الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كل نوع من الأموال، ونص عليه الشافعي في (الرسالة) والبويطي ووجهه أن الجمع المضاف للعموم، فقال الكرخي: يكفي أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال لدلالة من على التبعيض، واختاره ابن الحاجب مع اعترافه بأن الأكثرين على خلافه، وتوقف الآمدي فقال: هي محتملة ومأخذ الكرخي دقيق.
قلت: وينبني على ذلك ما وقع في الفتاوى فيما لو شرط على المدرس أن يلقي كل يوم ما تيسر من علوم ثلاثة وهي التفسير والأصول والفقه هل يجب أن يلقي من كل واحد منها أم يكفي من واحد منها.
التخصيص
ص: التخصيص قصر العام على بعض أفراده والقابل له حكم ثبت لمتعدد.
ش: عرف التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده، ولم يقل:(اللفظ) ليتناول ما عمومه عرفي أو عقلي كالمفهوم فإنه يدخله التخصيص/ (84/أ/م) مع أنه ليس بلفظ، وإنما لم يقل بدليل، لأن القصر لا يكون إلا بدليل، وعدل عن تعبير ابن الحاجب (بمسمياته) إلى (أفراده) فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد لكن كان ينبغي التقييد بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة،
فإن القصر على أحدهما ليس بتخصيص خلافا للحنفية، كتأويلهم، ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) بحمله على المكاتبة أو المملوكة لندرة هذا، وظهور قصد العموم فيه.
وقد يتوهم من تعبيره هنا (بالقصر) وفي الاستثناء بالإخراج المنافاة بينهما، وليس كذلك بل القصر أعم منه، فإن الإخراج يستدعي (68أ/د) سبق الدخول أو تقديره، والقصر قد يكون كذلك، وقد يكون مانعا للدخول بالكلية، وحاصله أن الإخراج يصير العام مخصوصا، والقصر غير الإخراج مراده به الخصوص.
ثم بين المصنف رحمه الله أن الذي يقبل التخصيص هو الحكم الثابت لمتعدد إما من جهة اللفظ كقوله: {فاقتلوا المشركين} أو المعنى كالمفهوم وتخصيص العلة عند من جوزه، فلا يدخل التخصيص الأفعال المثبتة فإنه لا عموم لها والتخصيص فرع العموم، ولا الواحد لكن قال القرافي: الواحد قد يكون بالشخص وإخراج بعض أجزائه صحيح، كقولك: رأيت زيدا، وتريد بعضه.
ولا منافاة بين قوله هنا: (لمتعدد) وبين تعريف العام باستغراق الصالح له من غير حصر، فإن التعدد لا ينافي عدم الحصر، فإن كان غير منحصر متعدد، وليس كل متعدد غير منحصر.
وقد أورد على هذا الكلام أمران:
أحدهما: أسماء الأعداد، فإنها لمتعدد، ولا تقبل التخصيص، وإلا لزم عمومها، فيبطل قولكم في تعريف العام: من غير حصر.
ثانيهما: الجمع المنكر، فإنه ثبت لمتعدد، ولا يقبل التخصيص، فإنه ليس بعام.
وأجاب المصنف عن الأول بأن مدلول أسماء العدد واحد لا متعدد، فإن
المتعدد في المعدود لا في اسم العدد.
وعن الثاني بمنع كونه لا يقبل التخصيص، وقولكم:(لعدم عمومه).
جوابه أنه صالح للعموم بقرينة لفظية أو معنوية، ولا يلزم من قوله:(للتخصيص) وقوع التخصيص فيه حال تنكيره وتجرده عن قرائن العموم كالإنسان/ (84/ب/م) قابل للثبوت على الراحلة ولا يلزم خروج المعضوب عن حد الإنسان.
ص: والحق جوازه إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعا، وإلى أقل الجمع إن كان، وقيل: مطلقا وشذ المنع مطلقا، وقيل بالمنع، إلا أن يبقى غير محصور وقيل: إلا أن يبقى قريب من مدلوله.
ش: اختلف في الغاية التي يجوز انتهاء التخصيص إليها على مذاهب:
أحدها: وبه قال القفال الشاشي، وقال المصنف: إنه الحق – إنه إن كان لفظ العام جمعا كالمسلمين جاز التخصيص حتى لا يبقى إلا أقل الجمع، وهو ثلاثة على الأصح، واثنان عند قوم وإن لم يكن جمعا نحو (من) ونحوها جاز حتى لا يبقى بعد الإخراج إلا واحد فقط.
قال المصنف: وما أظن القفال يقول به في كل تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر أن قوله مقصوراً على ما عداً الاستثناء من التخصيصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: له علي عشرة إلا تسعة/ (68ب/د).
قلت: الكلام في تخصيص العموم، وليس هذا المثال من العموم في شيء، والله أعلم.
الثاني: أنه يجوز في جميع صيغ العموم إلى واحد وبه قال الشيخ أبو إسحاق واستدل بقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} والقائل نعيم بن مسعود الأشجعي.
الثالث: أنه يمتنع إلى واحد مطلقا، فغاية جوازه إلى أن يبقى أقل الجمع، حكاه ابن برهان، وذكر المصنف أنه شاذ.
والرابع: أنه لا بد من بقاء جمع غير محصور، وصححه الإمام فخر الدين، والبيضاوي وغيرهما.
الخامس: أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام قبل التخصص وحكاه الآمدي وابن الحاجب كذا غاير المصنف بين هذا المذهب، والذي قبله، والظاهر أنهما واحد، والمراد بقربه من مدلول العام أن يكون غير محصور، فإن العام هو المستغرق لما يصلح له من غير حصر.
ص: والعام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما، والمراد به الخصوص ليس مراد بل كلي استعمل في جزئي، ومن ثم كان مجازا قطعا، والأول الأشبه حقيقة وفاقا للشيخ الإمام والفقهاء، وقال الرازي: إن كان الباقي غير منحصر وقوم: إن/ (85/ب/م) خص بما لا يستقل إمام الحرمين حقيقة ومجاز باعتبارين تناوله والاقتصار عليه والأكثر مجاز مطلقا، وقيل: إن استثني منه، وقيل: إن خص بغير لفظ.
ش: لم يتعرض المتقدمون للفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص، وهو مهم، وهذا الفرق المذكور هنا اعتمده والد المصنف، وتقريره: أن العام المخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم، والذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة التناول ولا من جهة الحكم، بل هو كلي استعمل في جزئي، ولهذا كان مجازا قطعا، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي، بخلاف العام المخصوص فإن فيه خلافا، سنحكيه، وكان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن الفرق بينهما من أوجه:
أحدها: أن قرينة العام المخصوص لفظية، وقرينة الذي أريد به الخصوص عقلية.
الثاني: أن قرينة المخصوص قد تنفك عنه، وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه.
ثم حكى المصنف الخلاف في أن العام المخصوص حقيقة في الباقي أم لا وفيه مذاهب.
أحدها: وهو الذي رجحه المصنف وعزاه للشيخ الإمام والده، وللفقهاء: أنه حقيقة، وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب الشافعي وأصحابه، ونقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء وحكاه البيضاوي عن بعض الفقهاء.
الثاني - وبه قال/ (69أ/د) أبو بكر الرازي-: أنه حقيقة إن كان الباقي بعد الإخراج غير منحصر، أي في كثرة يعسر العلم بعدده وإلا فمجاز.
الثالث: إنه إن خص ما لا يستقل بنفسه من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية فهو حقيقة، أو بمستقل من سمع أو عقل فمجاز، حكاه في الأصل عن
قوم، وهو قول أبي الحسين وغيره. واختاره الإمام فخر الدين.
الرابع وبه قال إمام الحرمين: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه، ففي عبارة المصنف لف ونشر.
