المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الكتاب الأول في (الكتاب)ومباحث الأقوال - الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

[ابن العراقي]

الفصل: ‌ الكتاب الأول في (الكتاب)ومباحث الأقوال

ص:‌

‌ الكتاب الأول في (الكتاب)

ومباحث الأقوال

الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على/ (19 ب/د) محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته.

ش: قدم الكلام في الكتاب لكونه أصلاً لبقية الأدلة الشرعية، وهو في الأصل جنس، لكن غلب استعماله في المراد هنا، فصارت اللام فيه للعهد، وتفسيره بالقرآن هو تفسير اللفظ بمرادفه، كقولنا: البر: القمح، وقوله:(والمعنى به هنا) أشار به إلى أن القرآن يطلق، ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس وهو محل نظر المتكلمين، وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، ومنه قوله تعالى:{فأجره حتى يسمع كلام الله} والمسموع هو العبارات، وهذا محل نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم.

فقولنا: (اللفظ) كالجنس خرج به النفسي.

وقولنا: (المنزل) فصل أول أخرج اللفظ غير المنزل

وقولنا: (على محمد) أخرج المنزل على غيره، كالتوراة.

وقولنا: (للإعجاز) أخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة وحي يتلى.

وقال الحليمي: علوم القرآن توجد في السنة، إلا الإعجاز.

وقولنا: (بسورة) من تتمة هذا الفصل، وهو بيان للواقع، لا للإخراج،

ص: 105

وليس احترازا عن شيء نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام للإعجاز، لا بسورة.

منه وأشار به إلى أن السورة أقل ما وقع به التحدي، لكن قوله تعالى:{فليأتوا بحدث مثله} قد يقتضي بآية.

وقولنا: المتعبد بتلاوته ـ أخرج منسوخ التلاوة.

ص: ومنه البسملة أول كل سورة غير براءة على الصحيح.

ش: ومنه أي من القرآن البسملة في أول كل سورة على الصحيح.

والثاني: إنكار ذلك، وحكي عن الأئمة الثلاثة، وتحرير مذهب الشافعي على أنه لا خلاف في أنها آية من أول الفاتحة وإثبات الخلاف في غيرها من السور والصحيح: إنها آية من جميعها أيضاً، ومحل الخلاف في غير براءة فليست آية من أولها بلا خلاف، وفي غير سورة النمل، فهي بعض آية منها بلا شك.

ثم اختلف القائلون بإثباتها أول كل سورة: هل هي آية منها؟ أو بعض آية؟ أو آية مستقلة في أولها؟ والقائلون بالثالث أبو بكر الرازي، ومن أحسن أدلتنا ثبوتها في سواد المصحف أول كل سورة بقلم القرآن، مع إجماع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف غير القرآن، ذكر ذلك القاضي حسين والغزالي والنووي وغيرهم.

ص: 106

والجمهور ـ كما قال الماوردي ـ: على أنها آية حكماً لا قطعاً، لاختلاف العلماء فيها.

ومعنى الحكم: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وهي نظير كون الحجر من البيت أي في الحكم، وهو الطواف به، ولم يثبت ذلك بقاطع، وكذا صحح النووي: أنها قرآن على سبيل الحكم، قال: ولو كانت على سبيل القطعي لكفرنا فيها، وهو خلاف الإجماع، لكن في الزوائد للعمراني عن صاحب/ (20/أ/د) (الفروع) وهو سليم الرازي أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها وفسقنا تاركها، ونقل الشارح عن شيخنا الإمام بهاء الدين ابن عقيل أنه قال:(الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويجوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن، وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفير نافيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحفوف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي) انتهى.

ص: لا ما نقل آحاداً على الأصح.

ش: نقل المصنف خلافاً في أن القرآن هل يثبت بأخبار الآحاد أم لا؟

وقال الشارح: حكاية الخلاف فيها على الإطلاق لم أره في شيء من

ص: 107

كتب الأصول بعد التتبع، ومقصود ابن الحاجب الكلام في البسملة خاصة، ولما أفرد المصنف هذا الكلام عن البسملة أفهم ثبوته على الإطلاق، وأن البسملة ثبتت بالتواتر، قال: والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله، لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه فهل يشترط فيه التواتر أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف، قال: ثم رأيت الخلاف/ (24أ/م) مصرحاً به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه:(وقال قوم من الفقهاء والمتكلمين: يجوز إثبات قرآن وقراءة حكما لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه) انتهى.

قلت: الظاهر أن القاضي أبا بكر إنما أراد مسألة البسملة خاصة، ولهذا قيد ما ذكره بقوله:(حكما لا علماً) فلا يكون سلفاً للمصنف في حكاية الخلاف على الإطلاق، ولعل المصنف انتقل ذهنه من الخلاف في أن المنقول بخبر الواحد على أن يكون قرآناً هل يكون حجة إجراء له مجرى الأخبار أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك معروف، وأما في ثبوته قرآناً فلا، والله أعلم.

ص: والسبع متواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، قال أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بين القراء.

ش: القراءات السبع متواترة بإجماع من يعتد به، بشرط صحة إسنادها إلى أولئك القراء، ولا التفات إلى قول بعض المتأخرين، هي متواترة عن السبعة، ولكن أسانيدهم بها آحاد، لأنا نقول بل هي متواترة، واقتصارهم على بعض طرقهم لا يدل على أنه لا طريق لهم سواها، وقوله:(قيل) أشار به إلى قول ابن الحاجب: إن التواتر إنما هو فيما ليس من قبيل الأداء فأما ما كان من قبيل كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، فليس متواتراً، وضعف المصنف هذا، ومال إلى تواتره أيضاً، وإنما الآحاد كيفيته، فاختيار القراء

ص: 108

مختلف في تقدير المد، فعن حمزة وورش المد بقدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، وصحح، وعن عاصم: ثلاث، وعن الكسائي: ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين، وعن السوسي ألف ونصف، / (20ب/د) وكذلك الإمالة اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصوراً وكذا كيفية تخفيف الهمزة، ـ فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وأما أصل المد والإمالة وتخفيف الهمزة فمتواتر.

