: (إلا لمانع) الصلاة والاعكتاف وكذا الصوم على الجديد، وعكس ذلك ابن عبد السلام في أماليه فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول، لأن القصد بها الإجلال والإنابة، ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل.
وقال الصفي الهندي: اتفقوا على جواز النيابة في العبادة المالية، ووقوعها
كتفرقة الزكاة، واختلفوا في البدنية، فذهب أصحابنا إلى جوازه ووقوعه ومنعه غيرهم.
ص: مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه، وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي، لا عينه ولا يتضمنه، وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعاً، ولا يتضمنه على الأصح، وأما النهي فقيل: أمر بالضد، وقيل: على الخلاف.
ش: اختلف المثبتون للكلام النفسي في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه عين النهي عن ضده، وهو قول للأشعري والقاضي أبي بكر وأطنب في نصرته في (التقريب).
واحترزنا بقولنا: (معين) عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهياً عن الضد كما صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي في (التقريب) وغيرهما / (56أ / د).
وقيدنا الضد بالوجودي، للاحتراز عن النقيض، وهو ترك المأمور به فإنه منهي عنه بلا خلاف فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام، وهل هو نهي على التلبس بضد من أضداده الوجودية كالقعود والاضطجاع؟ وهذا موضع الخلاف.
الثاني: أنه ليس عينه ولكن يتضمنه عقلاً، وذكر إمام الحرمين أن القاضي أبا بكر صار إليه في آخر مصنفاته، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، وفي نقل المصنف هذا المذهب عن القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري نظر، فإنهما لا يثبتان الكلام النفسي أصلاً كغيرهما من المعتزلة، وإنما تكلما في الكلام اللساني كما سنوضحه، وأما الآمدي فإنه قال: إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه.
الثالث: أنه ليس نهيا عن ضده، ولا يتضمنه، واختاره إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب، وقال إلكيا: إنه استقر عليه القاضي.
الرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب فيتضمن النهي عن ضده، وأمر الندب ليس نهياً عن ضده، ولا يتضمنه فإن أضداده مباحة غير منهي عنها، وهو قول بعض المعتزلة.
أما المنكرون للكلام النفسي وهم المعتزلة فإن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده عندهم قطعاً فإن الأمر والنهي لهما صيغتان مختلفتان، ولم يتكلم الشيخ والقاضي إلا في النفسي، فهو موضع الخلاف، ثم اختلف المعتزلة في أن الأمر اللساني بشيء هل يتضمن النهي عن ضده أم لا؟
فذهب قدماؤهم إلى منعه، والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين وغيرهما إلى إثباته.
أما النهي عن الشيء فهل هو أمر بضده أم لا؟
فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر.
والثاني: أنه أمر بالضد قطعاً، وهي طريقة القاضي في التقريب، فإنه جزم بذلك/ (69/ ب / م) بعد حكاية الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح، فإنه قال: لا يقدر مباح إلا وهو ضد محظور فيكون
واجباً، وحكى ابن الحاجب طريقة القطع على عكس المذكورة هنا، وهي أنه ليس أمرا بالضد قطعاً ونازعه المصنف في ثبوتها، وقال: إنه لم يعبر عليه نقلاً ولم يتجه له عقلاً، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم فلا يكون أمرا بالضد.
ص: مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف قيل معمول/ (56/ ب / د) بهما، وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح وقيل: التأكيد، فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف.
ش: إذا صدر من الآمر أمران فلهما أحوال.
أحدها: أن يكونا غير متعاقبين أي لا يكون الثاني عقب الأول، فهما غيران بلا خلاف ويجب العمل بهما.
الثانية: أن يكون متعاقبين لكنهما مختلفان غير متماثلين، فهي كالأولى في وجوب العمل بهما قطعاً، سواء أمكن الجمع بينهما كصل وصم أو امتنع كصل وأد الزكاة.
الثالثة: أن يكونا غير متعاقبين بمتماثلين، والمأمور به لا يمكن تكرره نحو: اقتل زيداً، اقتل زيداً، فالثاني تأكيد قطعاً.
الرابعة: أن لا يمتنع التكرار، ويكون الثاني غير معطوف على الأول، نحو صل ركعتين، صل ركعتين ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يعمل بهما فيجب التكرار، لأن التأسيس أولى من التأكيد، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين.
والثاني: أنه تأكيد فلا يجب سوى مرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد، وبه قال أبو بكر الصيرفي.
والثالث: الوقف لتعارض الأمرين، / (70/ أ/ م) وبه قال أبو الحسين البصري.
الخامسة: أن يعطف الثاني على الأول ولا يكون هناك مرجح للتأكيد، نحو صل ركعتين، وصل ركعتين، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الراجح عنده أنه يجب الحمل على التأسيس فيتكرر المأمور به لاقتضاء العطف المغايرة من غير معارض.
والثاني: أنه يحمل على التأكيد فيجب مرة، لأنه المتيقن وفي حكاية المصنف الخلاف هنا نظر، فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف هنا في الحمل على التأسيس، لأنه الشيء لا يعطف على نفسه، ولم يحك ابن الحاجب القول الثاني.
السادسة: أن يكون هناك مرجح للتأكيد بأمر عادي، كالتعريف نحو: صل ركعتين، وصل الركعتين، فيقدم التأكيد ويحمل عليه لرجحانه، هذا مقتضى عبارة المصنف، وعبارة ابن الحاجب:(قدم الأرجح) ورد الشارح كلام المصنف إليه، وقال: الأرجح هو العمل بالثاني، لأن صرف العطف المقتضي للتغاير معارض بلام التعريف وتبقي أظهرية التأسيس سالمة من المعارض، ويوافقه كلام شراح (ابن الحاجب).
السابعة: أن لا يترجح التأكيد بل يتساويان، فيجب الوقف.
قال الشارح: كذا قالوا، ويظهر أن التأكيد في هذا أرجح، وعلله بما لم يظهر لي، والذي يظهر عندي أن هذه الصورة السابعة لا وجود لها، وهي الخامسة، فإنه إذا عطف الثاني على الأول فذلك يقتضي التأسيس، فإما أن يعارضه ما يقتضي التأكيد أم لا، فعدم المعارضة هي الحالة الخامسة التي أنكر على المصنف حكاية قول فيها بالتأكيد فكيف يرجحه الشارح هنا؟ لكن هذه العبارة التي أتى بها المصنف في قوله (وإلا / (57أ / د) فالوقف) هي عبارة ابن الحاجب، ومثل ذلك شراحه بقوله: اسقني ماء، واسقني الماء، وهذا إنما يظهر مثالاً
للحالة السادسة، فقط ظهر الخلل في تصوير هذه الحالة وحكمها، والله أعلم.
ص: النهي: اقتضاء كف عن فعل، لا بقول: كف.
ش: هذا تعريف النهي، فالاقتضاء هو الطلب، وخرج بإضافته إلى الكف عن فعل الأمر فإنه اقتضاء فعل.
وبقولنا: (لا بقول كف) أي لا بقول القائل/ (70 / ب / م) كف عن كذا، وهو فعل أمر من الكف، فإنه يطلب كفا عن فعل وليس نهياً بل هو أمر وكان ينبغي أن يقول (وما في معناه) كقولك: اكفف، أو أمسك، أو ذر أو دع، أو جاوز، أو تنح، أو عد، أو تجاوز، أو إياك أو رويدك، أو مهلا، أو قف، فهذه كلها أوامر بالمطابقة وإن اقتضت كفا، وإنما هي نواهي بالتضمن، بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمناً.
ص: وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، وقيل: مطلقاً.
ش: حكى المصنف في مقتضى النهي قولين: أصحهما الدوام، أي: يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائماً، إلا أن يقيد بمرة واحدة فيحمل عليها.
والثاني: أنه يحمل على الدوام مطلقاً، ولو قيد بالمرة، وهذا الثاني قريب لم أره لغيره، وقال البيضاوي، إنه كالأمر في التكرار والفور، ومقتضاه أن الراجح عدم دلالته عليهما، لكن اقتضى كلامه قبل ذلك أنه يدل عليهما، وبه قال الشيخ أبو إسحاق والآمدي وابن الحاجب، وقال الشيخ أبو حامد وابن برهان وغيرهما: إنه مجمع عليه وفي (المحصول): إنه المشهور لكنه قال: إن المختار خلافه.
ص: وترد صيغته للتحريم والكراهة والإرشاد والدعاء وبيان العاقبة والتقليل والاحتقار واليأس.
ش: ترد صيغة النهي، وهي:(لا تفعل) لسبعة أمور، جمعها الغزالي والآمدي وغيرهما.