الخامس: أنه مجاز مطلقا، نقله الإمام عن الأكثرين، واختاره ابن الحاجب/ (85/ب/م) والبيضاوي والصفي الهندي.
السادس: أنه مجاز إن خص باستثناء، حقيقة إن خص بشرط أو صفة.
السابع: أنه مجاز إن خص بغير لفظ، حقيقة إن خص بدليل لفظي سواء أكان متصلا أو منفصلا.
ص: والمخصص قال الأكثر: حجة، وقيل: إن خص بمعين: وقيل: بمنفصل، وقيل: إن أنبأ عنه العموم، وقيل: في أقل الجمع، وقيل: غير حجة مطلقا.
ش: العام المخصص – بفتح الصاد – أي الذي دخله التخصيص هل يبقى حجة في الباقي بعد التخصيص أم لا؟ فيه مذاهب:
أحدها: نعم، سواء خص بمعين، كـ (اقتلوا المشركين إلا زيدا) أو بمبهم كـ (إلا بعضهم) وتبع المصنف في عزوه للأكثرين ابن برهان، لكن الآمدي نقل الاتفاق على أن المخصص بمبهم ليس حجة، وهو واضح.
الثاني: أنه حجة إن خص بمعين، فإن خص بمبهم فلا لإجماله وبهذا قال الأكثرون.
الثالث: أنه حجة إن خص بمنفصل، وإلا فلا، كذا يقتضيه كلام المصنف وهو معكوس، وصوابه حجة إن خص بمتصل كالشرط والاستثناء وإلا فلا، وبهذا قال الكرخي، فإذا أردنا تصحيح كلام المصنف جعلنا تقديره:
إنه ليس حجة إن خص بمنفصل وإلا فحجة ويبقى غير مطابق للتعبير عن القولين اللذين قبله وبعده.
الرابع: أنه حجة إن أنبأ عنه العموم كقوله: (اقتلوا المشركين) فإنه ينبئ عن الحربي، فإذا خرج عنه الذمي بقي حجة في الحربي بخلاف آية السرقة فإن عمومها لا ينبئ عن كون المسروق نصابا ولا في حرز، فإذا خرجت حالة انتفائهما لم يكن حجة في حالة وجودهما.
الخامس: أنه حجة في أقل الجمع دون ما زاد عليه.
السادس: أنه ليس حجة مطلقا، وحكي عن عيسى بن أبان وأبي ثور ومعناه أنه يصير مجملا ويكون كما لو خص بمبهم، فلا يستدل به في البقية إلا بدليل، قاله الشيخ أبو إسحاق وغيره.
فائدة:/ (69ب/د) لك أن تقول في هذه المسألة: هي التي قبلها إلا أنه عبر هناك بأنه حقيقة أم لا، وهنا بأنه حجة أم لا، ولا فرق بينهما.
وجوابه: أن هذه مرتبة على تلك، والخلاف هنا مفرع على القول هناك بأنه مجاز، فأما إذا قلنا: إنه حقيقة فهو حجة قطعا، وكان ينبغي/ (86/أ/م) الإفصاح عن ذلك لدفع الإبهام.
ص: ويتمسك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن المخصص، وكذلك بعد الوفاة خلافا لابن سريج، وثالثها: إن ضاق الوقت ثم يكفي في البحث الظن خلافا للقاضي.
ش: هل يتمسك بالعام – أي يعمل به في جميع أفراده – قبل البحث
عنه هل دخله تخصيص أم لا؟ أما في حياته عليه الصلاة والسلام فنعم، بلا خلاف كما صرح به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني. وأما بعده فكذلك على الراجح عند صاحب (الحاصل) والبيضاوي ومال إليه الإمام فإنه رد دليل مقابله، وقال ابن سريج: يجب التوقف فيه حتى يبحث عن ذلك، فإن وجد له مخصصا وإلا عمل بالعموم وحكاه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق وغيرهما عن عامة أصحابنا.
ومنهم من فرق بين أن يضيق الوقت فلا يجب البحث، أو يتسع فيجب، زاد المصنف حكايته ولم يتعرض لذكره الشارح، وقد تابع المصنف الإمام وغيره في حكاية الخلاف في ذلك.
وحكى الغزالي والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وجعلوا الخلاف في اعتقاد العموم في العام بعد وروده وقبل وقت العمل به، ولكن الحق ما ذكره الإمام وقد سبقه إليه أبو إسحاق والأستاذ والشيخ، وإذا قلنا بوجوب البحث فقال الجمهور: يكفي فيه أن يغلب على الظن عدمه، وقال القاضي أبو بكر وطائفة: لا بد من القطع بذلك، وحكى الغزالي قولا ثالثا متوسطا: أن الشرط أن يعتقد عدمه اعتقادا جازما من غير قطع.
ص: والمخصص قسمان: الأول المتصل، وهو خمسة: الاستثناء وهو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها من متكلم واحد، وقيل: مطلقا.
ش: المخصص حقيقة إرادة المتكلم ويطلق على الدال عليها مجازا وهو المراد هنا، وهو منقسم إلى متصل وهو ما لا يستقل بنفسه، ومنفصل وهو ما استقل، فالأول خمسة أشياء:
أحدها: الاستثناء وهو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها، مثل (خلا) و (عدا) و (حاشا) وخص (إلا) بالذكر لأنها أصل أدوات الاستثناء وعبر بأو لأن / (70أ/د) الإخراج بأحدها لا بها جميعا، ولم يقيد إلا بغير الصفة كما فعل البيضاوي احترازا عن مثل قوله تعالى:{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لأن المتبادر إلى الفهم من (إلا) الاستثناء فاستغني بذلك مع تقدم ذكر الإخراج كذا اعتذر به ابن مالك في (شرح الكافية) وهو صريح في أن (إلا) التي للصفة لا إخراج فيها.
وخرج بقوله: (من متكلم واحد) ما لو قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم على الاتصال إلا أهل الذمة، فلا يكون استثناء بل هو من المخصصات المنفصلة، كذا رجحه الصفي الهندي وقال القاضي أبو بكر في (التقريب): إنه الصحيح، لكنه بناه على رأيه أن شرط الكلام صدوره من ناطق واحد، وقد ضعفه ابن مالك، وقال بعضهم في المثال المتقدم: بل هو استثناء متصل، وجعلوا صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم كالمصرح به في كلام الله تعالى.
ص: ويجب اتصاله عادة. وعن ابن عباس إلى شهر. وقيل: سنة وقيل: أبدا، وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر، وعن عطاء والحسن في المجلس، ومجاهد: سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: بشرط أن ينوى في الكلام، وقيل: في
كلام الله فقط.
ش: يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، لأنهما في حكم جملة واحدة، ولولا ذلك لما استقر عتق ولا طلاق ولا حنث لجواز الاستثناء بعده، والمراد الاتصال العادي، فلا يضر طول الكلام المستثنى منه، ولا فصل المستثنى من المستثنى عنه، بتنفس أو سعال وحكي الخلاف في ذلك عن ابن عباس، ولم يثبته الأكثرون بل أولوه، ثم قيل عنه: يجوز إلى شهر وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا.
وحكي عن سعيد بن جبير جواز تأخيره أربعة أشهر، وعن عطاء بن أبي رباح والحسن البصري: يمتد ما دام المجلس موجودا.
وعن مجاهد: يجوز إلى سنتين، وقيل: يجوز تأخيره ما لم يأخذ في كلام
آخر. وهذه مذاهب شاذة.