وقال الشارح: إنما أورد كلام ابن الحاجب بصيغة التمريض، لأنه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافقه في التمثيل.

قلت: وهذا كلام معكوس، فإنه وافقه في التمثيل على أنه ليس متواتراً، أما أصل الاستثناء فلم يوافقه عليه، بل ادعى أنه متواتر، ثم حكى المصنف عن أبي شامة أن الألفاظ/ (24ب/م) المختلف فيها بين القراء ليست متواترة أيضاً، والمراد تنوع القراء في أدائها، فإن منهم من يبالغ في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفاً، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى، ولذلك قال:(وألفاظ القراء) ولم يقل: القراءات، وتوقف المصنف في ذلك، وقال: الظاهر تواترها، فإن اختلافهم ليس إلا في الاختيار ولا يمنع قوم قوماً.

ص: ولا تجوز القراءة بالشاذ.

ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع، قال النووي في (شرح المهذب): لا في الصلاة ولا في غيرها، وعبارة الرافعي تسوغ القراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه، وعبر عنه في

ص: 109

(الروضة) بقوله: تصح.

ص: والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقاً للبغوي والشيخ الإمام، وقيل ما وراء السبعة.

ش: السبعة معروفة، والثلاثة الأخرى: قراءة يعقوب وخلف وأبي جعفر بن يزيد بن القعقاع، فرجح المصنف أن الشاذ ما وراء هذه العشرة، وحكاه عن البغوي ووالده.

وقال الشارح: والذي رأيته في أول تفسير البغوي: ذكر أبي جعفر، ويعقوب، دون خلف، ثم قال: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة بها، وقال أبو حيان: لا نعلم أحداً من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبعة، بل قرئ بها في سائر الأمصار.

وقال المصنف: القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.

ص: 110

ص: أما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح.

ش: إجراء الشاذ مجرى أخبار الآحاد في الاحتجاج به هو الصحيح، لأنه بطل خصوص كونه قرآناً لفقد شرطه، وهو التواتر، فبقي عموم كونه خبراً، ولهذا احتجوا على إيجاب قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) ونص عليه الشافعي في (البويطي) واختار ابن الحاجب أنه ليس بحجة، وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الشافعي، لكونه لم يوجب التتابع في كفارة الحنث مع علمه بقراءة ابن مسعود (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات).

ص: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية.

ش: منع الأكثرون أن يرد في الكتاب/ (21أ/د) أو السنة ما لا معنى له، لأنه هذيان، فلا يليق النطق به بعاقل، فكيف بالبارئ سبحانه؟! وجوزه الحشوية، وهم قوم يجرون آيات الصفات/ (25أ/م) على ظاهرها، بل قالوا بوقوعه في

ص: 111

الحروف المقطعة أوائل السور، وفي قوله:{كأنه رؤوس الشياطين} وأجاب الجمهور بأن الحروف المقطعة أسماء للسور، وأن رؤوس الشياطين مثل في الاستقباح على عادة العرب في ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً، وقال ابن برهان: الحق التفصيل بين الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يجوز، وما لا يتعلق به تكليف فيجوز، وهو مذهب ثالث.

تنبيهات:

أحدهما: إلحاق الحديث بذلك، ذكره في (المحصول) وقال الأصفهاني في (شرح المحصول): لم أره لغيره.

ثانيها: الظاهر أن خلاف الحشوية فيما له معنى ولا نفقهه، أما ما لا معنى له أصلاً فمنعه محل اتفاق.

ثالثها: الحشوية بفتح الشين، لأنهم كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري أمامه، فلما أنكر كلامهم، قال: ردوهم إلى (حشى) الحلقة أي جانبها، وقال ابن الصلاح: الفتح غلط، وإنما هو بالإسكان.

ص: ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل خلافاً للمرجئة.

ش: لا يجوز أن يقع في الخطاب الشرعي ما يراد به غير ظاهره من غير بيان ذلك، خلافاً للمرجئة، وهم طائفة يقولون: بأنه لا يضر مع الإيمان

ص: 112

معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، قالوا: إن آيات الوعيد التي في القرآن الكريم توعد بها الفساق، ليست على ظاهرها، بل المراد بها خلاف الظاهر، وإن لم يبين الشرع ذلك.

ص: وفي بقاء المجمل غير مبين ثالثها الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته.

ش: هل يجوز أن يبقى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن مجمل لا يعرف معناه؟ منعه بعضهم، لأن الله تعالى أكمل الدين، وقال آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه تكليف، وصححه المصنف، وقال الشارح: الظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني، لا مذهب ثالث مفصل.

ص: والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بإنضمام تواتر أو غيره.

ش: اختلف في أن الأدلة النقلية هل تفيد اليقين أم لا؟ على مذاهب:

أحدها: تفيده مطلقاً، حكاه الآمدي عن الحشوية.

والثاني: لا، مطلقاً لتوقف اليقين فيها على أمور، لا طريق إلى القطع بها.

والثالث: وهو اختيار الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول)، و (الأربعين) أنها قد تفيده إذا انضم إليها تواتر أو غيره من القرائن الحالية ولا غيره بالاحتمال فإنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر، وإلا لم يوثق بمحسوس.

ص: 113