المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الكتاب الرابعفي القياس - الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

[ابن العراقي]

الفصل: ‌ الكتاب الرابعفي القياس

ص:‌

‌ الكِتَابُ الرَّابِعُ

فِي القِيَاسِ

ص: وهو حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعلومٍ لِمُسَاوَاتِهِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ عِنْدَ الحَامِلِ، وإِنْ خُصَّ بِالصَّحيحِ حُذِفَ الأَخِيرُ.

ش: القِيَاسُ لُغَةً: التّقْدِيرُ وَالتَّسْوِيةُ، ومِنْه نَقْلُ اللّفْظِ إِلَى القِيَاسِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، لأَنَّ فِيهِ مُسَاوَاةَ الفَرْعِ للأَصْلِ.

وَاخْتَارَ المُصَنِّفُ فِي تَعْرِيفِهِ اصْطِلَاحًا مَا ذَكَرَهُ، لأَنَّ أَصْلَهُ لِلقَاضِي أَبِي بَكْرٍ.

وَالمُرَادُ بِالحَمْلِ الإِلحَاقُ، وَالمُرَادُ بِالمَعْلومِ المُتَصَوَّرُ، فَيَتَنَاوَلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ، وَالاعْتِقَادَ وَالظَّنَّ.

وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بمَوْجُودٍ ولَا بِشَيءٍ، لأَنَّ القِيَاسَ يَجْرِي فِي المَوْجُودِ وَالمَعْدُومِ، وَالشَّيءُ لَا يُطْلَقُ علَى المَعْدُومِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ.

وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالفَرْعِ وَالأَصْلِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الحَاجِبِ، لأَنَّ تَعْرِيفَ القِيَاسِ بِهِمَا دَوْرٌ.

وإِنَّمَا قَالَ: لِمُسَاوَاتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لِمُشَارَكَتِهِ، كَمَا فَعَلَ غيرُه لأَمْرَينِ:

أَحَدُهُمَا: لِتَطَابُقِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، فإِنَّه المُسَاوَاةُ كَمَا تَقَدَّمَ.

ثَانِيهُمَا: أَنَّ لَفْظَ المُشَارَكَةَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هذَا المَعْنَى وَبَيْنَ المُنَاصَفَةِ فِي المَالِ، كَقَوْلِكَ: اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فِي المَالِ، فَاجْتِنَابُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ فِي التَّعْرِيف أَولَى.

ص: 514

قَالَ الشَّارِحُ: هَكَذَا حَرَّرَه المُصَنِّفُ، وأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالمُسَاوَاةِ دُونَ المُشَارَكَةِ، لأَنَّ المُشَارَكَةَ فِي أَمْرٍ مَا لَا يُوجِبُ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الحُكْمِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأَمْرُ فِيهِمَا بِالسَّوَاءِ أَوْ بِالقَرِيبِ مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ قَوْلُه: فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ: كَانَ يَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ كَمَا تَجَنَّبَ لَفْظَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لأَنَّ العِلَّةَ مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا إِلَاّ بِهِ، فأَخْذُهَا فِي تَعْرِيفِ القِيَاسِ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ، وَلهذَا قَالَ بَعْضُهُم: لاسْتِوَائِهِمَا فِي مَشْغُولٍ بِهِ.

قُلْتُ: فإِنْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بأَنَّ العِلَّةَ مِنْ حَيْثُ هي غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلقِيَاسِ، فإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ قَاصِرَةً فَلَا قِيَاسَ مَعَهَا، فهذَا مَرْدُودٌ، لأَنَّ القَاصِرَةَ لَا اشْتِرَاكَ فِيهَا وَلَا مُسَاوَاةَ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهَا عِبَارَتُه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ القِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالفَاسِدَ، فإِنْ أُرِيدَ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِالصَّحِيحِ حُذِفَ قَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، لِيَخْتَصَّ بِالمُسَاوَاةِ فِي نَفْسِ (151/ب/م) الأَمْرِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُجْتَهِدِ، لِيَتَنَاوَلَ المُقَلِّدَ الذي يَقِيسُ علَى أَصْلِ إِمَامِهِ.

وأَسْقطَ المُصَنِّفُ مِنْ كلَامِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ قَوْلَه فِي ذَيْلِ هذَا التَّعْرِيفِ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) فإِنَّه لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ.

وتَوَهَّمَ ابْنُ الحَاجِبِ أَنَّه مِنْ تَمَامِهِ، فأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ إِثْبَاتَ الحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا لَيْسَ بِالقِيَاسِ.

ص: وهو/ (124/ب/د) حُجَّةٌ فِي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قَالَ الإِمَامُ: اتِّفَاقًا، وأَمَّا غَيْرُهَا فَمَنَعَه قَوْمٌ عَقْلاً، وَابْنُ حَزْمٍ شَرْعًا ودَاوُدُ: غَيْرَ الجَلِيِّ وأَبُو حَنِيفَةَ: فِي الحُدُودِ وَالكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَالتَّقْدِيرَاتِ، وَابْنُ

ص: 515

عَبْدَانَ: مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، وَقَوْمٌ: فِي الأَسْبَابِ وَالشَّرَائِطِ وَالمَوَانِعِ، وَقَوْمٌ: فِي أُصُولِ العِبَادَاتِ، وَقَوْمٌ: الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِهِ كَضَمَانِ الدِّرْعِ، وآخَرُونَ: فِي العَقْلِيَّاتِ، وآخَرُونَ: فِي النَّفْيِ الأَصْليِّ، وَتَقَدَّمَ قِيَاسُ اللُّغَةِ، وَالصَّحِيحُ: حُجَّةٌ إِلَاّ فِي العَادِيَّةِ وَالخِلْقِيَّةِ وإِلَاّ فِي كُلِّ الأَحْكَامِ، وإِلَاّ القِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ، خِلَافًا لِلمُعَمِّمِينَ.

ش: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُول) علَى أَنَّ القِيَاس حُجَّةٌ فِي الأُمُور الدّنْيَوِيَّةِ كَالأَدْوِيَةِ وَالأَغْذِيَةِ وَالأَسْفَارِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْعِيَّةِ علَى مَذَاهِب.

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُمْنَعُ التّعَبُّدُ بِهِ عَقْلاً وَبِهِ قَالَ الإِمَامِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ، وذَهَبَتِ الزّيْدِيَّةُ مِنْهُم إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، ومِمَّنْ قَالَ بَِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً أَيْضًا النّظَّامُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ البَيْضَاوِيُّ، لَكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ)(وَالحَاصِلِ) وغَيْرِهِمَا عَنْهُ إِحَالَتُه فِي شَرْعِنَا فَقَطْ.

قَالَ: لأَنَّ مَبْنَاهُ علَى الجَمْعِ بَيْنَ المُخْتَلِفَاتِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَمَاثِلَاتِ.

الثَّانِي: امْتِنَاعُه شَرْعًا فَقَطْ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِريُّ.

الثَّالِثُ: مَنَعَ غَيْرِ الجَّلِيِّ ولَوْ كَانَ مُسَاوِيًا، أَمَّا الجَلِيُّ: وهو مَا كَانَ المُلْحَقُ أَولَى بِالحُكْمِ مِنَ المُلْحَقِ بِهِ فهو غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، قَالَهُ دَاوُدُ الظَّاهِريُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ، لَكنْ نَقَلَ عَنْهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ مَنْعَهُ مُطْلَقًا، ونَقَلَ عَنْهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ إِحَالَتُهُ عَقْلاً، لكنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ أَثْبَتُ، لِكَونِهِ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ، وهو أَعْرَفُ بِمَذْهَبِه، لكِنْ قَالَ/ (152/أَ/م) الشَّارِحُ: دَاوُدُ وإِنْ قَالَ بِالجَلِيِّ لَا يُسَمِّيهِ قِيَاسًا، وَابْنُ حَزْمٍ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ.

ص: 516

قَالَ فِي كِتَابِ (الإِحْكَامِ): وَدَاوُدُ وأَصْحَابُه لَا يَقُولونَ بِشَيْءٍ مِنَ القِيَاس سَوَاءً كَانَتِ العِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَمْ لَا، انْتَهَى.

الرَّابِع ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ـ: العَمَلُ بِالقِيَاسِ إِلَاّ فِي الحُدُودِ، كَقَطْعِ النّبَّاشِ قِيَاسًا علَى السَّارِقِ، وجَلْدِ اللَاَّّئِطِ إِنْ كَانَ بِكْرًا مَِائَةً، ورَجْمِهِ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا قِيَاسًا علَى الزَّانِي، وَالكَفَّارَاتُ كإِيجَابِهَا علَى القَاتِلِ عَمْدًا، قِيَاسًا علَى قَتْلِ الخَطَأِ، وَالرُّخَصُ كَقِيَاس العِنَبِ علَى الرّطَبِ فِي العَرَايَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ، وَالتَّقْدِيرَاتُ كأَعْدَادِ الرّكَعَاتِ.

وأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الحَنَفِيَّة نَاقَضُوا أَصْلَهُم، فأَوْجَبُوا الكَفَّارَةَ بِالإِفْطَارِ بِالأَكْلِ، قِيَاسًا علَى الإِفْطَارِ بِالجِمَاعِ، وفِي قَتْلِ الصيدِ خَطَأً قِيَاسًا علَى قَتْلِه عَمْدًا، وَقَاسُوا فِي التّقْدِيرَاتِ حَتَّى قَالُوا فِي الدّجَاجَةِ إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ يَجِبُ/ (125/أَ/د) نَزْعُ كَذَا وكَذَا دَلْوٍ، وفِي الفَأْرَةِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هذَا التّقْدِيرُ عَنْ نَصٍّ، ولَا إِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا.

وقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيِّبِ، نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَقْدِيرِه مُدَّةَ الرّضَاعِ وَالعَدَدَ الذي يَنْعَقِدُ بِهِ الجُمُعَةِ، ومَسْحِ الرّأْسِ بمَا لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ ولَا اتِّفَاقٌ، انْتَهَى.

ومَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرَيَانِ القِيَاس فِي الرّخَصِ هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، كَمَا حَكَاهُ الإِمَامُ وغَيْرُه، لكِنَّه نَصَّ فِي (البُوَيْطِيِّ) علَى أَنَّه لَا يَجْرِي فِيهَا، فَلَعَلَّ لَهُ، فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، ويَدُلُّ لَهُ اخْتِلَافُ جَوَابِه فِي جَوَازِ العَرَايَا فِي غَيْرِ الرّطَبِ وَالعِنَبِ قِيَاسًا.

الخَامِسُ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو الفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا ـ: مَنْعَ القِيَاس مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، بأَنْ تَحْدُثَ حَادِثَةٌ تَقْتَضِي الضّرُورَةُ مَعْرِفَةُ حُكْمِهَا، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الصّلَاحِ فِي طَبَقَاتِهِ وقَالَ: يَأْبَاهُ وَضْعُ الأَئِمَّةِ الكُتُبَ الطَّافِحَةَ بِالمَسَائِلِ

ص: 517

القِيَاسِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالحَادِثَةِ.

السَّادِسُ: مَنَعَ القِيَاسَ فِي الأَسبَابِ، كجَعْلِ الزّنَا سَبَبًا لإِيجَابِ الحَدِّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ اللّوَاطُ، قَالَ فِي (المَحْصُولِ) إِنَّه المَشْهُورُ، وصَحَّحَه الآمِدِيّ/ (152/ب/م) وَابْنُ الحَاجِبِ وجَزَمَ بِهِ البَيْضَاوِيُّ، ونَقَلَ الآمِدِيّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ جَرَيَانَهُ فِيهَا، ومَشَى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ، ويَجْرِي الخِلَافُ فِي الشُّرُوطِ، كَمَا ذَكَرَه الآمِدِيُّ وغَيرُه، وصَرَّحَ بِهِ +إِلكيَاالهرَاسي+ فِي الشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ.

السَّابِعُ: مَنَعَ القِيَاس فِي إِثْبَاتِ أُصُولِ العِبَادَاتِ، حُكِيَ عَنِ الحَنَفِيَّة، وبَنُوا عَلَيْهِ أَنَّه لَا يَجُوز إِثْبَاتُ الصّلَاةِ بإِيمَاءِ الحَاجِبِ قِيَاسًا علَى الإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ لوْ جَازَ لأَمْكَنَ إِثْبَاتُ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّة قِيَاسًا عَلَى العِبَادَاتِ المَشْرُوعَاتِ بِجَامِعِ المَصَالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِبَادَاتِ، وأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ إِثبَاتِ عِبَادَةٍ زَائِدَةٍ، بأَنَّه تَشْرِيعٌ بَاطِلٌ لَا قِيَاسٌ.

الثَّامِنُ: مَنَعَ قَوْمٌ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِه مَعَ عُمُومِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، كضَمَانِ الدَّرْكِ، فإِنَّ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ يقْتَضِي مَنْعَه؛ لأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وعُمومُ الحَاجةِ إِلَيْه لمُعَامَلَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ يقْتَضِي جَوَازَه، كَذَا حكَى هذَا الخِلَافَ عَنْ أَهْلِ الأُصُولِ الشَّيْخ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الوَكِيلِ فِي (الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ).

ولَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الأُصُولِ، وقَدْ مَنَعَ ابْنُ سُرَيْجٍ ضَمَانَ الدَّرْكِ علَى مُقْتَضَى القِيَاسِ، وخَرَّجَهُ قَوْلاً، وَالأَصَحُّ صِحَّتُه بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لأَنَّهُ وقْتُ الحَاجَةِ

ص: 518

المُؤَكَّدَةِ.

التَّاسِعُ: مَنَعَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِيَّةِ وغُلَاةُ الظَّاهِريَّةِ القِيَاسَ فِي العَقْلِيَّاتِ، وجَوَّزَه أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ كقَوْلِنَا: العَالِمِيَّةُ فِي الشَّاهِدِ مُعَلَّلَةٌ بِالعِلْمِ فكذَا فِي الغَائِبِ. العَاشِرُ: يَكْتَفِي فِي النّفْيِ الأَصْلِيِّ، أَي البَقَاءُ علَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ـ بَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ العَقْلِ، وَهَلْ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ الاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالقِيَاسِ، بأَنْ نَجِدَ صُورَةً لَا حُكْمَ للشَّرْعِ فِيهَا، ثُمَّ نَجِدُ أُخْرَى تُشْبِهُهَا فَنَقِيسُهَا/ (125/ب/د) علَى التي بَحَثْنَا عَنْهَا ولَمْ نَجِدْ للشَّرْعِ حُكْمًا فِيهَا، أَمْ لَا؟

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

ثَالِثُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ـ التَّفْصِيلُ، فَيجُوزُ بقِيَاسِ الدَّلَالَةِ ـ وهو الاسْتِدْلَالُ بَانْتِفَاءِ آثَارِه وخَوَاصِّهِ علَى عَدَمِه ـ دُونَ قِيَاسِ العِلَّةِ؛ لأَنَّ العَدَمَ الأَصْلِيَّ أَوْلَى، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ بَعْدَه فَلَا يُعَلَّلُ بِهَا، وعَزَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ للمُحَقِّقِينَ.

وخَرَجَ بَالأَصْلِيِّ العَدَمُ الطَّارِئُ، فإِنَّه يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ بنَوْعَيْه، أَي قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وَالعِلَّةُ/ (153/أَ/م) اتِّفَاقًا؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ، فهو كسَائِرِ الأَحْكَامِ الوُجُودِيَّةِ.

الحَادِي عَشَرَ: مَنَعَ بَعْضُهُمُ القِيَاسَ فِي اللُّغَاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ اللُّغَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ بَعْدَ حِكَايَةِ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ القِيَاسَ حُجَّةٌ إِلَاّ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:

أَحَدُهَا: الأُمُورُ العَادِيَّةُ وَالخِلْقِيَّةُ، فَلَا يَجْرِي القِيَاسُ فِيهَا، كَمَا حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَنِ الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، لكِنَّهُ فَصَلَ فِي (شَرْحِ اللُّمَعِ) بَيْنَ مَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ كأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِهِ، فَلَا يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ، لأَنَّ اشْتِبَاهَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَا قَطْعًا ولَا ظَنًَّا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ فَيجُوزُ إِثْبَاتُه بِالقِيَاسِ، كَالخِلَافِ فِي الشِّعْرِ هَلْ تُحِلُّه الرُّوحُ أَمْ لَا، وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ:

ص: 519

أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ القِيَاسِ فِي المَقَادِيرِ، كَأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِه.

قَالَ الشَّارِحُ: وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الكَلَامَيْنِ بِحَمْلِ الأَوَّلِ علَى الحَيْضِ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ، وَالثَّانِي فِي الأَشْخَاصِ المُعَيَّنَةِ.

ثَانِيهَا: لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الأَحْكَامِ بِالقِيَاسِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، بَلْ فِي بعْضُهَا مَا لَا يَجْرِي القِيَاسُ فِيهِ لاخْتِلَافِ أَحْكَامِه، وجَوَّزَه قَوْمٌ كَمَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ كُلِّهَا بِالنَّصِّ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ القِيَاسُ علَى أَصْلٍ منْسوخٍ، وقَوْلُ المُصَنِّفِ:(خِلَافًا للمُعَمِّمِينَ) يَرْجِعُ للمَسَائِلِ الثَّلَاثِ.

قَالَ الشَّارِحُ: ولَا يُعرَفٌ خِلَافٌ فِي امْتِنَاعِ القِيَاسِ علَى منْسوخٍ، إِلا أَنَّهُ سَبَقَ فِي النَّسْخِ عَنِ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ حُكْمُ الأَصْلِ يبقَى حُكْمُ الفَرْعِ، وهو يقتَضِي جَوَازَ القِيَاسِ علَى المَنْسوخِ، فإِنهم قَالُوا ببَقَاءِ حُكْمِ الفَرْعِ، ولو قَالَ: وإِلَاّ القِيَاسَ علَى مَخْصُوصٍ، لأَمْكَنَ الخِلَافُ، فإِن الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ ذَكَرَ فِي (اللُّمَعِ) من مُفْسِدَاتِ القِيَاسِ كونَ الشَّرْعِ وَرَدَ بتَخْصِيصِ الأَصْلِ كقِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ النِّكَاحِ بلَفْظِ الهِبَةِ قِيَاسًا علَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ بتَخْصِيصِه بذلك.

ص: ولَيْسَ النَّصُّ علَى العِلَّةِ ولوْ فِي التَّرْكِ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، خِلَافًا للبَصْرِيِّ، وثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ.

ش: اخْتُلِفَ فِي النَّصِِّ علَى عِلَّةِ الحُكْمِ هَلْ يكونُ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، فَيكفِي فِي تَعَدِّي الحُكْمِ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ وإِن لَمْ يَرِدِ التَّعَبُّدُ بِالقِيَاسِ، أَمْ لَا؟ علَى مَذَاهِب.

ص: 520

أَحَدُهَا ـ وبه/ (126/أَ/د) قَالَ الجُمْهُورُ ـ: لَا، سَوَاءَ أَكَانَ فِي الفِعْلِ كأُكْرِمُ زَيْدًا لِعِلْمِه، أَو فِي التَّرْكِ، كـ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ لإِسْكَارِهَا.

وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ البَصْرِيُّ، أَي أَبُو الحُسَينِ وَالشَّيْخُ/ (153/ب/م) أَبُو إِسْحَاقَ وأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وغَيْرُهُم ـ: نَعَمْ.

وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّرْكِ فِيُعَدَّى وَالفِعْلِ فلَا، وحَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ البَصْرِيِّ، ومُرَادُه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَلَا يُتَخَيَّلُ أَنَّ بَيْنَ نَقْلِهِ ونَقْلِ المُصَنِّفِ اخْتِلَافًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: وأَرْكَانُه أَرْبَعَةٌ: الأَصْلُ، وهو مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ وَقِيلَ: دَلِيلُه، وَقِيلَ حُكْمُه.

ش: أَرْكَانُ القِيَاسِ أَرْبَعَةٌ وهي: الأَصْلُ، وَالفَرْعُ، وحُكْمُ الأَصْلِ، وَالوَصْفُ الجَامِعُ.

ولَمْ يذْكُرُوا مِنْهَا حُكْمَ الفَرْعِ لأَنَّهُ ثَمَرَةُ القِيَاسِ، فلَوْ عُدَّ مِنْ أَرْكَانِه كَانَ دَوْرًا.

كذَا أَجَاب بِهِ الآمِدِيّ، وفِيه نَظَرٌ، لأَنَّ ثَمَرَةَ القِيَاسِ العِلْمُ بِحُكْمِ الفَرْعِ، لأَنَّهُ هو المُسْتَفَادُ مِنَ القِيَاسِ، لَا حُكْمُ الفَرْعِ بِعَيْنِه.

وأَجَابَ بعْضُهم عنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ هو حُكْمُ الأَصْلِ فِي الحَقِيقَة وإِنْ غَايَرَه بَاعْتِبَارِ مَحَلِّه.

وفِي المُرَاد بَالأَصْل مَذَاهِب:

أَحَدُهَا ـ وهو قَوْلُ الفُقهَاءِ وبَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ـ: أَنَّهُ مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ

ص: 521

كَالخَمْرِ فِيمَا إِذَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَيْهَا فِي التَّحْرِيمِ، للِعِلَّةِ الجَامِعةِ بَيْنَهُمَا، وهي الإِسْكَارُ، ونَقَلَه ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وقَالَ الآمِدِيُّ: إِنَّهُ الأَشبَهُ.

الثَّانِي ـ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ ـ: أَنَّهُ الدَّلِيلُ، وهو هُنَا الدَّلِيلُ الدَّالُّ علَى تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

الثَّالِثُ ـ وهو قَوْلُ الإِمَامِ ـ: أَنَّهُ الحُكْمُ، وهو التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ للخَمْرِ فِي هذَا المِثَالِ.

وَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ.

وقَدِ اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ كَلَامَه فِي أَوَّلِ الكتَابِ يُخَالفُ جَعْلَه هُنَا القَوْلَ بأَنَّه دَلِيلُه مَرْجُوحًا.

وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ اصْطِلَاحَ الأُصُولِيِّينَ فِي المُقَدِّمَاتِ إِطْلَاقُ الأَصْلِ علَى شَيْءٍ وفِي القِيَاسِ إِطْلَاقُه علَى آخَرَ.

ص: ولَا يُشْتَرَطُ دَالٌّ علَى جَوَازِ القِيَاسِ عَلَيْهِ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، ولَا الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِيهِ، خِلَافًا لِزَاعِمَيْهِمَا.

ش: فِيهِ مَسْأَلتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: الجُمْهُورُ علَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ القِيَاسِ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ علَى جَوَازِ القِيَاسِ علَى ذَلِكَ الأَصْلِ بِخُصُوصِهِ، إِمَّا بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، وَاشْتَرَطَه عُثْمَانُ البَتِّيُّ، فقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ علَى جَوَازِ القِيَاسِ

ص: 522

فِي أَحْكَامِ البَيْعِ إِذَا كَانتِ المَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ البَيْعِ، وكذَا النِّكَاحِ وَغَيْرُه.

الثَانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ، بَلْ يَكْفِي قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، خِلَافًا لبَعْضِهم.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ:/ (154/أَ/م) إِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ أَدَّى إِلَى إِبطَالِ القِيَاسِ لأَنَّ نُفَاةَ القِيَاسِ مِنْ جُمْلَتِهِم، وإِنْ أَرَادَ اجْتِمَاعَ بَعْضِ القَائِسِينَ فَهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُم بِدَلِيلٍ.

ص: الثَّانِي: حُكْمُ الأَصْلِ، ومِنْ شَرْطِه ثُبُوتُه بِغَيْرِ القِيَاسِ، قِيلَ: وَالإِجمَاعِ، وكَوْنُه غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ فِيهِ بِالقَطْعِ، وشَرْعِيًّا إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا (126/ب/م) وَغَيْرَ فَرْعٍ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للوَسَطِ فَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وأَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ ولَا يَكُونُ دَلِيلُ حُكْمِهِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ.

ش: الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ حُكْمُ الأَصْلِ، وَلَهُ شُرُوطٌ.

أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُه قِيَاسًا، فإِنَّه إِنِ اتَّحَدَتِ العِلَّةُ فَالقِيَاسُ علَى الأَصْلِ الأَوَّلِ، وإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَنْعَقِدِ القِيَاسُ، لِعَدَمِ التَّسَاوِي فِي العِلَّةِ، هذَا قَوْلُ الجُمْهُورِ، خِلَافًا لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيِّ وَبَعْضِ الحَنَابِلَةِ.

ثُمَّ قَدْ يَكُونُ نَصًّا وقَدْ يَكُونُ إِجْمَاعًا، ومَنَعَ بَعْضُهُم أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، إِلا أَنْ يُعْلَمَ النَّصُّ الذي أَجْمَعوا عَلَيْهِ كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وأَسْقَطَ المُصَنِّفُ هذَا الاسْتِثْنَاءُ، لأَنَّ القِيَاسَ حِينَئِذٍ علَى النَّصِّ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فلَمْ يتَعَيَّنْ كَوْنُ القِيَاسِ علَى النَّصِّ فإِنَّ الإِجْمَاعَ أَقوَى مِنْهُ، ولهذَا

ص: 523

لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُه، ولَوْ عَارَضَه نَصٌّ آخَرُ عُمِلَ بِالإِجمَاعِ، ولو كَانَ العَمَلُ بِذَلِكَ النَّصِّ لَتَسَاقَطَا عِنْدَ التَّكَافُؤِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِي: أَنْ لَا يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالقَطْعِ، بَلْ يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَنِّ، فَيَخْرُجُ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِالعِلْمِ، كإِثبَاتِ حُجِّيَّةِ خَبَرِ الوَاحِدِ بِالقِيَاسِ علَى قَبُولِ الشِّهَادَةِ، وَالفَتْوَى علَى القَوْلِ بأَنَّهُ مِنَ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ، كَذَا ذَكَرَه الإِمَامُ.

وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ المُرَادُ بِالحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ الظَّنِّيِّ المُخْتَلَفِ فِيهِ، فأَمَّا إِنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ الحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ كَيْفَ كَانَ فَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ حَذْفُ قَيْدِ العِلْمِ عَنْهُ.

وقَالَ الشَّارِحُ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هذَا الشَّرْطُ مَعَ تَرْجِيحِ المُصَنِّفِ/ (154/ب/م) جَرَيَانَ القِيَاسِ فِي العَقْلِيَّاتِ مَعَ أَنَّا مُتَعَبِّدُونَ فِيهَا بِالقَطْعِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ شَرْعِيًّا أَي لَا لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، كَذَا ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وعَلَّلُوه بأَنَّا إِذَا أَجْرَيْنَا القِيَاسَ فِيهمَا لَيْسَ شَرْعِيًّا بَلْ لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، وكَلَامُنَا فِي الشَّرْعِيِّ، فلِذَلِكَ زَادَ المُصَنِّفُ هذَا القَيْدَ وهو (إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) فإِنَّه لَا بُدَّ مِنْهُ وهو مَفْهُومٌ مِنْ تَعْلِيلِهِم.

الرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ غَيْرَ فَرْعٍ عَنْ أَصْلٍ آخَرَ، خِلَافًا لِلحَنَابِلَةِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الأُصُولِ هذَا الخِلَافَ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى تَضْعِيفِه بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: مُطْلَقًا.