أحدها: التحريم، كقوله:{ولا تقتلوا النفس} .
الثاني: الكراهة كقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} .
الثالث: الإرشاد، والفرق بينه وبين الكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في أن كراهة المشمس شرعية أو إرشادية؟
أي يتعلق بها الثواب أو ترجع لمصلحة طبية، ومثله إمام الحرمين بقوله:{لا تسألوا عن أشياء} قال الشارح: وفيه نظر، بل هو للتحريم.
قلت: الظاهر ما قاله إمام الحرمين، فإنه تعالى قال:{إن تبد لكم تسؤكم} فبين أن مصلحة دنيوية وهي تجنب ما يسؤهم بسماعهم ما يكرهون.
الرابع: الدعاء، كقوله:{ربنا لا تزغ قلوبنا}
الخامس: بيان العاقبة كقوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} .
السادس: التقليل والاحتقار أي للمنهي عنه، كقوله:{لا تمدن عينيك} واعلم أن التقليل هنا بالقاف / (57 ب/ د) فهو بمعنى الاحتقار وعطفه عليه تأكيد، ولو اقتصر على أحدهما لكان أولى، وظن بعض من تأخر عن الشارح أنه التعليل بالعين، فأفرده عنه، ومثله بقوله: لا تذنب فلا أحسن إليك،
وقال: لم يمثل الشارح هذا.
قلت: وهو مخالف لكلام غيره، ولو كان كما ظنه لم يجتمع هذا مع قوله أو لا تبعاً للشارح (لسبعة) فإنها حينئذ ثمانية، والله أعلم.
السابع: اليأس كقوله: {لا تعتذروا اليوم}
وبقى عليه ثامن، وهو الخبر نحو:{لا يمسه إلا المطهرون} ذكره في (المحصول).
وتاسع: وهو التهديد كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري.
وعاشر: وهو النهي بعد الإيجاب فهو إباحة للترك.
وحادي عشر: وهو الالتماس كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا.
ص: وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر.
ش: أي هل يعتبر في النهي إرادة الدلالة باللفظ على الترك أم لا، وهل صيغة النهي حقيقة في التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة؟ يعود فيه ما تقدم في الأمر.
ص: وقد يكون عن واحد ومتعدد جمعا كالحرام المخير، وفرقاً كالنعلين تلبسان أو تنزعان، ولا يفرق وجميعاً كالزنا والسرقة.
ش: النهي قد يكون عن واحد، وقد يكون عن متعدد، أي شيئين فصاعداً وهذا على ثلاثة أقسام.
أحدها: أن يكون نهياً عن الجمع أي الهيئة الاجتماعية، فله فعل أيهما شاء على انفراده، ومثله المصنف بالحرام المخير وسبق ما فيه.
ثانيها: عكسه، وهو النهي عن الافتراق دون الجمع كلبس إحدى النعلين
فقط فإنه منهي عنه لا لبسهما ولا نزعهما.
ثالثها: أن يكون نهياً عن الجمع أي عن كل واحد سواء أتى به منفرداً أو مع الآخر كالنهي عن الزنا والسرقة.
ص: ومطلق نهي التحريم وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعاً، وقيل: لغة وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقاً، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل أو لازم وفاقاً للأكثر، وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط.
ش: النهي عن الشيء هل يدل على فساده أم لا؟
فيه مذاهب:
الأول: أنه يقتضي الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات، وحكاه القاضي أبو بكر عن جمهور أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي.
الثاني: أنه لا يقتضيه، نقله القاضي عن جمهور المتكلمين، والإمام عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين، واختاره القفال الشاشي، والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، وعلى هذا الثاني قولان.
أحدهما وبه قال الجمهور: إنه لا يدل على الصحة أيضاً، وادعى القاضي فيه الاتفاق.
والثاني: أنه يدل على الصحة، وحكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
الثالث وهو الذي نقله المصنف عن الأكثرين وحكاه ابن برهان / (58أ / د) عن نص الشافعي وحكي عن نص (الرسالة) التفصيل، فإن كان في غير المعاملات وهي العبادات والإيقاعات دل على الفساد مطلقاً، وإن كان في المعاملات فإن رجع إلى أمر داخل فيها كبيع الملاقيح، أو أمر خارج ولازم كالربا اقتضى الفساد، وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم لم يقتض الفساد، وذلك كالنهي
عن البيع وقت نداء الجمعة فإن النهي عنه راجح إلى تفويت الجمعة، وهو أمر خارج غير لازم للعقد.
فإن شك هل هو راجع إلى داخل أو خارج حكمنا بفساده أيضاً، وهو معنى قول المصنف: قال ابن عبد السلام: (أو احتمل رجوعه) وأشار بذلك إلى قوله في القواعد: وكل تصرف نهي عنه ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو باطل حملاً للفظ النهي على الحقيقة.
قال الشارح: وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين.
الرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط، وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) وفي نقله عن الغزالي نظر، فقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط، لا من حيث النهي.
تنبيه:
قوله: (مطلق النهي) خرج به ما اقترن به ما يدل على الفساد أو الصحة، فليس من محل الخلاف، وبين بإضافة النهي إلى التحريم أن المحل المتفق على جريان هذا الخلاف فيه أن يكون النهي للتحريم، فإن كان للتنزيه ففيه خلاف، الذي رجحه المصنف أنه كنهي التحريم لأن المكروه مطلوب الترك فلا يعتبر به إذا وقع، وذلك هو الفساد، ويخالف ذلك قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، وصرح بذلك بعض المصنفين.
قلت: وذكر ابن الصلاح والنووي أن الصلاة في الأوقات المكروهة لا
تنعقد، وإن قلنا إن الكراهة فيها للتنزيه، واستشكله شيخنا الإسنوي بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب ولا إشكال فيه، لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة فإن المكروه غير داخل في مطلق الأمر، وإلا يلزم كون الشيء مطلوباً منهياً ولا يصح إلا ما كان مطلوباً، والله أعلم.
تنبيه آخر:
إذا قلنا باقتضاء النهي الفساد فهل ذلك من جهة الشرع أو اللغة؟
فيه مذهبان: نقلهما القاضي أبو بكر في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية أنه يقتضيه من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه، وهو مضاد للمشروعية، / (58 ب / د) وقال إنه الأولى فلذلك نقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه يدل عليه شرعاً وجزم به البيضاوي.
ص: فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقاً، ولفظه حقيقة وإن انتفى الفساد لدليل.
ش: تقدم أن النهي إنما يدل على الفساد إذا كان لأمر داخل في المنهي عنه أو خارج عنه لازم له، فأما إذا كان لأمر، خارج عنه غير لازم له فإنه لا يفيد الفساد عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل: بل يفيده أيضاً، وذلك كالوضوء بماء مغصوب، فإن المنهي عنه لأمر خارج عنه ـ وهو الغصب ـ ينفك بالإذن من صاحبه أو الملك، ويترتب على قول الإمام أحمد باقتضاء النهي الفساد مطلقاً، أنه لو قام الدليل في نهي خاص على أنه ليس للفساد ولم يخرج النهي المذكور عن كونه باقياً على حقيقته.
- لم يصر مجازا، لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه بل عن بعضه، فهو كالعموم الذي خص بعضه، فإنه حقيقة فيما بقي، ذكره ابن عقيل في الواضح.
قال الشارح: وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته، فإن قلنا من جهة الشرع أو المعنى لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ.
قلت: ولك أن تقول: قد رجح المصنف/ (72/ ب/ م) أن النهي يدل على الفساد في العبادات مطلقاً، والتفصيل إنما هو في المعاملات، وحكاه عن الأكثرين، والوضوء من العبادات، فاقتضى كلامه فيه الفساد إذا كان لمغصوب فكيف يحكي هذا هنا عن أحمد خاصة، ويجعله فيه مخالفاً للأكثر، وأيضاً فقد تقدم لنا قول أن النهي يدل على الفساد مطلقاً، وأن القاضي نقله عن جمهور الشافعية، والحنفية، والمالكية، فكيف يجتمع ذلك مع تخصيصه الفساد في هذه الصورة بالنقل عن أحمد.
ص: وأبو حنيفة لا يفيد مطلقاً نعم المنهي لعينه غير مشروع ففساده عرضي ثم قال والمنهي لوصفه يفيد الصحة.
ش: اشتهر عن أبي حنيفة أن النهي لا يفيد الفساد مطلقاً، واستدرك المصنف على هذا أن ذلك إنما هو في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه فلا خلاف في فساده، وقد صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة)، وقال شمس الأئمة السرخسي: إن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلاً، فيترتب على ذلك أن فساده عرضي، ثم قال أي أبو حنيفة: إن المنهي عنه لوصفه لا يفيد الصحة، وإنما يفيد ذلك الوصف خاصة كما لو تبايعا درهماً بدرهمين ثم طرح زيادته فإنه يصح العقد.