وقوله: (وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام) هذا متفق عليه عند الذاهبين إلى اشتراط اتصاله، فلو لم تعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه، لم يعتد به، ثم قيل: يعتبر وجود النية في أول الكلام وقيل: يكتفى بوجودها قبل فراغه، وهذا هو الصحيح وتعبير المصنف عنه بـ (قيل) لا يدل على تمريضه وإنما يكون دالا على ذلك/ (87/أ/م) إذا أتى به في مقابلة ذكر مذهب مختار كذا قاله/ (70ب/د) الشارح، وفيه نظر، فالاصطلاح أن لا يغتر بذلك إلا في قول ضعيف أو متوقف في ثبوته، والظاهر أن المصنف إنما ذكر ذلك تفريعا على مذهب من لا يشترط الاتصال، فمنهم من أخذه على إطلاقه ومنهم من قيده بأن ينوي ذلك في أثناء الكلام فيغتفر عنده الفصل الطويل في اللفظ إذا اقترنت نيته بأول الكلام وعلى هذا نزل القاضي مذهب ابن عباس فقال: لعل مراده – إن صح النقل عنه – ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام ثم أظهر نيته بعده، فإنه يدين وذهب بعضهم إلى جواز الاستثناء المنفصل في كلام الله تعالى فقط، وحمل بعضهم مذهب ابن عباس عليه، وأنه جوز ذلك في استثناءات القرآن فقط، وفي الفروع المرتبة على أنه لا يضر طول الفصل أنه لو قال: له علي ألف أستغفر الله إلا مائة – صح كما في زيادة (الروضة عن العدة) للطبري و (البيان) لكن قال: إن فيه نظراً، والله أعلم.
ص: أما المنقطع فثالثها متواطئ والرابع مشترك والخامس الوقف.
ش: الاستثناء المنقطع وهو ما كان من غير الجنس أي لم يدخل المستثنى في المستثنى منه، كقولك: جاء الناس إلا حمارا، فيه مذاهب.
أصحها: أنه مجاز.
والثاني: أنه حقيقة وعلى هذا مذهبان.
أحدهما: أن إطلاقه عليه وعلى المتصل من باب المتواطئ أي أن حقيقتهما واحدة، والاشتراك بينهما معنوي.
ثانيهما: أنه من الاشتراك اللفظي، أي أنه موضوع لكل منهما على انفراده فإنه ليس بينهما قدر مشترك فإن المتصل إخراج بخلاف المنفصل، وإذا كان التواطؤ والاشتراك فرعين على الحقيقة لم يحصل من ذلك إلا ثلاثة مذاهب، فجعل المصنف لها أربعة مردود، فالمذهب الأخير وهو الوقف ليس خامسا، وإنما هو رابع، وهو من زيادته على (المختصر) ولم يذكره المصنف في شرحه.
قلت: ويحتمل أن يكون خامسا، ويكون المذهب الثاني إنكار إطلاق لفظ الاستثناء على المنقطع لا بالحقيقة ولا المجاز، وهذا إن صح غريب والله أعلم.
ص: والأصح وفاقا لابن الحاجب: أن المراد بعشرة في قولك: عشرة إلا ثلاثة العشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة/ (87/ب/م) ثم أسند إلى الباقي تقديرا وإن كان قبله ذكرا. وقال الأكثر: المراد سبعة وإلا قرينة وقال القاضي: عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد ومركب.
ش: أصل الخلاف في هذه المسألة ناشئ عن استشكال الاستثناء فإن
المستثنى إن دخل في المستثنى منه تناقض الكلام لأنك أثبته ثم نفيته/ (71أ/د) وإن لم يدخل فكيف صح إخراجه وقد أجمع أهل العربية على أن الاستثناء إخراج؟ فاختلف في تقديره على أقوال:
أحدها – وهو الذي صححه ابن الحاجب والمصنف-: أنه أريد جميع أفراد المستثنى منه، ولكن لم يحكم بالإسناد إلا بعد إخراج المستثنى، فإذا قلت: له علي عشرة إلا ثلاثة، فالمراد أولا العشرة، باعتبار الأفراد ولكن لا يحكم بإسناد الخبر، وهو (له) إلى المبتدأ وهو (عشرة) إلا بعد إخراج الثلاثة منه فأسند لفظا إلى عشرة، ومعنى إلى سبعة، ولم يقع الإسناد إلى بعد الإخراج فلم يسند إلا إلى سبعة، وليس الاستثناء مبينا للمراد بالأول بل به يحصل الإخراج.
قال ابن الحاجب: ففي هذا توفية بإجماع النحاة أن الاستثناء إخراج، ولا يؤدي إلى التناقض لأنك لم تنسب إلا بعد إخراج المستثنى.
الثاني – وبه قال الأكثرون -: أن المراد بعشرة في المثال المذكور سبعة وأداة الاستثناء نحو (إلا) قرينة على إطلاق اسم الكل وإرادة البعض مجازا، فالاستثناء موضع لمراد المتكلم.
الثالث – وبه قال القاضي أبو بكر: أن المستثنى والمستثنى منه جميعا وضعا لمعنى واحد وهو المفهوم منه آخرا فللسبعة اسمان مفرد وهو سبعة ومركب وهو عشرة إلا ثلاثة، فاحترز بهذا عما أورد من التناقض لكن بقي عليه مخالفة النحاة في أن الاستثناء إخراج، ولا إخراج على ما قرره وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها فإن قلنا: ليس ببيان طلقت ثلاثا وإلا فثنتان.
ص: ولا يجوز المستغرق خلافا لشذوذ وقيل لا الأكثر وقيل: ولا المساوي، وقيل: إن كان العدد صريحا.
ش: الاستثناء المستغرق نحو: (له علي عشرة إلا عشرة) باطل بالإجماع، كما حكاه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، لكن في (المدخل) لابن طلحة في:(أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا) قولان/ (88/أ/م) في اللزوم وعدم اللزوم يقتضي صحة الاستثناء المستغرق وهو الشذوذ الذي أشار إليه المصنف، وأغرب منه ما نقله الشيخ أبو حيان عن الفراء أنه يجوز أن يكون أكثر نحو:(له علي ألف إلا ألفين) لكن قال: إنه منقطع وقريب منه ما حكاه المحاملي في (التجريد) في قوله: (له علي ألف إلا ثوبا) وفسر الثوب بما قيمته ألف، أن فيه وجهين، ومحل الإجماع إن صح إذا اقتصر عليه فلو عقبه باستثناء آخر فالخلاف فيه مشهور، نحو:(له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة) فقيل: يلزمه عشرة لبطلان الأول لاستغراقه، والثاني لترتبه عليه، وقيل: ثلاثة ومحل بطلان المستغرق عند الاقتصار عليه، فإن عقبه بما يصححه صح، وقيل سبعة ويحصل/ (71ب/د) الاستثناء الثاني عائدا للأصل لبطلان الأول لاستغراقه.
ثم قال الجمهور: يصح استثناء المساوي نحو: (له علي خمسة إلا خمسة) والأكثر نحو: (له علي عشرة إلا تسعة) وقيل: يمتنع استثناء الأكثر، وحكاه البيضاوي عن الحنابلة وقيل: يمتنع المساوي أيضا وحكاه الشيخ أبو إسحاق
والآمدي وابن الحاجب عن الحنابلة، وحكاه الشيخ أبو حيان عن نحاة البصرة وبه قال القاضي أبو بكر، وقال قوم: إن كان العدد صريحا لم يجز استثناء الأكثر نحو: (عشرة إلا تسعة) وإلا جاز مثل: خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني، وكان ما فيه أكثر من الباقي كذا قرره الشارح، ومقتضى عبارة المصنف أنه يمتنع استثناء المساوي أيضا فيما إذا كان العدد صريحا، والله أعلم.
ص: وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح، وقيل: مطلقا.
ش: في الاستثناء من العدد مذاهب:
المشهور: الجواز مطلقا كغيره.
والثاني: المنع مطلقا، وصححه ابن عصفور، وأجاب عن قوله تعالى:{فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} بأن الألف يستعمل في التكثير كقولك: اقعد ألف سنة أي زمنا طويلا وذكر المصنف في (شرح المختصر) أن القاضي حسين والمتولي ذهبا إليه حيث قالا: لو قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا ثلاثة لم يصح لأنه نص.