وَاختَارَ المُصَنِّفُ تَقْيِيدَهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للْوَسَطِ فَائِدَةٌ كقِيَاسِ السَّفَرْجَلِ علَى التُّفَّاحِ، وَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ، فإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ فَائِدَةٌ جَازَ كَقَوْلِنَا: التُّفَّاحُ رَبَوِيٌّ، قِيَاسًا علَى الزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى التَّمْرِ، وَالتَّمْرُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى الأَرْزِ، وَالأَرْزُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى البُرِّ، إِذَا قَصَدَ بقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى الزَّبِيبِ

ص: 524

الوَصْفَ الجَامِعَ بَيْنَهُمَا وهو الطَّعْمُ، وبقِيَاسِ الزَّبِيبِ علَى التَّمْرِ الطَّعْمَ مَعَ الكَيْلَ، وبِالتَّمْرِ علَى الأَرْزِ/ (127/أَ/د) الطَّعْمَ وَالكَيْلَ مَعَ التَّقَوُّتِ، وبِالأَرْزِ علَى البُرِّ الطَّعْمَ وَالكَيْلَ وَالقُوتَ الغَالِبَ، ولوْ قِيسَ التُّفَّاحُ علَى البُرِّ ابْتِدَاءً لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ عَلِيَّةَ الطَّعْمِ فجَمَعَ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمِْر فِي الكَيْلِ، ثُمَّ أَخَذَ يُسْقِطُ الكَيْلَ وَالقُوتَ عَنِ الاعْتِبَارِ لِيَثْبُتَ لَهُ دَعْوَى أَنَّ العِلَّةَ الطَّعْمَ فَقَطْ.

تَنْبِيهٌ:

اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ ذِكْرَ هذَا الشَّرْطِ تَكَرَّرَ قَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْطِ الأَوَّلِ، فإِنَّ اشْتِرَاطَ ثُبُوتِه بِغَيْرِ القِيَاسِ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ كَوْنِه غَيْرَ فَرْعٍ، ولِهذَا اقْتَصَرَ البَيْضَاوِيُّ علَى ذَلِكَ الأَوَّلِ وَابْنُ الحَاجِبِ علَى الثَّانِي، ولَمْ يَجْمَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا، وأَجَابَ عَنْهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِالقِيَاسِ، ولَا يَكُونُ فَرْعًا لِلقِيَاسِ المُرَادُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ، وإِنْ كَانَ فَرْعًا لأَصْلٍ آخَرَ.

قُلْتُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَغَيْرَ فَرْعٍ) أَرَادَ بِهِ غَيْرَ فَرْعٍ لِذَلِكَ الأَصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُرِدِ انْتِفَاءَ الفَرْعِيَّةِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مَعَهُ ولَا بِهِ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ، أَي خَرَجَ عَنِ المَعْنَى لَا لِمَعْنَى، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ/ (155/أَ/م) أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً لَا لِمَعْنَى فإِنَّه لَمْ يَدْخُلْ حتَّى يُقَالَ خَرَجَ.

ثَانِيهُمَا: مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ مَعْقُولِ المَعْنَى كَالعَرَايَا اسْتُثْنِيَتْ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ لِحَاجَةِ الفُقَرَاءِ.

وَقَوْلُ الغَزَالِيِّ: إِنَّهُمَا مَعْدُولٌ بِهِمَا عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ ـ تَجَوُّزٌ.

السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الأَصْلِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ، وإِلَاّ فَلَيْسَ حَمْلُ أَحَدُهُمَا أَصْلاً وَالآخَرَ فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ.

ص: 525

ص: وكَوْنُ الحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، قِيلَ: بَيْنَ الأُمَّةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، وأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اخْتِلَافُ الأُمَّةِ، فإِنْ كَانَ الحُكْمُ مُتَّفَقًا بَيْنَهُمَا ولكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فهو مُرَكَّبُ الأَصْلِ فِيهِ أَو لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ فَمُرَكَّبُ الوَصفِ، ولَا يُقْبلَانِ، خِلَافًا للخِلَافِيِّينَ، ولوْ سَلَّمَ العِلِّيَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا أَو سَلَّمَه المُنَاظِرُ، انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، فإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا علَى الأَصْلِ ولكِنْ رَامَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ فَالأَصَحُّ قَبُولُه.

ش: الشَّرْطُ السَّابِعُ: كَوْنُ حُكْمِ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِئَلَاّ يُمْنَعَ فَيَكُونُ الاشْتِغَالُ بإِثبَاتِهِ انْتِقَالاً مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى.

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي المُرَادِ بِالاتِّفَاقِ: فَالأَصَحُّ أَنَّ المُرَادَ اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ، وَقِيلَ: يُشتَرَطُ اتِّفَاقُ الأُمَّةِ، وَمِنْهُم مَنْ عَكَسَ هذَا الشَّرْطَ، فَاشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ حُكْمِ الأَصْلِ اخْتِلَافُ الأُمَّةِ فِيهِ، وهو رَأْيُ الآمِدِيِّ، وسَمَّى بعْضُهُم المُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فَقَطْ بِالقِيَاسِ المُرَكَّبِ، ويَنْدَرِجُ تَحتَه نَوعَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهمَا:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كقِيَاسِ حُلِيِّ البَالِغَةِ علَى حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فإِنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ، لكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَينِ، فعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ/ (127/ب/د) لِكَوْنِه حُلِيًّا مُبَاحًا، وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِكَوْنِهِ مَالَ صَبِيَّةٍ،

ص: 526

ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبَ الأَصْلِ، لاخْتِلَافِهمَا فِي تركيبِ الحُكْمِ علَى العِلَّةِ فِي الأَصْلِ.

ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ الخَصْم مَعَ مُوَافَقَتِه علَى العِلَّةِ يَمْنَعُ وُجُودُهَا فِي الأَصْلِ كَقَوْلِنَا/ (155/ب/م) فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ: تَعْلِيقٌ للطَّلَاقِ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لوْ قَالَ: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَيَقُولُ الحَنَفِيُّ: العِلَّةُ وهي التَّعْلِيقُ مَفْقُودَةٌ فِي الأَصْلِ، فإِنَّ قَوْلَه: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، لَيْسَ تَعْلِيقًا وإِنَّمَا هو تَنْجِيزٌ، ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبُ الوَصْف لاخْتِلَافِهِمَا فِي نَفْسِ الوَصْفِ الجَامِعِ.

وَالمَشْهُورُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَقْبُولَيْنَ، أَمَّا الأَوَّلُ فلأَنَّ الخَصْمَ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ العِلَّةِ فِي الفَرْعِ أَوِ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، فَلَا يَتِمُّ القِيَاسُ.

وأَمَّا الثَّانِي: فلأَنَّه إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ الأَصْلَ أَو حُكْمَه، ومُخَالَفَتُه الخِلَافِيِّينَ فِيهِمَا حَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.

فلو سَلَّمَ الخَصْمُ العِلَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ فِي النَّوْعِ الثَّانِي أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ أَو سَلَّمَأَنَّ العِلَّةَ التي عَيَّنَهَا المُسْتَدِلُّ فِي الأُولَى هي العِلَّةُ وأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الفَرْعِ انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، وصَحَّ القِيَاسُ لاعْتِرَافِ الخَصْمِ بمُقْتَضَاه.

قُلْتُ: ولوْ حَذَفَ المُصَنِّفُ لَفْظَةَ المَنَاطِ لكَانَ أَولَى، لإِيهَامِه أَنَّ المُسَلَّمَ ثَانِيًا غَيْرَ المُسَلَّمَ أَوَّلاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا، فلو لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ فأَرَادَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه بنَصٍّ ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ بطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فمَنَعَه بعْضُهُم، وَالأَصَحُّ قَبُولُه، وإِلَاّ لَمْ يُقْبَلْ فِي المنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ المَنْعَ.

قُلْتُ: وعُلِمَ مِنْ هذَا أَنَّ اشْتِرَاطَه أَوَّلاً اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ مُسْتَدْرَكٌ، فإِنَّه ذَكَرَ آخِرًا أَنَّهُ يُقْبَلُ وإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الخَصْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: وَالصَّحِيحُ لَا يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الأَصْلِ أَوِ النَّصِّ علَى العِلَّةِ.

ش: لَا يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ، ولَا أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌّ

ص: 527

علَى عَيْنِ تِلْكَ العِلَّةِ، هذَا هو الصَّحِيحُ، وخَالفَ فِيهِ بِشْرَ المَرِيسِيَّ، فَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا، هذَا مُقْتَضَى كَلَامِ المُصَنِّفِ، لكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ) عَنْ بِشْرٍ اشْتِرَاطُ الأَمْرَينِ معًا، وحكَى البَيْضَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ إِمَّا قيَامَ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَو كَوْنَ عِلَّتِه مَنْصُوصَةً، وهو مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الإِمَامِ/ (156/أَ/م) مِنْ وَجْهَينِ وكَلَامُ المُصَنِّفِ يُخَالِفُهُمَا.

ص: الثَّالِثُ: الفَرْعُ، وهو المَحَلُّ المُشَبَّهُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ، ومِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ تَمَامِ العِلَّةِ فِيهِ، فإِنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً فَقَطْعِيٌّ، أَو ظَنِّيَّةٌ فقِيَاسُ الأَدْوَنِ، كَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ.

ش: حكَى المُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ/ (128/أَ/د) فِي الفَرْعِ: هَلْ هو المَحَلُّ المُشَبَّهُ كَالنَّبِيذِ فِي المِثَالِ السَّابِقِ فِي الأَصْلِ؟ وَبِهِ قَالَ الفُقَهَاءُ، أَو حُكْمِهِ؟ وَبِهِ قَالَ المُتَكَلِّمُونَ، ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ هُنَا: إِنَّهُ دَلِيلُه، وَلَهُ شُرُوطٌ:

أَحَدُهَا: أَنْ تُوجَدَ فِيهِ العِلَّةُ بتَمَامِهَا، وهذَا أَحسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ فِي العِلَّةِ عِلَّةَ الأَصْلِ، لأَنَّ لَفْظَ المُسَاوَاةِ قَدْ يُفْهَمُ مَنْعُ الزِّيَادَةِ فَيَخْرُجُ قِيَاسُ الأَوْلَى، بِخِلَافِ عِبَارَةِ المُصَنِّفِ فإِنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُنَافِيهِ، وهو شَامِلٌ لقِيَاسِ الأَوْلَى، وَالمسَاوِي وَالأَدْوَنِ.

فإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهَا فقَدْ يَكُونُ الفَرْعُ أَوْلَى، كقِيَاسِ

ص: 528

الضَّرْبِ علَى التَّأَفِيفِ بجَامِعِ الأَذَى، وَقَدْ يَكُونُ مُسَاوِيًا كقِيَاسِ النَّبِيذِ علَى الخَمْرِ بجَامِعِ الإِسْكَارِ.

وإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَظْنُونَةً فهو قِيَاسُ الأَدْوَنِ، وذلك كقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى البُرِّ بجَامِعِ الطَّعْمِ، فَالمَعْنَى المُعْتَبَرُ وهو الطَّعْمُ مَوْجُودٌ فِي الفَرْعِ بتَمَامِهِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ قِيَاسًا، أَدْوَنَ لأَنَّهُ لَيْسَ مُلْحَقًا بَالأَصْلِ إِلَاّ علَى تَقْدِيرِ أَنَّ العِلَّةَ فِيهِ الطَّعْمَ.

فإِنْ كَانتْ فِيهِ مُرَكَّبَةً مِنَ الطَّعْمِ مَعَ التَّقْدِيرِ بِالكَيْلِ، أَو كَانتِ العِلَّةُ القُوتُ أَو غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ التُّفَّاحُ.

وظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ بِالأَدْوَنِ أَن لَا يُوجَدَ فِيهِ المَعْنَى بتَمَامِه، بَلْ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ ظَنِّيَّةً، وحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ علَى البَيْضَاوِيِّ فِي تَقْسِيمِه الفَرْعَ إِلَى أَوْلَى ومُسَاوٍ وأَدْوَنَ، ولَا مُنَافَاةَ بَيْنَه وَبَيْنَ قَوْلِ (المَحْصُولِ): يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ تَفَاوُتٌ لَا فِي المَاهِيَّةِ ولَا فِي الزِّيَادَةِ ولَا فِي النُّقْصَانِ، لأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ المَعْنَى بتَمَامِه فَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إِنْ وُجِدَا فِي الفَرْعِ فخَارِجَانِ عَنِ المُعْتَبَرِ فِي العِلَّةِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الاصْطِلَاحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: وَتُقْبَلُ المُعَارَضَةُ فِيهِ بِمُقْتَضٍ نَقِيضٍ أَو ضِدٍّ لَا خِلَافَ الحُكْمِ علَى المُخْتَارِ، وَالمُخْتَارُ قَبُولُ التَّرْجِيحِ، وأَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَيْهِ فِي الدَّلِيلِ.

ش: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لَا يُعَارِضَ بِمَا يقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِه أَو ضِدَّ حُكْمِه لَا خِلَافَ حُكْمِه، فإِنَّ مُعَارَضَتَه نَقِيضَه أَو ضِدَّه تُبْطِلُه،/ (156/ب/م) وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِه هذَا فِي فَصْلِ المُعَارَضَةِ، وَاقْتَصَرَ علَى النَّقِيضِ، وذَكَرَه فِي (المُنْتَهَى) فِي شُرُوطِ الفَرْعِ، كَمَا فَعَلَ المُصَنِّفُ، وتَبِعَهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ وقَالا: إِنَّمَا يَتِمُّ

ص: 529

اشْتِرَاطُهُ علَى القَوْلِ بجَوَازِ تَخْصِيصِ العِلَّةِ، فإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهَا لَمْ يُشْتَرَطْ.

ثم قَالَ الهِنْدِيُّ: وهذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ شَرْطًا للفَرْعِ الذي يُقَاسُ، بَلْ لِلفَرْعِ الذي يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ بمُقْتَضَى القِيَاسِ.

مثَالُ النَّقِيضِ: قَوْلُ القَائِلِ: بَيْعُ الجَارِيَةِ إِلَاّ حَمْلَهَا، صَحِيحٌ فِي وَجْهٍ، كَبَيْعِ هذه الصَّبْرَةِ إِلا صَاعًا مِنْهَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا لو بَاعَ جَارِيَةً إِلَاّ يَدَهَا.

ومِثَالُ الضِّدِّ: قَوْلُ الحَنَفِيِّ: الوِتْرُ وَاجِبٌ قِيَاسًا علَى التَّشَهُّدِ بجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ/ (128/ب/د) صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا علَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُروضِ الصَّلَاةِ، فإِنَّ الوِتْرَ فِي وَقْتِ العِشَاءِ، وَالفَجْرُ فِي وقْتِ الصُّبْحِ، ولمْ نَعْهَدْ مِنَ الشَّرْعِ وضْعَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

ومثَالُ الخِلَافِ قَوْلُ القَائِلِ: اليَمِينُ الغَمُوسُ لَا تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كشِهَادَةِ الزُّورِ بجَامِعِ إِثْمِ القَائِلِ، فَيُقَالُ: الغَمُوسُ تَوجِبُ التَّعْزِيرَ قِيَاسًا علَى الزُّورِ، بجَامِعِ إِظْهَارِ البَاطلِ علَى وَجْهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، يَغْلِبُ ظَنَّ كَوْنِه حَقًّا، ففِي الغَمُوسِ بِاليَمِينِ، وفِي الزُّورِ بِالشِّهَادَةِ، فهذَا لَا يَقْدَحُ فإِنَّه لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ التَّعْزِيرِ ونَفْيِ الكَفَّارَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُه: (نَقِيضٌ) و (ضِدٌّ) و (خِلَافٌ) مَنْصُوبَاتٌ بِالوَصْفِ قَبْلَهَا، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ للإِضَافَةِ المَلْفُوظَةِ فِي خِلَافٍ، وَالمَقْدِرَةُ فِي قَوْلِه:(نَقِيضٌ وَضِدٌّ) وحَذْفُ المُضَافِ إِلَيْهِ فِيهِمَا لدَلَالَةِ ذِكْرِه فِي خِلَافٍ، وهو نَظِيرُ قَوْلِه:

..........

بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ.

ص: 530

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وطَرِيقُ دَفْعِ المُعَارَضَةِ القَدْحَ فِيمَا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُه بِالتَّرْجِيحِ؟

فِيه مَذْهَبَانِ، المُخْتَارُ مِنْهُمَا: نَعَمْ، لأَنَّهُ إِذَا تَرَجَّحَ وَجَبَ العَمَلُ بِهِ للإِجمَاعِ علَى وُجُوبِ العَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وعلَى المُخْتَارِ فَهَلْ يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيحِ فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ؟

فِيه مَذْهَبَانِ:

المُخْتَارُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لأَنَّ التَّرْجِيحَ / (157/أَ/م) علَى مُعَارَضَةٍ خَارِجٌ عَنِ الدَّلِيلِ.

وَالثَّانِي: يَجِبُ، لأَنَّهُ شَرْطٌ فِي العَمَلِ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ الحُكْمُ دُونَه فهو كَجُزْءِ عِلَّةٍ.

ص: ولَا يَقُومُ القَاطِعُ علَى خِلَافِه وِفَاقًا ولَا خَبَرُ الوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.

ش: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَقُومَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ علَى خِلَافِه، لأَنَّ القِيَاسَ ظَنِّيٌّ، فَلَا يُعَارِضُ القَطْعِيَّ، وهذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فإِنْ عَارَضَه خَبَرُ الوَاحِدِ فهي مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ القِيَاسِ وخَبَرِ الوَاحِدِ، وَالمَشْهُورُ تقْدِيمُ خَبَرِ الوَاحِدِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الأَخْبَارِ.

ص: ولِيُسَاوِ الأَصْلَ وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَو جِنْسٍ، فإِنْ خَالَفَ فَسَدَ القِيَاسُ، وجَوَابُ المُعْتَرِضِ بِالمُخَالَفَةِ بِبَيَانِ

ص: 531

الاتِّحَادِ.

ش: الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ الأَصْلَ، وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ، فِيمَا يُقْصَدُ المُسَاوَاةُ فِيهِ، مِنْ عَيْنِ الحُكْمِ أَوْ جِنْسِه، فَالأَوَّلُ كقِيَاسِ القَصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالمُثْقَلِ عَلَيْهِ فِي القَتْلِ بِالمُحَدَّدِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ هو الحُكْمُ بِعَيْنِه فِي الأَصْلِ وهو القَتْلُ.

وَالثَّانِي: كقِيَاسِ الأَطرَافِ علَى النَّفْسِ فِي وُجُوُِ القَصَاصِ بجَامِعِ الجِنَايَةِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ لَيْسَ هو عَيْنُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، وهو القَتْلُ بَلْ جِنْسُه، فإِنْ خَالفَ حُكْمُ الفَرْعِ حُكْمَ الأَصْلِ فَسَدَ القِيَاسُ، مِثْلَ قَوْلِنَا:/ (129/أَ/د) الظِّهَارُ يقْتَضِي الحُرْمَةَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ كَالمُسْلِمِ، فَيَعْتَرِضُ الحَنَفِيُّ بِاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا، لأَنَّ الحُرْمَةَ فِي حَقِّ المُسْلِمِ تَنْتَهِي بِالكَفَّارَةِ، وفِي الذِّمِّيِّ مُؤَبَّدَةٌ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ.

وجَوَابُه أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ الاتِّحَادَ فَيَمْنَعُ كَوْنَ الذَّمِّيِّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ،

ص: ولَا يَكُونُ مَنْصُوصًا بِمُوَافِقٍ، خِلَافًا لِمُجَوِّزِ دَلِيلَيْنِ، ولَا بِمُخَالِفٍ إِلَاّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ.

ش: الشَّرْطُ الخَامِسُ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الفَرْعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَذَا أَطْلَقَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ، ونَقَلَ الإِمَامُ عَنِ الأَكْثَرِينَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ تَبَعًا للصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً تَقْرِيرَهُ أَنَّ النَّصَّ قَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا للقيَاسِ، وقدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ، فإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فهو مَوْضِعُ الخِلَافِ

ص: 532

الذي قَدَّمْنَاه، فمَنْ أَطْلَقَ المَنْعَ تَمَسَّكَ بقَضِيَّةِ مُعَاذٍ فإِنَّهَا تُفْهِمُ امْتِنَاعَ القِيَاسِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ/ (157/ب/م)، ومَنْ قَالَ بِالجَوَازِ فَلِجَوَازِ تَرَادُفِ الأَدِلَّةِ علَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، ومَحَلُّ الخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّصُّ الدَّالُّ علَى ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ هو بِعَيْنِه الذي دَلَّ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، فإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: ينْبَغِي أَنْ يَكُونَ القِيَاسُ بَاطِلاً إِذ لَيْسَ جَعْلَ تِلْكَ الصُّورَةِ أَصْلاً وَالأُخْرَى فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ، وإِنْ كَانَ مَدْلُولُ النَّصِّ مُخَالِفًا لِمَدْلُولِ القِيَاسِ بَطَلَ القِيَاسُ، لِئَلَاّ يَلْزَمَ تَقْدِيمُه علَى النَّصِّ. وَقَوْلُه:(إِلَاّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَي لَا فَائِدَةَ لِلقِيَاسِ فِي هذه الحَالَةِ إِلَاّ تَجْرِبَةَ النَّظَرِ أَي التَّمْرِينَ ورِيَاضَةَ الذِّهْنِ فِي المَسَائِلِ ولَا سَبِيلَ إِلَى قَبُولِه وَالعَمَلِ بِهِ.

ص: ولَا مُتَقَدِّمًا علَى حُكْمِ الأَصْلِ وجَوَّزَه الإِمَامُ عِنْدَ دَلِيلٍ آخَرَ.

ش: الشَّرْطُ السَّادِسُ أَن لَا يَتَقَدَّمَ حُكْمُ الفَرْعِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، كقِيَاسِ الوُضُوءِ علَى التَّيَمُّمِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِيهِ لأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتَيَمُّمِ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ الوُضُوءِ فلو قِيسَ عَلَيْهِ لَثَبَتَ حُكْمُ الفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ العِلَّةِ لِتَأَخُّرِ الأَصْلِ.

وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ ـ تَبَعًا لأَبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ ـ: يَجُوزُُ إِن كَانَ لِحُكْمِ الفَرْعِ دَلِيلٌ آخَرُ مُتَقَدِّمٌ، لِجَوَازِ أَن يَدُلَّنَا اللَّهُ تعَالَى علَى الحُكْمِ بأَدِلَّةٍ مُتَرَادِفَةٍ كَمَا يَتَرَادَفُ مُعْجِزَاتُ النُّبُوَّةِ بَعْدَ المُعْجِزَةِ المُقَارِنَةِ لابْتِدَاءِ الدَّعْوَةِ.

قَالَ الشَّارِحُ: ولمْ يَحْفَظِ المُصَنِّفُ فِي هذه المَسْأَلَةِ خِلَافًا سِوَى تَفْصِيلِ

ص: 533

الإِمَامِ، وقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي (العِدَّةِ) امْتِنَاعُ هذَا الشَّرْطُ، وجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ علَى الحُكْمِ أَمَارَاتٌ مُتَقَدِّمَةٌ ومُتَأَخِّرَةٌ كَالمُعْجِزَاتِ بجَوَازِ الاسْتِدْلَالِ علَى النُّبُوَّةِ بمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ فكذَا فِي الأَحْكَامِ المَظْنُونَةِ.

قُلْتُ: كَلَامُ ابْنِ الصّبَّاغِ هو كَتَفْصِيلِ الإِمَامِ.

قَالَ الشَّارِحُ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الكَلَامُ فِي تَفْرِيعِه عَنِ الأَصْلِ/ (129/ب/د) المُتَأَخِّرِ وذلك لَا يُمْكِنُ سَوَاءً أَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُه أَمْ لَا.

قُلْتُ: لَا امْتِنَاعَ فِي تَفَرُّعِه عَنْ مُتَأَخِّرٍ إِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فَرْعًا لأَصْلَيْنِ وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَبْلَه، وَالآخَرُ بَعْدَه، وقَوْلُه:(إِنَّه لَا يُمْكِنُ) فِيهِ نَظَرٌ، فإِنَّه مَوْضِعُ النِّزَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: ولَا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ حُكْمِه بِالنَّصِّ جُمْلَةً خِلَافًا لِقَوْمٍ ولَا انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ يُوَافِقُه خِلَافًا للْغَزَالِيِّ/ (158/أَ/م) وَالآمِدِيِّ.

ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ شَرْطَيْنِ مُخْتَلَفًا فِيهمَا:

أَحَدُهُمَا: ذَهَبَ قَوْم ـ مِنْهُم أَبُو هَاشِمٍ ـ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ وُرُودُ نَصٍّ عَلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، وَالقِيَاسُ يَدُلُّ علَى تَفْصِيلِه.

قَالُوا: ولولَا وُرُودُ الشَّرْعِ بمِيرَاثِ الجَدِّ فِي الجُمْلَةِ لَمَا اسْتَعْمَلَ الصَّحَابَةُ القِيَاسَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِه مَعَ الإِخْوَةِ.

وأَنْكَرَ الجُمْهُورُ اشْتِرَاطَهُ، وقَالُوا: قَاسَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) علَى الطَّلَاقِ تَارَةً، وعلَى الظِّهَارِ أُخْرَى، وعلَى اليَمِينِ أُخْرَى،

ص: 534

وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، لَا جُمْلَةً ولَا تَفْصِيلاً.

ثَانِيهُمَا: ذَهَبَ الغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٌ يُوَافِقُه، ولمْ يَشْتَرِطِ الجُمْهُورُ ذَلِكَ، وقَالُوا: فَائِدَةُ القِيَاسِ مَعَ النَّصِّ زِيَادَةُ مَعْرِفَةِ العِلَّةِ أَو الحُكْمِ، وفَائِدَةُ النَّصِّ ثُبُوت الحُكْمِ.

فإِن قُلْتَ: مَا الجَمْعُ بَيْنَ هذَا وَبَيْنَ قَوْلِه فِيمَا سَبَقَ وأَنْ لَا يَكُونَ مَنْصُوصًا.

قُلْتُ: ذَلِكَ فِي الفَرْعِ نَفْسِه، وهذَا فِي النَّصِِّ علَى مُشَبَّهِه، كَذَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فَكَيْفَ نَتَخَيَّلُ أَنَّ النَّصَّ علَى مُشَبَّهِه يَمْنَعُ جَرَيَانَ القِيَاسِ فِيهِ، وَهَلْ النَّصُّ علَى مُشَبَّهِه إِلَاّ النَّصُّ علَى أَصْلِه الذي هو مُشَبَّهُه وذلك مُقْتَضٍ لِلقِيَاسِ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: الرَّابعُ: العِلَّةُ، قَالَ أَهْلُ الحَقِّ: المُعَرَّفُ، وحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِهَا لَا بِالنَّصِّ خِلَافًا للحَنَفِيَّةِ، وَقِيلَ: المُؤَثِّرُ بِذَاتِه، وقَالَ الغَزَالِيُّ: بإِذْنِ اللَّهِ، وقَالَ الآمِدِيُّ: البَاعِثُ.

ش: الرُّكْنُ الرَّابِعُ من أَركَانِ القِيَاسِ العِلَّةُ.

وفِي تَعْرِيفِهَا أَقوَالٌ:

أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا المَعْرِفَةُ للحُكْمِ أَي تَدُلُّ علَى وُجُودِهِ، ولَا تُؤَثِّرُ فِيهِ، لأَنَّ المُؤَثِّرَ هو اللَّهُ تَعَالَى.

ثم حَكَى المُصَنِّفُ خِلَافًا فِي أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ أَو بِالنَّصِّ، وبِالأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وبِالثَّانِي قَالَ الحَنَفِيَّةُ.