قلت: وكيف يجتمع نفي الخلاف مع ما تقدم من حكاية قول بأنه/ (59أ / د) لا يقتضي الفساد مطلقاً.
ص: وقيل: إن نفي عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد، ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد.
ش: إذا ورد من الشرع نفي القبول عن عباداة، فهل يدل ذلك على صحتها أو فسادها؟ مثل قوله عليه الصلاة والسلام:((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض)) أي: من بلغت سن الحيض ((إلا بخمار)) فيه قولان، حكاهما ابن عقيل من الحنابلة في كتابه في الأصول، فمن قال بالأول ـ وهو مراد المصنف بقوله:(وقيل: إن نفى عنه القبول) أي يفيد الصحة لقوله فيما قبله: يفيد الصحة ـ قال: إن القبول والصحة متغايران يظهر أثر الأول الثواب، والثاني في عدم القضاء، ومن قال بالثاني جعلهما متلازمين وهو مقتضى استدلال أصحابنا، وغيرهم بالحديثين المذكورين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة، وحكى الشيخ تقي الدين/ (73/ أ / م) في (شرح العمدة) في تفسير القبول قولين: أحدهما: أنه يرتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل عذر فلان إذا رتب عليه الغرض المطلوب، وهو عدم المؤاخذة، وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان.
والثاني: أن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فهو أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح، ولا ينعكس.
قلت: الذي ظهر لي في كون هذين الحديثين المذكورين نفى فيهما القبول وانتفت معه الصحة، وجاء في أحاديث أخر نفي القبول، فلم ينتف معه الصحة، كصلاة شارب الخمر، والعبد الآبق، وآتي العراف أنا ننظر فيما نفي فيه القبول، فإن قارنت ذلك الفعل معصية كالأحاديث الثلاثة المذكورة أجزأ، فانتفاء القبول (أي الثواب) لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم يقارنه معصية
كالحديثين الأولين، فانتفاء القبول بسببه انتفاء شرط وهو الطهارة في أحد الحديثين وستر العورة في الآخر، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط، والله أعلم.
أما نفي الإجزاء نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجزئ صلاة من لا يقرأ فيها بأم القرآن)) فالمشهور أنه كنفي الصحة فيعود فيه ما سبق.
والثاني: أنه أولى بالفساد، فيعود فيه الخلاف بالترتيب، لأن الصحة قد توجد، حيث لا قبول بخلاف الإجزاء مع الصحة.
ص: العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.
ش: فهم من تصدير تعريف العام باللفظ أنه من عوارض الألفاظ، والمراد لفظ واحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة.
وخرج بقوله: (يستغرق) المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الأفراد أصلاً، والنكرة في سياق الإثبات مفردة / (59 ب / د) كانت أو مثناة أو مجموعة أو عدداً، فإنها إنما تتناول الأفراد على سبيل البدل.
واحترز بقوله: (الصالح له) عما لا يصلح فعدم استغراق (ما) لمن يعقل، إنما هو لعدم صلاحيتها له، أي: عدم صدقها عليه، لا لكونها غير عامة.
وخرج بقوله: (من غير حصر) أسماء العدد، فإنها متناولة للصالح لها، لكن مع الحصر، وهذا مبني على أنها ليست عامة، وهو المعروف، وبه صرح ابن الحاجب هنا، ومقتضى كلامه في الاستثناء أنها عامة، وتبعه المصنف
هناك، وزاد / (73 / ب / م) البيضاوي وغيره في هذا التعريف:(بوضع واحد) ليخرج المشترك إذا أريد به معنياه، فإنه مستغرق لما يصلح له لكن بوضعين لا بوضع واحد، فتناوله لهما ليس من العموم ولم يحتج المصنف لذكره، فإن تناول المشترك لمعنييه ليس من الشمول الوضعي بل بحسب الإرادة أو الاحتياط، لكن نقل الآمدي عن الشافعي والقاضي أن حمله على معنييه من باب العموم، وإذا كان كذلك فلا يؤتى بلفظ يخرجه، والله أعلم.
ص: والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته، وأنه قد يكون مجازاً، وأنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني، وقيل به في الذهني ويقال للمعنى: أعم، ـ وللفظ: عام.
ش: فيه مسائل: الأولى: الصحيح أن الصورة النادرة تدخل في العموم.
وقال الشارح: زعم المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حكى فيه خلافاً، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء، ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين.
أصحهما: نعم، لقوله عليه الصلاة والسلام:((لا سبق إلا في خف أو حافر)).
والثاني: لا، لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث، وقال الغزالي في (البسيط): لو أوصى برأس من رقيقه جاز دفع الخنثى، وذكر صاحب (التقريب) وجهاً: أنه لا يجزئ، لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد، لأن العموم يتناوله.
قال الشارح أيضا: وينبغي أن يكون الخلاف فيما ظهر اندراجه في
اللفظ، فإن لم يظهر وساعده المعنى فلم أرهم تعرضوا له، وينبغي أن يجري فيه خلاف أصحابنا في بيع الأب مال ولده من نفسه وبالعكس، هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان.
والأصح: الثبوت، وإنما خص المتبايعين بالذكر آخراً للكلام على الغالب المعتاد، فلو قال المصنف:(والصحيح دخول النادرة تحت العموم ولو بالمعنى) لشمل، هذه الصورة، انتهى.
الثانية: الصحيح دخول الصورة التي ليست مقصودة في العموم، فإن اللفظ متناول/ (74 / أ / م) لها، ولا انضباط للمقاصد، وممن حكى الخلاف في ذلك القاضي عبد الوهاب، ويوجد في كلام أصحابنا، ولهذا قال في (البسيط) بعد حكاية الخلاف فيما لو وكله بشراء عبد فاشترى من يعتق (60 / أ / د) على الموكل: وصار الخلاف التعلق بالعموم والالتفات إلى المقصود.
قال المصنف: وليست غير المقصود هي النادرة، كما توهم بعضهم، بل النادرة هي التي لا تخطر غالباً ببال المتكلم، لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال ولو غالباً، وميل الحنابلة إلى عدم الدخول.
الثالثة: الصحيح أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاماً فلم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي أو غيرهما من صيغ العموم لا يفيد العموم إلا في الحقيقة، وخالف فيه بعض الحنفية، فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته، لأنه على خلاف الأصل، فيقتصر به على الضرورة، ورد بأن المجاز ليس خاصاً بمجال الضرورات، بل هو عند قوم غالب على اللغات، واستدل على أن العام قد يكون مجازاً بقوله عليه الصلاة والسلام:
((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فإن الاستثناء معيار العموم، فدل على تعميم كون الطواف صلاة وكون الطواف صلاة مجاز.
تنبيهان:
أحدهما: قال الشارح: ظهر بهذا أن العبارة مقلوبة، والصواب أن يقال: وأن المجاز يدخل العموم، فإن صورة المسألة أن يشتمل المجاز على السبب المقتضي للعموم من الألف واللام وغيرها، والمحل قابل للعموم، ولهذا ذكر صاحب (البديع) هذه المسألة في بحث المجاز لا في العموم.
ثانيهما: قال الشارح أيضاً: ظن المصنف في (الموانع) أن هذه مسألة المقتضى، وليس كذلك، فإن المقتضى لم يشتمل على دليل العموم، لأنه ليس بملفوظ، وإنما يقدر لأجل صحة الملفوظ فيقتصر على القدر الضروري، بخلاف المجاز المشتمل على أداة العموم، فإنه إذا لم يحمل على العموم يلزم منه إلغاء دليل العموم، انتهى.
الرابعة: لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ، وليس المراد وصف اللفظ به مجرداً عن المعنى، بل باعتبار معناه الشامل للكثرة، وعطف المصنف ذلك على ما/ (74/ب/م) عبر فيه بالأصح يقتضي خلافاً فيه.
قال الشارح: وينبغي أن يجعل استئنافاً لا عطفاً على ما قبله.
قلت: يمكن أنه أراد من عوارض الألفاظ فقط، فيرجع التصحيح إلى تضعيف القول بأنه من عوارض المعاني أيضاً، لا إلى كونه من عوارض الألفاظ، ولذلك عقبه بقوله:(قيل والمعاني) والذاهبون إليه اختلفوا في أن عروضه للمعاني هل هو حقيقة أو مجاز؟ فقال بعضهم: حقيقة، فكما صح في الألفاظ شمول أمر لمتعدد صح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيهما.