وقال الشارح:/ (88/ب/م) ليس كما قال، فإنهما صرحا بالجواز مع تقدم الاستثناء كقوله أربعتكن إلا فلانة طوالق وذلك لوقوع الحكم بعد الإخراج فلا تناقض بخلاف التأخير ولو كان مدركهما ما توهمه المصنف لمنعاه مطلقا.
الثالث: أنه لا يجوز استثناء عقد صحيح، نحو: له مائة إلا عشرة ويجوز إلا ثلاثة.
ص: والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس خلافا لأبي حنيفة.
ش: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، هذا مذهب الشافعي والجمهور، وخالف أبو حنيفة فيهما كما حكاه الصفي الهندي، وتبعه المصنف، لكن الإمام في (المعالم) جعل الخلاف في الأولى فقط، وحكى الاتفاق على أن الاستثناء من الإثبات نفي، فلو قدم المصنف ذكر الاستثناء من الإثبات لفهم منه موافقة الإمام في تخصيص الخلاف بالاستثناء من النفي، فلما عكس تبين أن قوله خلافا لأبي حنيفة عائد إليهما.
ص: والمتعددة إن تعاطفت فللأول وإلا فكل لما يليه ما لم يستغرقه.
ش: الاستثناءات المتعددة إن تعاطفت أي عطفت بعضها على بعض فإنها ترجع كلها إلى الأول، وهو المستثنى منه، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة وإلا اثنتين فلا يلزمه في هذه الصورة سوى درهم، وإن لم يعطف بعضها على بعض، رجع كل منهما لما يليه لا إلى المستثنى منه/ (72أ/د) نحو: له علي عشرة، إلا ثمانية إلا سبعة، فالسبعة مثبتة مستثناة من الثمانية، فتضم إلى ما بقي من العشرة بعد الثمانية، وهو اثنان فيكون مقرا بتسعة، إلا أن يكون الاستثناء الثاني مستغرقا للأول، فيعودان معا للمستثنى منه، كقوله: له علي عشرة إلا ثلاثة، فيكن مقرا بأربعة.
ص: والوارد بعد جمل متعاطفة للكل تفريقا، وقيل: جمعا، وقيل: إن سيق الكل لغرض، وقيل: إن عطف بالواو، وقال أبو حنيفة والإمام: للأخيرة وقيل: مشترك وقيل بالوقف، والوارد بعد مفردات أولى بالكل.
ش: الاستثناء الواقع عقب جمل عطف بعضها على بعض، كقوله
تعالى {والذين يرمون المحصنات} الآية، اختلف فيه على أقوال:
أحدها – وهو مذهب الشافعي -: أنه يعود للجميع إلا أن يقوم الدليل/ (89/أ/م) على إرادة البعض، كما في هذه الآية، فإنه حكم فيها بجلد القاذف، وعدم قبول شهادته، وأنه فاسق، ثم استثنى من تاب فلا يبقى فاسقا ولا مردود الشهادة، لكن الجلد لا يسقط، لما تقرر من أن حد الآدمي لا يسقط بالتوبة وقوله:(تفريقا وقيل: جمعا) لم يذكره الشارح ولم يشرحه وأشار به إلى الخلاف في أن المفرق يجمع أو يبقى على تفريقه، فإن جمعناه أعدنا الاستثناء للمجموع منهما وإن أبقيناه على تفريقه وهو الأصح جعلنا الاستثناء من كل منهما كما لو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا، فإن قلنا: إن المفرق لا يجمع وهو الأصح أوقعنا الثلاث؛ لأن قوله: إلا أربعاً، استثناء من كل منهما، وهو باطل لاستغراقه وإن جمعنا المفرق فكأنه قال: ستا إلا أربعا فيقع ثنتان ولم أر من تعرض لهذا التفريع وإن كان الخلاف في التفريق والجمع معروفا.
فقوله: تفريقا أي يجعل الاستثناء من كل من المفرقين مع بقائهما على تفريقهما.
وقوله: وقيل: جمعا، أي: يجمع المفرق ويستثنى ذلك من الحاصل منهما، وقد عرفت كيفية ظهور ثمرة الخلاف وتوقف ابن الرفعة في نسبة هذا المذهب للشافعي، لنقل ابن الصباغ عن نص البويطي فيما لو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة، أنه يقع ثلاث، ثم قال ابن الصباغ: وهذا إنما هو لأنه أوقع جملتين، واستثنى إحداهما بجملتها فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة من الجملتين.
وأجاب المصنف في (شرح المختصر) عن هذا بتخصيص المسألة بغير
العدد، وليس كما قال.
وأجاب عنه الشارح بأن شرط العود للجميع إمكان عوده إلى كل واحد منهما وهو منتف هنا/ (72ب/د) فلهذا اختص بالأخيرة والحق عندي بناؤه على ما قررته قريبا، والله أعلم.
المذهب الثاني: أنه يعود للكل إن سيق الكل لغرض واحد، كأكرم بني تميم، واخلع عليهم، فإن الغرض فيهما التعظيم، فإن اختلفا عاد للأخيرة فقط وهو قول أبي الحسين البصري من المعتزلة.
الثالث: عوده للكل إن كان/ (89/ب/م) العطف بالواو فإن كان بـ (ثم) أو غيرها اختص بالأخيرة وبه قال إمام الحرمين، وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وهو الذي في (المحرر) للرافعي، و (المنهاج) للنووي وتوهم بعضهم أن ذلك قيد في المسألة وليس كذلك بل هو قول مخالف للمشهور، وهو الذي يقتضيه كلام المصنف، وصرح الغزالي في (البسيط) في الوقف بأن كل حرف يقتضي الترتيب كذلك، وصرح القاضي أبو بكر في (التقريب) بالفاء وغيرها، وهو المعتمد.
وقد أفردت ذلك بالكلام عليه.
الرابع: اختصاصه بالجملة الأخيرة وبه قال أبو حنيفة، ولهذا قال: إن شهادة القاذف مردودة، ولو تاب، واختاره الإمام فخر الدين في (المعالم).
الخامس: أنه مشترك بينهما لوروده تارة للجميع، وتارة للأخيرة، وبه قال المرتضى من الشيعة.
السادس: الوقف في المسألة لعدم العلم بمدلوله، وبه قال القاضي أبو بكر
والغزالي واختاره الإمام فخر الدين في (المحصول) و (المنتخب).
أما الاستثناء المتعقب للمفردات فهو أولى بعوده لكلها لعدم استقلالها، ولهذا اقتضى كلام جماعة الاتفاق فيها. وقال الرافعي في الطلاق: إذا قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله – فهو من باب الاستثناء عقب الجمل.
ص: أما القران بين الجملتين لفظا فلا يقتضي التسوية في غير المذكور حكما خلافا لأبي يوسف والمزني.
ش: القران بين الجملتين في اللفظ في حكم من الأحكام لا يقتضي التسوية بينهما في غيره عند الجمهور، ويدل له قوله تعالى:{كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه} فعطف واجبا على مباح، وقال أبو يوسف والمزني: إنه يقتضي التسوية، لأن العطف يقتضي الشركة، واستدل بعض الحنفية بذلك على أنه لا تجب الزكاة في مال الصبي كما لا تجب عليه الصلاة لقرنهما في قوله تعالى:{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} لكن الذي في كتب الحنفية تخصيص ذلك بالجمل الناقصة نحو قوله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا} فهما كجملة واحدة والإشهاد في المفارقة غير واجب، وكذا في الرجعة بخلاف قوله تعالى:{وأقيموا الصلاة/ (90/أ/م) وآتوا الزكاة} فإن كلا/ (73أ/د)
من الجملتين مستقلة بنفسها فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.
ص: الثاني: الشرط وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو كالاستثناء اتصالا، وهو أولى بالعود إلى الكل على الأصح ويجوز إخراج الأكثر به وفاقا.