ووَجْهُ ذِكْرِه هذه المَسْأَلَةَ بَعْدَ هذَا التَّعْرِيفِ التَّنْبِيهُ علَى خَطَأِ ابْنِ الحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَصحَابَنَا بَنَوْا قَوْلَهُم أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ علَى

ص: 535

تَفْسِيرِهَا بِالبَاعِثِ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى أَنَّهُم قَالُوا هذَا مَعَ تَفْسِيرِهِمُ العِلَّةَ بِالعُرْفِ، ووَجْهُ تَوَهُّمِ ابْنِ الحَاجِبِ/ (158/ب/م) ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ العِلَّةَ فَرْعًا للأَصْلِ أَصْلاً للفَرْعِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ/ (130/أَ/د) فإِنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ النَّصِّ فلو كَانتْ مَعْرِفَةً لَهُ ـ وهي إِنَّمَا عُرِّفَتْ بِهِ ـ لُزُومُ الدَّوْرِ.

وَالحَقُّ تَفْسِيرُهَا بِالمُعَرَّفِ يَعْنِي أَنَّهَا نُصِبَتْ أَمَارَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا المُجْتَهِدُ علَى وُجُودِ الحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ، وَيَجُوزُ تَخَلُّفُه فِي حَقِّ العَارِفِ كَالغَيْمِ الرَّطْبِ أَمَارَةُ المَطَرِ.

وقَدْ يَتَخَلَّفُ، وتَخَلُّفُ التَّعْرِيفِ بِالنِّسَبَةِ للعَارِفِ لَا يُخْرِجُهَا عَن كَوْنِهَا أَمَارَةً، فَاتَّضَحَ أَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ ولَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.

القَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا المُؤَثِّرُ بِذَاتِهِ لَا بِجَعْلِ اللَّهِ تعَالَى، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، بِنَاءً علَى قَاعِدَتِهِم فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهَا المُؤَثِّرَةُ لَا بِذَاتِهَِا ولَا بِصِفَةٍ فِيهَا، ولكِنْ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لَهَا مُؤَثِّرَةً، قَالَهُ الغَزَالِيُّ، وزَيَّفَه الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بأَنَّ الحُكْمَ قَدِيمٌ، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ، وَالحَادِثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي القَدِيمِ.

الرَابِعُ: أَنَّهَا البَاعِثُ علَى التَّشْرِيعِ بمَعْنَى اشْتِمَالِ الوَصْفِ علَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ المَقْصُودَ للشَارِعِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ، وهو اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وهو مَبْنِيٌّ علَى جَوَازِ تَعْلِيلِ أَفعَالِ البَارِي تعَالَى بِالغَرَضِ.

وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الفُقَهَاءِ.

ص: 536

وَالمَنْصُورُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ خِلَافُه، فإِنَّه تعَالَى لَا يَبْعَثُه شَيْءٌ علَى شَيْءٍ.

وقَالَ المُقْتَرِحُ: إِنْ أُرِيدَ بأَنَّهَا البَاعِثُ للشَارِعِ علَى الحُكْمِ إِثبَاتُ غَرَضٍ حَادِثٍ لَهُ فهو مُحَالٌ، وإِن أُرِيدَ أَنْ يَعْقُبَهَا حُصُولُ الصَّلَاحِ فِي العَادَةِ فسُمِّيَتْ بَاعِثَةً تَجَوُّزًا، فهذَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُه علَى البَارِي تعَالَى، لمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ المُحَالِ، إِلَاّ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِذنٌ مِنَ الشَّارِعِ فِي إِطْلَاقِه لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.

وجَمَعَ السُّبْكِيُّ بَيْنَ كَلَامِ المُتَكَلِّمِينَ وَالفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ بأَنَّ مُرَادَ الفُقَهَاءِ أَنَّ العِلَّةَ بَاعِثٌ للمُكَلَّفِ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، لَا أَنَّهَا بَاعِثٌ للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ كَمَا تَوَهَّمَه بَعْضُهُم، فَالمُعَلَّلُ فِعْلُ المُكَلَّفِ لَا حُكْمُ اللَّهِ تعَالَى.

قُلْتُ: وسَيَأْتِي بعد ذَلِكَ مَا يَشْهَدُ لَه.

ص: وقدْ تَكُونُ دَافِعَةً أَو رَافِعَةً أَو فَاعِلَةَ الأَمْرَيْنِ.

ش: الوَصْفُ المَجْعُولُ عِلَّةً ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا للْحُكْمِ/ (159/أَ/م) فَقَطْ، كَالعِدَّةِ تَدْفَعُ حِلَّ النِّكَاحِ فِي الابْتِدَاءِ ولَا يَرْفَعُه فِي الأَثْنَاءِ، كَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ، وهي بَاقِيَةٌ علَى الزَّوْجِيَّةِ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَافِعًا للحُكْمِ فَقَطْ، كَالطَّلَاقِ يَرْفَعُ الحِلَّ ولَا يَدْفَعُه فإِنَّه لَا يَمْنَعُ عَقْدَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا رَافِعًا كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ودَوَامَه.

ص: وَوَصْفًا حَقِيقِيًّا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا أَو عُرْفِيًّا مُطَّرَدًا، وكذَا فِي

ص: 537

الأَصَحِّ لُغَوِيًّا أَو حُكْمًا شَرْعِيًّا، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ المَعْلُولُ حَقِيقِيًّا.

ش: قَسَّمَ المُصَنِّفُ العِلَّةَ إِلَى أَقسَامٍ:

الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ وصْفًا حَقِيقِيًّا، وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِه، ولَا يَتَوَقَّفُ علَى وَضْعٍ، كَقَوْلِنَا: مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رَبَوِيًّا/ (130/ب/د)، فَالطَّعْمُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وهو أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، أَي لَا يَتَوَقَّفُ مَعْقُولِيَّتُه علَى مَعْقُولِيَّةِ غَيْرِه، ويُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَاهرًا لَا خفِيًا.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا أَي يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِه، ولَا خِلَافَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عُرْفِيًّا، ويُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُطَّرَدًا لَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَوْقَاتِ، فإِنَّه لو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ العُرْفُ حَاصِلاً فِي زَمَنِه عليه الصلاة والسلام، فَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ.

ومَثَّلَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الغَائِبِ إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ علَى جَهَالَةٍ مُجْتَنَبَةٍ فِي العُرْفِ، ثُمَّ أَعَادَهُ ومَثَّلَ له بِالشَّرَفِ وَالخِسَّةِ وَالكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ، فتَعَلَّلَ بِهَا فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا، فإِنَّ الشَّرَفَ يُنَاسِبُ التَّعْظِيمَ، وَالخِسَّةَ تُنَاسِبُ ضِدَّه.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لُغَوِيًّا، وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ خِلَافٌ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ، كَقَوْلِنَا فِي النَّبِيذِ: إِنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا، فَيَحْرُمُ كَالمُعْتَصِرِ مِنَ العِنَبِ.

وَالرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ مَذَاهِبُ.

أَحَدُهَا ـ: وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: جَوَازُهُ، لأَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ، فَلَا بِدْعَ فِي جَعْلِ حُكْمٍ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ.

ص: 538

وَالثَّانِي: مَنْعُه، لأَنَّهُ مَعْلُولٌ، فَلَا يَكُونُ عِلَّةً.

وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَعْلُولُ حَقِيقِيًا، فَيَمْتَنِعُ، أَوْ شَرْعِيًّا فَيَجُوزُ، وتَعْبِيرُ المُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ خِلَافَه.

وَاخْتَارَ ابْنُ الحَاجِبِ الجَوَازَ، إِن كَانَ التَّعْلِيلُ بَاعِثًا/ (159/ب/م) علَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ كَتَعْلِيلِ رَهْنِ المَسَاغِ بجَوَازِ بَيْعِه، وَالمَنْعَ إِنْ كَانَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ كَتَعْلِيلِ بُطْلَانِ البَيْعِ بِالنَّجَاسَةِ.

ومِثَالُ تَعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ بِالشَّرْعِيِّ تَعْلِيلُه إِثْبَاتَ الحَيَاةِ فِي السِّعْرِ + كذا بالأصل؟ + بأَنَّهُ تَحْرِيمٌ بِالطَّلَاقِ، ويَحِلُّ بِالنِّكَاحِ، فتَكُونُ حَيًّا كَاليَدِ.

وَوَجْهُ الانْحِصَارِ فِي هذه الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الوَصْفَ إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ علَى وَضْعٍ فهو الحَقِيقِيُّ، وإِنْ تَوَقَّفَ علَى وَضْعٍ فإِنْ كَانَ الوَاضِعُ الشَّرْعُ فهو الشَّرْعِيُّ، أَو غَيْرُه، فإِنْ كَانَ العَرَبُ فهو اللُّغَوِيُّ، أَو مَنْ بَعْدَهُم فَالعُرْفِيُّ.

ص: أَوْ مُرَكَّبًا وثَالِثُهَا لَا يَزِيدُ علَى خَمْسٍ.

ش: تَنْقَسِمُ العِلَّةُ إِلَى بَسِيطَةٍ وهي مَا لَا جُزْءَ لهَا كَالإِسْكَارِ، ومُرَكَّبَةٌ وهي التي لَهَا جُزْءٌ كَالقَتْلِ العَمْدِ العُدْوَانِ، وفِي التَّعْلِيلِ بِالمُرَكَّبَةِ ثَلَاثَةُ أَقوَالٍ:

أَصَحُّهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: جَوَازُهُ.

وَالثَّانِي: مَنْعُه.

وَالثَّالِثُ: جَوَازُهُ إِلَى خَمْسَةِ أَوْصَافٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وعَزَاه صَاحِبُ (الخِصَالِ) إِلَى الجُرْجَانِيِّ مِنْ الحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وغَلَطَ قَائِلُه، وذَكَرَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ الشَّيْخَ حَكَاهُ فِي سَبْعَةٍ.

ص: 539

ص: ومِنْ شُرُوطِ الإِلْحَاقِ بِهَا اشْتِمَالُهَا علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ علَى الامْتِثَالِ، وتَصْلُحُ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ الحُكْمِ، ومِنْ ثَمَّ كَانَ مَانِعُهَا وَصْفًا وُجُودِيًّا يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا.

ش: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الإِلْحَاقِ بِالعِلَّةِ أَن تَشْتَمِلَ علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ المُكَلَّفَ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، وتَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ/ (131/أَ/د) الحُكْمِ بِهَا.

ومَثَّلَ ذَلِكَ بِحِفْظِ النُّفُوسِ، فإِنَّه عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ علَى القَصَاصِ، الذي هو فِعْلُ المُكَلَّفِ المَحْكُومِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فحُكْمُ الشَّرْعِ لَا عِلَّةَ ولَا بَاعِثَ عَلَيْهِ لِقُدْرَتِه علَى حِفْظِ النُّفُوسِ بِدُونِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ المُكَلَّفِ، فإِذَا انْقَادَ المُكَلَّفُ امْتِثَالاً لأَمْرِ اللَّهِ ووَسِيلَةً إِلَى حِفْظِ النُّفُوسِ فَلَه أَجْرَانِ: أَحَدُهُمَا علَى القَصَاصِ، وَالآخَرُ علَى حِفْظِ النُّفُوسِ.

وقَدْ أَمَرَ بِالأَولِ فِي قَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} وأَوْمأَ إِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} وهذَا يَدُلُّ علَى أَنَّ المُرَادَ بِكَوْنِ العِلَّةِ بَاعِثًا أَنَّهَا بَاعِثَةٌ للمُكَلَّفِ علَى الامْتِثَالِ لَا للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ، وهو/ (160/أَ/م) شَاهِدٌ لِمَا قَدَّمْتُه عَنِ السُّبْكِيِّ.

وَعُلِمَ مِنَ اشْتِرَاطِ اشْتمَالِ العِلَّةِ علَى حُكْمِه أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا، كَالدَّيْنِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَه مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فإِنَّه يُخِلُّ بِحِكْمَةِ إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وهي الاسْتِغْنَاءُ بِالنِّصَابِ لاحْتِيَاجِ مَالِكِهِ إِلَيْهِ فِي وَفَاءِ دَيْنِه.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ هو الذي عَبَّرَ عَنْهُ الأُصُولِيُّونَ بِمَانِعِ السَّبَبِ، فَإِنَّهم جَعَلُوا مِنْ خِطَابِ الوَضْعِ الحُكْمَ علَى الوَصْفِ بِالمَانِعِ، وَقَسَّمُوهُ إِلَى مَانِعِ الحُكْمِ، وقَدْ ذَكَرَه المُصَنِّفُ فِي صَدْرِ الكتَابِ، ومَانِعُ السَّبَبِ وذَكَرَه هنَا.

ص: 540

ص: وأَنْ تَكُونَ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الحِكْمَةِ، وَقِيلَ: إِنِ انْضَبَطَتْ.

ش: يُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ الوَصْفُ المُعَلَّلُ بِهِ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ وهي المَصْلَحَةُ المَقْصُودَةُ لِشَرْعِ الحُكْمِ.

وقَدْ تُطْلَقُ الحِكْمَةُ علَى الوَصْفِ الضَّابطِ لهَا مجَازًا، مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّلِيلِ بِاسْمِ المَدْلُولِ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِنَفْسِ الحِكْمَةِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ.

أَحَدُهَا: المَنْعُ، وهو ظَاهِرُ كَلَامِ المُصَنِّفِ، وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ.

وَالثَّانِي: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو اخْتِيَارُ الإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيِّ.

وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ انْضَبَطَتْ وَالمَنْعُ إِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، كَالمَشَقَّةِ فهي خَفِيَّةٌ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، إِذْ قَدْ تَحْصُلُ للحَاضِرِ وتَنْتَفِي عَنِ المُسَافِرِ، وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.

ص: وأَنْ لَا تَكُونَ عَدَمًا فِي الثُّبُوتِيِّ وِفَاقًا للإِمَامِ، وخِلَافًا لِلآمِدِيِّ، وَالإِضَافِيُّ عَدَمِيٌّ.

ش: تَعْلِيلُ الحُكْمِ العَدَمِيِّ بِالعِلِّيَّةِ العَدَمِيَّةِ مُتَّفَقٌ علَى جَوَازِهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالعِلَّةِ العَدَمِيَّةِ ـ كَتَعْلِيلِ بُطْلَانِ بَيْعِ الآبِقِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ علَى التَّسْلِيمِ ـ علَى قَوْلَيْنِ.

أَحَدُهَا: المَنْعُ وهو مُخْتَارُ المُصَنِّفِ، وعَزَاه للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وهو كَذَلِكَ فِي كَلَامِهِ علَى الدَّوَرَانِ لَكِنَّه صَحَّحَ هُنَا الجَوَازَ.

ص: 541

فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (إِنَّ نَقْلَ المُصَنِّفِ عَنْهُ المَنْعَ سَبْقُ قَلَمٍ)، لَيْسَ كذلك، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كَلَامَه اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ، فَتَبِعَ المُصَنِّفُ أَحَدَ المَوْضِعَينِ، ومِمَّنْ صَحَّحَ المَنْعَ الآمِدِيُّ وَابنُ/ (160/ب/م) الحَاجِبِ، وعَزْوُ المُصَنِّفِ للآمِدِيِّ عَكْسُه وَهْمٌ/ (131/ب/د).

الثَّانِي: الجَوَازُ، وصَحَّحَه البَيْضَاوِيُّ، وهو أَحَدُ قَوْلَيِ الإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ نَقْلَه عَنِ الآمِدِيِّ وَهْمٌ.

وقَالَ الشَّارِحُ: فِي ثُبُوتِ الخِلَافِ بَيْنَ الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ نَظَرٌ، لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا علَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فإِنَّ الإِمَامَ بَنَاه علَى رَأْيِهِ: أَنَّ العِلَّةَ بِمَعْنَى المُعَرَّفِ، وهو بِهذَا التَّفْسِيرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ، إِذْ لَا امْتنَاعَ فِي أَنْ يَكُونَ المَعْدُومُ عَلَيْهِ لِلمَوْجُودِ، وَالآمِدِيُّ بنَاهُ علَى أَنَّهَا بِمَعْنَى البَاعِثِ انْتَهَى.

قُلْتُ: الخِلَافُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ، ولوْ بَنَى كُلٌّ مِنْهُمَا قَوْلَه علَى أَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَم أَنَّ الخِلَافَ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ يَجْرِي فِي كَوْنِه العَدَمَ جُزْءُ عِلَّةٍ أَيضًا.

وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ لوُضُوحِه، بَلْ قَد يُدَّعَى دُخُولُه فِي كلَامِهِ، لأَنَّهُ متَى كَانَ جُزْءُ العِلَّةِ عَدَمًا فقَدْ صَدَقَ التَّعْلِيلُ بِالعَدَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالوَصْفُ الإِضَافِيُّ وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِه، كَالأُبُوَّةِ، وَالبُنُوَّةِ، وَالمَعِيَّةِ، وَالقَبْلِيَّةِ، وَالبَعْدِيَّةِ ـ عَدَمِيٌّ فَيَجْرِي فِيهِ الخِلَافُ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ.

ص: 542

ص: وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بمَا لَا يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه فإِنْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي صُورَةٍ فقَالَ الغَزَالِيُّ وَابْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلْمَظَنَّةِ، وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لَا.

ش: المَعْنَى فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بمَا لَا يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ويُسَمَّى أَمَارَةً.

وَاخْتُلِفَ فِيمَا لوْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فإِنَّ الاسْتِبْرَاءَ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وهو مُتَيَقَّنٌ فِيهَا.

فقَالَ الغَزَالِيُّ وصَاحِبُه مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلمَظَنَّةِ.

وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لَا يَثْبُتُ لانْتِفَاءِ الحِكْمَةِ، فإِنَّهَا رُوحُ العِلَّةِ، ونَظِيرُ هذَا قَوْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ: إِنَّهُ يُكْرَه للْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ مَعَ تَيَقُّنِ طَهَارَةِ يَدِه غَمْسَهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ المَعْنَى فِي الكَرَاهَةِ، وهو احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ.

وقَالَ الجُمْهُورُ: لَا يُكْرَه، وهو مُوَافِقٌ للمَحْكِيِّ هُنَا عَنِ الجَدَلِيِّينَ، وذَكَرَ الأَصحَابُ فِي بَابِ صَلَاةِ العِيدِ فِيمَا فَعَلَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمَعْنًى، وزَالَ كَالرَّمَلِ ونَحْوِه هَلْ تَبْقَى سُنِّيَّتُه؟ وَجْهَيْنِ/ (161/أَ/م).

قَالَ الشَّارِحُ: وَلَيْسَ هو هذَا الخِلَافُ المَذْكُورُ هنَا، لأَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِبَقَاءِ سُنِّيَّتِه فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وهو جَارٍ علَى قَوْلنَا: يَجُوزُُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِدِ فِي حَالٍ بِعِلَّةٍ وفِي أُخْرَى بِغَيْرِهَا.

قُلْتُ: اسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ المَعْنَى قَطُّ، وأَمَّا الرَّمَلُ فكَانَ مَعْنَاه

ص: 543

حِينَ ابْتُدِئَ فِعْلُه مَعْلُومًا، وَاسْتَمَرَّتِ المَشْرُوعِيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ المَعْنَى اسْتِحْضَارًا لتلك الحَالَةِ التي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، لِيَعْرِفَ قَدْرَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَمَكُّنِ الإِنسَانِ مِنْ إِقَامَةِ المَنَاسِكِ مِنْ غَيْرِ صَادٍّ ولَا مَانِعٍ، وَانتشَارِ الإِسلَامِ وقُوَّةِ أَهْلِه بَعْدَ خَفَائِه وضَعْفِ أَهْلِه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: وَالقَاصِرَةُ مَنَعَهَا قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَالحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ/ (123/أَ/د) بِنَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا، وفَائِدَتُهَا، مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ، ومَنْعُ الإِلحَاقِ، وتَقْوِيَةُ النَّصِّ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: وزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الامْتِثَالِ لأَجْلِهَا.

ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ وهي التي لَا تَتَعَدَّى مَحَلَّ النَّصِّ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بجَوْهَرَيْهِمَا ـ علَى مَذَاهِبَ.

أَحَدُهَا: المَنْعُ مُطْلَقًا، سوَاءَ أَكَانَتْ مَنْصُوصَةً أَو مُسْتَنْبَطَةً، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ فِي مُلَخَّصِه، وعَزَاه لأَكْثَرِ فُقَهَاءِ العِرَاقِ، وهو يَرُدُّ علَى نَقْلِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِم الاتِّفَاقَ علَى الجَوَازِ فِي المَنْصُوصَةِ.

الثَّانِي: التَّفْصِيلُ، فَيُمْتَنَعُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ، وهو قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالنَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ المُهَذَّبِ) وَجْهًا لِبَعْضِ أَصحَابِنَا.

وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وأَحَمَدُ، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وأَتبَاعُهُمَا.

وعَلَّلَ المَانِعَ مِنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لهَا، لأَنَّ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ ثَابِتٌ بغَيرِهَا،

ص: 544

وَلَيْسَ لهَا فَرْعٌ لقُصُورِهَا.

وذَكَرَ المُجَوِّزُ لهَا فوَائدَ غَيْرَ تَعَدِّي الحُكْمِ:

أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ أَي مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فإِنَّ النَّفْسَ إِلَى قَبُولِ مَا تَعْرِفُ عِلَّتَه أَمْيَلُ منهَا إِلَى قَبُولِ مَا تَجْهلُ عِلَّتَه.

ثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قُصُورُهَا عُرِفَ امْتِنَاعُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُه.

ثَالِثُهَا:/ (161/ب/م) أَنَّهَا تُقَوِّي النَّصَّ وتُعَضِّدُه، ذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وكذَا كُلُّ دَلِيلَيْنِ اجْتَمَعَا فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَكُونُ الحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَالعِلَّةِ معًا.

قَالَ الشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هذَا علَى مَا إِذَا كَانَ النَّصُّ ظَاهِرًا فكأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فأَمَّا إِذَا كَانَ قَاطعًا فَلَا تُقَوِّيه، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (البُرْهَانِ).

رَابِعُهَا: إِنْ كَانَ المُكَلَّفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَجْلِ تِلْكَ العِلَّةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ للامْتِثَالِ، وأَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ لأَجْلِهَا، فَيَفْعَلُ المأُمُورَ بِهِ لِكَوْنِهِ أَمرًا وللِعِلَّةِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الإِمَامُ السُّبْكِيُّ.

وَقَدْ ظَهَرَ بمَا ذَكَرْنَاه مِنَ الفوَائِدِ بُطْلَانُ قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: إِنهَا لَا تُفِيدُ عِلْمًا ولَا عَمَلاً.

ص: ولَا تَعَدِّيَ لهَا عِنْدَ كَوْنِهَا مَحَلَّ الحُكْمِ أَو جُزْأَهُ الخَاصُّ أَو وَصْفَه اللَاّزِمَ.

ش: هذه مَسَائِلُ مُفَرَّعَةٌ علَى التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ فإِنَّه لَا تَعْدِيَةَ فِيهَا:

إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحَلُّ الحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ بِكَوْنِه ذَهَبًا.

ص: 545

الثَانِيَة: أَنْ تَكُونَ جُزْأَه الخَاصُّ، كَتَعْلِيلِ حُرْمَةِ الخَمْرِ بِكَوْنِهَا مُعْتَصَرَةً.

وخَرَجَ بِالخَاصِّ أَنْ يَكُونَ جُزْأَه العَامُ المُشْتَرَكُ بَيْنَه وَبَيْنَ غَيْرِه كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ البَيْعِ بِكَوْنِه عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، فَعَقْدُ المُعَاوَضَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ البَيْعِ وَغَيْرِه، وهذَا لَا يَكُونُ إِلَاّ فِي/ (132/ب/د) المُتَعَدِّيَةِ.

الثَالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ وَصْفُه اللَاّزِمُ كَالتَّعْدِيَةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فإِنَّه وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُمَا.

وَالأَكْثَرُونَ ـ كَمَا نَقَلَه الأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ (المَحْصُولِ) علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِمَحَلِّ الحُكْمِ وجُزْئِه الخَاصِّ، وذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى المَنْعِ.

وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ جَوَازَهُ فِي القَاصِرَةِ دُونَ المُتَعَدِّيَةِ، وَاسْتُشْكِلَ هذَا لأَنَّ العِلَّةَ بِالمَحَلِّ هي القَاصِرَةُ.

وفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالجُزْءِ دُونَ المَحَلِّ.

ص: ويَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِمُجَرَّدِ الاسْمِ اللَّقَبِ وِفَاقًا لأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وخِلَافًا للإِمَامِ، أَمَّا المُشْتَقُّ فوِفَاقٌ، وأَمَّا نَحْوُ الأَبيضِ فشِبْهُ صُورِيٍّ.

ش: يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّعْلِيلِ بِالاسْمِ ثَلَاثُ صُوَرٍ.

الأُولَى: أَنْ يَكُونَ الاسْمُ لَقَبًا جَامِدًا، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بأَنَّهمَا ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، وطُهُورِيَّةُ المَاءِ بأَنَّهُ مَاءٌ، وَالتُّرَابُ بأَنَّهُ تُرَابٌ وفِيه مَذْهَبَانِ.

أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ/ (162/أَ/م) الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَاخْتَارَه المُصَنِّفُ-: الجَوَازَ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَه الشَّافِعِيُّ فقَالَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُه: لأَنَّهُ بَوْلٌ فَشَابَهَ

ص: 546

بَوْلَ الآدَمِيَّ.

وَالثَّانِي: الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، بَلْ نَقْلُ الاتِّفَاقِ عَلَيْه.

الثَانِيَة: أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا كَالسَّارِقِ مُشْتَقٌ مِنَ السَّرِقَةِ، وَالقَاتِلُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَتْلِ، فَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ بِالاتِّفَاقِ، كَمَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ.

وفِيهِ نَظَرٌ، ففِي (التَّقْرِيبِ) لسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ حِكَايَةَ قَوْلٍ بِمَنْعِ الاسْمِ مُطْلَقًا لَقَبًا ومُشْتَقًّا.

الثَالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ صِفَةٍ كَالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ، فقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هو مِنْ عِلَلِ الأَشْبَاه الصُّورِيَّةِ، فمَنِ احْتَجَّ بِالشَّبَه الصُّورِيِّ احْتَجَّ بِهِ.

وَقَدْ يُسْأَلُ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ العِلَّةِ القَاصِرَةِ وَالتَعْلِيلِ بِالمَحَلِّ وَالتَعْلِيلِ بِالاسْمِ.

وجَوَابُه أَنَّ القَاصِرَةَ أَعَمُّ مِنَ المَحَلِّ، لأَنَّ المَحَلَّ مَا وُضِعَ لَه اللَّفْظُ كَالخَمْرِ وَالبُرِّ، وَالقَاصِرَةُ وَصْفٌ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَحَلُّ لَمْ يُوضَعْ لَه اللَّفْظُ كَالنَّقْدِيَّةِ، فكُلٌّ مَحَلُّ عِلَّةٍ قَاصِرَةٍ، ولَا عَكْسَ.

وأَمَّا الفَرْقُ بَيْنَ المَحَلِّ وَالاسْمِ فَفِيه وَجْهَانِ.

أَحَدُهُمَا: أَنَّ المُرَادَ بِالاسْمِ الجَامِدِ الذي لَا يُنَبِّئُ عَنْ وَصْفِه منَاسَبَةٌ تَصِحُّ إِضَافَةُ الحُكْمِ إِليهَا، وهذَا مَنْقُوضٌ بِالبُرِّ فإِنهم جَوَّزُوا التَّعْلِيلَ بِهِ وهو جَامِدٌ.