وقال القاضي عبد الوهاب: مراد قائله حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها كقوله تعالى:{حرمت عليكم الميتة} / (60/ ب / د) أن نفس الميتة وعينها لما لم يصح تناول التحريم لها عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص.
وقال آخرون: بل هو مجاز، لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت، وقولهم: عمهم الخصب والرخاء متعدد، فإن ما خص هذه البقعة غير ما خص الأخرى، وعزاه الصفي الهندي للجمهور، والظاهر أن الذي حكاه المصنف هو الأول، فإنه لو أراد الثاني لكان الراجح عنده أنه ليس من عوارض الألفاظ لا حقيقة ولا مجازاً، ولما حكاه الشارح قال: إنه أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر.
وفي المسألة قول رابع وهو: أنه من عوارض المعاني الكلية الذهنية، فإن المعنى الذهني واحد متناول لأمور كثيرة بخلاف المعاني الخارجية، لأن كل موجود في الخارج متخصص بمحل وحال مخصوص لا يوجد في غيره، فيستحيل شموله لمتعدد، وهذا بحث للصفي الهندي.
تنبيه
ليس المراد المعاني التابعة للألفاظ، فإنه لا خلاف في عمومها، لأن لفظها عام، وإنما المراد المعاني المستقلة كالمقتضى والمفهوم.
الخامسة: يقال في اصطلاح أهل الأصول للمعنى: أعم وأخص، وللفظ: عام وخاص.
قال القرافي: ووجه المناسبة أن صيغة (أفعل) تدل على الزيادة والرجحان والمعاني أعم من الألفاظ فخصت بصيغة أفعل التفضيل، / (75/أ/م) ومنهم من يقول فيها عام وخاص أيضاً.
ص: ومدلوله كلية، أي محكوم فيه على كل فرد مطابقة، إثباتاً أو سلبا، لا كل ولا كلي.
ش: مدلول العموم كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد، فقوله تعالى:{اقتلوا المشركين} تنزل منزلة قوله: (اقتلوا زيداً المشرك وعمراً المشرك) وهكذا، حتى لا يبقى فرد منهم إلا تناوله اللفظ، وهذا مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان، أي كل واحد على انفراده، وليست دلالته من باب الكل وهو الحكم على المجموع من حيث هو كأسماء العدد، ومنه: كل رجل يحمل الصخرة، أي المجموع.
لا كل واحد، ولا من باب الكلي، وهو ما اشترك في مفهومه كثيرون كالحيوان والإنسان، فإنه صادق على جميع أفراده، ويقابل الكلية الجزئية، والكل الجزء، والكلي الجزئي.
وأشار المصنف بقوله: (مطابقة) إلى الرد على القرافي في إنكاره ذلك، موجهاً له بأن دلالة المطابقة دلالة اللفظ على مسماه بكماله، ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون دلالته عليه بالمطابقة وقد أجاب عن ذلك الأصفهاني في شرح (المحصول) بأن قوله: اقتلوا / (61أ / د) المشركين في قوة جملة من القضايا لما قررناه من تناوله لكل فرد فرد، فاللفظ لا يدل على قتل زيد المشرك لخصوص كونه زيداً، بل لعموم كونه فرداً من تلك القضايا، والذي في ضمن ذلك المجموع دال عليه مطابقة، وقال: فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام، وليس هو من دلالة التضمن.
وأشار بقوله: (إثباتاً أو سلباً) إلى أن صيغة العموم قد تكون في الإثبات نحو قوله: {فاقتلوا المشركين} وقد تكون في السلب نحو: لا تقتلوا مسلماً، وكلاهما كلية، وأما سلب العموم نحو: ما كل
عدد زوجاً، فليس من العموم في شيء، فإنه لا يرتفع فيه الحكم عن كل فرد فرد، إذ يلزم عليه أن لا يكون في العدد زوج، فقط ظهر بذلك أن تنبيه الشارح هنا غير محتاج إليه، والله أعلم.
ص: ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي – رحمه الله – وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية.
ش: دلالة العام على أصل المعنى قطعية بلا خلاف، فلا معنى لتخصيص الشافعي بحكاية ذلك عنه، وأما دلالته على كل فرد بخصوصه/ (75/ب/م) بحيث يستغرق الأفراد ففيه مذهبان:
أحدهما: وبه قال الشافعية: أنها ظنية.
ثانيهما: أنها قطعية، وعزاه المصنف للحنفية، أي: أكثرهم فقد ذهب أبو منصور الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند إلى أنها ظنية، ونقل الإبياري في (شرح البرهان) القطع عن المعتزلة وقال إمام الحرمين: الذي صح عندي من مذهب الشافعي أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق فإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة. انتهي.
وعبارة المصنف توهم خلافه.
واعلم أن محل الخلاف في التجرد عن القرائن فإن اقترن به ما يدل على التعميم فدلالته على الأفراد قطعية بلا خلاف نحو قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} ، {لله ما في السماوات وما في الأرض} ، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} وإن اقترن به ما يدل على أن المحل غير قابل
للتعميم فهو كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد منه نحو قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} .
ص: وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع وعليه الشيخ الإمام.
ش: العام في الأشخاص عام في الأحوال والأزمنة والبقاع، وحكاه المصنف عن والده، وصرح به من المتقدمين أبو المظفر السمعاني في (القواطع) وقال جماعة من المتأخرين: بل هو مطلق باعتبار الأحوال والأزمنة والبقاع، فقوله:{فاقتلوا المشركين} يتناول كل مشرك/ (61ب/د) لكن لا يعم الأحوال حتى يقبل في حال الذمة والهدنة ولا خصوص المكان، حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلا، ولا الزمان حتى يدل على القتل يوم الأحد مثلا.
وقد أشاع هذا الكلام القرافي وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يعمل بعام في هذه الأزمنة، لأنه قد عمل بها في زمن ما، والمطلق يكتفى بالعمل به في صورة، ورد ذلك الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) وقال: تجب المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في/ (76/أ/م) العمل به مرة واحدة، وإن كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم، محافظة على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم، فإذا قال: من دخل داري فأعطه درهما، لم يجز حرمان الداخلين آخر النهار، لأنه مطلق في الزمان لما يلزم عليه من إخراج بعض الأشخاص بغير تخصيص ذكر ذلك في الكلام على حديث أبي أيوب لما قدم الشام
فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة، وكان أبو أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله عليه الصلاة والسلام:((لا تستقبلوا ولا تستدبروا)) عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها، وعلى ما قال هؤلاء لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه نعم، لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار.
ص: مسألة: كل، والذي، والتي، وأي، وما، ومتى، وأين، وحيثما، ونحوها للعموم حقيقة، وقيل: للخصوص، وقيل: مشتركة، وقيل: بالوقف.
ش: اختلف في أن العموم هل له صيغة تخصه حقيقة أم لا؟ على مذاهب.
أحدها: -وبه قال الجمهور وهو الصحيح -: نعم.
الثاني: أن هذه الصيغ موضوعة للخصوص، وهو أقل الجمع، لأنه المتيقن، واستعملت في العموم مجازا.
الثالث: أنها مشتركة بين العموم والخصوص.
الرابع: الوقف، ونقله القاضي في (مختصر التقريب) عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره، قال: وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة فلم نجد صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد.
وهذه الصيغ التي ذكرها المصنف قسمان:
أحدهما: يشتمل على جميع المفهومات وهو الأربعة المذكورة أولاً، فـ (كل) أقوى صيغ العموم، سواء أكانت مبتدأ بها نحو:{كل من عليها فان} أو تابعة نحو: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وجميع ما تفرع عن الذي والتي تثنية وجمعا مثلهما نحو: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} ، {واللذان يأتيانها منكم} ، {واللاتي تخافون نشوزهن} ، {واللائي يئسن} .
(وأي) عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص/ (76/ب/م) والأزمان والأمكنة والأحوال ومنه ((أيما امرأة نكحت نفسها)) وينبغي تقيدها بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة/ (62/أ/د) كمررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل.
القسم الثاني: يختص ببعض المفهومات فمنه (ما) وهي مختصة بما لا يعقل، و (متى) للزمان، نحو: متى تقم أقم، و (أين) و (حيثما) للمكان نحو: أين تجلس أجلس قال الله تعالى: {أينما تكونوا يدركم الموت} وحيثما .... وحكي عن ابن الحاجب تقيد الزمان بالمبهم فلا تقول: متى زالت الشمس فأتني.
ص: والجمع المعرف باللام أو الإضافة للعموم ما لم يتحقق عهد خلافا لأبي هاشم مطلقا، ولإمام الحرمين إذا احتمل معهودا.