ش: الثاني من المخصصات المتصلة: الشرط، عقليا كان كالحياة مع العلم، أو شرعيا كالإحصان مع الرجم، أو عاديا كالسلم مع الصعود وهذا التعريف قال القرافي: إنه أجود الحدود.
فـ (ما) جنس، وخرج بالفصل الأول المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء وبالثاني السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود، وبالثالث وهو قولنا:(لذاته) شيئان:
أحدهما: مقارنة الشرط وجود السبب فيلزمه الوجود، لكن لا لذات الشرط بل لوجود السبب.
الثاني: الشرط الأخير فإنه يحصل معه المشروط لكن لا لذاته بل لضرورة كونه أخيرا كالحياة والعقل والاشتغال فهي شروط للعلم ويحصل عند الأخير منها، وهو الاشتغال وإن كان الحصول بالمجموع.
وهذا التعريف للأصوليين، وقال ابن الرفعة: هو في اصطلاح الفقهاء ما يلزم من انتفائه انتفاء الشيء الذي جعل شرطا فيه مع أنه ليس بمقوم له، وخرج بهذا الأخير الركن، فإنه يقوم له بمعنى أنه داخل في مسماه، ولا يتصور
ركن إلا لمركب، والشرط يتصور للمركب والبسيط والشرط كالاستثناء في أنه يشترط اتصاله بالكلام، وهذا متفق عليه هنا، لكن كلام المصنف يوهم جريان خلاف فيه.
وإذا ورد بعد جمل نحو أكرم ربيعة، وأعط مضر إن نزلوا بك، فيعود فيه الخلاف في أنه للكل، أو للأخيرة أو الوقف أولى بعوده للكل، ولهذا قال في (المحصول): إن أبا حنيفة وافق هنا على عوده للكل، لكنه في الكلام على التخصيص بالشرط حكي عن بعض الأدباء اختصاصه بالأولى إن تقدم، وبالأخيرة إن تأخر، ثم قال: والمختار الوقف كما في الاستثناء، واتفقوا في الشرط على جواز إخراج الأكثر به، فلو قال: أكرم بني زيد إن كانوا/ (90/ب/م) علماء، وكان الجهال أكثر جاز وفاقا قاله في (المحصول).
قال الصفي الهندي: وقد لا يبقى من مدلوله شيء، كقوله: أكرم من يدخل الدار إن أكرمك وقد لا يكرمه أحد منهم، وأورد على نقل الاتفاق على إخراج الأكثر أنه تقدم لنا قول في كل مخصص أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام.
قال الشارح: والممكن في جوابه حمل إطلاقه هنا على ما إذا كان الباقي بعد الإخراج غير محصور ليوافق ما سبق، وإنما (73ب/د) أعاده هنا لينبه على أنه ليس كالاستثناء في مجيء الخلاف.
(ص) الثالث: الصفة، كالاستثناء في العود، ولو تقدمت أما المتوسطة فالمختار اختصاصها بما وليته.
ش: الصفة من المخصصات المتصلة نحو: أكرم من لقيت من العلماء وهي كالاستثناء في العود لجميع الجمل ولو تقدمت نحو وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم فيشترط الحاجة في أولاد الأولاد، أما لو توسط مثل
أولادي المحتاجين وأولادهم فقال المصنف: لا نعلم فيها نقلا، ويظهر اختصاصها بما وليته ويدل له ما حكاه الرافعي في الأيمان عن ابن كج فيما لو قال: عبدي حر إن شاء الله، وامرأتي طالق، ونوى صرف الاستثناء إليهما فإن مفهومه أنه إذا لم ينو لا يحمل استثناء عليهما وإذا ثبت هذا في الشرط فالصفة أولى.
وهل يجري الخلاف المذكور في الاستثناء في إخراج الأكثر والمساوي هنا؟ فيه نظر والظاهر أنه لا يجري، وذكر شيخنا الإسنوي فيما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثا، ولا نية له أنه يحتمل تقديره دخولا ثلاثا لقربه، وطلاقا ثلاثا لأنه المعتاد وأن يعود إليها، والله أعلم.
ص: الرابع: الغاية، كالاستثناء في العود، والمراد غاية تقدمها عموم يشملها، لو لم تأت مثل {حتى يعطوا الجزية} وأما مثل:{حتى مطلع الفجر} فلتحقيق العموم، وكذا قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر.
ش: الرابع: من المخصصات المتصلة الغاية، وهي منتهى الشيء، وحكم ما بعدها مخالف لما قبلها قاله الشافعي والجمهور وقيل: يدخل فيما قبله وقيل به إن كان من الجنس وقيل: إن لم يكن معه من دخل وإن كان معه فلا، وهي كالاستثناء في العود على الجميع كقوله: وقفت على أولادي (91/أ/م) وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا قال السبكي: وذلك فيما إذا تقدمها عموم يشملها لو لم يأت بها كقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} فلولا هذه الغاية لقاتلناهم وإن أعطوها.
قال: فيستثنى من إطلاقهم شيئان:
أحدهما: الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ كقوله {حتى
مطلع الفجر} فإن الغاية فيها لتأكيد العموم لا للتخصيص فإن طلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل.
ثانيهما: ما كان اللفظ الأول شاملا لها أي صريحا، كقوله: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام، فإنه لو اقتصر على الأول دخل الإبهام فهو تأكيد، فالغاية في الأول خارجة قطعا، وفي الثاني داخلة (74أ/د) قطعا.
قلت: وقيدت كلام السبكي بقولي: (أي صريحا) حتى يخرج موضع الخلاف فإن اللفظ لا بد من شموله للغاية كما قرره، لكن لا صريحا فإنه لم يصرح أولا بالقتال مع إعطاء الجزية، بل هو من جملة الأحوال الداخلة في ذلك، بخلاف لفظ الأصابع فإن لفظه يتناول الإبهام صريحا، والله أعلم.
ص: الخامس بدل البعض من الكل ولم يذكره الأكثرون، وصوبهم الشيخ الإمام.
ش: ذكر ابن الحاجب من المخصصات المتصلة بدل البعض من الكل نحو: أكرم الناس قريشا، ولم يذكره الأكثرون، وأنكره عليه الأصفهاني شارح (المحصول) والصفي الهندي وكذا الشيخ الإمام السبكي، لأن المبدل منه في نية الطرح فلم يتحقق فيه معني الإخراج، والتخصيص لا بد فيه من إخراج وذلك المفهوم من لفظ البدل فإنه لا يجتمع مع المبدل منه، فإذا اجتمعا قدر عدم اجتماعهما وفاء بذلك.
ص: القسم الثاني المنفصل يجوز التخصيص بالحس والعقل خلافا لشذوذ ومنع الشافعي تسميته تخصيصا وهو لفظي.
ش: لما فرغ من المخصصات المتصلة ذكر المنفصلة، وهي التي تستقل أي لا يحتاج معها إلى ذكر العام، وهي ثلاثة: الحس، والعقل، والدليل السمعي، فالأول الحس، والمراد به المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات إذ هو مدرك بحاسة السمع وقد جعله قسيما له نحو قوله
تعالى: {وأوتيت من كل شيء} لأنا نشاهد أشياء لم تؤت منها كالسماوات وملك سليمان.
والثاني: العقل ضروريا كان كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} لخروج الذات والصفات العلية عن ذلك، أو نظريا كتخصيص {ولله على الناس حج البيت من استطاع/ (91/ب/م) إليه سبيلا} بغير الطفل والمجنون لعدم فهمهما الخطاب، وخالف في التخصيص بالعقل فريق وهو ظاهر كلام الشافعي في (الرسالة) فمنهم من جعله خلافا محققا ومنهم من جعله لفظيا، وإليه ذهب القرافي والمصنف، لأن خروج هذه الأمور من العموم لا نزاع فيه، إلا أنه لا يسمى تخصيصا إلا ما كان باللفظ.