ثَانِيهُمَا: أَنَّ المُرَادَ التَّعْلِيلُ بِالتَّسْمِيَةِ نحوُ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ لِتَسْمِيَتِهَا خَمْرًا، إِذِ التَّسْمِيَةُ لَا تَأْثِيرَ لهَا بِخِلَافِ المَعْنَى المُسْتَفَادِ مِنَ المَحَلِّ بإِشَارَةٍ أَو بِبَيِّنَةٍ.

ص: وَجَوَّزَ الجُمْهُورُ التَعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ، وَادَّعَوْا وُقُوعَه، وَابنُ فَوْرَكٍ وَالإِمَامُ فِي المَنْصُوصَةِ دُونَ المُسْتَنْبَطَةِ، ومَنَعَه إِمَامُ الحَرَمَيْنِ شَرْعًا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي التَّعَاقُبِ، وَالصَّحِيحُ: القَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ كجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ.

ص: 547

ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ/ (133/أَ/د) الحُكْمِ الوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ فأَكْثَرَ، علَى أَقوَالٍ:

أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: جَوَازُهُ وَوُقُوعُهُ كَاللَّمْسِ وَالمَسِّ وَالبَوْلِ يَثْبُتُ الحَدَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.

الثَّانِي: المَنْعُ مُطْلَقًا أَي عَقْلاً وشَرْعًا فِي المَنْصُوصَةِ وَالمُسْتَنْبَطَةِ، وَاختَارَهُ الآمِدِيُّ وَحَكَاهُ (162/ب/م) عَنِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وإِمَامِ الحَرَمَيْنِ، وَصَحَّحَهُ المُصَنِّفُ، وعَلَّلَه بأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِهِ المُحَالُ، وهو أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مُؤَثِّرٌ فِي الحُكْمِ، وَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ لِتَأْثِيرِ الآخَرِ، ففِيه الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ولَا يَخْفَى أَنَّ هذَا مَبْنِيٌّ علَى أَنَّ العِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ، فإِنْ قُلنَا: إِنَّهَا مُعَرَّفَةٌ، انْتَفَى ذلك.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي المَنْصُوصَةِ دُونَ المُسْتَنْبَطَةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ وَاخْتَارَه الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وأَتْبَاعُه.

الرَابِعُ: جَوَازُهُ عَقْلاً ومَنْعُه شَرْعًا مُطْلَقًا، أَي فِي المَنْصُوصَةِ وَالمُسْتَنْبَطَةِ، وَبِهِ قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وهو المَوْجُودُ فِي (البُرْهَانِ) له، وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنَّهُ الأَشْهَرُ عَنْهُ يَعْنِي بِخِلَافِ نَقْلِ الآمِدِيِّ.

الخَامِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ مُتُعَاقِبَتَينِ أَي إِحْدَاهُمَا فِي وقْتٍ، وَالأُخْرَى فِي وَقْتٍ، ولَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.

وفِي إِدْخَالِ المُصَنِّفِ المَتَعَاقِبَتَينِ فِي مَحَلِّ الخِلَافِ رَدٌّ علَى ابْنِ الحَاجِبِ، فإِنَّ كَلَامَه يَقْتَضِي أَنَّ مَحَلَّ الخِلَافِ فِي حَالَةِ المَعِيَّةِ وأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ التَّعَاقُبِ قَطْعًا.

تَنْبِيهٌ:

مَحَلُّ الخِلَافِ فِي الوَاحِدِ بِالشَّخْصِ، أَمَّا الوَاحِدُ بِالنَّوْعِ المُخْتَلِفِ شَخْصًا فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ العِلَلِ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا،

ص: 548

كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ قَتْلِ زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ، وعَمْرٍو بِالقِصَاصِ، وخَالدٍ بِالزِّنَا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَمَحَلُّ الخِلَافِ أَيضًا فِي العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَيُمْتَنَعُ فِي العِلَلِ العَقْلِيَّة قَطْعًا.

ص: وَالمُخْتَارُ وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ إِثْبَاتًا، كَالسَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَالغُرْمِ، ونَفْيًا كَالحَيْضِ للصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا، وثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا.

ش: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟

فِيه مَذَاهِبُ:

الصَّحِيحُ جَوَازُهُ سَوَاءَ أَكَانَ فِي الإِثْبَاتِ كَالسَّرِقَةِ فإِنَّهَا عِلَّةٌ للقَطْعِ زَجْرًا للسَّارِقِ حتَّى لَا يَعُودَ، ولِغَيْرِه حتَّى لَا يَقَعَ فِيهَا، ولِلتَّغْرِيمِ جَبْرًا لِصَاحِبِ المَالِ ـ أَمْ فِي النَّفْيِ كَالحَيْضِ يُنَاسِبُ المَنْعَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَحْكَامِ كَالطَّوَافِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِه.

الثَّانِي: المَنْعُ مُطْلَقًا.

الثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا كَالحَيْضِ لِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالمَنْعُ/ (163/أَ/م) إِنْ تضَادَّا كأَنْ يَكُونَ مُبْطِلاً لِبَعْضِ العُقُودِ مُصَحِّحًا لِبَعْضِهَا كَالتَّأْبِيدِ يُصَحِّحُ البَيْعَ ويُبْطِلُ الإِجَارَةَ.

ص: ومِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ خِلَافًا لِقَوْمٍ.

ش: قَوْلُه (ومنهَا) أَي ومِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ، بَلْ يُقَارِنُه، كَقَوْلِنَا (133/ب/د) فِي عَرَقِ الكَلْبِ: هو عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ نَجِسًا كَلُعَابِه، فيَمْنَعُ كَوْنَ عَرَقِه نَجِسًا، فَيُقَالَ: لأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ، فإِن اسْتِقْذَارَه إِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الحُكْمِ بِنَجَاسَتِه خِلَافًا لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ، فإِنَّهُم لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ.

ص: 549

قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وَالحقُّ الجوَازُ، إِنْ أُرِيدَ بِالعِلَّةِ المُعَرَّفَ، فإِن أُرِيدَ بِهَا المُوجِبُ أَو البَاعثُ فلَا.

ص: وَمِنْهَا أَن لَا تَعُودَ علَى الأَصْلِ بِالإِبطَالِ، وفِي عَوْدِهَا بِالتَّخْصِيصِ لَا التَّعْمِيمِ قَوْلَانِ.

ش: ومن شُرُوطِ العِلَّةِ أَن لَا تَعُودَ علَى الأَصْلِ بِالإِبطَالِ لأَنَّهَا فَرْعُه وَالفَرْعُ لَا يُبْطِلُ أَصْلَه، إِذ لوْ أَبْطَلَ أَصْلَه لأَبْطَلَ نَفْسَه.

ومَثَّلَه أَصحَابُنَا بتَجْوِيزِ الحَنَفِيَّةِ إِخرَاجَ القِيمَةِ، اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوْلِه عليه الصلاة والسلام:((فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ)) أَنَّ المَعْنَى فِي ذَلِكَ دَفْعَ حَاجَةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ وهي تَنْدَفِعُ بِالقِيمَةِ، فجَوَّزُوا إِخرَاجَ القِيَمِ.

وَقَدْ يقَالَ: إِنَّمَا تَعُودُ بِالإِبطَالِ لوْ مَنَعُوا إِخرَاجَ الشَّاةِ، لكنَّا نقولُ: قَد أَبْطَلُوا تَعَيُّنَهَا، وَالمأُمُورُ لَا يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ إِلا بِامْتِثَالِ المَأْمُورِ بِهِ.

ولَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مَا الفَرْقُ بَيْنَ هذَا وَبَيْنَ تَجْوِيزِكُمُ الاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ، اسْتِنْبَاطًا من أَمْرِه عليه الصلاة والسلام فِي الاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فإِنَّكُم أَبْطَلْتُم هذَا التَّوْسِيعَ تَعَيُّنُ الأَحْجَارِ المَأْمُورِ بِهَا؟

لكنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا فَهِمنَا إِبطَالَ تَعَيُّنِهَا من قَوْلِه عليه الصلاة والسلام بَعْدَ أَمْرِه بِالاسْتِنْجَاءِ بثلَاثةِ أَحْجَارٍ: ((ولَا نَسْتَنْجِي بِرَجِيعٍ ولَا عَظْمٍ)) فَدَلَّ علَى أَنَّهُ أَرَادَ أَوَّلاً الأَحْجَارَ ومَا فِي مَعْنَاهَا وإِلَاّ لَمْ يكُنْ للنَّهْيِ عَنِ الرَّجِيعِ وَالعَظْمِ وَقْعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وهل يُشْتَرَطُ فِي العِلَّةِ أَن لَا تَعُودَ علَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ؟

ص: 550

فِيه قَوْلَانِ للشَّافِعِيِّ مُسْتَنْبَطَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْه فِي نَقْضِ الوُضُوءِ بِمَسِّ/ (163/ب/م) المَحَارِمِ:

أَحَدُهُمَا: النَّقْضُ تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ.

وَالثَّانِي: المَنْعُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هو إِذَا كَانَ المَلْمُوسُ فِي مَظَنَّةِ الاسْتِمْتَاعِ، وَالمَحَارِمُ لَسْنَ كذلك، فقَدْ عَادَتِ العِلَّةُ علَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ النَّهْيُ عَن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ، فإِنَّ عُمُومَه يَقْتَضِي اطِّرَادَهُ فِي المَأْكُولِ وَغَيْرِه، وَالمَعْنَى يَقْتَضِي اخْتِصَاصَه بِالمَأْكولِ لأَنَّهُ بَيعٌ رِبَوِيٌّ بأَصْلِه، فغَيْرُ الرِّبَوِي لَا مَدْخَلَ له فِي النَّهْيِ.

وللشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، ولَمَّا اضْطَرَبَ التَّرْجِيحُ فِي ذَلِكَ فكَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الأَصْحَابِ فِي الأَولَى عَدَمُ النَّقْصِ، وفِي الثَّانِية بُطْلَانُ البَيْعِ ـ سَكَتَ المُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجِيحِ.

أَمَّا عَوْدُهَا علَى أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ فإِنَّه جَائِزٌ بِالاتِّفَاقِ وهو غَالِبُ الأَقْيِسَةِ، كَاسْتِنْبَاطِ جَمِيعِ مَا يُشَوِّشُ الفِكْرَ مِنْ قَوْله عليه الصلاة والسلام:((لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ/ (134/أَ/د) غَضْبَانٌ)).

ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أَجْمَعُوا علَى أَنَّهُ لَيْسَ لنَا عِلَّةٌ تَعُودُ علَى أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ إِلا هذَا المِثَالَ، وذلك جَائِزٌ بِالإِجمَاعِ، وإِنَّمَا تَعَجَّبْنَا مِنْهُ لِمَا

ص: 551

قَدَّمْنَاه مِنْ غَلَبَةِ ذَلِكَ فِي الأَقْيِسَةِ فَكَيْفَ ينْفِي مَا عَدَاه.

ص: وأَنْ لَا تَكُونَ المُسْتَنْبَطَةُ مُعَارَضَةٌ بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ فِي الأَصْلِ، قِيلَ: ولَا الفَرْعِ.

ش: ومِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَن لَا يُعَارِضَهَا وُجُودُ وَصْفٍ مُنَافٍ لهَا فِي الأَصْلِ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ مَفْقُودٌ فِي الفَرْعِ فمَتَى اشْتَمَلَ الأَصْلُ علَى وَصْفَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا نَقِيضَ حُكْمِ الآخَرِ، لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا إِلا بِمُرَجِّحٍ، ومثَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الحَنَفِيِّ فِي صَوْمِ الفَرْضِ: صَوْمُ عَيْنٍ فَيَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ، فَنقولُ: صَوْمُ فَرْضٍ فَنَحْتَاطُ فِيهِ، ولَا يُبْنَى علَى السُّهُولَةِ.

وقَوْلُه: (قِيلَ ولَا فِي الفَرْعِ) أَي اشْتَرَطَ بَعْضُهم أَنْ لَا يَكُونَ فِي الفَرْعِ وَصْفٌ مُعَارِضٌ، فمتَى وُجِدَ فِيهِ وَصْفٌ مُنَافٍ يَقْتَضِي إِلحَاقَهُ بأَصْلٍ آخَرَ تعَارَضَا، كَقَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: رُكْنٌ فِي الوُضُوءِ فَلَيْسَ تَثْلِيثُه كَغَسْلِ الوَجْهِ، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُه كَمَسْحِ الخُفِّ، ومُقْتَضَى كَلَامِ المُصَنِّفِ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافَه، ولَا يُنَافِي هذَا قَوْلُه فِيمَا تَقَدَّمَ:(وَتُقْبَلُ المُعَارضَةُ فِيهِ بمُقْتضَى نَقِيضٍ أَو ضِدِّ الحُكْمِ علَى المُخْتَارِ) لأَنَّ اشْتِرَاطَ انْتِفَاءِ المُعَارِضِ إِنَّمَا هو فِي ثُبُوتِ حُكْمِ العِلَّةِ لَا فِي صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا فهي عِنْدَ المُعَارِضِ صَحِيحَةٌ، لكنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ للمُعَارِضِ يُظْهِرُ أَثَرَ المُعَارِضِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الحُكْمِ لَا فِي بُطْلَانِهَا.

وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ المُصَنِّفَ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي هذَا الكتَابِ أَشْكَلَ مِنْ هذه المَسْأَلَةِ ـ وفِيهِ نَظَرٌ.

ص: وأَنْ لَا تُخَالِفَ نَصَّا أَو إِجمَاعًا، ولَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَيْهِ

ص: 552

إِنْ نَافَتِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضَاه وِفَاقًا لِلآمِدِيِّ، وأَنْ تَتَعَيَّنَ خِلَافًا لِمَنِ اكْتَفَى بِعِلِّيَّةِ مُبْهَمٍ مُشْتَرَكٍ، وأَنْ لَا تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا وِفَاقًا للإِمَامِ، وأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهَا حُكْمَ الفَرْعِ بِعُمُومِه أَو خُصُوصِهِ علَى المُخْتَارِ.

ش: فِي هذه الجُمْلَةِ خَمْسَةٌ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ:

أَحَدُهَا: أَنْ لَا تُخَالِفَ نَصًّا، كقَولِ الحَنَفِيِّ: المَرْأَةُ مَالِكَةُ بُضْعِهَا، فَصَحَّ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، كبَيعِ سِلْعَتِهَا، فهذه عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِه عليه الصلاة والسلام:((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ)) ولَا إِجمَاعًا، كقِيَاسِ صَلَاةِ المُسَافِرِ علَى صَوْمِه فِي عَدَمِ الوُجُوبِ بجَامِعِ السَّفَرِ المُوجِبِ لِلْمَشَقَّةِ.

الثَّانِي: أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً علَى النَّصِّ، بأَنْ يَدُلَّ النَّصُّ علَى غَلَبَةِ وَصْفٍ فَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِالاسْتِنْبَاطِ قَيْدًا.

ثم مِنْهُم مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وقَيَّدَه المُصَنِّفُ ـ تَبَعًا لِلآمِدِيِّ ـ بمَا إِذَا نَافَتِ الزّيَادَةُ مُقْتَضَى النَّصِّ، وقَالَ (134/ب/د) الهِنْدِيُّ، إِنَّمَا يَتَّجِه الأَوَّلُ لو كَانَتْ الزِّيَادَةُ علَى النَّصِّ نَسْخًا، وَلَيْسَ كذلك.

الثَّالِثُ: أَن تَتَعَيَّنَ، أَي تَكُونُ وَصْفًا مُعَيَّنًا لَا مُبْهَمًا، وخَالَفَ فِيهِ بعْضُهم فذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الإِلحَاقِ بِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي وَصْفٍ عَامٍّ أَو مُطْلَقٍ، وإِن لَمْ تَتَعَيَّنِ العِلَّةُ فِيهِ، ورَدَّه الجُمْهُورُ بأَنَّهُ يَلْزَمُه مِنْهُ مُسَاوَاةُ العَامِّيِّ للمُجْتَهِدِ فِي إِثبَاتِ الأَحكَامِ بأَنْ يُعْلَمَ مُسَاوَاةُ ذَلِكَ الفَرْعِ لأَصْلٍ مِنَ الأُصُولِ فِي وَصْفٍ عَامٍّ فِي الجُمْلَةِ.

ص: 553

الرَابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا، أَي مَفْرُوضًا لَا حَقِيقَةَ له، كَتَعْلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِالبيعِ ونحْوِه بِالمِلْكِ، وتَبِعَ المُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ الإِمَامَ فإِنَّه قَالَ فِي (المَحْصُولِ): الحقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ المُقَدَّرَةِ خِلَافًا للفقهَاءِ العَصْرِيينَ.

الخَامِسُ: أَن لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهَا حُكْمَ الفَرْعِ بعُمُومٍ أَو خُصُوصٍ، كَمَا لوْ قِيسَ التُّفَّاحُ علَى البُرِّ فِي تَحْرِيمِ/ (164/ب/م) بَيعِ بَعْضِه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلاً، فإِنَّه لَا يَصِحُّ، فإِنَّ النَّصَّ الدَّالَّ علَى جَرَيَانِ الرِّبَا فِي البُرِّ دَالٌّ علَى جَرَيَانِه فِي التُّفَّاحِ، وهو قَوْلُه عليه الصلاة والسلام:((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) أَو قِيسَ الشَّعِيرُ علَى البُرِّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الشَّعِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِه كَالبُرِّ.

ص: وَالصَّحِيحُ لَا يُشْتَرَطُ القَطْعُ بحُكْمِ الأَصْلِ ولَا انْتِفَاءِ مخَالَفَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ ولَا القَطْعُ بوُجُودِهَا فِي الفَرْعِ.

ش: فِي هذه الجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ للِعِلَّةِ علَى قَوْلِ الرَّاجِحِ خِلَافُه:

الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمٍ قَطْعِيٍّ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ولو كَانَ الأَصْلُ ظَنِّيًّا.

الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ العِلَّةُ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُه، لأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وعلَى القَوْلِ بأَنَّهُ حُجَّةٌ فَلَيْسَ أَرْجَحَ مِنَ القِيَاسِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهَا فِي الفَرْعِ علَى وَجْهِ القَطْعِ وهو ضَعِيفٌ لأَنَّهُ مِنْ

ص: 554

مُقَدَّمَاتِ القِيَاسِ فجَازَ أَنْ يَكُونَ ظَنَّيًّا كغَيْرِه.

ص: أَمَّا انْتِفَاءُ المُعَارِضِ فمَبْنِيٌّ علَى التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، وَالمُعَارِضُ هُنَا وَصْفٌ صَالِحٌ لِلْعِلِّيَّةِ كصَلَاحِيَةِ المُعَارِضِ غَيْرُ مُنَافٍ، ولكِنْ يَؤُولُ إِلَى الاخْتِلَافِ كَالطَّعْمِ مَعَ الكَيْلِ فِي البُرِّ لَا يُنَافِي، ويَؤُولُ إِلَى الاخْتِلَافِ فِي التُّفَّاحِ.

ش: تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ انْتِفَاءُ المُعَارِضِ المُنَافِي، وَالكلَامُ هُنَا علَى انْتِفَاءِ المُعَارِضِ غَيْرِ المُنَافِي، وَاشْتِرَاطُه مَبْنِيٌّ علَى التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، إِنْ جَوَّزْنَاه لَمْ نَشْرُطْه وإِلَاّ اشْتَرَطْنَاهُ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا وَصْفٌ صَالِحٌ لِلْعِلِّيَّةِ كَصَلَاحِيَةِ مَا فَرَضْنَاه عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُنَافَاةٍ بَيْنَ الوَصْفَينِ، لأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ ولَا تَضَادٌّ، ولكنْ يَؤُولُ إِلَى الاخْتِلَافِ، ومِثَالُه أَنْ يُعَلَّلَ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي البُرِّ بِالطَّعْمِ، فَيُعَارَضُ بأَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ الكَيْلُ، وهمَا وَصْفَانِ اشْتَمَلَ عليهمَا الأَصْلُ يَصْلُحَانِ لِلْعِلِّيَّةِ لَا مُنَافَاةَ/ (135/أَ/د) بَيْنَهُمَا فِي الأَصْلِ، لكِنْ يَؤُولُ الأَمرُ إِلَى الاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ نِزَاعُ المُتَنَاظِرِينَ فِي إِلحَاقِ التُّفَّاحِ بِالبُرِّ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِ، فإِن عَلَّلْنَا بِالطَّعْمِ شَارَكَه فِي ذَلِكَ فأُلْحِقَ بِهِ، أَو بِالكَيْلِ لَمْ يُشَارِكْه فِيهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ.

ص: ولَا يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ نَفْيُ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ عَنِ الفَرْعِ.

وثَالِثُهَا: إِنْ صَرَّحَ بِالفَرْقِ ولَا إِبْدَاءُ أَصْلٍ علَى المُخْتَارِ.

ش: ذَكَرَ فِيهِ أَمرَانِ/ (165/أَ/م) اخْتُلِفَ فِي أَنهمَا يَلْزَمَانِ المُعْتَرِضَ أَمْ لَا؟

الأَوَّلُ: هَلْ يَلْزَمُه نَفْيُ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ الوَصْفَ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ عَنِ الفَرْعِ بأَنْ يَقُولَ فِي المِثَالِ السَّابِقِ: وَلَيْسَ الكَيْلُ مَوْجُودًا فِي التُّفَّاحِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:

أَصَحُّهَا: لَا يَلْزَمُه.

ص: 555

وَالثَّانِي: يَلْزَمُه.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ صَرَّحَ بِالفَرْقِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ بأَنْ قَالَ: إِنَّ بَيْنَ البُرِّ وَالتُّفَاحِ فَرْقًا لَزِمَه ذَلِكَ لالْتِزَامِه إِيَاهُ فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِهِ، وإِلَاّ فلَا.

الثَّانِي: هَلْ يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ إِبدَاءُ أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ أَمْ لَا؟

فِيه مَذْهَبَانِ، المُخْتَارُ: لَا، لأَنَّ حَاصِلَ اعْتِرَاضِه نَفْيُ الحُكْمِ فِي الفَرْعِ لِعَدَمِ العِلَّةِ، أَو صَدُّ المُسَتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الوَصْفِ لِجَوَازِ تَأْثِيرِ هذَا، ولمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ مَا أَبْدَاه حتَّى يَحْتَاجَ لِشَهَادَةِ أَصْلٍ.

قُلْتُ: كَذَا عَلَّلَهُ الشَّارِحُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَالذي يَظْهَرُ مِنَ الاعترَاضِ إِثبَاتُ مَا يَدَّعِيهِ عِلَّةً، فَيَحْتَاجُ لأَصْلٍ يَشْهَدُ لِذلك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَنْبِيه:

عَبَّرَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي الأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (بَيَانُ نَفْيِ الوَصْفِ) وأَسْقَطَ المُصَنِّفُ لَفْظَةَ (بَيَانِ) لأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ فِعْل َ الفَاعِلِ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِلَفْظَةِ:(بَيَانِ) وأَرَادَ ابْنُ الحَاجِبِ بِالنَّفْيِ نَفْسَ الانْتِفَاءِ فَاحْتَاجَ لذلك، وَالاسْتِعْمَالانِ صَحِيحَانِ، لكنَّ الأَوَّلَ أَظْهَرُ، وهذه نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ حَكَاهَا المُصَنِّفُ عَنْ وَالِدِه رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

ص: وللمُسْتَدِلِّ الدَّفْعُ بِالمَنْعِ وَالقَدْحُ وبِالمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ أَوِ الشَّبَهِ إِن لَمْ يَكُنْ سَبْرًا وبِبَيَانِ اسْتِقْلَالِ مَا عَدَاه فِي صُورَةٍ ولو بِظَاهِرٍ عَامٍّ إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ للتَّعْمِيمِ.

ش: للمُسْتَدِلِّ دَفْعُ المُعَارَضَةِ بوُجُوهٍ.

أَحَدُهَا: مَنْعُ وُجُودِ الوَصْفِ فِي الأَصْلِ، كَمَا إِذَا عُلِّلَ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي البَطِّيخِ بأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَعُورِضَ بأَنَّ العِلَّةَ أَنَّهُ مَكِيلٌ، فَيُمْنَعُ كَوْنُ مِعْيَارِه

ص: 556

الكَيْلَ، لأَنَّ الاعْتِبَارَ بِالمَعْهُودِ فِيه فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو إِمَّا الوَزْنُ أَوِ العَدَدُ.

ثَانِيهَا: القَدْحُ فِي الوَصْفِ الذي ادَّعَى المُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ، إِمَّا لِخَفَائِه، أَو عَدَمِ انْضِبَاطِهِ، أَو كَوْنِه عَدَمِيًّا أَو غَيْرَ ذَلِكَ من مُفْسِدَاتِ العِلَّةِ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِذَلِكَ مُطْلَقُ القَدْحِ، وإِلَاّ لَدَخَلَ فِيهِ المَنْعُ/ (165/ب/م) المَذْكُورُ قَبْلَه، وَالمُطَالَبَةُ بِالتَّأْثِيرِ أَوِ الشَّبَهِ المَذْكُورِ بَعْدَه، فإِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا قَدْحٌ، وإِنَّمَا مُرَادُه القَدْحُ فِي عِلِّيَّتِه بإِفْسَادِهَا، وحَذَفَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ اخْتِصَارًا.

ثَالِثُهَا: أَن يُطَالَبَ المُعْتَرِضُ بِبَيَانِ تَأْثِيرِ (13/ب/د) الوَصْفِ الذي أَبْدَاه إِن كَانَ مُنَاسِبًا، وشِبْهِه إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ، ويَخْتَصُّ هذَا الوَجْهُ بمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ الذي أَثْبَتَ بِهِ المُسْتَدِلُّ الوَصْفَ سَبْرًا وتَقْسِيمًا، فإِن كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ المُعْتَرِضِ بِالتَّأْثِيرِ، فإِنَّ مُجَرَّدَ الاحْتِمَالِ كَانَ فِي دَفْعِ السَّبْرِ فَعِلِّيَّةُ بَيَانِ الحَصْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ بِطَرِيقِه، ولَمَّا اخْتُصَّ هذَا الوَجْهُ بِبَعْضِ الأَحوَالِ أَعَادَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ فِي قَوْلِهِ: وبِالمُطَالَبَةِ.

رَابِعُهَا: أَن يُبَيِّنَ أَنَّ مَا عَدَا الوَصْفِ الذي ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ مُسْتَقِلٌّ فِي صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ، إِمَّا بِظَاهِرٍ مِنَ النُّصُوصِ أَو إِجمَاعٍ، فَيَبْطُلُ بِهِ كَوْنُ وَصْفِ المُعَارِضِ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِئَلَاّ يَلْزَمَ إِلْغَاءُ المُسْتَقِلِّ، وَاعْتِبَارُ غَيرِه.

وشَرْطُ هذَا الرَّابِعِ أَن لَا يَتَعَرَّضَ المُسْتَدِلُّ للتَّعْمِيمِ، فإِنَّه لوْ تَعَرَّضَ لَهُ لكَانَ مُثْبِتًا للحُكْمِ بِالنَّصِّ لَا بِالقِيَاسِ، ولَمَا كَانَ هذَا الرَّابِعُ مَشْروطًا بِشَرْطٍ أَعَادَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ أَيضًا كَمَا فَعَلَ بِالذي قَبْلَه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: ولوْ قَالَ: ثَبَتَ الحُكْمُ مَعَ انْتِفَاءِ وَصْفِكَ، لَمْ يَكْفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَصْفُ المُسْتَدِلِّ وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْقَطِعُ

ص: 557

لاعْتِرَافِه ولِعَدَمِ الانْعِكَاسِ.