ش: ومن صيغ العموم لا بأصل الوضع بل بقرينة: الجمع المعرف باللام في الإثبات نحو قوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} أو الإضافة نحو: عبيدي أحرار، ونسائي طوالق، وسواء فيه جمع السلامة والتكسير هذا قول الأكثرين، ويدل له قوله عليه الصلاة والسلام في قولنا في التشهد:((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، (فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض) ووراء ذلك مذهبان:
أحدهما – وبه قال أبو هاشم – أنه لا يفيد العموم بل الجنس مطلقا أي: سواء احتمل عهد أم لا، وعزاه الماوردي لأبي حامد الإسفرايني.
الثاني – وبه قال إمام الحرمين -: أنه إذا احتمل الجنس والعهد ولم يقم
دليل على أحدهما، فهو مجمل محتمل لهما، وليس في عبارة المصنف إفصاح عن هذا، غاية ما دل عليه أنه لا يقول هنا بالعموم فهل يحمله على الجنس أو يتوقف؟ لم يتعرض له، والمنقول عنه ما قدمته، وأشار المصنف بقوله: ما لم (يتحقق عهد) إلى أن محل الخلاف إذا لم يكن هناك عهد، فإن كان انصرف إلى المعهود ولم يعم، وقد نقل في (المحصول) وغيره الاتفاق عليه.
تنبيهات:
الأول: كيف يجتمع العموم في المعرف باللام مع قول سيبويه وغيره: إن جمع السلامة للقلة، وهي من الثلاثة للعشرة؟ وقد حمل إمام الحرمين كلام النحاة على النكرة، وقال غيره: لا مانع أن يكون/ (77/أ/م) أصل وضعها القلة وغلب استعمالها في العموم لعرف استعمال أو شرع، فنظر النحاة إلى أصل الوضع، والأصوليون إلى غلبة الاستعمال.
ثانيها: كيف يجتمع قولهم: إن محل الخلاف حيث لا عهد، مع قولهم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب قرينة في انصرافه إلى العهد؟
وأجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة على أنه مراد، لا أن غيره ليس بمراد، فمحل السبب قطعي، وغيره ظني، إذ ليس في السبب ما ينفيه.
ثالثها: قال الشارح: خلاف أبي هاشم والإمام: إنما هو في الجمع المعرف دون المضاف وطرده المصنف فيه لعدم الفارق.
ص: والمفرد المحلى مثله خلافا للإمام مطلقا، ولإمام الحرمين والغزالي إذا لم يكن واحده بالتاء، زاد الغزالي: أو تميز بالوحدة.
ش: ومن صيغ العموم بقرينة في الإثبات المفرد المحلى باللام نحو قوله
تعالى: {وأحل الله البيع} / (62ب/د){والسارق والسارقة} نص عليه الشافعي في (الرسالة) وحكاه الآمدي عن الأكثرين، ورجحه ابن الحاجب، ووراءه مذاهب.
أحدها: أنه لا يفيد العموم مطلقا، صححه الإمام ومن تبعه.
الثاني: أنه لا يفيد العموم إذا لم يتميز الواحد منه عن الجنس بالتاء نحو: {الزانية والزاني} فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء نحو: ((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أفاد الاستغراق قاله إمام الحرمين كما حكاه عنه المصنف، ولم ينقله على وجهه فإنه قال في القسم الأول: إن لاح قصد المتكلم للجنس، دل على الاستغراق نحو: الدينار أشرف من الدرهم وإن لم يعلم الحال فهو مجمل، ونقل في القسم الثاني قولين.
الثالث – وبه قال الغزالي – أنه لا يفيد العموم في صورتين:
إحداهما: ألا يتميز واحده عن جنسه بالتاء كما تقدم عن شيخه.
الثانية: أن يتميز بالواحدة كالدينار والرجل يصح أن يقال: دينار واحد، ورجل واحد، فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء، وخلا عنها نحو:((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أو لم يتميز بوصفه بالوحدة نحو الذهب، لا يقال: ذهب واحد، فهو للاستغراق في الصورتين.
تنبيهات:
أحدها: ألحق المصنف الجمع المضاف بالمعرف، ولم يلحق المفرد المضاف
بالمعرف، وقد ذكر في (المحصول) أن المفرد المضاف للعموم ذكره في الاستدلال بقوله:{فليحذر الذين يخالفون عن أمره} على أن الأمر للوجوب مع أنه ينكر إفادة المفرد المعرف للعموم، فالإضافة عنده أدل على العموم من اللام، ومن العجيب قول الصفي الهندي: لم ينصوا على الإضافة هنا، لكن مقتضى التسوية بين الإضافة ولام التعريف في الأولى أن يكون كذلك هنا، ورد عليه الشارح بأنه قد صرح بالتسوية جماعة.
ثانيها: فهم من قوله: (مثله) أن شرط تعميمه أن لا يتحقق عهد، فإن كان هناك عهد انصرف إليه قطعا.
ثالثها: تعبير المصنف بالمفرد أعم من تعبير ابن الحاجب باسم الجنس لشموله الاسم الذي ليس بجنس، وهو ما يتغير لفظه عند تكرر مدلوله نحو: دينار، تقول: هذان ديناران، وهذه دنانير، بخلاف النساء والإبل ونحوهما، كذا فرق بينهما ابن التلمساني ولا أثر لذلك بالنسبة إلى العموم فإنه باعتبار التحلية باللام.
رابعها: عموم المفرد الذي دخلت عليه (أل) غير عموم الجمع، فالأول يعم المفردات، والثاني يعم الجموع، لأن (أل) تعم أفراد ما دخلت عليه، وقد دخلت على جمع.
وفائدة هذا تعدد الاستدلال بالجمع على مفرد في حالة النفي أو النهي لأن العموم وارد على أفراد المجموع، والواحد ليس بجمع.
خامسها: مقتضى عموم المفرد المعرف باللام أن الحالف بالطلاق يقع عليه بالحنث جميع الطلقات والمنقول أنه لا يقع غير واحدة، وأجاب عنه ابن عبد السلام بأنها يمين فيراعى/ (63أ/د) فيها العرف لا الوضع اللغوي، وجوز السبكي جوابا آخر، وهو أن الطلاق حقيقة واحدة، وهي قطع عصمة النكاح، وليس له
أفراد حتى يقال: إنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة فقد يكون رجعيا وقد يكون بائنا بينونة صغرى، وقد يكون بائنا بينونة كبرى، فإذا لم يذكر المراتب، ولا نواها لم يحمل إلا على أقل المراتب، لأن أل لا دلالة لها على قوة مرتبة ولا ضعفها،/ (78/أ/م) فلا يحمل إلا على الماهية، وليست آحاد المراتب بمنزلة آحاد العموم حتى يقال بالاستغراق. انتهى.
ص: والنكرة في سياق النفي للعموم وضعا، وقيل: لزوما، وعليه الشيخ الإمام، نصا إن بنيت على الفتح وظاهراً إن لم تبن.
ش: من صيغ العموم النكرة في سياق النفي، والمراد النكرة المعنوية ليدخل في ذلك المطلق، وليس المراد النكرة الصناعية المقابلة للمعرفة.
ودخل في هذه العبارة ما باشره النفي نحو: ما أحد قائما، وما باشر عامله نحو: ما قام أحد، وسواء أكان النافي، (ما) أو (لم) أو (لن) أو (ليس) أو غيرها، وظهر بذلك أن قول الشارح: كان الأحسن أن يقول: (في النفي) لتعم ما كانت في سياقه وما انصب النفي عليها – مردود، بل التعبير بقولنا:(في سياق النفي) شامل للنوعين، وفرق الآمدي بين ما دخل النفي عليها فجعلها للعموم، وما كانت في سياقه ولم يباشرها نحو ليس في الدار رجل فقال: إنها ليست للعموم وهو خلاف المشهور.
وهنا أمران:
أحدهما: اختلف في أن دلالتها على العموم هل هو وضعي بمعنى أن اللفظ وضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة – أو بطريق اللزوم بمعنى أن نفي فرد
مبهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة؟
والأول: ظاهر كلام أصحابنا واختاره القرافي.
والثاني: محكي عن الحنفية، واختاره والد المصنف ويؤيد الأول صحة الاستثناء من هذه الصيغة بالاتفاق فدل على تناولها لكل فرد، وينبني على هذا الخلاف التخصيص بالنية، فيصح على الأول ولا يصح على الثاني، فلو نوى معينا لم يسمع.
ثانيهما: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان:
أحدهما: نص في ذلك، وهو ما إذا بنيت لتركبها مع (لا) نحو: لا إله إلا الله.
والثاني: ظاهرة في ذلك، وهو ما إذا لم تبن مع (لا) بل أعربت نحو: لا رجل في الدار، فإنه يصح أن يقال بعده: بل رجلان، فدل على أنها ليست نصا في العموم.