ص: والأصح جواز تخصيص الكتاب به، والسنة بها وبالكتاب والكتاب بالمتواتر وكذا بخبر الواحد عند الجمهور وثالثها: إن خص بقاطع وعندي عكسه وقال الكرخي: بمنفصل، وتوقف القاضي وبالقياس خلافا للإمام مطلقا، وللجبائي: إن كان خفيا ولابن أبان إن لم يخص مطلقا ولقوم إن لم يكن أصله مخصصا من العموم، وللكرخي إن لم يخص بمنفصل، وتوقف إمام الحرمين، وبالفحوى وكذا دليل الخطاب على الأصح وبفعله/ (74/ب/د) صلى الله عليه وسلم وتقريره في الأصح.
ش: في التخصيص بالدليل السمعي مسائل:
الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الظاهرية ويرده تخصيص قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وبقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}
الثانية: يجوز تخصيص السنة بالسنة خلافا لداود وطائفة، حيث قالوا: يتعارضان، وهذا يشمل تخصيص المتواترة بالمتواترة، والآحاد بالآحاد، وتصوير الأول في زمننا عسر كما قال القرافي لفقد التواتر، قال: وإنما يتصور في عصر الصحابة والتابعين فإن الأحاديث كانت في زمانهم متواترة لقرب العهد وشدة العناية بالرواية. انتهى.
ومثاله في الآحاد تخصيص قوله عليه الصلاة والسلام: ((فيما سقت السماء العشر)) بقوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) أما تخصيص المتواترة بالآحاد فهي مثل تخصيص الكتاب بها، وسيأتي ذكره.
الثالثة: يجوز تخصيص السنة متواترة كانت أو آحادا بالكتاب خلافا لبعض أصحابنا.
الرابعة: يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة بالإجماع كما حكاه الصفي الهندي، وقال الآمدي: لا أعلم فيه خلافا ومنهم من حكى خلافا في السنة
الفعلية.
الخامسة: في تخصيص الكتاب بخبر الواحد مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: الجواز مطلقا/ (92/أ/م) فإنا لو لم نعمل الخاص لزم إبطاله مطلقا، وحكاه ابن الحاجب عن الأئمة الأربعة.
قال الشارح: لكن الحنفية ينكرونه.
الثاني: المنع مطلقا، حكاه ابن برهان عن طائفة من المتكلمين.
الثالث: الجواز إن خص قبل ذلك بدليل قطعي وإلا فلا، قاله عيسى بن أبان.
الرابع: وهو من تخريج المصنف: عكسه، وهو المنع إن خص قبل ذلك بقطعي وإلا جاز، ووجهه أن غالب العمومات مخصوصة، فأقدمنا على تخصيص ما لم يخص قبل ذلك بالآحاد، أخذا بالغالب بخلاف المخصوص بقاطع، فإنه قد يحصل الغرض من دخوله في الغالب بذلك التخصيص.
الخامس: وبه قال الكرخي: الجواز إن خص قبله بدليل منفصل فإن لم يخص أو خص بمتصل لم يجز.
السادس: الوقف بمعنى عدم العلم، أو بمعنى وقوع التعارض في القدر الذي دل العموم على إثباته، والخصوص على نفيه، فيتوقف على العمل، وهذا ظاهر كلام القاضي أبي بكر في (التقريب).
تنبيهان:
أحدهما: ذكر ابن السمعاني أن محل هذا الخلاف في خبر الواحد الذي لم يجمعوا على العمل به فإن أجمعوا/ (75أ/د) على العمل به خص الكتاب به بلا
خلاف كالمتواتر وقد يقال: الدال على التخصيص حينئذ إنما هو الإجماع.
ثانيهما: هذا الخلاف جار في تخصيص السنة المتواترة بالآحاد، كما صرح به القاضي أبو بكر، وإن لم يتعرض له المتأخرون كالإمام وابن الحاجب.
السادسة: في جواز تخصيص عموم الكتاب أو السنة بالقياس مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا وبه قال الأئمة الأربعة والأشعري.
الثاني: المنع مطلقا حكاه المصنف عن الإمام وهو اختياره في (المعالم) لكنه اختار الأول في (المحصول).
الثالث: المنع إن كان القياس خفيا، فإن كان جليا جاز، حكاه المصنف عن أبي علي الجبائي، والمعروف عنه المنع مطلقا، وإنما التفصيل لابن سريج.
الرابع: المنع إن لم يكن أصل ذلك القياس مخرجا من ذلك العموم بنص، فإن كان مخرجا منه جاز.
الخامس: المنع إن لم يخص أو خص بمتصل، فإن خص بمنفصل جاز قاله الكرخي.
السادس: الوقف في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع/ (92/ب/م) إلى دليل آخر غيرهما وبه قال إمام الحرمين أي في كتبه الأصولية، لكنه قال في النهاية في مسألة بيع اللحم بالحيوان: يخص الظاهر بالقياس الجلي إذا كان التأويل لا ينبو عن النص، بشرط أن يكون القياس صدر من غير الأصل الذي ورد فيه الظاهر، فإن لم يتجه قياس من غير مورد الظاهر لم تجز إزالة
الظاهر بمعنى مستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات.
تنبيه: محل الخلاف في القياس المظنون، أما المقطوع فيجوز تخصيصه به قطعا كما أشار إليه الإبياري شارح (البرهان).
السابعة: يجوز التخصيص بالفحوى أي مفهوم الموافقة كما إذا قال: من أساء إليك فعاقبه، ثم قال: إن أساء إليك زيد فلا تقل له: أف.
ومقتضى كلام المصنف وغيره: الاتفاق عليه، وصرح به الآمدي لكنه أطلق الكلام في المفهوم.
أما التخصيص بدليل الخطاب – وهو مفهوم المخالفة – فالأرجح جوازه كتخصيص قوله عليه الصلاة والسلام: ((الماء لا ينجسه شيء)) بمفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا).
الثامنة: يجوز التخصيص بفعله عليه الصلاة والسلام كأن يرد عنه لفظ عام في تحريم شيء، ثم يفعل بعضه فيكون فعله تخصيصا للفظ العام إلا أن يتبين اختصاصه به خلافا للكرخي، مثاله: نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول ثم فعله ذلك في البنيان.
أما تقريره عليه الصلاة والسلام واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم
فهو تخصيص لذلك العموم في/ (75ب/د) حق ذلك الواحد، وكذا غيره ممن شاركه في العلة إن تبين المعنى في ذلك فإن لم يتبين فالمختار عند ابن الحاجب أنه لا يتعدى إلى غيره، وخالفه المصنف في شرحه واختار التعميم، وإن لم يظهر المعنى ما لم يظهر ما يقتضي التخصيص، ثم إن استوعبت الأفراد كلها فهو نسخ، وإلا فتخصيص.
تنبيه: لم يذكر المصنف هنا التخصيص بالإجماع مع كونه في (المختصر) و (المنهاج) لأن المخصص دليل الإجماع، لا نفس الإجماع، وكان في أصل المصنف هنا:(والأصح أن مخالفة الأمة تتضمن ناسخا) ثم ضرب عليه/ (93/أ/م) وألحقه بباب النسخ، وسيأتي هناك، وكان ينبغي أن يقول هنا: وإن عمل الأمة في بعض أفراد العام بما يخالفه يتضمن تخصيصا.
ص: وأن عطف العام على الخاص لا يخصص، ورجوع الضمير أو البعض ومذهب الراوي ولو صحابيا وذكر بعض أفراد العام لا يخصص.