ش: ولوْ قَالَ المُسْتَدِلُّ: ثَبَتَ الحُكْمُ مَعَ انْتِفَاءِ وَصْفِكَ أَيُّهَا المُعْتَرِضِ ـ فإِنْ أَبْدَى صُورَةً مُشْتَمِلَةً علَى الوَصْفِ الذي ذَكَرَ أَنَّهُ العِلَّةُ كَفَاهُ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ كَلَامِ المُصَنِّفِ، لأَنَّهُ قَادِحٌ فِي وَصْفِ المُعْتَرِضِ لِعَدَمِ الانْعِكَاسِ، وهو شُمُولُ جَمِيعِ الأَفْرَادِ، وهو شَرْطٌ بِنَاءً علَى مَنْعِ تَعَدُّدِ العِلَلِ، وإِن لَمْ يَشْتَمِلْ علَى وَصْفِ المُسْتَدِلِّ لَمْ يَكْفِه ذَلِكَ، لأَنَّهُ كَمَا يُفْسِدُ عِلَّةَ المُعْتَرِضِ يُفْسِدُ عِلَّةَ المُسْتَدِلِّ، لِعَدَمِ الانْعِكَاسِ فِيهِمَا لِوُجُودِ الحُكْمِ بِدُونِ وَصْفِهِمَا معًا.

وقَوْلُه: (وَقِيلَ: مُطْلَقًا) أَي لَا يَكْفِي ذَلِكَ ولوِ اشْتَمَلَتِ الصُّورَةُ التي ذَكَرَهَا المُسْتَدِلُّ علَى وَصْفِه، وهذَا مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: لَا يَكْفِي إِثبَاتُ الحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَه لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى/ (166/أَ/م).

ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ المُسْتَدِلَّ يَنْقَطِعُ بإِيرَادِه الصُّورَةَ التي لَيْسَ فِيهَا وَصْفَهُ لاعْتِرَافِه بِعَدَمِ انْعِكَاسِ عِلَّتِه، وهو وُجُودُهَا فِي جَمِيعِ الأَفْرَادِ، وَالعِبَارَةُ التي ذَكَرْتُهَا فِي التَّعْلِيلِ مُجَرَّدَةً، ولكنَّ الذي فِي أَكْثَرِ نُسَخِ هذَا الكِتَابِ:(لاعْتِرَافِه ولِعَدَمِ الانْعِكَاسِ) وفِيهِ نَظَرٌ.

قَالَ المُصَنِّفُ: ويَنْقَطِعُ، ولوْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ، لأَنَّهُ ـ بإِيرَادِه الصُّورَةَ التي لَمْ تَشْتَمِلْ لَا علَى وَصْفِ المُعْتَرِضِ، ولَا علَى وَصْفِه ـ مُعْتَرِفٌ بأَنَّهَا قَادِحَةٌ، وإِلَاّ لَمْ يَكُنْ لإِيرَادِه إِيَاهَا وَجْهٌ، وقَدْحُهَا فِي وَصْفِه كَقَدْحِهَا فِي وَصْفِ المُعْتَرِضِ سَوَاءً، فإِذَا قَدَحَ بِهَا وَصْفَ المُعْتَرِضِ كَانَ مُعْتَرِفًا بِبُطْلَانِ وَصْفِه، وذلك عَيْنُ الانْقِطَاعِ، انْتَهَى.

ص: ولو أَبْدَى المُعْتَرِضُ مَا يُخْلِفُ المُلْغَى سُمِّيَ تَعَدُّدَ الوَضْعِ وزَالَتْ فَائِدَةُ الإِلغَاءِ مَا لَمْ يُلْغِ المُسْتَدِلُّ الخَلَفَ بِغَيْرِ دَعْوَى قُصُورِهِ/ (136/أَ/د) أَو دَعْوَى مَنْ سَلَّمَ وُجُودَ المَظِنَّةِ ضَعْفَ المَعْنَي خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا إِلْغَاءً.

ص: 558

ش: إِذَا أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا يَخْلُفُ الوَصْفَ الذي أَلْغَاه المُسْتَدِلُّ، ويَقُومُ مَقَامَه سُمِّيَ تَعَدُّدَ الوَضْعِ لتَعَدُّدِ أَصْلِيِّ العِلَّةِ، فإِنَّ المُعْتَرِضَ لَمَّا عَوَّضَ المُلْغَى بِآخَرَ صَارَ مُعَلَّلاً بِكُلٍّ مِنْهُمَا، كَقَوْلِنَا فِي تَأْمِينِ العَبْدِ حَرْبِيًّا: أَمَانُ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ فَصَحَّ كَالحُرِّ، فَيَدَّعِي المُعْتَرِضُ أَنَّ الحُرِّيَةَ جُزْءُ عِلَّةٍ، وأَنَّ العِلَّةَ أَمَانُ المُسْلِمِ العَاقِلِ الحُرِّ فإِنَّ الحُرِّيَةَ مَظِنَّةُ الفَرَاغِ للنَّظَرِ فَيُلْغِيهَا المُسْتَدِلُّ بِالمَأْذُونِ له فِي القِتَالِ، فإِنَّ الحَنَفِيَّةَ وَافَقُوا علَى صِحَّةِ أَمَانِه فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: خَلَفَ الإِذْنُ الحُرِّيَةَ فِي هذه الصُّورَةِ، فإِنَّ الإِذنَ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الوُسْعِ فِي النَّظَرِ، إِذ لَا شَاغِلَ له.

وَقَوْلُهُ: (وزَالَتْ فَائِدَةُ الإِلْغَاءِ) أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: (فَسَدَ الإِلْغَاءُ) فإِنَّ الإِلْغَاءَ لَمْ يَفْسَدْ وَإِتْيَانُ المُعْتَرِضِ بمَا يَخْلُفُه اعْتِرَافٌ، مِنْهُ بِصِحَّتِه لكِنَّه يُزِيلُ فَائِدَتَه وهي سَلَامَةُ وصْفِ المُسْتَدِلِّ، وإِنَّمَا تَزُولُ فَائِدَتُه إِذَا لَمْ يَبْلُغِ المُسْتَدِلُّ الخُلْفَ، وَيُخْرِجُه عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ بِمَا عُرِفَ مِنَ الطُّرُقِ إِلَاّ طَرِيقَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِي أَنَّ الخَلَفَ/ (166/ب/م) قَاصِرٌ، فإِنَّ قُصُورَهُ لَا يُخْرِجُه عَن صَلَاحِيَةِ العِلِّيَّةِ لِجَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالقَاصِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، ولَا يُرَجِّحُ المُتَعَدَّى عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.

الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِي ضَعْفَ المَعْنَى فِي الوَصْفِ الذي عَارَضَه بِهِ مَعَ تَسْلِيمِه وُجُودَ المَظِنَّةِ، لأَنَّ ضَعْفَ مَعْنَاهُ لَا يَضُرُّ بَعْدَ ثُبُوتِ المَظِنَّةِ التي بِهَا التَّعْلِيلُ.

ثم أَشَارَ إِلَى خِلَافٍ فِي الطَّرِيقَيْنِ مَعًا بِقَوْلِهِ: (خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا إِلْغَاءً) فقَالَ بَعْضُهُم: دَعْوَى القُصُورِ، وبنَى ذَلِكَ علَى بُطْلَانِ التَّعْلِيلِ بِالقَاصِرَةِ أَو علَى تَرْجِيحِ التَّعْدِيَةِ عَلَيْهَا، وقَالَ بَعْضُهُم: تَسْلِيمُ وُجُودِ المَظِنَّةِ لَا يَدْفَعُ الإِلْغَاءَ بِضَعْفِ المَعْنَى، وفُهِمَ من ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ للمُسْتَدِلِّ ذِكْرُهَا، إِلا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُمَا إِلغَاءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: ويَكْفِي رُجْحَانُ وَصْفِ المُسْتَدِلِّ بِنَاءً علَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ.

ش: يَكْفِي فِي تَقْدِيمِ الوَصْفِ الذي أَبْدَاهُ المُسْتَدِلُّ علَى الوَصْفِ الذي أَبْدَاه المُعْتَرِضُ رُجْحَانَه عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ، كَذَا قَالَهُ المُصَنِّفُ، وبَنَاهُ

ص: 559

علَى اخْتِيَارِه مَعَ تَعَدُّدِ العِلَلِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وهو مَبْنِيٌّ علَى تَرْجِيحِه جَوَازَ اجْتِمَاعِ عِلَّتَيْنِ علَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ.

ص: وَقَدْ يُعْتَرَضُ بِاخْتِلَافِ جِنْسِ المَصْلَحَةِ، وإِنِ اتَّحَدَ ضَابِطُ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، فَيُجَابُ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ عَنِ الاعْتبَارِ.

ش: قَدْ يَتَّحِدُ الضَّابِطُ المَذْكُورُ فِي الأَصْلِ وفِي الفَرْعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّ جِنْسَ المَصْلَحَةِ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ كَقَوْلِنَا فِي اللِّوَاطِ، إِيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا، فَيُوجِبُ الحَدَّ كَالزِّنَا، فَيُعْتَرَضُ بأَنِّ الضَّابِطَ وإِنِ اتَّحَدَ فِيهِمَا لكِنَّ الحِكْمَةَ مُخْتَلِفَةً، فإِنَّ حِكْمَةَ الفَرْعِ الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وفِي الأَصْلِ دَفْعُ اخْتِلَاطِ الأَنْسَابِ، فَيَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَيُنِيطُ/ (136/ب/د) الحُكْمَ بإِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخْرَى، ويُجَابُ عن ذَلِكَ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ وهو اخْتِلَاطُ الأَنسَابِ فِي هذَا المِثَالِ عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ/ (167/أَ/م) بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، فَتَبْقَى العِلَّةُ القَدْرَ المُشْتَرَكَ.

وَقَدْ يُجَابُ بأَنَّ حُكْمَ الفَرْعِ مِثْلَ حُكْمِ الأَصْلِ أَو أَكْثَرَ بِأَنْ يُقَالُ فِي هذَا المِثَالِ، الزِّنَا وإِنْ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ المَوْلُودِ المُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ النَّسْلِ فَاللِّوَاطُ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الوِلَادَةِ أَصْلاً.

ص: وأَمَّا العِلَّةُ إِذَا كَانَتْ وُجُودُ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ فَلَا يَلْزَمُ وُجُودَ المُقْتَضِي وِفَاقًا للإِمَامِ وخِلَافًا لِلجُمْهُورِ.

ش: إِذَا كَانتْ عِلَّةُ انْتِفَاءِ الحُكْمِ وُجُودُ مَانِعٍ كَانْتِفَاءِ وُجُودِ القِصَاصِ علَى الأَبِّ لِمَانِعِ الأُبُوَّةِ، أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ كَانْتِفَاءِ وُجُوبِ رَجْمِ البِكْرِ لِعَدَمِ الإِحْصَانِ الذي هو شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ ـ فَهَلْ يَلْزَمُ وُجُودُ المُقْتَضَى؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:

ص: 560

أَحَدُهُمَا ـ وهو اخْتِيَارُ المُصَنِّفِ تَبَعًا للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وأَتبَاعِه ـ: لَا.

وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الآمِدِيُّ.

ص: مَسَالِكُ العِلَّةِ: الأَوَّلُ: الإِجْمَاعُ، الثَّانِي: النَّصُّ الصَّرِيحُ، مِثْلُ لِعِلَّةِ كَذَا، فَلِسَبَبِ، فَمِنْ أَجْلِ فنَحْوُ كَيْ، وَإِذَنْ وَالظَاهِرُ، كَاللَاّمٍ ظَاهِرَةً فَمُقَدَّرَةً: نحوُ: أَنْ كَانَ كَذَا، فَالبَاءُ، فَالفَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، فَالرَّاوِي الفَقِيهِ، فَغَيْرِه، ومِنْهُ: إِنْ وإِذْ ومَا مَضَى فِي الحُرُوفِ.

ش: المُرَادُ بِمَسَالِكِ العِلَّةِ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ علَى كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، فأَوَّلُهَا الإِجمَاعُ، فإِذَا أَجْمَعُوا علَى عِلِّيَّةِ وَصْفِ الحُكْمِ إِجْمَاعَاً قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا ثَبَتَ كَوْنُه عِلَّةً لَه، كإِجْمَاعِهِمْ علَى تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ الأَخِ الشَّقِيقِ فِي الإِرثِ علَى الأَخِ لِلأَبٍ بِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ أَي وُجُودُهُمَا فِيهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُه فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَصَلَاةِ الجَنَازَةِ وتَحَمُّلِ العَقْلِ وَالوَصِيَّةِ لأَقْرَبِ الأَقَارِبِ، وَالوَقْفِ عَلَيْهِ ونَحْوِهَا.

فإِنْ قُلْتَ: إِذَا أَجْمَعُوا علَى هذَا التَّعْلِيلِ فَكَيْفَ يَتَّجِهُ الخِلَافُ فِي هذه الصُّورَةِ؟

قُلْتُ: لَعَلَّ مَنْشَأَ الخِلَافِ التَّنَازُعُ فِي وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ أَوِ الفَرْعِ أَوْ فِي حُصُولِ شَرْطِهَا أَو مَانِعِهَا لَا فِي كَوْنِهَا عِلَّةً.

قَالَ الشَّارِحُ: وقَدَّمَ المُصَنِّفُ الإِجْمَاعَ علَى النَّصِّ تَبَعًا لِلْبَيْضَاوِيِّ، لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي العَمَلِ، وقَدَّمَ ابْنُ الحَاجِبِ وَغَيْرُه/ (167/ب/م) النَّصَّ وهو أَولَى، لأَنَّهُ أَصْلُ الإِجمَاعِ.

قُلْتُ: انْعَكَسَ ذَلِكَ علَى الشَّارِحِ فَابْنُ الحَاجِبِ هو الذي قَدَّمَ الإِجمَاعَ، وأَمَّا

ص: 561

البَيْضَاوِيُّ فإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ الإِيمَاءِ.

الثَّانِي: النَّصُّ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا دَلَالَةُ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وهو مُنْقَسِمٌ إِلَى صَرِيحٍ وظَاهِرٍ، وإِنْ شِئْتَ عَبَّرْتَ عَنِ الصَّرِيحِ بِالقَاطِعِ، كَمَا فَعَلَ البَيْضَاوِيُّ، وهو مَا دَلَّ علَى العِلِّيَّةِ بِالوَضْعِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَجَعَلَ المُصَنِّفُ الصَّرِيحَ مَرَاتِبَ، أَعْلَاهَا أَنْ يَرِدَ فِي النَّصِّ لِعِلَّةِ كذَا، ويَلِيهِ أَنْ يُقَالَ: لِسَبَبِ كذَا، وَيَلِيهِ: مِنْ أَجْلِ كذَا، كَقَوْلِه عليه الصلاة والسلام فِي عِلَّةِ/ (137/أَ/د) وُجُوبِ الاسْتِئْذَانِ:((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)) ويَلِيهِ: (كَيْ) كَقَوْلِه تَعَالَى فِي عِلَّةِ الفَيْءِ: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} أَي إِنَّمَا جُعِلَ الفَيْءُ لِهَؤُلَاءِ المَذْكُورِينَ كَيْ لَا يَتَدَاوَلُه الأَغْنِيَاءُ فَيُحْرَمُ مِنْهُ الفُقَرَاءُ.

ومِثْلُه (إِذًا) كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟)) فقَالُوا: نَعَمْ. فقَالَ: ((فَلَا إِذًا)).

وفِي هذَا التَّرْتِيبِ الذي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ نَظَرٌ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ (لأَجْلِ) و (كَيْ) دُونَ مَا قَبْلَهُمَا فِي الصَّرَاحَةِ.

وأَمَّا الظَّاهِر فهو مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ العِلِّيَّةِ احْتِمَالاً مَرْجُوحًا، وَجَعَلَ المُصَنِّفُ أَيضًا أَلفَاظَهُ مَرَاتِبَ، أَعْلَاهَا (اللَاّمُ) ظَاهِرَةً، كَقَوْلِهِ تعَالَى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} فَنَصَّ أَهْلُ اللُّغَةِ علَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، ولَمْ يُقْطَعْ بِذَلِكَ لاحْتِمَالِهَا

ص: 562

المِلْكَ وَالاخْتِصَاصَ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ (اللَاّمُ) مُقَدَّرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} لأَنَّ تَقْدِيرَهُ لأَنَّ، ثُمَّ (البَاءُ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ثُمَّ (الفَاءُ) أَي تَرْتِيب الحُكْمِ علَى الوَصْفِ بِالفَاءِ، لأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي التَّعْقِيبِ، ويَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ العِلِّيَّةُ غَالِبًا، لأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً إِلَاّ بِثُبُوتِ الحُكْمِ عَقِبَهُ وتَرَتُّبِهُ عَلَيْهِ، كَذَا قَرَّرَه الشَّارِحُ، وفِيهِ وفِي كَلَامِ المُصَنِّفِ نَظَرٌ، لأَنَّ العِلَّةَ علَى هذَا التَّقْدِيرِ إِنَّمَا هي بِالإِيمَاءِ لَا بِالنَّصِّ الظَّاهِر، وَقَدْ جَعَلَ البَيْضَاوِيُّ قَوْلَه عليه الصلاة والسلام/ (168/أَ/م) فِي المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ:((كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ولَا تُحَنِّطُوهُ ولَا تُقْرِبُوهُ طِيبًا، فإِنَّهُ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)) مِثَالاً للنَّصِّ الظَّاهِر، ثُمَّ جَعَلَه مِثَالاً للإِيمَاءِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بأَنَّ النَّصَّ قَوْلُه إِنَّ وَالإِيمَاءُ فِي الفَاِء، ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، مَعَ تَقَدُّمِ الحُكْمِ كَمَا مَثَّلنَاهُ، وَمَعَ تَأَخُّرِهِ كَقَوْلِهِ تعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ الرَّاوِي وهو أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنْ وُجُودِه فِي كَلَامِ الشَّارِعِ نحوُ: سَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَجَدَ، وسَوَاءً أَكَانَ الرَّاوِي فَقِيهَا أَو غَيْرَه، لكِنَّ ذَلِكَ مِنَ الفَقِيهِ أَقْوَى.

وَمِنْ أَلفَاظِ التَّعْلِيلِ أَيْضًا: (إِنْ) كَقَوْلِهِ تعَالَى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ} و (إِذْ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الأُصُولِيُّونَ كَقَوْلِهِ تعَالَى:{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَاّ اللَّهُ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ} وَمِنْهَا

ص: 563

حُرُوفٌ أُخَرُ سَبَقَتْ فِي فَصْلِ الحُرُوفِ فَلْتُرَاجَعْ.

ص: الثَّالِثُ الإِيمَاءُ وهو اقْتِرَانُ الوَصْفِ المَلْفُوظِ ـ قِيلَ: أَوِ المُسْتَنْبَطِ ـ بِحُكْمٍ ولوْ مُسْتَنْبَطًا لوْ لَمْ يَكُنْ للتَّعْلِيلِ هو أَوْ نَظِيرُهُ كَانَ بَعِيدًا كَحُكْمِهِ بَعْدَ سَمَاعِ وَصْفٍ وكَذِكْرِهِ فِي الحُكْمِ وَصْفًا لوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يُفِدْ، وكتَفْرِيقِه بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا أَوْ ذِكْرِ (137/ب/د) أَحَدِهِمَا أَوْ بِشَرْطٍ أَو غَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ أَو اسْتِدْرَاكٍ وكتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ وكمَنْعِه مِمَّا قَدْ يُفَوِّتُ المَطْلُوبَ ولَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ المُومَأِ إِلَيْهِ عِنْدَ الأَكثَرِ.

ش: الثَّالِثُ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ الإِيمَاءُ، وهو اقْتِرَانُ الوَصْفِ بِحُكْمٍ لو لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَصْفُ أَو نَظِيرُه للتَعْلِيلِ كَانَ ذَلِكَ الاقْتِرَانُ بَعِيدًا تَنَزَّهَ عَنْهُ فَصَاحَةُ الشَّارِعِ وجَزَالَتُه، وَقَيَّدَ المُصَنِّفُ الوَصْفَ بِكَوْنِه مَلْفُوظًا بِهِ، وَسَتَأْتِي أَمْثِلَتُه.

ثُمَّ حَكَى قَوْلاً بِإِلْحَاقِ الوَصْفِ المُسْتَنْبَطِ بِالمَلْفُوظِ، نحوُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ إِلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) فَالوَصْفُ الذي نِيطَ بِهِ الحُكْمُ ـ وهو الطَّعْمُ عِنْدَ القَائِلِ بِهِ ـ لَيْسَ مَنْصُوصًا بَلْ هو مُسْتَنْبَطٌ.

ثُمَّ قَسَّمَ الحُكْمَ إِلَى مَنْصُوصٍ ومُسْتَنْبَطٍ فَالمُسْتَنْبَطُ نحوُ قَوْلِه تعَالَى: {وَأَحَلَّ/ (168/ب/م) اللَّهُ البَيْعَ} فَالحُكْمُ وهو الصِّحَّةُ مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الحِلِّ وَلَيْسَ مَلْفُوظًا بِهِ، ومَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ الاكْتِفَاءِ فِي الحُكْمِ بِالاسْتِنْبَاطِ وَاشْتِرَاطُ التَّلَفُّظِ فِي الوَصْفِ هو الذي اخْتَارَهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وَقِيلَ: يَكْفِي فِيهِمَا الاسْتِنْبَاطُ، وَقِيلَ: لَا يَكْفِي فِيهمَا، ومِثَالُ النَّظِيرِ قَوْلُه عليه الصلاة والسلام للسَّائِلَةِ عَنِ الحَجِّ عَن أَبِيهَا: ((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ

ص: 564

فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟)) فَقَالَتْ: نَعَمْ: فَنَظِيرُه المَسْؤُولُ عَنْهُ كَذلِكَ، فنَبَّه علَى الأَصْلِ الذي هو دَيْنُ الآدَمِيِّ، وَالفَرْعِ وهو الحَجُّ الوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَالعِلَّةِ وهي قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ.

ثُمَّ قَسَّمَ المُصَنِّفُ الإِيمَاءَ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ الشَّارِعُ بِحُكْمٍ عَقِبَ عِلْمِهِ بِصِفَةٍ اتَّصَفَ بِهَا المُخَاطَبُ، فَيَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصّفةَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، نحوُ حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ الذي قَالَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ! فقَالَ لَه: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)) رَوَاه ابْنُ مَاجَةَ هكذَا، وأَصْلُه فِي بَقِيَّةِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، فَحُكْمُه بِالإِعْتَاقِ بَعْدَ عِلْمِه بِجِمَاعِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِلَّةُ الإِعْتَاقِ.

القِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ وَصْفًا لوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِلحُكْمِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام امْتَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ علَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ كَلْبٌ فَقِيلَ لَه: إِنَّكَ تَدْخُلُ علَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ هِرَّةٌ؟ فقَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)).

قُلْتُ: كَذَا ذَكَرَهُ فِي (المَحْصُولِ) وهذَا الحَدِيثُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ هَكذَا، فإِنَّ قِصَّةَ دُخُولِهِ علَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ رَوَاهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِه وَالذي فِيهِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَجَابَ بِقَوْلِهِ:((إِنَّ الهِرَّةَ سَبُعٌ)) وأَمَّا قَوْلُه: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)) فإِنَّمَا وَرَدَ عِنْدَ إِصْغَاءِ الإِنَاءِ لَهَا

ص: 565

لِتَشْرَبَ مِنْه.

القِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُفَرِّقَ/ (138أَ/د) عليه الصلاة والسلام بَيْنَ حُكْمَيْنِ بأَحدِ أُمُورٍ.

أَحَدُهَا: الصِّفَةُ، سَوَاءً ذَكَرَ القِسْمَينِ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((لِلفَارِسِ سَهْمَانِ وللرَّاجِلِ سَهْمٌ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، أَو ذَكَرَ أَحَدَهُمَا نحوُ:((القَاتِلُ لَا يَرِثُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فمُقْتَضَاه أَنَّ العِلَّةَ فِي نَفْيِ الإِرْثِ القَتْلُ/ (169/ب/م).

ثَانِيهَا: الشَّرْطُ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ)).

ثَالِثُهَا: الغَايَةُ كَقَوْلِهِ تعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} .

رَابِعُهَا: الاسْتِثْنَاءُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ} .

خَامِسُهَا: الاسْتِدْرَاكُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} فَهُو دَالٌّ علَى أَنَّ العَقْدَ عِلَّةُ المُؤَاخَذَةِ.

القِسْمُ الرَّابِعُ: تَرْتِيبُ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ نحوُ: أَكْرِمِ العُلَمَاءَ، وَالمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الفَاءِ، فإِنْ كَانَ بِالفَاءِ نحوُ قَوْلِه تعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ الظَّاهِر كَمَا تَقَدَّمَ.

ص: 566

القِسْمُ الخَامِسُ: المَنْعُ مِنْ فِعْلٍ قَدْ يُفَوِّتُ مَا طَلَبَه الشَّارِعُ مِنَّا قَبْلَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تعَالَى:{فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ} فإِنَّه يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ البَيْعِ تَفْوِيتُهُ السَّعْيَ المَأُمُورَ بِهِ ثُمَّ حَكَى المُصَنِّفُ عَنِ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّعْلِيلِ بِالإِيمَاءِ مُنَاسَبَةُ المُومَأِ إِلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُهُ مُطْلَقًا، وَاختَارَهُ الغَزَالِيُّ.

ثَانِيهُمَا ـ وَاختَارَهُ ابْنُ الحَاجِبِ ـ: الاشْتِرَاطُ إِنْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ مِنَ المُنَاسَبَةِ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ)) وإِلَاّ فلَا، وَالخِلَافُ بِالنِّسَبَةِ إِلَى الظَّاهِرِ، وهي مُعْتَبَرَةٌ فِي نَفْسِ الأَمْرِ قَطْعًا للاتِّفَاقِ علَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الأَحكَامِ مِنَ الحِكْمَةِ إِمَّا فَضْلاً أَو وُجُوبًا، علَى الخِلَافِ المَعْرُوفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: الرَّابِعُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وهو حَصْرُ الأَوصَافِ فِي الأَصْلِ، وإِبطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ فَيتَعَيَّنُ البَاقِي، ويَكْفِي قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ، وَالأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَالمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّه، فإِنْ كَانَ الحَصْرُ وَالإِبطَالُ قَطْعِيًّا فَقَطْعِيٌّ وإِلَاّ فَظَنِّيٌّ، وهو حُجَّةٌ للنَّاظِرِ وَالمُنَّاظِرِ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجْمَعَ علَى تَعْلِيلِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وَعَلَيْهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، ورَابِعُهَا: للنَّاظِرِ دُونَ المُنَاظِرِ.

ش: الرَّابِعُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وهو أَنْ يَحْصُرَ المُسْتَدِلُّ الأَوصَافَ التي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الأَصْلُ المَقِيسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْطِلُ مِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ للتَعْلِيلِ، فَيَتَعَيَّنُ البَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ.

ص: 567

وَالسَّبْرُ فِي اللُغَةِ: الاخْتِبَارُ، (169/ب/م) وَالتَّقْسِيمُ مُتَقَدِّمٌ فِي الوُجُودِ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ تِعْدَادُ الأَوْصَافِ التي يُتَوَهَّمُ صَلَاحِيَّتَهَا للتَعْلِيلِ، ثُمَّ يَسْبِرُهَا أَي يَخْتَبِرُهَا لِيَمِيزَ الصَّالِحَ للتَعْلِيلِ مِنْ غَيْرِه.

وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ/ (138/ب/د) السَّبْرَ وإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ التَّقْسِيمِ فهو مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَيضًا، لأَنَّهُ أَوَّلاً يَسْبِرُ المَحَلَّ هَلْ فِيهِ أَوْصَافٌ أَمْ لَا ثُمَّ يُقَسِّمُ ثُمَّ يَسْبِرُ ثَانِيًا، فَقَدَّمَ السَّبْرَ فِي اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ السَّبْرِ الأَوَّلِ.

ثُمَّ إِنْ أَقَامَ المُسْتَدِلُّ دَلِيلاً علَى الحَصْرِ دَائِرًا بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثبَاتِ فهو أَكْمَلُ، كَقَوْلِنَا: وِلَايَةُ الإِجْبَارِ فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ لَا تُعَلَّلَ أَوْ تُعَلَّلَ بِالبَكَارَةِ أَو بِالصِّغَرِ أَو بِغَيْرِهِمَا، وعَدَمُ التَّعْلِيلِ وَالتَعْلِيلُ بِغَيْرِهِمَا بَاطِلَانِ بِالإِجْمَاعِ.

وَالدَّلِيلُ علَى بُطْلَانِ التَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ أَنَّهُ يَقْتَضِي إِجْبَارَ الصَّغِيرَةِ الثَّيِّبَ، وَيَرُدُّه قَوْلُه عليه الصلاة والسلام:((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فتَعَيَّنَ تَعْلِيلُه بِالبَكَارَةِ، وإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلاً حَاضِرًا فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِي الأَصْلِ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُه مِنَ الأَوصَافِ ـ أَوْ يَسْتَدِلُّ علَى نَفْيِ مَا عَدَاهَا بأَنَّهُ خِلَافُ الأَصْلِ، وَمَحَلُّ الاكْتِفَاءِ مِنْهُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ أَهْلاً للنَّظَرِ ثِقَةً.

وهذَا كُلُّه فِي حَقِّ المُنَاظِرِ أَمَّا المُجْتَهِدُ فإِنَّه يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّه فَيَلْزَمُه الأَخذُ بِهِ ولَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الحَصْرُ فِي الأَوْصَافِ المَذْكُورَةِ وإِبطَالُ مَا عَدَا الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه قَطْعِيَّيْنِ فَالتَعْلِيلُ بِالبَاقِي مِنَ الأَوصَافِ قَطْعِيٌّ، وإِن كَانَا ظَنِّيَّيْنِ أَو أَحَدُهُمَا قَطْعِيٌّ وَالآخَرُ ظَنِّيٌّ، فَالتَعْلِيلُ ظَنِّيٌّ.

وَهَلِ الظَّنِّيُّ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟

فِيه مَذَاهِبُ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، أَي للنَّاظِرِ وَالمُنَاظِرِ، وَاخْتَارَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَقوَى مَا يُثْبِتُ العِلَلَ، وَحَكَاهُ المُصَنِّفُ عَنِ الأَكْثَرِينَ.

ص: 568

وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، حَكَاهُ فِي (البُرْهَانِ) عَن بَعْضِ الأُصُولِيِّينَ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِنِ انْعَقَدَ الإِجمَاعُ علَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ فِي الجُمْلَةِ، وإِلَاّ فلَا، وَاختَارَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ.

وَالرَابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ للنَّاظِرِ دُونَ المُنَاظِرِ وَاختَارَهُ الآمِدِيُّ.

ص: فإِنْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا زَائِدًا لَمْ يُكَلَّفْ بَيَانَ صَلَاحِيَّتِهِ للتَعْلِيلِ، ولَا يَنْقَطِعُ المُسْتَدِلُّ حتَّى يَعْجَزَ عَنْ إِبْطَالِه، وَقَدْ/ (170/أَ/م) يَتَّفِقَانِ علَى إِبطَالِ مَا عَدَا وَصْفَينِ فَيَكْفِي المُسْتَدِلَّ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا.

ش: لِلْمُعْتَرِضِ بَعْدَ إِتمَامِ المُسْتَدِلِّ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ إِبْدَاءُ وَصْفٍ زَائِدٍ علَى الأَوصَافِ التي ذَكَرَهَا المُسْتَدِلُّ، ولَا يَلْزَمُه أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ صَالِحٌ للتَعْلِيلِ، بَلْ إِبْطَالُ صَلَاحِيَّتِه لِذَلِكَ وَظِيفَةُ المُسْتَدِلِّ لَا يَتِمُّ دَلِيلُه إِلَاّ بِذَلكَ، ولَا يَنْقَطِعُ إِلا بِعَجْزِه عَنْهُ.

وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ المُعْتَرِضِ الوَصْفَ بِظُهُورِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الحَصْرِ، فإِنِ اتَّفَقَ المُتَنَاظِرَانِ علَى أَنَّ انْحِصَارَ العِلَّةِ فِي وَصْفَيْنِ وإِبْطَالِ مَا عَدَاهُمَا ـ كَفَى المُسْتَدِلَّ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا، ولَا يَلْزَمُه التَّعَرُّضُ لِمَا اتَّفَقَا علَى إِبْطَالِه، فلو قَالَ: اتَّفَقْنَا علَى أَنَّ العِلَّةَ المَعْنَى الذي ذَكَرْتُه أَنَا، وَالذي ذَكَرْتَهُ أَنْتَ، وتَرَجَّحَتْ عِلَّتِي بكذَا، فقَالَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ/ (139/أَ/د) فِي مُنَاظَرَتِه مَعَ القَدُورِيِّ: لَا يَكْفِي، فإِنَّ اتِّفَاقِي مَعَكَ علَى أَنَّ العِلَّةَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ لَيْسَ دَلِيلاً، فإِنَّ اجْتِمَاعَنَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي إِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وقَالَ القَدُورِيُّ: يَكْفِي ذَلِكَ

ص: 569

لِقَطْعِ المُنَازَعَةِ.

ص: ومِنْ طُرُقِ الإِبطَالِ بيَانُ أَنَّ الوَصْفَ طُرِدَ ولوْ فِي ذَلِكَ الحُكْمِ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ فِي العِتْقِ.

ش: مِنْ طُرُقِ إِبطَالِ عِلِّيَّةِ بَعْضِ الأَوصَافِ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ طَرْدِيُّ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ إِلْغَاؤُه إِمَّا مُطْلَقًا، أَي فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ، كَالطُّولِ وَالقِصَرِ، فإِنَّه لَا اعْتِبَارَ بِهِمَا فِي شَيْء مِنَ الأَحكَامِ، وإِمَّا فِي ذَلِكَ الحُكْمِ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ فِي أَحكَامِ العِتْقِ، فإِنَّه لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ وَالقَضَاءِ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالإِرْثِ، فَلَا يُعَلَّلُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ أَحكَامِ العِتْقِ.

قَالَ الشَّارِحُ: وَقَدْ يُنَازَعُ فِي هذَا بأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي حُصُولِ الأَجْرِ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا مُسْلِمًا أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)).

قُلْتُ: التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الأَجْرِ مِنْ أَحْكَامِ الآخِرَةِ، وَالكلَامُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ عِتْقِ الوَاجِبِ فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا.

ص: وَمِنْهَا أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ المَحْذُوفِ للْحُكْمِ/ (170/ب/م) وَيَكْفِي قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ مُوهِمَ مُنَاسَبَةً، فإِنِ ادَّعَى المُعْتَرِضُ أَنَّ المُسْتَبْقَى كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِه، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ،

ص: 570

ولكِنْ يُرَجِّحُ سَبْرَهُ بِمَوَافَقَةِ التَّعْدِيَةِ.

ش: وَمِنْ طُرُقِ إِبْطَالِ عِلِّيَّةِ بَعْضِ الأَوْصَافِ أَنْ لَا يُظْهِرَ مُنَاسَبَةَ الوَصْفِ الذي يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ إِسْقَاطَهُ وحَذْفَه للْحُكْمِ، ويَكْفِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَا يُوهِمُ المُنَاسَبَةَ، فإِنِ ادَّعَى المُعْتَرِضُ أَنَّ الوَصْفَ الذي اسْتَبْقَاهُ المُسْتَدِلُّ وَاعْتَبَرَه ولَمْ يَحْذِفْه كَذَلِكَ ـ أَي لَا يُظْهِرُ فِيهِ مُنَاسَبَةً ـ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِهِ، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ السَّبْرِ إِلَى المُنَاسَبَةِ، لكِنْ لَهُ تَرْجِيحُ سَبْرِهِ علَى سَبْرِ المُعْتَرِضِ، بأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ سَبْرَه مُوَافِقٌ لِتَعْدِيَةِ الحُكْمِ، وَسَبْرَ المُعْتَرِضِ قَاصِرٌ، وهذَا مَبْنِيٌّ علَى أَنَّ المُتَعَدِّيَةَ أَرْجَحُ مِنَ القَاصِرَةِ وهو المُخْتَارُ.

ص: الخَامِسُ: المُنَاسَبَةُ وَالإِخَالَةُ ويُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا تَخْرِيجُ المَنَاطِ، وهو: تَعْيِينُ العِلَّةِ بإِبدَاءِ مُنَاسَبَةٍ مَعَ الاقْتِرَانِ وَالسَّلَامَةِ، عَنِ القَوَادِحِ كَالإِسْكَارِ وَيَتَحَقَّقُ الاسْتِقْلَالُ بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ بِالسَّبْرِ.

ش: الخَامِسُ: مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ المُنَاسَبَةُ، وتُسَمَّى أَيضًا الإِخَالَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِالخَاءِ المُعْجَمَةِ، مِنْ خَالَ إِذَا ظَنَّ، لأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ يُخَالُ أَنَّهُ عِلَّتُهُ، ويُسَمَّى أَيضًا تَخْرِيجَ المَنَاطِ، لِمَا فِيهِ مْنِ إِبْدَاءِ مَا نِيطَ بِهِ الحُكْمُ أَي عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَعَرَّفَه المُصَنِّفُ/ (139/ب/د) بأَنَّهُ تَعْيِينُ العِلَّةِ بإِبْدَاءِ مُنَاسَبَةٍ مَعَ الاقْتِرَانِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ القَوَادِحِ.

وَالمُرَادُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ بينهَا وَبَيْنَ الحُكْمِ.

وَالمُرَادُ بِالاقْتِرَانِ مُقَارَنَةُ الحُكْمِ لِلْوَصْفِ.

فَخَرَجَ بإِبدَاءِ المُنَاسَبَةِ تَعْيِينُ العِلَّةِ بِالطَّرْدِ أَو الشَّبَهِ.

وذِكْرُ الاقْتِرَانَ مِنْ زِيَادَةِ المُصَنِّفِ علَى ابْنِ الحَاجِبِ وهو لِبَيَانِ اعْتِمَادِ المُنَاسَبَةِ، لَا لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّتِهَا فإِنَّهم يَقُولُونَ: المُنَاسَبَةُ مَعَ الاقْتِرَانِ دَلِيلُ العِلِّيَّةِ، فَلَوْ

ص: 571

دَخَلَ الاقْتِرَانُ فِي مَاهِيَّةِ المُنَاسَبَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ومِثَالُه الإِسْكَارُ فإِنَّه عِلَّةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، ولَكِنَّه مُسْتَنْبَطٌ فإِنَّ الإِسْكَارَ لإِزَالَتِه لِلْعَقْلِ المَطْلُوبِ حِفْظُه يُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ، وأُلْحِقَ بِهِ النَّبِيذُ وَالحَشِيشَةُ وَغَيْرُهُمَا.

وَقَدْ اعْتُرِضَ علَى هذَا التَّعْرِيفِ بأَنَّ فِيهِ دَوْرًا، لأَنَّ مَعْرِفَةَ إِبْدَاءِ المُنَاسَبَةِ يَتَوَقَّفُ علَى مَعْرِفَتِهَا فَكَيْفَ يُعْرَفُ بِهَا؟

وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ المُنَاسَبَةَ/ (171/أَ/م) المَأْخُوذَةَ فِي التَّعْرِيفِ لُغَوِيَّةٌ بِمَعْنَى المُلَائَمَةِ فَلَا دَوْرَ، ويَتَحَقَّقُ الاسْتِدْلَالُ علَى أَنَّ الوَصْفَ الذي أَبدَاه هو العِلَّةُ بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ، ولَا يَكْفِي أَن يَقُولَ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَه، وإِلَاّ لَلَزِمَ الاكْتِفَاءُ بِهِ ابْتِدَاءً ولَا قَائِلَ بِهِ.

ص: وَالمنَاسِبُ: المُلَائِمُ لأَفعَالِ العُقَلَاءِ عَادَةً، وَقِيلَ: مَا يَجْلِبُ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ ضَرَرًا وقَالَ أَبُو زَيْدٍ: مَا لَوْ عُرِضَ علَى العُقُولِ لَتَلَقَّتْهُ بِالقَبُولِ، وَقِيلَ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلاً مِنْ تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ كَوْنُه مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ فإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَو غَيْرَ مُنْضَبِطٍ اعْتُبِرَ مُلَازِمُه وهُوَ المَظِنَّةُ.

ش: للْمُنَاسِبِ تَعْرِيفَاتٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ الوَصْفُ المُلَائِمُ لأَفْعَالِ العُقَلَاءِ فِي العَادَةِ، أَي يَقْصِدُه العُقَلَاءُ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ، كَمَا يقَالَ: هذه اللُّؤْلُؤَةُ تُنَاسِبُ هذه اللُّؤْلُؤَةَ، وهذه الجُبَّةُ تُنَاسِبُ هذه العِمَامَةَ.

الثَّانِي: أَنَّهُ مَا يَجْلِبُ للإِنسَانِ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وقَيَّدْنَا ذَلِكَ بِالإِنسَانِ كَمَا فَعَلَ البَيْضَاوِيُّ لِتَعَالِي الرَّبِّ سُبْحَانَه عَنِ الضَّرَرِ وَالانْتِفَاعِ.

وَقَدْ اعْتُرِضَ علَى هذَا التَّعْرِيفِ بأَنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ العِلَّةِ بِالحُكْمِ، لأَنَّ الوَصْفَ المُنَاسِبَ

ص: 572

مِنْ أَقْسَامِ العِلَّةِ كَالقَتْلِ يُنَاسِبُ إِيجَابَ القِصَاصِ وَالجَالِبُ لِلنَّفْعِ الدَّافِعُ للضَّرَرِ هو الحُكْمُ، كإِيجَابِ القِصَاصِ جَالِبٌ لِمَنْفَعَةِ بَقَاءِ الحَيَاةِ، ودَافِعٌ لِضَرَرِ التَّعَدِّي، فَلِذَلكَ قَالَ بَعْضُهُم فِي تَعْرِيفِه: إِنَّهُ الوَصْفُ المُفْضِي إِلَى مَا يَجْلِبُ للإِنْسَانِ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَاعْتَرَضَه شَيْخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإِسْنَوِيُّ بأَنَّ فِعْلَ الجَانِي لَيْسَ جَالِبًا ولَا دَافِعًا، بَلِ الجَالِبُ أَو الدَّافِعُ المَشْرُوعِيَّةُ، وفِيمَا اعْتَرَضَ/ (140/أَ/د) بِهِ نَظَرٌ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ جَالِبٌ دَافِعٌ، وإِنمَا فِيهِ أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى ذَلِكَ، وهو صَحِيحٌ لأَنَّ القَتْلَ مُنَاسِبٌ لإِيجَابِ القِصَاصِ ومُفْضٍ إِلَيْهِ بَمَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وحَكَى فِي (المَحْصُولِ) التَّعْرِيفَ الأَوَّلَ عَمَّنْ لَا يُعَلِّلُ أَحكَامَ اللَّهِ تعَالَى، وَالثَّانِي: عَمَّنْ يُعَلِّلُهَا، ولمَّا كَانَ/ (171/ب/م) المُعْتَمَدُ قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ فِي عَدَمِ تَعْلِيلِهَا اخْتَارَ المُصَنِّفُ الأَولَ.

الثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ.

قَال فِي البَدِيعِ: وهو أَقْرَبُ إِلَى اللُّغَةِ، وبَنَى عَلَيْهِ امْتِنَاعَ الاحْتِجَاجِ بِهِ فِي المُنَاظَرَةِ، دُونَ النَّظَرِ لإِمْكَانِ قَوْلِ الخَصْمِ: لَا يَتَلَقَّاه عَقْلِي بِالقَبُولِ.

ومِنْهُم مَنِ اعْتَنَى بِهِ، وقَالَ: لَيْسَ المُرَادُ عَقْلَ المُتَنَاظِرِينَ، بَلْ إِذَا تَلَقَّتْه العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِالقَبُولِ انْتَهَضَ دَلِيلاً علَى المُنَاظِرِ.

الرَابِعُ: لِلآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وتَصْدِيرُه بِالوَصْفِ جَرَى علَى الغَالِبِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ العِلَّةَ قَدْ تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فلو قَالَ:(مَعْلُومٌ) لَتَنَاوَلَ ذَلِكَ، وخَرَجَ بِالظَّاهِرِ الخَفِيُّ، وبِالمُنْضَبِطِ مَا لَا يَنْضَبِطُ، فَلَا يُسَمَّى مُنَاسِبًا، وَقَوْلُهُ:(مَا يَصْلُحُ) فَاعِلٌ لِـ (يَحْصُلُ) وَخَرَجَ بِهِ الوَصْفُ المُسْتَبْقَى فِي السَّبْرِ، وَالمَدَارُ فِي الدَّوَرَانِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَوصَافِ التي تَصْلُحُ للِعِلَّةِ، ولَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا ذَكَرَ.

ص: 573

وَقَوْلُهُ: (مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ) بيَانٌ لِمَا فِي (مَا يَصْلُحُ) ثُمَّ فَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى هذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَصْفُ خَفِيًّا أَو غَيْرَ مُنْضَبِطٍ اعْتُبِرَ مُلَازِمُه، وهو وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُلَازِمٌ للوَصْفِ الخَفِيِّ، وهو المَظِنَّةُ، أَي مَظِنَّةُ المُنَاسِبِ كَالسَّفَرِ، فإِنَّه مُلَازِمٌ لِلْمَشَقَّةِ، لكنَّ اعْتبَارَهَا مُتَعَذَّرٌ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، فَنِيطَ التَّرْخُّصُ بِمُلَازِمِهَا وهو السَّفَرُ.

ص: وَقَدْ يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ يَقِينًا أَو ظَنًّا كَالبَيْعِ وَالقِصَاصِ وَقَدْ يَكُونُ مُحْتَمَلاً سَوَاءً كَحَدِّ الخَمْرِ أَو نَفْيُه أَرْجَحُ كنِكَاحِ الآيِسَةِ للتَّوَالُدِ وَالأَصَحُّ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ كَجَوَازِ القَصْرِ لِلْمُتَرَفِّهِ، فإِنْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا فقَالتِ الحَنَفِيَّةُ، يُعْتَبَرُ وَالأَصَحُّ لَا يُعْتَبَرُ سَوَاءً مَا لَا تَعَبُّدَ فِيهِ كَلُحُوقِ نَسَبِ المَشْرِقِيِّ بِالمَغْرِبِيَّةِ ومَا فِيهِ تَعَبُّدٌ كَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا فِي المَجْلِسِ.

ش: لِحُصُولِ المَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ مَرَاتِبُ:

أَحَدُهَا: أَن يَحْصُلَ يَقِينًا كَالبَيْعِ، فإِنَّه إِذَا صَحَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَقْصُودُه مِنْ حِلِّ الانْتِفَاعِ يَقِينًا.

الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ ظَنًّا كَالقِصَاصِ، فإِنَّ حُصُولَ الانْزِجَارِ بِهِ عَنِ القَتْلِ لَيْسَ قَطْعِيًّا لإِقدَامِ كَثِيرٍ علَى القَتْلِ مَعَ وُجُودِ القِصَاصِ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ مِثَالَهُمَا مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ المُرَتَّبِ.

وظَاهِرُ كَلَامِه الاتِّفَاقُ علَى اعْتِبَارِهِمَا تَفْرِيعًا علَى القَوْلِ بِالمُنَاسَبَةِ، وهو كذلك.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلاً احْتِمَالاً مُسْتَوِيًا.

ص: 574

وقَال فِي (البَدِيعِ): لَا مِثَالَ لَهُ علَى التَّحْقِيقِ، ومَّثَلَ له المُصَنِّفُ ـ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ/ (140/ب/د) بِحَدِّ الخَمْرِ لِحِفْظِ العَقْلِ، فإِنَّ حُصُولَ المَقْصُودِ بِهِ مُسَاوٍ لِنَفْيِهِ، لأَنَّ كَثْرَةَ المُجْتَنِبِينَ لَهُ مُسَاوِيَةٌ تَقْرِيبًا لِكَثْرَةِ المُقْدِمِينَ عَلَيْه.

الرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَفْيُ حُصُولِ المَقْصُودِ بِهِ أَرْجَحُ، كَنِكَاحِ الآيِسَةِ للتَّوَالُدِ، فإِنَّ حُصُولَه مُمْكِنٌ عَقْلاً لَا عَادَةً، وَالأَصَحُّ وِفَاقًا لابْنِ الحَاجِبِ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِالقِسْمَينِ الأَخِيرَيْنِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ القَصْرِ للْمَلِكِ المُتَرَفِّهِ بِالسَّفَرِ وإِنِ انْتَفَتِ المَشَقَّةُ فِي حَقِّهِ، فلو قَطَعْنَا بِفَوَاتِ المَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كإِلحَاقِ النَّسَبِ بِمَشْرِقِيٍّ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ اجْتِمَاعِهمَا فَاعْتَبَرَه الحَنَفِيَّةُ أَيضًا، وأَلْحَقُوا بِهِ النَّسَبَ، وخَالَفَهُم الجُمْهُورُ فَلَمْ يُلْحِقُوه بِهِ.

فإِنْ قِيلَ: قَدِ اعْتَبَرَه الشَّافِعِيَّةُ أَيضًا فَأَوْجَبُوا الاسْتِبْرَاءَ علَى مَنْ بَاعَ جَارِيَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنَ المُشْتَرِي مِنْهُ فِي مَجْلِسِ العَقْدِ، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ شَغْلِ رَحِمِهَا مِنَ الثَّانِي؟

قُلْتُ: ذَلِكَ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنَى، وَلَيْسَ مُعَلَّلاً بَاحْتِمَالِ الشَّغْلِ، ولهذَا غَايَرَ المُصَنِّفُ بَيْنَ المِثَالَيْنِ.

ص: وَالمُنَاسِبُ ضَرُورِيٌّ، فحَاجِيٌّ، فَتَحْسِينِيٌّ، وَالضَّرُورِيُّ كَحِفْظِ الدِّينِ فَالنَّفْسِ فَالعَقْلِ فَالنَّسَبِ فَالمَالِ وَالعِرْضِ، ويُلْحَقُ بِهِ مُكَمِّلُهُ كَحَدِّ قِلِيلِ المُسْكِرِ وَالحَاجِيُّ كَالبَيْعِ فَالإِجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا كَالإِجَارَةِ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، ومُكَمِّلُهُ كخِيَارِ البَيْعِ، وَالتَّحْسِينِيُّ غَيْرُ مُعَارِضِ القَوَاعِدِ كَسَلْبِ العَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، وَالمُعَارِضُ كَالكِتَابَةِ.

ش: المُنَاسِبُ علَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

ص: 575

ضَرُورِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ.

وحَاجِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الحَاجَةِ.

وتَحْسِينِيٌّ، وهو مَا كَانتْ مَصْلَحَتُه مُسْتَحْسَنَةٌ فِي العَادَاتِ.

وعَطَفَ المُصَنِّفُ بَعْضَهَا علَى بَعْضٍ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ اجْتَمَعَتِ الأَقْسَامُ فِي النَّفَقَةِ، فَنَفَقَةُ النَّفْسِ ضَرُورِيَّةٌ، وَالزَّوْجَةُ حَاجِيَّةٌ، وَالأَقَارِبُ تَحْسِينِيَّةٌ، ولِهذَا رُتِّبَتْ فِي الوُجُوبِ:/ (172/ب/م) هكذَا، فَالأَوَّلُ كَحِفْظِ الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ التي اتَّفَقَتْ المِلَلُ علَى حِفْظِهَا، وهي الدِّينُ وَالنَّفْسُ وَالعَقْلُ وَالنَّسَبُ وَالمَالُ.

ورَتَّبَهَا المُصَنِّفُ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا، فَحِفْظُ الدِّينِ بِالقِتَالِ، وَالنَّفْسِ بِالقِصَاصِ، وَالعَقْلِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى شَارِبِ الخَمْرِ، وَالنَسَبِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى الزَّانِي، وَالمَالِ بإِيجَابِ الضَّمَانِ علَى مُتْلِفِه وعُقُوبَةُ السَّارِقِ وَالمُحَارِبِ.

وزَادَ المُصَنِّفُ ـ وَقَبْلَه الطُّوفِيُّ ـ علَى الخَمْسِ.

سَادِسًا: وهو العَرَضُ، ففِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ فِي خُطْبَتِه فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ:((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعرَاضَكَمُ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) وتَحْرِيمُ الأَعرَاضِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وحِفْظُه بِحَدِّ القَذْفِ، وكَلَامُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي مَرْتَبَةِ المَالِ لِعَطْفِه عَلَيْهِ بِالوَاوِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ دُونَ الكُلِّيَّاتِ فَيَكُونُ مِنَ المُلْحَقِ (141/أَ/د) بهَا.

قَالَ الشَّارِحُ: وَالظَاهِرُ أَنَّ الأَعْرَاضَ تَتَفَاوَتُ، فَمِنهَا مَا هو مِنَ الكُلِّيَّاتِ وهو الأَنْسَابُ، وهي أَرْفَعُ مِنَ الأَموَالِ، فإِنَّ حِفْظَهَا تَارَةً بتَحْرِيمِ الزِّنَا، وتَارَةً بِتَحْرِيمِ القَذْفِ المُفْضِي إِلَى الشَّكِّ فِي أَنْسَابِ الخَلْقِ ونِسْبَتِهِم لآبَائِهِم، وتَحْرِيمُ الأَنْسَابِ مُقَدَّمٌ علَى الأَمْوَالِ.

ص: 576

ومِنْهَا مَا هو دُونَهَا وهو مَا عَدَا الأَنسَابِ. انْتَهَى.

وَيُلْحَقُ بِالضَّرُورِيِّ مُكَمِّلُهُ كإِيجَابِ الحَدِّ بِشُرْبِ قَلِيلِ المُسْكِرِ، فإِنَّ كَثِيرَه يُفْسِدُ العَقْلَ، ولَا يَحْصُلُ إِلا بإِفسَادِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، فَالقليلُ مُتْلِفٌ لِجُزْءٍ مِنَ العَقْلِ، وإِنْ قَلَّ.

وَالثَّانِي وهو الحَاجِيُّ كَالبيعِ وَالإِجَارَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِمَا فوَاتُ شَيْء مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، لكِنِ الحَاجَةُ إِليهمَا.

وذَكَرَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ أَنَّ البَيْعَ ضَرُورِيٌّ، فإِنَّ النَّاسَ لو لَمْ يُبَادِلُوا مَا بِأَيْدِيهِم لَجَرَّ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيُلْحَقُ بِالقِصَاصِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ بَعْضَ هذَا القِسْمِ قَد يَصِيرُ ضَرُورِيًّا لِعَارِضٍ كَاسْتِئْجَارِ الوَلِيِّ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ.

قُلْتُ: تَحْصُلُ تَرْبِيَتُه بِمُبَاشَرَةِ الوَلِيِّ لذلك، وبِشِرَاءِ جَارِيَةٍ لَه، وبِمُتَبَرِّعٍ بِهِ، وبِمَنْ جُعِلَ له عَلَيْهِ جُعْلٌ، فَلَا يَنْحَصِرُ الأَمْرُ فِي الاسْتِئْجَارِ، فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا، ولَوْ مَثَّلَ بِشِرَاءِ الوَلِيِّ لَهُ المَطْعُومَ وَالمَلْبُوسَ لكَانَ أَوْلَى.