قال إمام الحرمين: ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما فيها رجل، بل رجلان، كما تعدل عن الظاهر فتقول: جاء الرجال/ (78/ب/م) إلا زيدا. انتهى.
وهذا يدل على عمومه حيث لا قرينة، فمع القرينة يخرج عن ذلك فيكون ذلك كالاستثناء نحو: جاء الرجال إلا زيدا وبذلك يرد على القرافي في قوله: (إن المعربة لا تدل على (/ (63/ب/د) العموم) ويقال: بل هي دالة على العموم ظاهرا لا نصا فيعمل فيها بذلك حتى يقوم الدليل على خلافه، وعلى هذا يحمل قول الجرجاني والزمخشري إنها في هذه الحالة ليست للعموم – أي ليست نصا في
ذلك، والله أعلم.
ويرد على إطلاق المصنف أن غير المبنية ظاهرة في العموم المجرورة بـ (من) نحو ما جاءني من رجل فإنها معربة، وهى نص في العموم أيضا، والله أعلم.
ص: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى {حرمت عليكم أمهاتكم} أو عقلا، كترتيب الحكم على الوصف، وكمفهوم المخالفة، والخلاف في أنه لا عموم له لفظي، وفي أن الفحوى بالعرف وأن المخالفة بالعقل تقدم.
ش: قد يستفاد العموم من اللغة، وهو الأكثر وقد يستفاد من العرف أو العقل فالعرف في أمرين:
أحدهما: الفحوى، والمراد به مفهوم الموافقة إذا قلنا إن دلالته لفظية، فإن الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى، وسبق في المفهوم أن استفادته من العرف رأي لم يرتضه المصنف.
ثانيهما: إضافة الحكم إلى الأعيان نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} فإن العرف دل على أن المراد تحريم الاستمتاعات المقصودة من النساء من الوطء ومقدماته، وقيل: إن العموم فيه من باب الاقتضاء لاستحالة تحريم الأعيان فيضمر ما يصح به الكلام، ويجري فيه الخلاف في عموم المقتضى، وقد يترجح هذا بقولهم: الإضمار خير من النقل مثل قوله تعالى: {وحرم الربا}
وأما استفادته العموم من العقل ففي (أمرين):
أحدهما: ترتيب الحكم على الوصف فإنه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، بمعنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفى.
ثانيهما: مفهوم المخالفة عند القائلين به، كقوله عليه الصلاة والسلام:((في سائمة الغنم الزكاة)) فهو دال على انتفاء الوجوب في غير السائمة، كذا في (المحصول) لكن/ (79/أ/م) الذي اختاره في (المعالم) أن دليل العموم فيه العرف العام وهو أظهر ولا متابع للمحصول على أن دلالة المفهوم عقلية، ولذلك اقتصر البيضاوي على القسم الأول ثم ذكر المصنف أن المخالف في عموم المفهوم – وهو الغزالي – ليس خلافه مع الجمهور خلافا محققا بل هو لفظي، لأن الغزالي موافق للجمهور على حجية المفهوم.
ومنشأ الخلاف أن الغزالي قال: إن العام ما يستغرق في محل النطق، والجمهور قالوا: ما يستغرق في الجملة.
ثم ذكر المصنف أن الكلام في أن العرف هو الدال على عموم الفحوى، وأن العقل هو الدال على عموم مفهوم المخالفة تقدم، أي في الكلام على المفهوم، وهو صحيح في الفحوى، وأما مفهوم المخالفة فالمذكور هناك أنه هل دل باللغة والشرع أو المعنى وهو/ (64أ/د) العرف كما تقدم ولم يذكر العقل.
ص: ومعيار العموم الاستثناء.
ش: يستدل على عموم اللفظ بقبوله للاستثناء، فإنه إخراج ما لولاه
لوجب دخوله في المستثنى منه، فلزم أن يكون كل الأفراد واجبة الاندراج، وهذا هو معنى العموم، وأورد على هذا صحة الاستثناء من العدد، ولا عموم فيه فأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: كل مستثنى منه عام، بل قلنا: كل عام يقبل الاستثناء فمن أين العكس
وفي جوابه نظر، فإن معيار الشيء ما يسعه وحده، فإذا وسع غيره معه خرج عن كونه معياره، فاللفظ يقتضي اختصاص الاستثناء بالعموم، ولذلك لم يشترط ابن مالك في الاستثناء كونه من عام، بل جوزه من النكرة في الإثبات بشرط الفائدة نحو: جاءني قوم صالحون، إلا زيدا وخرج عليه الاستثناء من العدد نحو:{فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} .
ص: والأصح: أن الجمع المنكر ليس بعام، وأن أقل مسمى الجمع ثلاثة لا اثنان، وأنه يصدق على الواحد مجازا، وتعميم العام بمعنى المدح والذم إذا لم يعارضه عام آخر، وثالثها: يعم مطلقا، وتعميم نحو:{لا يستوون} ولا أكلت، قيل: وإن أكلت.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح – وبه قال الجمهور -: أن الجمع المنكر لا يقتضي العموم بل يحمل على أقل الجمع على الخلاف الآتي فيه وقال أبو علي الجبائي: (بل يقتضيه كالمعرف، قال الصفي الهندي: الذي أظنه) / (79/ب/م) أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدا، إذ هو مخالف لنصهم على أنه للعشرة فما دونها.
قلت: وكلام الجمهور في الحمل على أقل الجمع محمول على جموع القلة، لنصهم على أن جموع الكثرة إنما يتناول أحد عشر فما فوقها، ويخالفه قول الفقهاء: إنه يقبل تفسير الأفراد بدراهم بثلاثة، مع أن دراهم جمع كثرة، وكأنهم جروا في ذلك على العرف من غير نظر إلى الوضع اللغوي.
تنبيه: لا بد من تقيد الجمع المنكر بكونه غير مضاف إذ المضاف عام كما تقدم.
الثانية: اختلف في أقل الجمع على مذهبين:
أحدهما: أن أقله ثلاثة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الإمام وأتباعه.
الثاني: أن أقله اثنان وبه قال مالك، واختاره الأستاذ أبو إسحاق والغزالي.
وفهم من قول المصنف: (مسمى الجمع) أن محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة لا في المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء، فإن ذلك ثابت للاثنين فما زاد بلا خلاف، ثم الخلاف في جمع القلة، فإن أقل جمع الكثرة أحد عشر بإجماع النحاة، لكن ذكر الرافعي في فروع الطلاق لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فامرأتي طالق لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو/ (64ب/د) اشترى ثلاثة أعبد، ومقتضى ما تقدم أن لا يحنث إلا بأحد عشر.
الثالثة: يصدق مسمى الجمع على واحد مجازا، قاله إمام الحرمين.
ويفهم منه إطلاقه على اثنين بطريق الأولى، وفهم من كونه مجازا أنه لا بد له من قرينة، ومثل ذلك بقول الزوج، وهو يرى امرأته تتصدى لناظر لها:
تتبرجين للرجال؟ ولم تر إلا واحدا، فإن الأنفة من ذلك يستوي فيها الجمع والواحد.
واعترض بأنه إنما أراد الجمع بظنه أنها لم تتبرج لهذا الواحد، إلا وقد تبرجت لغيره، ومثله بعضهم بقوله:{وإني مرسلة إليهم بهدية} فإن المراد واحد وهو سليمان عليه السلام/ (80/أ/م) وكذا قوله: {بم يرجع المرسلون} والرسول واحد بدليل {ارجع إليهم} .
الرابعة: اختلف في تعميم العام إذا تضمن مدحا أو ذما نحو قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية، على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يحمل الذهب والفضة على العموم إذ لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم والذم، وقال به الشيخ أبو حامد: إنه المذهب.
الثاني: أنه ليس بعام لأنه إنما سيق لذم الكانزين وتعلق به ذكر النقد ونسب للشافعي ولهذا منع التمسك بآية الزكاة في وجوب زكاة الحلي، لأن اللفظ لم يقع مقصودا له، ونقل عنه أنه قال: الكلام يفصل في مقصوده، ويحمل في غير مقصوده.
الثالث: أنه للعموم إلا إن عارضه عام آخر، لم يقصد به المدح أو الذم، فيترجح الذي لم يسق كذلك عليه نحو قوله تعالى:{وأن تجمعوا بين الأختين} مع قوله {أو ما ملكت أيمانهم} فالأولى سيقت لبيان الحكم
فقدمت على ما سياقها المنة بإباحة الوطء بملك اليمين، وقد رد أصحابنا بهذا على داود الظاهري احتجاجه بالثانية على إباحة الأختين بملك اليمين.