ش: فيه مسائل:
الأولى: عطف العام على الخاص، لا يقتضي تخصيص العام كقوله تعالى:{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فإنه عام في المطلقات، والمتوفى عنهن، وإن كان قد عطف على ما هو خاص بالمطلقات، وهو قوله تعالى:{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} وهذه مسألة غريبة ذكرها القفال الشاشي ومثلها بهذه الآية، وهي عكس المسألة المشهور ة في عطف الخاص على العام وتلك خلافية بيننا وبين الحنفية، ومدركهم هناك في التخصيص وهو اشتراك المتعاطفين في الأحكام يقتضي طرد خلافهم هنا، وتعبير المصنف يقتضي أن
فيها خلافا، والله أعلم.
الثانية: إذا عقب العام بضمير يختص ببعض أفراده لم يوجب تخصيصه مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فالمطلقات عام في الرجعيات والبوائن والضمير في قوله: {وبعولتهن} يختص بالرجعيات هذا مذهب الأكثرين واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وحكى القرافي عن الشافعي تخصيصه به، وهو منقول عن أكثر الحنفية، واختار الإمام في (المحصول) الوقف.
الثالثة: لا يجوز التخصيص بمذهب الراوي للحديث عندنا، وعند الجمهور خلافا للحنفية وحكاه الشارح عن الحنابلة أيضا، وفرق بعضهم بين أن يكون صحابيا فتخصص بمذهبه وبين غير الصحابي فلا ومثل/ (76أ/د) في (المحصول) ذلك بحديث أبي هريرة في الأمر بالغسل من ولوغ الكلب سبعا مع فتواه بثلاث وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن ذلك لم يصح عن أبي هريرة.
ثانيهما: أن ذلك ليس من باب العموم، فإن العدد نص لا عموم/ (93/ب/م) فيه، والتخصيص فرع العموم وقرره الشيخ علاء الدين الباجي، بأن لفظ الكلب مفرد معرف بأل فهو عام يشمل كلب الزرع وغيره وأبو هريرة يرى الاقتصار في
كلب الزرع على ثلاث، لكن لا نعرف عن أبي هريرة هذه التفرقة، والأحسن تمثيل ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام:(من بدل دينه فاقتلوه)) فإن مذهب راويه ابن عباس أن المرأة لا تقتل بالردة، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، وقد مثل به ابن برهان والصفي الهندي.
الرابعة: ذكر فرد من أفراد العام والحكم عليه بمثل الحكم على العام لا يخص العام خلافا لأبي ثور، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام في شاة مولاة ميمونة:((دباغها طهورها)) فإنه ذكر بعض أفراد ما دخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) فلا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد، واختلف في تحرير مذهب أبي ثور، فذكر ابن برهان وإمام الحرمين أن مفهوم حديث مولاة ميمونة إخراج ما لا يؤكل لحمه ونقل عنه في (المحصول) أن مفهومه إخراج جلود غير الشاة، وعلى كل حال فقد رده الجمهور بأنه مفهوم لقب، وهو غير معمول به عند الأكثرين ومن هنا نقل عن أبي ثور القول بمفهوم اللقب، ومقتضى هذا تسليم التخصيص حيث كان المفهوم معمولا به كأن يقول:(اقتلوا المشركين) ثم يقول: (اقتلوا المشركين المجوس) فإن مفهوم الصفة حجة، وبهذا صرح أبو الخطاب الحنبلي ويلزم
من هذا تخصيص قولنا: ذكر بعض أفراد العموم لا يخصص، وفهم من قول المصنف، (ولو بأخص من حكم العموم) أنه لا فرق بين أن يذكر لذلك الفرد جميع حكم العام أو بعض حكمه، كما لو لم يذكر في حديث مولاة ميمونة إلا بعض أحكام الطهارة كالصلاة فيه أو بيعه، ولم يتعرض الشارح لذكر ذلك، والله أعلم.
ص: وأن العادة بترك بعض المأمور تخصص إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم أو الإجماع وأن العام لا يقصر على المعتاد، ولا على ما وراءه بل تطرح له العادة السابقة.
ش: اختلف النقل في أن العادة تخصيص أم لا؟ فنقل الإمام فخر الدين وأتباعه/ (76ب/د) أنها تخصيص، وعكسه الآمدي وابن الحاجب/ (94/أ/م) ولم يتوارد النقلان على محل واحد، وعلى ذلك مشى المصنف.
فكلام الإمام وهو المذكور أولا فيما إذا ورد من الشارع لفظ عام ووجدنا العادة جارية لإخراج بعض أفراده كالنهي عن بيع الطعام بالطعام متفاضلا إذا جرت العادة ببيع بعض الأطعمة متفاضلا فتكون العادة مخصصة للعموم ودالة على جواز التفاضل في بيع ذلك الطعام، إن كانت تلك العادة موجودة في عصره عليه الصلاة والسلام وأقرهم عليهم، وكذا إذا دل على جواز بيع ذلك النوع بجنسه مع التفاضل الإجماع، وكلام الآمدي وابن الحاجب، وهو المذكور ثانيا فيما إذا ورد النهي عن بيع الطعام بالطعام، وجرت العادة بأن لا يباع من الطعام إلا القمح، فهل يختص النهي به أو يشمل كل ما صدق عليه اسم الطعام؟
قال أبو حنيفة: يختص به، وقال الجمهور: لا، فلا يختص الحكم بالمعتاد ولا بما وراء المعتاد، بل تطرح تلك العادة ويؤخذ بالعموم فالكلام الأول في إخراج المعتاد عن غير المعتاد والثاني: في إدخال غير المعتاد مع المعتاد في حكمه، وحمل ابن دقيق العيد الكلام الثاني على العادة الفعلية، كما مثلناه.
أما القولية فكأن يعتاد أهل العرف تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتبارا يسبق الذهن بسببه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق العام قوي تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر إنما يدل باللفظ على ما شاع استعماله فيه لأنه المتبادر إلى الذهن.
ص: وأن نحو قضى بالشفعة للجار لا يعم وفاقا للأكثر.
ش: ذهب الأكثرون – كما حكاه الآمدي وغيره – إلى أن قول الصحابي: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار، لا يفيد العموم لأن ما ذكره ليس لفظ الرسول بل حكاية لفعله، ويحتمل أن قضاءه كان لجار بصفة يختص بها.
والحجة في المحكي وقد يكون خاصا فيتوهمه عاما، واختار الآمدي وابن الحاجب عمومه، لأن الظاهر أنه روى كما سمع من غير زيادة ولا نقص، وقال ابن دقيق العيد في (شرح العنوان) الحق الأول، إن كان/ (94/ب/م) المحكي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم.
والثاني: إن كان قولاً لو حكي لكان دالاً على العموم.
فإن قلت: هذه المسألة مفهومة من قوله فيما تقدم: إن الفعل المثبت ليس بعام.
قلت: الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه بخلاف القضاء ونحوه، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم، فيرويه على ذلك.
تنبيه:
طرد الغزالي هذا في مثل نهي عن بيع الغرر/ (77أ/د) ونكاح الشغار وأمر بقتل الكلاب.
وتبعه شيخنا الإسنوي في (التمهيد) وجزم بعضهم هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهي) يدلان على ورود خطاب مكلف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل.
ص: مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المسكوت
والمساوي واضح.
ش: إذا كان خطاب الشارع جوابا لسؤال فله حالتان:
إحداهما: أن يكون غير مستقل بدون السؤال مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر؟ فيقول: نعم. فهو تابع للسؤال، إن كان عاما فهو عام، وإن كان خاصا فهو خاص.
الثانية: أن يكون مستقلا بنفسه بحيث لو ورد ابتداء لأفاد العموم فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون أخص من السؤال كقولك: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر، في جواب السؤال عمن أفطر في نهار رمضان، فهو جائز إذا أمكنت معرفة حكم المسكوت عنه منه، وهذا يفهم اشتراط أمرين:
أحدهما: أن يكون في الجواب تنبيه على حكم المسؤول عنه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ثانيهما: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وإلا لم يفد التنبيه.