وَيَلْحَقُ بِالحَاجِيِّ مُكَمِّلُه كَخِيَارِ البَيْعِ، فإِنَّه شُرِعَ للتَّرَوِّي، وإِنْ حَصَلَ أَصْلُ الحَاجَةِ بِدُونِه.

وَالثَّالِثُ ـ وهو/ (173/أَ/م) التَّحْسِينِيُّ ـ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُعَارِضَه شَيْءٌ مِنَ القوَاعِدِ، كَسَلْبِ العَبْدِ أَهْلِيَّة الشَّهَادَةِ لانْحِطَاطِه عَنْهَا، لأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ.

ثَانِيهُمَا أَنْ يُعَارِضَ قَاعِدَةً مُعْتَبَرَةً كَالكتَابَةِ، فإِنَّهَا جُوِّزَتْ لاسْتِحْسَانِهَا فِي العَادَةِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا للقَاعِدَةِ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الإِنْسَانِ مَالَه بمَالِه.

ص: ثُمَّ المنَاسبُ إِنِ اعْتُبِرَ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ فَالمُؤَثِّرُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِمَا بَلْ بِتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ ولو

ص: 577

بِاعْتِبَارِ جِنْسِه فِي جِنْسِه فَالمُلَائِمُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ علَى إِلْغَائِه فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ وإِلَاّ فهو المُرْسَلُ، وَقَدْ قَبِلَه مَالِكٌ مُطْلَقًا، وكَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه مَعَ مُنَادَاتِه عَلَيْهِ بِالنَّكِيرِ، ورَدَّه الأَكْثَرُ مُطْلَقًا، وَقَوْمٌ فِي العبَادَاتِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، لأَنَّهَا مِمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ علَى اعْتِبَارِهَا فهي حَقٌّ قَطْعًا، وَاشْتَرَطَهَا الغَزَالِيُّ للقَطْعِ بِالقولِ بِهِ لَا لأَصْلِ القَوْلِ بِهِ، قَالَ: وَالظَّنُّ القَرِيبُ مِنَ القَطْعِ كَالقَطْعِ.

ش: هذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ للْمُنَاسِبِ منْ جِهَةِ اعْتبَارِ الشَّرْعِ لَهُ وعَدَمِ اعْتِبَارِه، فإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ أَو إِلْغَاؤُه، أَو لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فهذه ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

الأَوَّلُ وهو مَا عُلِمَ اعْتِبَارُه، وَالمُرَادُ بِالعِلْمِ هُنَا مَا هو أَعَمُّ مِنْهُ ومِنَ الظَّنِّ، وتَحْتَه أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، إِمَّا بِنَصٍّ كَاعْتِبَارِ الشَّارِعِ عَيْنَ مَسِّ الذَّكَرِ فِي عَيْنِ الحَدَثِ، بِنَصِّه عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)) وإِمَا بِالإِجمَاعِ/ (141/ب/د) كَاعْتِبَارِ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلَايَةِ المَالِ.

ويسمَى هذَا القِسْمُ المُؤَثِّرُ.

ثَانِيهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فإِنَّه لَمْ يُعْلَمْ مِنَ الشَّارِعِ اعْتبَارَه فِي عَيْنِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ بَلْ فِي جِنْسِ الوِلَايَةِ لاعْتِبَارِه فِي وِلَايَةِ المَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.

ثَالِثُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ جِنْسِ المّشَقَّةِ فِي نَوْعٍ وهو إِسْقَاطُ الصَّلَاةِ إِمَّا مُطْلَقًا فِي حَقِّ الحَاضِرِ أَوْ لِلْبَعْضِ فِي حَقِّ

ص: 578

المُسَافِرِ بِالقَصْرِ.

رَابِعُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُه فِي جِنْسِه كَاعْتِبَارِ المَظِنَّة التي تَنْدَرِج تَحْتَهَا مَظِنَّةُ القَذْفِ وهو شُرْبُ المُسْكِرِ، ومَظِنَّةُ الوَطْءِ الحَرَامِ، وهي الخُلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ/ (173/ب/م) فِي الحُكْمِ الذي يَنْدَرِجُ تَحْتَه حُكْمُ القَذْفِ، وهو إِيجَابُ الحَدِّ علَى الشَّارِبِ، وحُكْمُ الزِّنَا وهو التَّحْرِيمُ.

قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي شَارِبِ الخَمْرِ: أَرَى أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ هَذَى وإِذَا هَذَى افْتَرَى فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ المُفْتَرِي، يَعْنِي القَاذِفَ.

ووَافَقَه الصَّحَابَةُ علَى ذلك.

وهذه الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الأَخِيرَةِ تُسَمَّى بِالمُلَائِمِ، وهي مُنْدَرِجَةٌ فِي قَوْلِ المُصَنِّفِ:(وإِن لَمْ يُعْتَبَرْ) أَي عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، وذلك صَادِقٌ بِاعْتِبَارِ العَيْنِ فِي الجِنْسِ وعَكْسِه، وبِالجِنْسِ فِي الجِنْسِ، وصَرَّحَ المُصَنِّفُ بهذَا الأَخِيرِ بَعْدَ (لَوْ) فإِنَّه أَبْعَدُ الثَّلَاثَةِ.

وَقَوْلُهُ: (بِهِمَا) أَي بِالنَّصِّبِ وَالإِجمَاعِ، أَي لَمْ يَدُلَّ علَى اعْتِبَارِه وَاحِدٌ مِنهَا بَلْ عُلِمَ ذَلِكَ بتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ، وإِنَّمَا قُدِّمِ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ علَى عَكْسِه، لأَنَّ الإِبهَامَ فِي العِلَّةِ أَكْثَرُ مَحْذُورًا مِنَ الإِبهَامِ فِي المَعْلُولِ.

القِسْمُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ إِلْغَاؤُه، فَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ أَنْكَرَ علَى بَعْضِ العُلَمَاء لَمَّا أَفتَى بَعْضَ مُلُوكِ المَغْرِبِ فِي جِمَاعِه فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بأَنَّ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ، مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الإِعْتَاقَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ لاتِّسَاعِ مَالِه، فَلَا يَزْجُرُه عَنْ مُعَاوَدَةِ الجِمَاعِ، بِخِلَافِ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وهذَا مُنَاسِبٌ لكِنْ أَبْطَلَه الشَّرْعُ بِتَقْدِيمِ الإِعْتَاقِ علَى الصِّيَامِ، فكَانَ اعْتِبَارُه مُصَادِمًا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وتَصَرُّفًا بِالتَّشَهِّي فِي أُمُورِ الدِّينِ.

القِسْم الثَّالِثُ: أَن لَا يُعْلَمَ اعْتِبَارُه ولَا إِلغَاؤُه وهو المُرْسَلُ، ويُسَمَّى

ص: 579

بِالمَصَالِحِ المُرْسَلَة وفِيه مَذَاهِبُ.

أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: رَدُّه مُطْلَقًا.

وَالثَّانِي: قَبُولُه مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.

وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (كَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه) يَعْنِي لاعْتِبَارِه المَصْلَحَةَ فِي الجُمْلَةِ، لكِنَّه لَمْ يَعْتَبِرْ جِنْسَ المَصْلَحَةِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ مَالِكٍ، بَلْ بَالَغَ فِي (البُرْهَانِ) فِي الرَّدِّ عَلَيْه.

وقَالَ: نَعْرِضُ عَلَيْهِ وَاقِعَةً نَادِرَةً رأَيَ ذُو نَظَرٍ فِيهَا جَدْعَ أَنْفٍ أَوِ اصْطِلَامَ سَفَهٍ، وأَبْدَى رأْيًا لَا تُنْكِرُه العُقُولُ، صَائِرًا إِلَى أَنَّ العُقُوبَةَ شُرِعَتْ لِحَسْمِ الفَوَاحِشِ، وهذه العُقُوبَةُ لَائِقَةٌ بهذه (142/أَ/د) النَّازِلَةِ لَلَزِمَكَ الْتِزَامُ هذَا، لأَنَّكَ تُجَوِّزُ لأَصْحَابِ الإِيَالَاتِ القَتْلَ فِي التُّهَمِ العَظِيمَةِ، حتَّى نَقَلَ عَنْكَ الثِّقَاتُ أَنَّك قُلْتَ: أَقْتُلُ ثُلُثَ الأُمَّةِ فِي اسْتِبْقَاءِ ثُلُثَيْهَا .. إِلَى آخِرِ كَلَامِه فِي ذلك.

قُلْتُ: ومِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَنِي عَن بَعْضِ أُمَرَاءِ/ (174/أَ/م) الحَاجِّ الجَهَلَةِ، وكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَحْسِنُه أَنَّهُ يَقْطَعُ أَعْقَابَ لُصُوصِ الطَّرِيقِ لاعْتِمَادِ الوَاحِدِ مِنْهُمُ الهَرَبَ علَى قَدَمَيْه، ويَتَعَذَّرُ ذَلِكَ مَعَ قَطْعِ أَعْصَابِ رِجْلَيْه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالثَّالِثُ: رَدُّه فِي العِبَادَاتِ، وقَبُولُه فِي المُعَامَلَاتِ. قَالَهُ الإِبيَارِيُّ فِي شَرْحِ (البُرْهَانِ).

وقَالَ: إِنَّهُ الذي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ المُصَنِّفِ:(وَلَيْسَ مِنْه) إِلَى آخِرِه، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا إِذَا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بأُسَارَى المُسْلِمِينَ، وخِيفَ مِنْ تَرْكِ رَمْيِهِمُ اصْطِلَامَ المُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ رَمْيُ المُتْرَسَ، وإِنْ كَانَ فِيهِ قَتْلُ مُسْلِمٍ لَمْ يُذْنِبْ.

وَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هذه المَصْلَحَةِ ثلَاثةُ أَوصَافٍ، فإِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً، فلأَنَّه لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا بطَرِيقٍ آخَرَ، وأَمَّا كَوْنُهَا كُلِّيَّةً فَلِرُجُوعِهَا إِلَى كَافَّةِ الأُمَّةِ، وأَمَّا كَوْنُهَا قَطْعِيَّةً فَلِتَحْصِيلِهَا المَصْلَحَةَ بِالقَطْعِ لَا

ص: 580

بِالظَّنِّ.

ويُنَازِعُ فِي اشْتِرَاطِ القَطْعِ حِكَايَةُ الأَصْحَابِ وَجْهَينِ فِي مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ القَطْعِ، وعَلَّلُوا المَنْعَ بأَنَّ غَايةَ الأَمرِ أَن نخَافَ علَى أَنفُسِنَا، ودَمُ المُسْلِمِ لَا يُبَاحُ بِالخَوْفِ.

وفِيه تَصْرِيحٌ بِجَرَيَانِ الخِلَافِ فِي حَالَةِ الخَوْفِ بِدُونِ قَطْعٍ.

وَقَدْ يُقَالُ: حَالَةُ القَطْعِ مَحَلَّ جَزْمٍ، وَالخِلَافُ فِي صُورَةِ الخَوْفِ، وَبِهِ صَرَّحَ الغَزَالِيُّ فِي المُسْتَصْفَى، وهذَا معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ:(وَشَرَطَهَا الغَزَالِيُّ) أَي شَرْطُ كَوْنِهَا قَطْعِيَّةً للقَطْعِ بِالقَوْلِ بِجَوَازِ الرَّمْيِ هُنَا لَا لأَصْلِ القَوْلِ بِهِ، وأَلْحَقَ الظَّنَّ القَرِيبَ مِنَ القَطْعِ بِالقَطْعِ.

وأَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ مِنْه) إِلَى الرَّدِّ علَى الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، حَيْثُ قَالُوا: لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِالمُرْسَلِ إِلا فِي هذه المَسْأَلَةِ، فإِنَّ هذه الصُّورَةَ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ علَى اعتبَارِهَا، فإِنَّه إِذَا قِيلَ: فِيهِ سَفْكُ دَمٍ مَعْصُومٍ، عُورِضَ بأَن فِي الكفِّ عَنْهُ إِهلَاكُ دِمَاءٍ مَعْصُومَةٍ لَا حَصْرَ لهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ تَقْدِيمُ حِفْظِ الكُلِّيِّ علَى الجُزْئِيِّ، وأَن حِفْظَ أَصْلِ الإِسْلَامِ عَنِ اصْطِلَامِ الكُفَّارِ أَهَمُّ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولم يُسَمِّ هذَا قيَاسًا، إِذ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ أَدِلَّتُه مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ وقَرَائنِ الأَحوَالِ/ (174/ب/م) فلذلك أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، وكأَنَّ هذه التَّسْمِيَةَ هي المُوقِعَةُ للإِمَامِ وَغَيْره فِي جَعْلِ الشَّافِعِيِّ قَائِلاً بِالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ فِي هذه الصُّورَةِ.

ص: مَسْأَلَةٌ: المُنَاسَبَةُ تَنْخَرِمُ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَو مُسَاوِيَةً خِلَافًا للإِمَامِ.

ش: إِذَا اشْتَمَلَ/ (142/ب/د) الوَصْفُ المُنَاسِبُ علَى مَفْسَدَةٍ مُعَارِضَةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، تَقْتَضِي عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الحُكْمِ، سَوَاءً أَكَانَتْ رَاجِحَةً علَى المَصْلَحَةِ أَو مُسَاوِيَةً لهَا، فَهَلْ تَنْخَرِمُ بِهَا المُنَاسَبَةُ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:

ص: 581

أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَاختَارَه المُصَنِّفُ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ وَالصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ.

وثَانِيهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيُّ، وَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ هذَا الوَصْفَ هَلْ يَبْقَى فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ أَمْ لَا مَعَ الاتِّفَاقِ علَى أَنَّهَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بهَا.

ومِنْ فُرُوعِ هذه المَسْأَلَةِ: لوْ سَلَكَ المُسَافِرُ الطَّرِيقَ البَعِيدَ لِغَيْرِ غَرَضٍ لَا يَقْصُرُ لانْخِرَامِ المَفْسَدَةِ.

ص: السَّادِسُ: الشَّبَهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، وقَالَ القَاضِي: هو المُنَاسِبُ بِالتَّبَعِ ولَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ قِيَاسِ العِلَّةِ إِجمَاعًا، فإِن تَعَذَّرَتْ فقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُجَّةٌ، وقَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَالشِّيرَازِيُّ: مَرْدُودٌ، وأَعْلَاه: قِيَاسُ غَلَبَةِ الأَشْبَاه فِي الحُكْمِ وَالصِّفَةِ، ثُمَّ الصُّورِيُّ، وقَالَ الإِمَامُ: المُعْتَبَرُ حُصُولُ المُشَابَهَةِ لِعِلَّةِ الحُكْمِ أَو مُسْتَلْزِمِهَا.

ش: السَّادِسُ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ الشَّبَهُ: وهو مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، لأَنَّهُ يُشْبِه المُنَاسِبَ لالتفَاتِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ، ويُخَالِفُه بأَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ويُشْبِه الطَّرْدَ لِعَدَمِ المُنَاسَبَةِ ويُخَالِفُه بِاعْتِبَارِه فِي بَعْضِ الأَحكَامِ، بخلَافِ الطَّرْدِ فإِنَّ وُجُودَه كَالعَدَمِ.

وعرَّفَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بأَنَّهُ المُنَاسِبُ بِالتَّبَعِ أَي، بِالالْتِزَامِ كَالطَّهَارَةِ لاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ هي لَا تُنَاسِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لكِنْ تُنَاسِبُهَا من حَيْثُ إِنَّهَا عبَادَةٌ، وَالعبَادَةُ مُنَاسِبَةٌ

ص: 582

لاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ المُصَنِّفُ وَغَيْرُه، لكِنَّ الذي فِي (مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ) له: أَنَّهُ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ، لِكَثْرَةِ أَشْبَاهِهِ للأَصْلِ فِي الأَوصَافِ مِنْ غَيْرِ أَن يُعْتَقَدَ أَنَّ الأَوصَافَ التي تَشَابَه الفَرْعُ فِيهَا الأَصْلَ عِلَّةٌ لحُكْمِ الأَصْلِ.

ولَا يُصَارُ إِلَى الأَخْذِ به/ (175/أَ/م) مَعَ إِمكَانِ قِيَاسِ العِلَّةِ كَمَا حكَى القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَيْه.

فإِنْ تَعَذَّرَ قِيَاسُ العِلَّةِ فَاخْتُلِفَ فِي العَمَلِ بقِيَاسِ الشَّبَه، فحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ حُجَّةٌ.

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَشَارَ إِلَى الاحْتِجَاجِ بِهِ فِي موَاضِعَ مِنْ كُتُبِه، كَقَوْلِهِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ؟!

ورَدَّه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالصَّيْرَفِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، ونَازَعَ فِي صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ تَرْجِيحَ إِحدَى العِلَّتَيْنِ فِي الفَرْعِ لكَثْرَةِ الشَّبَهِ.

ثُمَّ إِنَّ لقِيَاسِ الشَّبَهِ مَرَاتِبُ: أَعْلَاهَا قِيَاسُ عِلَّةِ الأَشبَاهِ فِي الحُكْمِ وَالصِّفَةِ، وهو أَنْ يَتَرَدَّدَ الفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ ويُشْبِه أَحَدَهُمَا فِي أَكثرِ الأَحكَامِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وعَلَيْه اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي إِيجَابِ قِيمَةِ العَبْدِ إِذَا أُتْلِفَ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِشَبَهِه/ (143/أَ/د) فِي أَكثرِ أَحْكَامِه بِالأَموَالِ، وشَبَهِه بِالأَحرَارِ قَلِيلٌ.

ويَلِيهِ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ كقِيَاسِنَا الخَيْلَ علَى البِغَالِ وَالحَمِيرِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ، وقِيَاسِهِمْ فِي تَحْرِيمِ اللَّحْمِ.

وقَالَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ): المُعْتَبَرُ حُصُولُ المُشَابَهَةِ فِيمَا يُظَنُّ أَنَّهُ عِلَّةُ الحُكْمِ أَو يَسْتَلْزِمُ عِلَّتَه، سَوَاءً كَانَ فِي الصُّورَةِ أَوِ الحُكْمِ، عَمَلاً بمُقْتَضَى الظَّنِّ، وظَاهِرُ كَلَامِ المُصَنِّفِ أَنَّ هذه المَرَاتِبَ للقَائِلِينَ بحُجِّيَّتِه.

ويُرَدُّ عَلَيْهِ أَن الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِالشَّبَه الصُّورِيِّ كَمَا بَيَّنَه ابْنُ بُرْهَانَ وَغَيْرُه.

ص: 583

تَنْبِيهٌ:

تَعْبِيرُه بِالطَّرْدِ مُوَافِقٌ لِتَعْبِيرِ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيِّ وَالإِمَامِ وَالبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِم، وعَبَّرَ الآمِدِيُّ بِالطَّرْدِيِّ وهو أَحْسَنُ، فإِنَّ الطَّرْدَ بِغَيْرِ يَاءٍ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ عِنْدَ بَعْضِهِم كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: السَّابِعُ: الدَّوَرَانُ، وهو أَنْ يُوجَدَ الحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ ويَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِه، قِيلَ: لَا يُفِيدُ، وَقِيلَ قَطْعِيٌّ وَالمُخْتَارُ ـ وِفَاقًا للأَكْثَرِ ـ: ظَنِّيٌّ، ولَا يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ بَيَانُ نَفْيِ مَا هو أَوْلَى مِنْهُ، فإِنْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ تَرَجَّحَ جَانِبُ المُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى الفَرْعِ ضَرَّ عِنْدَ مَانِعِ العِلَّتَيْنِ أَو إِلَى فَرْعٍ آخَرَ طَلَبُ التَّرْجِيحِ / (175/ب/م).

ش: السَّابِعُ: الدَّوَرَانُ، وهو الطَّرْدُ وَالعَكْسُ كَمَا سَمَّاه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ.

وعَرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنْ يُوجَدَ الحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ ويَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِه.

فَالوَصْفُ هو المَدَارُ وَالحُكْمُ هو الدَّائِرُ، وَقَدْ يُوجَدُ الدَّوَرَانُ فِي مَحَلٍّ وَاحدٍ كعَصِيرِ العِنَبِ، فإِنَّه كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إِسْكَارِه فَلمَّا أَسْكَرَ حَرُمَ، فلمَّا زَالَ الإِسْكَارُ بِصَيْرُورَتِه خَلاًّ عَادَ الحِلُّ، فدَارَ التَّحْرِيمُ مَعَ الإِسْكَارِ وُجُودًا وعَدَمًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَحَلَّيْنِ كَالقَمْحِ لَمَّا كَانَ مَطْعُومًا جَرَى فِيهِ الرِّبَا، وَالكتَانُ لمَا لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا لَا رِبَا فِيهِ، فَدَارَ جَرَيَانُ الرِّبَا مَعَ الطَّعْمِ.

وعَدَلَ المُصَنِّفُ عَنْ تَعْبِيرِ البَيْضَاوِيِّ بِالبَاءِ إِلَى التَّعْبِيرِ بـ (عِنْدَ) لأَنَّهُ قَد يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالبَاءِ المُنَاسَبَةُ وَالكلَام هُنَا فِي الدَّوَرَانِ المُجَرَّدِ عَنْهَا، ولو عَبَّرَ بِالانْتِفَاءِ كَمَا عَبَّرَ البَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُه لكَانَ أَوْلَى، لأَنَّهُ لَا يُؤتَى بِالفِعْلِ مُطَاوِعًا لفِعْلٍ

ص: 584

لازِمٍ، فقَوْلُه: انْعَدَمَ: لَحْنٌ.

وَاخْتُلِفَ فِيهِ علَى مَذَاهِبَ.

أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ العِلِّيَّةَ، وهو اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وكلَامُ (المَحْصُولِ) فِي الأَفعَالِ الاخْتِيَارِيَّةِ يقْتَضِيهِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُهَا قَطْعًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفِيدُهَا ظَنًّا وهو المُخْتَارُ عِنْدَ المُصَنِّفِ، وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالإِمَامُ الرَّازِي وَالبَيْضَاوِيُّ.

قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وذَهَبَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّهُ أَعلَى المَسَالِكِ المَظْنُونَةِ، وكَادَ يَدَّعِي إِفْضَاءَه إِلَى القَطْعِ، ولَا يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ بِهِ بيَانُ نَفْيِ مَا هو أَوْلَى بِالعِلَّةِ مِنْهُ، ومَنِ ادَّعَى وَصْفًا آخَرَ فَعَلَيْه إِبْدَاؤُه، أَطْبَقَ علَى ذَلِكَ الجَدَلِيُّونَ.

وذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُه ذلك.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وهو بَعِيدٌ فِي حَقِّ المُنَاظِرِ، مُتَّجِهٌ فِي حَقِّ المُجْتَهِدِ، فإِنَّ عَلَيْهِ تَمَامُ النَّظَرِ لِتَحِلَّ لَهُ الفَتْوَى، فهذَا مَذْهَبٌ ثَالِثٌ.

فإِذَا أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، فإِنْ كَانَ قَاصِرًا تَرَجَّحَ الوَصْفُ الذي أَبْدَاه المُسْتَدِلُّ فإِنَّه مُتَعَدٍّ، وهو بِنَاءٌ علَى تَرْجِيحِ المُتَعَدِّيَةِ علَى القَاصِرَةِ، وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى الفَرْعِ المُتَنَازَعِ فِيهِ بَنَى علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنْ مَنَعْنَاه ضَرَّ/ (176/أَ/م) وإِلَاّ فلَا، لِجَوَازِ اجتمَاعِ مُعَرَّفَيْنِ علَى مُعَرَّفٍ وَاحِدٍ، وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى فَرْعٍ آخَرَ غَيْرِ المُتَنَازَعِ فِيهِ طُلِبَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا علَى الآخَرِ بَدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ فلو كَانَ وَصْفُ المُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، ووَصْفُ المُعْتَرِضِ مُنَاسِبًا قُدِّمَ قَطْعًا.

ص: 585

ص: الثَّامن: الطَّرْدُ، وهو مُقَارَنَةُ الحُكْمِ للوَصْفِ، وَالأَكثرُ علَى رَدِّه وقَالَ عُلَمَاؤُنَا: قِيَاسُ المَعْنَى مُنَاسِبٌ وَالشَّبَه تَقْرِيبٌ وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ، وَقِيلَ إِنْ قَارَنَه فِيمَا عَدَا صُورَةِ النِّزَاعِ أَفَادَ وَعَلَيْه الإِمَامُ وكَثِيرٌ، وَقِيلَ: تَكْفِي المُقَارَنَةُ فِي صُورَةٍ وقَالَ الكَرْخِيُّ: يُفِيدُ المُنَاظِرَ دُونَ النَّاظِرِ.

ش: الثَّامِنُ مِنْ طُرُقِ العِلِّيَّةِ الطَّرْدُ، وهو ـ كَمَا عَرَّفَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مُقَارَنَةُ الحُكْمِ للوَصْفِ، أَي مِنْ غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ، فإِنَّه قَالَ: الوَصْفُ المُقَارِنُ للْحُكْمِ إِن نَاسَبَه بِالذَاتِ فهو المُنَاسِبُ، أَو بِالتَّبَعِ أَي الاسْتِلزَامِ فهو الشَّبَه وإِلَاّ فهو الطَّرْدُ، كقَوْلِ مَنْ يرَى طُهُورِيَّةَ المُسْتَعْمِلِ مَائِعٍ تُبْنَى القَنْطَرَةُ علَى جِنْسِه فَصَحَّ التَّطَهُّرُ بِهِ كَالمَاءِ فِي النَّهْرِ، فبِنَاءُ القَنْطَرَةِ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ مُنَاسَبَةٌ أَصْلاً، ولمْ يُصَرِّحِ المُصَنِّفُ بنَفْيِ المُنَاسَبَةِ لِمَعْرِفَتِه ممَّا تَقَدَّمَ، وظَاهِرُ كَلَامِه اعْتِبَارُ المُقَارَنَةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، لكنَّ الذي ذَكَرَهُ البَيْضَاوِيُّ اعْتِبَارُ المُقَارَنَةِ فِيمَا سِوَى صُورَةِ النِّزَاعِ.

وَاخْتُلِفَ فِي القَوْلِ بِهِ علَى مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالأَكْثَرُونَ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُم إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَغَيْرُه ـ رَدُّهُ.

وبَالَغَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الإِنْكَارِ علَى القَائِلِ بِهِ، فقَالَ: إِنَّهُ هَازِئٌ بِالشَّرِيعَةِ، ومَثَّلَه الحُلَيْمِيُّ بِمَنْ رَأَى غُبَارًا فقَالَ: ورَاءَه حَرِيقٌ.

ومَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ عَنْ عُلَمَائِنَا هو الذي أَوْرَدَه ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي (القَوَاطِعِ) فقَالَ: قِيَاسُ المَعْنَى تَحْقِيقٌ، وَالشَّبَهُ تَقْرِيبٌ، وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ.

ص: 586

الثَّانِي ـ وإِليه ذَهَبَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وعَزَاه لِكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَائِنَا، وصَاحِبُ (الحَاصِلِ) وَالبَيْضَاوِيُّ ـ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا قَارَنَه فِيمَا عدَا صُورَةَ النِّزَاعِ، إِلحَاقًا لِلْفَرْدِ النَّادِرِ بِالأَغْلَبِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ ولو قَارَنَه فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ/ (176/ب/م).