وقال الشارح: هذه مسألة متكررة مع قوله أول الباب: (وغير المقصود) فإن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تعميمها مثل بأنه الزكاة، ووافقه عليه الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) ولهذا حكى الأصفهاني في (شرح المحصول) الخلاف الذي نقله القاضي عبد الوهاب في غير المقصود هنا، وبه يظهر العجب من المصنف في (منع الموانع) الكبير فإنه استغرب الخلاف في غير المقصودة حتى نقله عن (المسودة الأصولية) لابن تيمية. انتهى.
الخامس: نفي الاستواء كقوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يقتضي نفي الاستواء من كل وجه فهو عام، وهذا مذهب الشافعي، وصححه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب.
والثاني: لا وهو مذهب الحنفية، واختاره الإمام وأتباعه ومنهم البيضاوي.
ومن فوائد/ (65أ/د) الخلاف الاستدلال/ (80/ب/م) بهذه الآية على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح، وعدل المصنف عن التمثيل بقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب
النار وأصحاب الجنة} وهي الآية التي مثل بها الأصوليون، وتمسكوا بها على أن المسلم لا يقتل بالكافر، لأن قوله:{أصحاب الجنة هم الفائزون} قرينة على إرادة الاستواء في الفوز لا مطلقا، ويمكن دعوى مثل ذلك في الآية التي مثل بها المصنف لقوله عقبها:{أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآيتين وأيضا فيحتمل أن يراد بالفاسق الكافر فلا يدل على نفي ولاية الفاسق للنكاح، وهي المسألة الخلافية، لكن هذا لا يمنع التمثيل لأنه إن لم يدل على نفي ولاية الفاسق دل على نفي ولاية الكافر على ابنته.
السادسة: الفعل المتعدي الذي ليس مقيدا بشيء إذا وقع بعد نفي نحو:
(والله لا أكلت) هل هو عام أم لا؟ فيه مذهبان:
أصحهما أنه عام، وممن رجحه البيضاوي.
والثاني: لا، وهو مذهب الحنفية، ورجحه الإمام كالمسألة قبلها.
وفائدة الخلاف قبول التخصيص ببعض المأكولات فيقبل على الأول فلا يحنث بغيره ولا يقبل على الثاني، لأن التخصيص فرع العموم، وهذا نفي للحقيقة وهي شيء واحد ليس بعام، وكلام القاضي عبد الوهاب يدل على جريان الخلاف في الفعل القاصر أيضا وهو مخالف لكلام الإمام والغزالي والآمدي وغيرهم فلو كان في سياق الشرط نحو: إن أكلت فأنت طالق فهو كالنفي، كما ذكره ابن الحاجب وأشار المصنف إلى تضعيفه، لأن إمام الحرمين مثل النكرة في سياق الشرط بقوله: من يأتني بمال أكرمه وقال: لا يخص هذا بمال معين.
فقال المصنف: مراده العموم البدلي لا الشمولي، يعني فإنه لا يتوقف الجزاء على الإتيان بجميع الأموال بل يكفي واحد كما لو قال: إن رأيت رجلا فأنت طالق، يقع برؤية واحد. وإذا كان العموم في النفي بالشمول وفي الشرط للبدل لم يستو الشرط والنفي، فلذلك ضعف المصنف إلحاقه به، لكن الذي فهمه الإبياري من كلام إمام الحرمين في الشرط عموم الشمول، والله أعلم.
ص: لا المقتضى والعطف على العام، والفعل المثبت، ونحو: كان يجمع في السفر، ولا المعلق بعلة لفظا، لكن قياسا خلافا/ (81/أ/م) لزاعمي ذلك.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الصحيح أن المقتضى لا عموم له، فإذا لم يستقم الكلام إلا بتقدير واحتمل ذلك أمورا فلا يقدر الجمع، إذ لا عموم له، وإنما يقدر واحد بدليل، فإن لا يقم دليل معين على أحدهما فهو مجمل، مثل قوله عليه الصلاة والسلام:((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) هذا ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وحكى القاضي عبد الوهاب/ (65/ب/د) عمومه عن أكثر الشافعية والمالكية، وصححه النووي في (الروضة) في الطلاق.
وسمي مقتضيا لأنه أمر اقتضاه النص لتوقف صحته عليه، وهو بكسر الضاد: اللفظ الطالب للإضمار، وبفتحها ذلك المضمر نفسه الذي اقتضاه الكلام تصحيحا، وهو المراد هنا.
الثانية: العطف على العام لا يقتضي عموم المعطوف خلافا للحنفية حيث قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لو كان عاما
للذمي لكان المقدر في قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) وهو بكافر عاما، ضرورة اشتراك المعطوفين وليس كذلك، إذ الكافر الذي لا يقتل المعاهد به هو الحربي لا الذمي، هذا تقدير كلام المصنف، والذي في (المحصول) و (المنهاج) وغيرهما أن عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافا للحنفية، كما في (المحصول) أو بعضهم كما في (المنهاج) ومثلوه بهذا المثال، وقالوا: إن الحنفية قالوا: تقديره: ولا ذو عهد في عهده بكافر، حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والكافر الذي يمنع قتل المعاهد به هو الحربي فقط، فإنه يقتل بالذمي فكذلك المعطوف عليه، فيكون الكافر الذي يمتنع قتل المسلم به هو الحربي دون الذمي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
وعلى كلا التقديرين ما أدري ما أوجب الحنفية تقدير (بكافر) في الجملة الثانية، فإن لفظ الحديث يفيد وحده ومعناه ولا ذو عهد، ما دامت مدة عهده قائمة غير منقضية فتقدير ما لا دليل عليه غير مقبول، وبتقدير قيام دليل على تقديره فدخول التخصيص في العموم لا يخرجه عن كونه عاما، فإن الصيغة للعموم وهو باق على تناوله لبقية الأفراد، وإن خرج بعضها بدليل، وبتقدير/ (81/ب/م) خروجه بذلك عن العموم هل يزيد ذلك على ما لو كان في أصل وضعه خاصا كقوله:(لا يقتل ذو عهد في عهده بحربي) أفيلزم من اختصاص ذلك بالحربي اختصاص الجملة الأولى بالحربي؟ على أن التخصيص
الذي ذكروه فيما لا دليل على تقديره لم يدخل في المعطوف نفسه، وإنما دخل في بعض متعلقاته والله أعلم.
الثالثة: الفعل المثبت نحو قول الصحابي: صلى النبي عليه الصلاة والسلام في الكعبة – لا عموم له، فلا يعم الفرض والنفل، لأن الأفعال نكرات كما حكى الزجاجي إجماع النحاة عليه، والنكرة لا عموم لها في الإثبات، إلا أن تكون في معرض الامتنان نحو قوله تعالى:{وأنزلنا من السماء ماء طهورا} فإنها تدل على العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب فإن كانت في سياق النفي أو الشرط دلت على العموم كما تقدم وخالف فيما ذكرناه من أن الفعل المثبت لا عموم له قوم.
الرابعة:/ (66أ/د) نحو قول الصحابي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر، مثل الذي قبله في أنه فعل مثبت لكن فيه زيادة (كان) وقد اختلف في دلالتها على التكرار على ثلاثة مذاهب، صحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، وصحح في (المحصول) أنها لا تقتضيه عرفا ولا لغة.
وقال عبد الجبار: تقتضيه في العرف لا في اللغة، فإنه لا يقال في العرف: كان فلان يتهجد – إذا تهجد مرة.
وكلام الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) يميل إليه.
فإن قلنا: لا دلالة لها على التكرار استوت مع التي قبلها، وإن قلنا
بدلالتها على التكرار كان هذا المثال أولى بالعموم من الذي قبله، وقد ظهر بذلك أنه ليس مثالا له كما توهم بعضهم.
الخامسة: الصحيح أن الحكم المعلق بعلة كما لو قيل: حرمت الخمر لكونها مسكرة لا يعم جميع صور المسكر من جهة اللفظ، وإنما يعمها من جهة الشرع قياسا وقيل: يعمها من جهة اللفظ فيكون ذلك لغة، وقيل: لا يعم أصلا، وهو المحكي عن القاضي أبي بكر.
وقول المصنف: خلافا لزاعمي ذلك يرجع إلى المسائل الخمس التي أولها المقتضى.
ص: وأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، وأن نحو:{يا أيها النبي} لا يتناول الأمة إلا بدليل ونحو: {يا أيها الناس} / (82/أ/م) يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام وإن اقترن بقل، وثالثها: التفصيل، وأنه يعم العبد والكافر ويتناول الموجودين دون من بعدهم.
ش: فيه مسائل.
الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مثاله قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان لما أسلم على عشر نسوة:((أمسك أربعا وفارق سائرهن)) ولم يسأله: هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا؟ فدل على عدم الفرق على خلاف قول الحنفية:
إن العقد إذا ورد مرتبا تعينت الأربع الأوائل.
قال في (المحصول): وفيه نظر، لاحتمال أنه عليه الصلاة والسلام أجاب بعد معرفة الحال. وأصل هذا قول إمام الحرمين: إنه يعم، إذا لم يعلم عليه الصلاة والسلام تفاصيل الواقعة، فإن علم لم يعم، وهو كالتقييد لكلام الشافعي، ومقابل الأصح المقدر في كلام المصنف أنه مجمل فيبقى على الوقف.
وعن الشافعي عبارة أخرى قد تعارض هذه العبارة، وهي قول:(حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال) فأثبت بعضهم للشافعي في ذلك قولين، وجمع القرافي بينهما بحمل الأولى على ما إذا كان الاحتمال في محل الحكم، والثانية على ما إذا كان في دليله، ولا حاصل لهذا الجمع، والحق حمل الأولى على ما إذا كان هناك قول يحال عليه العموم، والثانية على ما إذا لم يكن قول، وإنما هو (66ب/د) فعل فإن الفعل لا عموم له، وكان شيخنا الإمام البلقيني يعتمد ذلك في الجمع بين العبارتين، والله أعلم.
الثانية: الخطاب المختص بالنبي نحو: {يا أيها النبي} {يا أيها الرسول} لا تدخل الأمة تحته، كما لا يدخل الرسول في الخطاب المختص بالأمة إجماعا، إلا بدليل خارجي من قياس أو غيره. وقيل بدخولهم هنا، وحكي عن أبي حنيفة وأحمد واختاره إمام الحرمين.
الثالثة: الخطاب المتناول للرسول والأمة كقوله: {يا أيها الناس} فيه مذاهب:
الأصح وبه قال الأكثرون: أنه يتناوله.
والثاني: لا، لما له من الخصائص.
والثالث: التفصيل بين أن يقترن بـ (قل) فلا يشمله، لأن الأمر بالتبيلغ قرينة عدم شموله، وإلا تناوله ونقل عن/ (82/ب/م) الصيرفي وزيفه إمام الحرمين وغيره.
الرابعة: الخطاب بـ {يا أيها الناس} ونحوه، يتناول العبد كما حكاه ابن برهان عن معظم الأصحاب، وقيل: لا يتناوله إلا بدليل.
الخامسة: ويتناول الكافر أيضا على الصحيح، ولعل تقابله مبني على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع.
السادسة: الخطاب بـ {يا أيها الناس} و {يا أيها الذين آمنوا} يختص بالموجودين حالة الخطاب، ولا يتناول من بعدهم إلا بدليل منفصل، من قياس أو غيره، وقال الحنابلة: بل هو عام، والخلاف لفظي للاتفاق على عمومه، ولكن هل هو بالصيغة أو الشرع قياسا أو غيره.
ص: وأن (من) الشرطية تتناول الإناث، وأن جمع المذكر السالم، لا يدخل فيه النساء ظاهرا، وأن خطاب الواحد لا يتعداه، وقيل: يعم عادة، وأن خطاب القرآن والحديث بـ (يا أهل الكتاب) لا يشمل الأمة، وأن المخاطب داخل في عموم خطابه إن كان خبرا لا أمرا، وأن نحو:{خذ من أموالهم صدقة} يقتضي الأخذ من كل نوع وتوقف الآمدي.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الصحيح أن (من) الشرطية تتناول الإناث بدليل قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} فالتفسير بالذكر والأنثى دال على تناول القسمين، وقوله تعالى:{ومن يقنت منكن لله ورسوله} وقيل: يختص بالمذكر كقولهم في الاستفهام منة ومنتان حكاه ابن الحاجب وغيره، وحكاه ابن الدهان النحوي عن الشافعي وهو غريب وإنما حكي عن بعض الحنفية وأنهم تمسكوا به في مسألة المرتدة، فجعلوا قوله عليه الصلاة والسلام:((من بدل دينه فاقتلوه)) لا يتناولها.
تنبيه:
التقييد بالشرطية ذكره إمام الحرمين وهي تخرج الموصولة والاستفهامية، وقال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق، والخلاف جار في الجميع، واعتذر بعضهم عن الإمام بأنه إنما خص الشرطية لأنه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم/ (67/أ/د) والحق أن الاستفهامية من صيغ العموم دون الموصولة نحو: مررت بمن قام، فلا عموم لها.
الثانية: جمع المذكر السالم نحو: مسلمين، هل يتناول الإناث؟ فيه مذاهب:
أحدها: وبه قال الجمهور: لا، إلا بدليل منفصل، وإلى ذلك أشار
بقوله: ظاهرا.
الثاني: يتناول الإناث ظاهرا ولا يخرجن عنه إلا بدليل حكاه الشارح عن الحنفية.
والذي في كلام الآمدي وابن الحاجب وغيرهما حكايته عن الحنابلة وصححه من أصحابنا/ (83/ 1/م) الماوردي والروياني.
الثالث: وبه قال إمام الحرمين دخولهن بالتغليب لا بأصل الوضع، وقيد المصنف جمع المذكر بالسالم فيخرج عنه جمع التكسير وفي بعض نسخه وكذا المكسر وضميرهما.
قال الشارح: وهو استدراك على تصويرهم المسألة بالجمع السالم فإن المكسر كذلك.
قال: ولم أر لهم تصريحا بذلك بل رأيت في بعض المسودات أن جمع التكسير لا خلاف في عدم الدخول فيه، ويشهد له أنه لو وقف على بني زيد فإنه لا يدخل فيه البنات. نعم، إن دلت قرينة على الدخول دخلن على الأصح كما لو وقف على بني تميم أو هاشم فإن القصد الجهة انتهى.
الثالثة: الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة لا يتعداه إلى غيره، إلا بدليل منفصل، قاله الجمهور، وقيل: يعم بنفسه من جهة العادة، لا من جهة اللغة.
وقال إمام الحرمين: الخلاف لفظي، وقال غيره: معنوي.
الرابعة: الخطاب الوارد في القرآن أو الحديث على أهل الكتاب كقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} لا يشمل غيره من الأمة، لأن اللفظ قاصر عليهم، كذا جزم به المصنف لكن في (المسودة) الأصولية للشيخ مجد الدين ابن تيمية أنه يشملهم إن شركوهم في المعنى وإلا فلا.
قلت: نفي المصنف الشمول من حيث اللفظ وإثبات ابن تيمية له اعتبار القياس ولهذا قيده بأن يشركوهم في المعنى ثم قال ابن تيمية: والشمول هنا هل هو بطريق العادة العرفية أو للاعتبار العقلي؟ فيه خلاف.
قال: وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة على حكمنا بمثل قوله: {أتأمرون الناس بالبر} الآية، فإن هذه الضمائر لبني إسرائيل قال: وهذا كله في الخطاب على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أما خطابه لهم على ألسنة أنبيائهم فهي مسألة شرع من قبلنا .... انتهي.
أما عكسه وهو الخطاب للمؤمنين هل يشمل أهل الكتاب ففي (الاصطلام) لابن السمعاني عن بعض الحنفية نفيه، ثم اختار إثباته وقوله:{يا أيها الذين آمنوا} خطاب تشريف لا تخصيص وذلك راجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع؟
الخامسة: في دخول المخاطب بكسر الطاء في خطابه؟ / (83/ب/م) ثلاثة مذاهب:
الدخول مطلقا، عزاه في (المحصول) للأكثرين، وعليه مشى المصنف في الأوامر حيث قال:(وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه).
وعدمه مطلقا.
والتفصيل بين/ (67ب/د) الخبر فيدخل فيه، والأمر فلا يدخل فيه، وعليه مشى المصنف هنا، وهو اختيار أبي الخطاب الحنبلي، وفرق بينهما بأن الأمر استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء فلو دخل المتكلم تحت ما يأمر به غيره لكان مستدعيا من نفسه، ومستعليا، وهو محال، وهذا احتمال في المحصول.
قال الشارح: والحق إنه إن كان الكلام في شموله وضعا فليس كذلك سواء كان أمرا أو خبرا، وإن كان المراد حكما فمسلم إذا دل عليه دليل أو كان اللفظ (شاملا) كألفاظ العموم نحو:((من أحيا أرضا ميتة فهي له)) بخلاف مثل قوله: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) و ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول)) فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومن حكى فيه خلافا فقد شذ. انتهى.
السادسة: إذا كان المأمور به اسم جنس مجموعا مجرورا بمن نحو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} فقال الجمهور: إنه يقتضي الأخذ من