ولا بد من شرط ثالث وهو أن لا يفوت وقت العمل بسبب استعمال السائل بالاجتهاد لئلا يلزم تكليف بما لا يطاق، ولم يبين المصنف رحمه الله حكمه في العموم والخصوص وهو كحكم السؤال في ذلك لكن لا يسمى عاما وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه قاله الصفي الهندي.
الثاني: أن يكون الجواب مساويا للسؤال إما في العموم أو الخصوص/ (95/أ/م)
وحكمه واضح.
وقال الغزالي: إن هذا هو المراد بقول الشافعي: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم.
الثالث: أن يكون الجواب أعم من السؤال فهو مندرج في المذكور بعده وهو العام على سبب خاص لأن السبب قد يكون سؤالا وقد يكون غيره.
ص: والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر فإن كانت قرينة التعميم فأجدر، وصورة السبب قطعية الدخول عند الأكثر، فلا تخص بالاجتهاد، وقال شيخ الإمام: ظنية، قال: ويقرب منها خاص في القرآن تلاه في الرسم عام للمناسبة.
ش: إذا ورد العام على سبب خاص لم يختص الحكم بذلك السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا مذهب/ (77ب/د) الأكثرين، وبه قال الشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما، وخالف في ذلك مالك والمزني وأبو ثور، ونقل إمام الحرمين والغزالي والآمدي وابن الحاجب عن الشافعي كمقالتهم، وأنكره الإمام وقال: أنه التبس على ناقله، لأن الشافعي يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء لقصة عبد بن زمعة.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا، ولا نلحقه إلا باعترافه، وحمل تلك
القصة على الزوجة وإخراج الأمة من عمومه، فقال الشافعي: إن هذا ورد على سبب خاص وهو الأمة.
قال الإمام: فتوهم الواقف على هذا الكلام أن الشافعي يجعل العبرة لخصوص السبب، وإنما أراد أن الأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها لأن محل السبب لا يجوز إخراجه عن العموم قطعا، انتهى.
فإن كانت هناك قرينة تقتضي التعميم فهو أجدر وأولى بالتعميم، كقوله تعالى:{والسارق والسارقة} فإن سببها سرقة رجل رداء صفوان بن أمية، فالإتيان بالسارقة معه قرينة دالة على التعميم، وقد تقوم القرينة على الاختصاص بالسبب كالنهي عن قتل النساء والصبيان فإن سببه أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة وذلك يدل على/ (95/ب/م) اختصاصه بالحربيات فلا يتناول المرتدة، ثم إن صورة السبب قطعية الدخول حتى لا يجوز تخصيصها بالاجتهاد، بخلاف الزائد عليها فقد يدخله التخصيص وقد تقدم من كلام الإمام القطع بذلك، لكن المصنف إنما حكاه
عن الأكثر لأنه حكي عن أبي حنيفة تجويز إخراجه استنباطا لما تقدم عنه من لحوق الولد بالفراش في الحرة دون الأمة.
ومال الشيخ الإمام السبكي إلى أن دلالته على صورة السبب ظنية فقال: القطع بالدخول ينبغي أن يكون محله إذا دلت قرائن حالية أو مقالية على ذلك أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعا تحت اللفظ العام، ويدعي أنه يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولد للفراش)) وإن ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد. وبيان حكمه إما بالثبوت أو الانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة، لأنها التي يتخذ لها الفراش غالبا، وقال:(الولد للفراش) كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضاه أنه لا يكون للأمة/ (78/أ/د) ففيه نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره، فالمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السبب، أما القطع بدخوله أو خروجه فلا. انتهى.
قلت: هو كلام ضعيف عجيب فإنه عليه الصلاة والسلام صرح بإلحاقه لسيد الأمة بقوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) فكيف يستقيم مع ذلك حمل الفراش على الحرة دون الأمة؟ ثم ذكر السبكي أنه يقرب من ورود الحكم على سبب أن يرد في القرآن الكريم آية خاصة ثم يتلوها في الرسم آية عامة، لكن يقتضي مناسبتها لها دخول ما دلت عليه الآية الخاصة فيها، فهل تكون
كالسبب في دعوى القطع بالدخول أو يكون كسائر العمومات؟ وقال: الحق إنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثل ذلك بقوله تعالى:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فإن مناسبتها لما قبلها وهي قوله/ (96/أ/م){ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} وما بعدها أن ذلك إشارة إلى قول كعب بن الأشرف وقد سأله قريش من أهدى سبيلا؟ فقال: أنتم، فنزلت الآية فيه وفي أمثاله من أهل الكتاب الذين كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع بيانه لهم، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموا ذلك، وأن ينصروه فكان ذلك أمانة عندهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك يناسب الأمر بالأمانة.
ص: مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام، وإلا خصص، وقيل: إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين، وقالت الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ فإن جهل فالوقف أو التساقط.
ش: إذا تعارض نصان أحدهما عام والآخر خاص فله أحوال:
أحدها: أن يعلم تأخر الخاص عن العام، فإن تأخر عن وقت العمل به كان ناسخا أي لقدر مدلوله من العام، لا لجميع أفراد العام، فإنه لا خلاف
في العمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل، وإنما لم يجعله تخصيصا لأن تأخير بيانه عن وقت العمل ممتنع، وإن لم يتأخر عن وقت العمل به فالأكثرون على أنه تخصيص، وأحال المعتزلة ذلك لمنعهم تأخير البيان عن وقت الخطاب.
الثاني: أن يتأخر العام عن الخاص سواء تأخر عن وقت العمل به أم لا فيقدم الخاص فيما تعارضا فيه.
الثالث: أن يتقارنا أي يوجدا في حالة واحدة، سواء تقدم في/اللفظ الخاص أو العام كأن يقول:((فيما سقت السماء العشر)) ثم يقول عقبه: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) أو بالعكس فيقدم/ (78ب/د) الخاص فيما تعارضا فيه، وحكى في (المحصول) في هذه الحالة قولا: إنهما يتعارضان في قدر الخاص.
الرابع: أن لا يعلم تاريخهما فيعمل بالخاص أيضا.
وقد يتناول هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة، والقسم الثاني من الحالة الأولى قوله:(وإلا خصص) فإنه أحد في القسم الأول أن يتأخر الخاص عن وقت العمل فيصدق نفي ذلك بتأخر الخاص لا عن وقت العمل وبتأخر العام وتقارنهما وبعدم العلم، وما ذكرناه في هذه الأحوال هو مذهبنا./ (96/ب/م).
وقال الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ للمتقدم مطلقا، سواء تأخر العام أو الخاص، والمراد النسخ فيما تعارضا فيه فإن جهل الأمر في ذلك فحكى ابن الحاجب عنهم (التساقط) وصاحب البديع:(الوقف) فلهذا تردد
المصنف بينهما.
ص: وإن كان عاما على وجه فالترجيح وقال الحنفية: المتأخر ناسخ.
ش: إذا كان كل من الدليلين المتعارضين عاما من وجه خاصا من وجه فلا سبيل إلى تقديم أحدهما على الآخر، إلا بمرجح لقوله عليه الصلاة والسلام:((من بدل دينه فاقتلوه)) مع نهيه عن قتل النساء، فإن الأول خاص في المرتدين عام في النساء والرجال والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات، وقد ترجح الأول بقيام القرينة على اختصاص الثاني بسببه، وهو الحربيات، قال الشيخ تقي الدين في شرح (الإلمام): وكان مرادهم الترجيح الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجية عن مدلول العموم من حيث هو.
قال الشارح: وفيما قاله نظر، فإن صاحب (المعتمد) حكى عن بعضهم في هذه المسألة أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم، فترجح على ما عمومه اتفاقي، قال: وما حكاه عن الحنفية من أن المتأخر ناسخ فهو قياس ما تقدم عنهم لكن لم أجده صريحا في هذه المسألة. انتهى.