الرَّابِعُ ـ وَبِهِ قَالَ الكَرْخِيُّ ـ: يُفِيدُ المُنَاظِرَ دُونَ النَّاظِرِ المُجْتَهِدِ، قَالَ فِي (البُرْهَانِ) وَقَدْ نَاقَضَ، إِذِ المُنَاظَرَةُ بَحْثٌ عَنِ المَآخِذِ الصَّحِيحَةِ، فإِذَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَذْهَبِه مَأْخَذًا/ (144/أَ/د) فهو مُرَادُ خَصْمِه فِي الجَدَلِ وَلَيْسَ فِي الجَدَلِ، مَا يُقْبَلُ مَعَ الاعْتِرَافِ بِبُطْلَانِه.

ص: التَّاسِعُ: تَنْقِيحُ المَنَاطِ، وهو أَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فَيُحْذَفُ خُصُوصُه عَنِ الاعْتِبَارِ بِالاجْتِهَادِ، ويُنَاطُ بِالأَعَمِّ أَو تَكُونُ أَوصَافٌ يُحْذَفُ بعضُهَا ويُنَاطُ بِالبَاقِي.

ش: تَنْقِيحُ المَنَاطِ، أَي تَلْخِيصُ الوَصْفِ الذي نَاطَ الشَّارِعُ بِهِ الحُكْمَ وَرَبَطَه بِهِ، وهو قِسْمَانِ.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فَيُحْذَفُ خُصُوصُ ذَلِكَ الوَصْفِ عَنِ الاعْتِبَارِ بِالاجْتِهَادِ، ويُنَاطُ بِالأَعَمِّ، كَمَا حَذَفَ المَالِكِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ خُصُوصَ الجِمَاعِ فِي حَدِيثِ المُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وعَلَّقَا الكَفَّارَةَ بِوَصْفٍ عَامٍّ وهو مُطْلَقُ الإِفْطَارِ.

الثَّانِي: أَن يَدُلَّ لَفْظٌ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِمَجْمُوعِ أَوصَافٍ، فَيُحْذَفُ بعْضُهَا

ص: 587

عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ، إِمَّا لأَنَّهُ طَرْدِيٌّ، أَوْ لِثُبُوتِ الحُكْمِ مَعَ بَقِيَّةِ الأَوصَافِ بِدُونِه، ويُنَاطُ بِالبَاقِي كتَعْيِينِ جِمَاعِ المُكَلَّفِ لاعْتِبَارِ الكَفَّارَةِ بِالأَوصَافِ المَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الوِقَاعِ مِنْ كَوْنِه أَعْرَابِيًّا وكونُ المَوْطُوءَةِ زَوْجَةً، وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الأَوصَافِ الطَّرْدِيَّةِ.

وَقَدْ قَالَ بتَنْقِيحِ المَنَاطِ أَكثَرُ مُنْكِرِي القِيَاسِ حتَّى إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ بِالقِيَاسِ فِي الكفَارَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَعْمِلُ تَنْقِيحَ المَنَاطِ فِيهَا، ويُسَمِّيهِ اسْتِدْلَالاً.

قَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ: وَاعْتِرَافُ مُنْكِرِي القِيَاسِ بِهِ بِنَاءً علَى أَنَّ النَّصَّ علَى التَّعْلِيلِ نَصٌّ علَى التَّعْمِيمِ.

ص: أَمَّا تَحْقِيقُ المَنَاطِ فإِثبَاتُ العِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا كتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ وتَخْرِيجُه مَرَّ.

ش: تَنْقِيحُ المَنَاطِ وتَحْقِيقُ المَنَاطِ وتَخْرِيجُ المَنَاطِ مُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّفْظِ، فَقَدْ تَشْتَبِه مَعَانِيهَا.

أَمَّا تَنْقِيحُ المَنَاطِ فَقَدْ عَرَفْتَه.

وأَمَّا تَحْقِيقُ المَنَاطِ فهو إِثْبَاتُ العِلَّةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا فِي الصُّورَةِ المُتَنَازَعِ فِيهَا، فَالتَعْلِيلُ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالقَصْدُ بَيَانُ وُجُودِهَا/ (177/أَ/م) فِي الفَرْعِ، ـ كتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ، فإِنَّ عِلَّةَ قَطْعِ السَّارِقِ أَخْذُ المَالِ خِفْيَةً، وهو مَوْجُودٌ فِيه.

وأَمَّا تَخْرِيجُ المَنَاطِ فَقَدْ مَرَّ فِي المُنَاسَبَةِ، وهو الاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ عِلَّةِ الحُكْمِ بِطَرِيقٍ دَالَّةٍ علَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ إِلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) فَاسْتَنْبَطَ المُجْتَهِدُ أَنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ، فكأَنَّه أَخْرَجَ العِلَّةَ من خَفَاءٍ، وفِي تَنْقِيحِ المَنَاطِ هي مَذْكُورَةٌ فِي النَّصِّ فلَمْ يَسْتَخْرِجْهَا

ص: 588

بَلْ نَقَّحَ النَّصَّ وأَخَذَ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وتَرَكَ مَا لَا يَصْلُحُ.

ص: العَاشِرُ: إِلغَاءُ الفَارِقِ كإِلحَاقِ الأَمَةِ بِالعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ وهو وَالدَّوَرَانُ وَالطَّرْدُ تَرْجِعُ إِلَى ضَرْبِ شَبَهٍ إِذْ تُحَصِّلُ الظَّنَّ فِي الجُمْلَةِ ولَا تُعَيِّنُ جِهَةَ المَصْلَحَةِ.

ش: العَاشِرُ إِلغَاءُ الفَارِقِ وهو بَيَانُ أَنَّ الفَرْعَ لَمْ يُفَارِقِ الأَصْلَ إِلَاّ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا/ (144/ب/د) فِي المُؤَثِّرِ، وهو ضِدُّ قِيَاسِ العِلَّةِ لِتَعْيِينِ الجَامِعِ هنَاك، وَالفَارِقِ هُنَا كإِلْحَاقِ الأَمَةِ بِالعَبْدِ فِي سِرَايَةِ العِتْقِ التي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُه عليه الصلاة والسلام:((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ)) وهذَا الإِلْحَاقُ لَا يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ القَطْعِ، لاحْتِمَالِ أَن لَا يُلَاحَظَ فِي العَبْدِ استِقْلَالُه بمَا لَيْسَ لَهُ من وَظَائِفِ المَرْأَةِ كَالجِهَادِ وَالجُمُعَةِ وَغَيْرهَا، نَعَمْ مِثْلَ قَوْلِه عليه الصلاة والسلام:((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ)) يُقْطَعُ فِيهِ بإِلحَاقِ البَوْلِ فِي إِنَاءٍ وصَبِّه بِهِ، وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ بِالمَنْصُوصِ عَلَيْه.

وَقَدْ جَعَلَ البَيْضَاوِيُّ تَنْقِيحَ المَنَاطِ، هو إِلْغَاءُ الفَارِقِ، وغَايَرَ المُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا، وقدَّمَ تَنْقِيحَ المَنَاطِ لاعْتِضَادِه بظَاهِرٍ فِي التَّعْلِيلِ مَجْمُوعِ أَوصَافٍ، لكنْ قَد يَكُونُ دَلِيلُ نَفْيِ الفَارِقِ قَطْعِيًّا فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْ تَنْقِيحِ المَنَاطِ.

ثم ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ إِلغَاءَ الفَارِقِ وَالدَّوَرَانَ وَالطَّرْدَ يَرْجِعُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الشَّبَه فإِنَّهَا اشْتَرَكَتْ فِي حُصُولِ الظَّنِّ فِيهَا فِي الجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ جِهَةِ المَصْلَحَةِ وهذَا حَقِيقَةُ الشَّبَهِ.

ص: 589

ص: خَاتِمَةٌ لَيْسَ تَأَتِّي القِيَاسِ بِعِلِّيَّةِ وَصْفٍ، ولَا العَجْزُ عَنْ إِفْسَادِهِ دَلِيلُ عِلِّيَّتِه علَى الأَصَحِّ/ (177/ب/م) فِيهمَا.

ش: ذَكَرَ فِي هذه الخَاتِمَةِ أَمْرَيْنِ، ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الأُصُولِ أَنهمَا يَدُلَاّنِ علَى العِلِّيَّةِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُه.

الأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ هذَا الوَصْفُ عِلَّةَ تَأَتِّي القِيَاسِ علَى النّصِّ، وإِذَا لَمْ يكُنْ عِلَّةَ تَعَذُّرِ القِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالعَمَلُ بمَا يَسْتَلْزِمُ امْتِثَالَ الأَمرِ بِالقِيَاسِ أَولَى، وهو مَرْدُودٌ بِلُزُومِ الدَّوْرِ، فإِنَّ صِحَّةَ القِيَاسِ تَتَوَقَّفُ علَى عِلِّيَّةِ النَّصِّ فلو أَثْبَتْنَا عِلِّيَّتَه بِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ.

الثَّانِي ـ وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ ـ: أَن يُقَالَ: إِذَا عَجَزْنَا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ علَى إِفْسَادِ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ دَلَّ ذَلِكَ علَى أَنَّهُ عِلَّةٌ، وهو مَرْدُودٌ، فإِنَّه لَمْ يَتِمَّ دَلِيلٌ علَى أَنَّهُ عِلَّةٌ فَكَيْفَ تَثْبُتُ عِلِّيَّتُه بِلَا دَلِيلٍ؟!

ص: القوَادِحُ: مِنْهَا تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ وِفَاقًا للشَّافِعِيِّ، وسَمَّاه النَّقْضَ، وقَالتِ الحَنَفِيَّةُ، لَا يَقْدَحُ، وسَمَّوْهُ تَخْصِيصَ العِلَّةِ وَقِيلَ: لَا فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَقِيلَ: عَكْسُه، وَقِيلَ: يَقْدَحُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ وعَلَيْه أَكْثَرُ فُقَهَائِنَا، وَقِيلَ: يَقْدَحُ إِلَاّ أَنْ يَرِدَ علَى جَمِيعِ المَذَاهِبِ كَالعَرَايَا، وعَلَيْه الإِمَامُ وَقِيلَ: يَقْدَحُ فِي الحَاظِرَةِ، وَقِيلَ: فِي المَنْصُوصَةِ إِلَاّ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وَالمُسْتَنْبَطَةِ إِلَاّ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ وقَالَ الآمِدِيُّ، إِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ أَو فِي مَعْرِضِ الاسْتِثْنَاءِ أَو كَانَتْ مَنْصُوصَةً بمَا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ ـ لَمْ يَقْدَحْ،

ص: 590

وَالخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ خِلَافًا لابْنِ الحَاجِبِ، ومِنْ فُرُوعِه التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ وَالانْقِطَاعُ وَانْخِرَامُ المُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ وَغَيْرِهَا.

ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ/ (145/أَ/د) ذِكْرِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مُبْطِلَاتِهَا، وأَرَادَ بِالقَوَادِحِ مَا يَقْدَحُ فِي الدَّلِيلِ بجُمْلَتِه، سَوَاءً العِلَّةُ وَغَيْرُهَا:

الأَوَّلُ: النَّقْضُ ويُسَمَّى تَخْصِيصُ العِلَّةِ، وهو تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه، وفِي القَدْحِ بِهِ مَذَاهِبُ.

أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَادِحٌ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَه المُصَنِّفُ وعَزَاهُ للشَّافِعِيِّ رضي الله عنه، اعْتِمَادًا علَى قَوْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي (القَوَاطِعِ) إِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وجَمِيعُ أَصْحَابِه إِلَاّ القَلِيلَ مِنْهُم، لكِنْ قَالَ الغَزَالِيُّ فِي (شِفَاءِ الغَلِيلِ) إِنَّه/ (178/أَ/م) لَا يُعْرَفُ لَه فِيهِ نَصٌّ، ومُقْتَضَى إِطْلَاقِ المُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَنْصُوصَةً قَطْعًا أَو ظَنًّا أَو مُسْتَنْبَطَةً، وسَوَاءً كَانَ التَّخَلُّفُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أَو لِوُجُودِ مَانِعٍ أَو لَا، وَالحَاصِلُ من ذَلِكَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ، لأَنَّهَا الخَارِجُ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ.

ثَانِيهَا: أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مُطْلَقًا، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وأَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَه نَقْضًا بَلْ تَخْصِيصًا للِعِلَّةِ، لكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ إِنَّمَا حَكَاهُ عَنِ العِرَاقِيِّينَ مِنْهُم، قَالَ: وَادَّعَى أَبُو زَيْدٍ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وأَصْحَابِهِ.

قَالَ: وأَمَّا الخُرَاسَانِيُّونَ مِنْهُم فقَالوا بِالأَوَّلِ، حتَّى قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ: تَخْصِيصُ العِلَّةِ بَاطِلٌ، ومَنْ قَالَ بِهِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ سبحانه وتعالى بِالسَّفَهِ وَالعَبَثِ، فأَيُّ فَائِدَةٍ فِي وُجُودِ العِلَّةِ ولَا حُكْمَ؟!

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ كَتَعْلِيلِ القِصَاصِ بِالقَتْلِ العَمْدِ العُدْوَانِ،

ص: 591

مَعَ انْتِفَائِه فِي قَتْلِ الأَبِ دُونَ المَنْصُوصَةِ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:(إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ) مَعَ القَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِالخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ.

رَابِعُهَا: عَكْسُه، كَذَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ، لكِنْ قَالَ فِي شَرْحِه: إِنَّ مُرَادَه لَا يَقْدَحُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ إِذَا كَانَ لِمَانِعٍ أَو عَدَمِ شَرْطٍ دُونَ المَنْصُوصَةِ.

خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ فَلَا يَقْدَحُ مُطْلَقًا، سَوَاءً العِلَّةُ المَنْصُوصَةُ وَالمُسْتَنْبَطَةُ، وهو اخْتِيَارُ البَيْضَاوِيِّ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ لأَكْثَرِ فُقَهَائِنَا.

سَادِسُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ مُطْلَقًا إِلَاّ أَنْ يَرِدَ علَى سَبِيلِ الاسْتِثْنَاءِ، ويَعْتَرِضُ علَى جَمِيعِ المَذَاهِبِ كَالعَرَايَا وهو بَيْعُ الرُّطَبِ علَى رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ أَوِ العِنَبِ علَى الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ فإِنَّه نَاقِضٌ لِجَمِيعِ العِلَلِ التي عُلِّلَ بِهَا الرِّبَا، وهي الطَّعْمُ أَوِ القُوتُ أَوِ الكَيْلُ أَوِ المَالُ، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ للإِمَامِ، وَقَدْ حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَن قَوْمٍ، وَاقْتَضَى كَلَامُه مُوَافَقَتَهُم.

وقَالَ فِي (الحَاصِلِ): إِنَّهُ الأَصَحُّ، وجَزَمَ بِهِ فِي (المِنْهَاجِ) وَاقْتَضَى كَلَامُه أَنَّهُ لَيْسَ من مَحَلِّ الخِلَافِ.

سَابِعُهَا: أَنَّهُ إِن كَانتِ العِلَّةُ عِلَّةَ حَظْرٍ/ (178/ب/م) قَدَحَ فِيهَا، وإِلَاّ فلَا، حَكَاهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ.

ثَامِنُهَا: أَنَّهُ إِن كَانتِ العِلَّةُ مَنْصُوصَةً قَدَحَ النَّقْضُ فِيهَا، إِلَاّ إِذَا كَانتْ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وإِنَّمَا قَالَ: بِظَاهِرٍ لأَنَّهُ (145/ب/د) ولو كَانَ بقَاطِعٍ لمْ يَتَخَلَّفِ الحُكْمُ عَنْهُ، وإِنَّمَا قَالَ: عَامٍّ لأَنَّهُ لو كَانَ خَاصًّا بِمَحَلِّ الحُكْمِ لَمْ يَثْبُتِ التَّخَلُّفُ، وهو خِلَافُ المُقَدَّرِ، وإِن كَانتْ مُسْتَنْبَطَةً قَدَحَ فِيهَا، إِلا إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لمَانِعٍ أَو انْتِفَاءِ شَرْطٍ،

ص: 592

وَاختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ.

تَاسِعُهَا: أَنَّهُ إِن كَانَ التَّخَلُّفُ لمَانعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ أَو فِي مَعْرِضِ الاستثنَاءِ أَو كَانتْ مَنْصُوصَةً بمَا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، لَمْ يَقْدَحْ وإِلَاّ قَدَحَ، وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ. ولَا يُقَالُ: كَيْفَ يَقْبَلُ النَّصُّ التَّأْوِيلَ؟ لأَنَّ مُرَادَه بِالنَّصِّ مَا هو أَعَمُّ مِنَ الصَّرِيحِ، وَالظَاهِرُ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.

ثم اخْتُلِفَ فِي أَنَّ هذَا الخِلَافَ لَفْظِيٌّ أَو مَعْنَوِيٌّ؟

فقَالَ بَالأَوَّلِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الحَاجِبِ، للاتِّفَاقِ مِمَّنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ العِلَّةِ ومِمَّنْ مَنَعَه علَى أَنَّ اقْتِضَاءَ العِلَّةِ للْحُكْمِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدَمِ المُخَصَّصِ، فلو ذَكَرَ القَيْدَ فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيلِ لاسْتَقَامَتِ العِلَّةُ، فَرَجَعَ الخِلَافُ إِلَى أَنَّ القَيْدَ العَدَمِيَّ هَلْ يُسَمَّى جُزْءَ عِلَّةٍ أَمْ لَا؟

وقَالَ بَالثَّانِي الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ) وقَالَ: إِذَا فَسَّرْنَا العِلَّةَ بِالدَّاعِي أَو المُوجِبَ لَمْ نَجْعَلِ العَدَمَ جُزْءًا مِنَ العِلَّةِ، بَلْ كَاشِفًا عَن حُدُوثِ جُزْءِ العِلَّةِ، ومَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ لَا يَقُولُ بذلك، وإِنْ فَسَّرْنَاهَا بِالأَمَارَةِ ظَهَرَ الخِلَافُ فِي المَعْنَى أَيضًا، فإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ العِلَّةَ بِالمُنَاسَبَةِ متَى وَجَدَ فِي ذَلِكَ القَيْدِ العَدَمِيِّ مُنَاسَبَةً صَحَّحَ العِلَّةَ وإِلَاّ أَبْطَلَهَا، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ مُنَاسَبَةٌ، وَاختَارَه المُصَنِّفُ وقَالَ: يظْهَرُ الخِلَافُ فِي المَعْنَى فِي أُمُورٍ:

أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ.

ثَانِيهَا: انْقطَاعُ الخَصْمِ وأَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاه بعد ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ المُطْلَقِ مَا وَرَاءَ مَحَلِّ النَّقْضِ، لأَنَّهُ يُشْبِه الدَّعْوَةَ بَعْدَ الإِقرَارِ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ قُبِلَ دَعْوَاه.

قَالَ الشَّارِحُ: وفِيهِ نَظَرٌ، ففِي (البُرْهَانِ) لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ: المُخْتَارُ أَنَّهُ

ص: 593

لَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا لكِنَّه خَالَفَ الأَحْسَنَ، إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ إِليهِ.

ثَالِثُهَا: انْخِرَامُ المُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ وَغَيْرِهَا.

ص: وجَوَابُه مَنْعُ وُجُودِ العِلَّةِ أَو انْتِفَاءُ الحُكْمِ إِن لَمْ يكُنِ انْتِفَاؤُه مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ وعِنْدَ مَنْ يَرَى الموَانِعَ/ (179/أَ/م) بَيَانُهَا.

ش: لَمَّا بَيَّنَ النَّقْضَ وذَكَرَ الخِلَافَ فِي قَدْحِه شَرَعَ فِي بَيَانِ أَجْوِبَتِه التي تَدْفَعُ بِهَا، وذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةً.

أَحَدُهَا: أَن يَمْنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لَا عِنَادًا ومُكَابَرَةً بَلْ بأَنْ يُبْدِي فِي العِلَّةِ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي الحُكْمِ، مَوْجُودًا فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ مَفْقُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَقَوْلِنَا فِي النَّبَّاشِ، آخِذٌ لِنِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِه عُدْوَانَا فهو سَارِقٌ يَسْتَحِقُّ القَطْعَ، فإِنْ نَقَضَ بِمَا إِذَا سَرَقَ الكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي مَفَازَةٍ حَيْثُ لَا يَجِبُ القَطْعُ فِي الأَصَحِّ، فَجَوَابُه: أَنَّ هذَا لَيْسَ فِي حِرْزٍ مِثْلِه.

ثَانِيهَا: مَنْعَ انْتِفَاءِ الحُكْمِ فِي الصُّورَةِ المَنْقُوضِ بِهَا، كَقَوْلِنَا: السَّلَمُ عَقْدُ/ (146/أَ/د) مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَالاً، فإِنْ نَقَضَ بِالإِجَارَةِ لِكَوْنِهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَالتَّأْجِيلُ شَرْطٌ فِيهَا، فَجَوَابُه إِنَّ اشْتِرَاطَ الأَجَلِ فِي الإِجَارَةِ لَيْسَ لِصِحَّةِ العَقْدِ بَلْ لِيَسْتَقِرَّ المَعْقُودُ عَلَيْهِ وهو المَنْفَعَةُ، فإِنَّ اسْتِقْرَارَ المَنْفَعَةِ فِي الحَالِ وهي مَعْدُومَةٌ بِحَالٍ، ولَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِه شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، فَلَمْ يُشْتَرَطِ الأَجَلُ فِي صِحَّةِ الإِجَارَةِ، وَمَحَلُّ صِحَّةِ الجوَابِ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ انْتِفَاؤُه فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ، فأَمَّا إِذَا كَانَ مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ فَلَيْسَ لَهُ الجوَابُ بِهِ، سَوَاءً كَانَ مَذْهَبَ المُعْتَرِضِ أَيضًا أَمْ لَا.

ص: 594

ثَالِثُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَانِعًا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الحُكْمِ فِيهَا، فَيُبْطِلُ النَّقْضَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ كَقَوْلِنَا: يَجِبُ القِصَاصُ فِي القَتْلِ بِالمُثْقَلِ كَالمُحَدَّدِ، فإِنْ نَقَضَ بِقَتْلِ الأَبِ ابْنَه فإِنَّ الوَصْفَ مَوْجُودٌ فِيهِ مَعَ تَخَلُّفِ الحُكْمِ، فَجَوَابُه أَنَّ ذَلِكَ لِمَانِعٍ وهو كَوْنُه كَانَ سَبَبًا لإِيجَادِه فَلَا يَكُونُ هو سَبَبًا لإِعْدَامِه.

ص: وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الاسْتِدْلَالُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ بِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ للَانْتِقَالِ، وقَالَ الآمِدِيُّ: مَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ أَولَى بِالقَدْحِ، ولوْ دَلَّ علَى وُجُودِهَا بمَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، ثُمَّ مَنَعَ وُجُودَهَا فقَالَ: %%%

يُنْتَقَضُ دليلُكَ، فَالصوَابُ أَنَّهُ لَا يُسمَعُ لانتقَالِه من نَقْضِ العِلَّةِ إِلَى نقْضِ دليلِهَا.

ش: إِذَا مَنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ الاستدلَالُ علَى وُجُودِهَا؟ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وجزَمَ بِهِ الإِمَامُ فخرُ الدَّين وَالبَيْضَاوِيُّ ـ أَنَّهُ لَيْسَ له ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ انتقالٌ عَنِ المَقْصُودِ قَبْلَ تمَامِ الكلَامِ فِيه إِلَى غيرِه.

الثَّانِي: (179/ب/م) لَهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ متمِّمٌ للنقضِ.

الثَّالِثُ ـ وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ ـ: إِنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ طريقًا لِلْمُعْتَرِضِ فِي دفْعِ كلَامِ المُسْتَدِلِّ وَجَبَ قَبُولُهُ، وإِنْ أَمكنَهُ القَدْحُ بطريقٍ آخرَ هو أَفضَى إِلَى المَقْصُودِ فلَا، فإِذَا قُلنَا بَالأَوَّلِ، فأَقَامَ المُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ، وكَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالاًّ علَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ النقْضِ لكن قَد مَنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ فقَالَ له المُعْتَرِضُ: ينتقِضُ دليلُك،

ص: 595

كقولِ الحَنَفِيِّ: يصِحُّ صومُ رمضَانَ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزّوَالِ للإِمسَاكِ وَالنيَّةُ، فِينقُضُهُ الشَّافِعِيُّ بِالنيَّةِ بعد الزَّوَالِ، فإِنَّهَا لَا تكفِي، فِيمْنَعُ الحَنَفِيُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي هذه الصورةِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: مَا أَقمتُه دَلِيلاً علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ دَالٌّ علَى وُجُودِهَا فِي صُورَةِ النقضِ ـ: فَهَلْ يُسْمَعُ ذلك؟

فِيه مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا ـ وهو الذي صوَّبَهُ المُصَنِّفُ وَاختَارَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصفِيُّ الهِنْدِيُّ / (146/ب/د): أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ نقضِ العِلَّةِ إِلَى نقضِ دليلِهَا.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْمَعُ، وهو ظَاهرُ عبَارةِ (المَحْصُولِ) فإِنَّه علَّلَ المَنْعَ فِيمَا تقدَّمَ بأَنَّهُ نقلَ إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: بلَى، لو قَالَ المُعْتَرِضُ: مَا دَلَلْتُ بِهِ إِلَى آخرِهِ، لكَانَ نقضًا للدليلِ فَيَكُونُ انتقَالاً مِنَ السّؤَالِ الذي بدأَ بِهِ إِلَى غَيْرِه انْتَهَى.

فلم يَجْعَلْه انتقَالا إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى بَلْ إِلَى سؤَالٍ آخرَ، فدلَّ علَى قبولِهِ، ويدلُّ عَلَيْهِ تعبيرُه بِقَوْلِهِ:(بلَى) وعبَارةُ البَيْضَاويِّ: فَهَلْ نقَلَ إِلَى نقضِ الدَّلِيلِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِفصَاحٌ بحكمِه، لكنَّ الأَقربَ إِلَى الفهمِ مِنْ كلَامِه أَنَّهُ غَيْرُ مقبولٍ، لأَنَّهُ علَّلَ مَنْعَ المُعْتَرِضِ مِنْ إِقَامةِ الدَّلِيلِ علَى وُجُودِهِ بأَنَّهُ نَقَلَ، فدلَّ علَى أَن النَّقلَ غَيْرُ مقبولٍ مُطْلَقًا، ويحتمِلُ أَنْ يَكُونَ معنَى كلَامِه أَنَّ النَّقْلَ فِي هذه الصُّورَةِ مقبولٌ لِكَوْنِهِ لَيْسَ انتقَالاً إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى، وعليه جرَى الشّيرَازِيُّ فِي شرحِهِ.

تَنْبِيهٌ:

لو قَالَ المُعْتَرِضُ: يَلْزَمُكَ إِمَّا نقضُ العِلَّةِ أَو نقضُ الدَّلِيلِ الدَّالِ علَى وُجُودِهَا فِي الفَرْعِ ـ كَانَ مقبولاً يحتَاجُ المُسْتَدِلُّ إِلَى الجوَابِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 596

ص: وَلَيْسَ لَهُ الاستدلَالُ: (180/أَ/م) علَى تَخَلُّفِ الحُكْمِ وثَالِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ أَولَى.

ش: إِذَا مَنَعَ المُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إِن كَانَ عدمُ الحُكْمِ فِي صُورَةِ النقضِ مجمعًا عَلَيْهِ أَو مَذْهَبَهُ، وإِلَاّ سُمِعَ، وحيثُ سُمِعَ مِنْهُ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ إِقَامةُ الدَّلِيلِ علَى تخلُّفِ الحُكْمِ؟

فِيه مَذَاهِبُ:

أَحدُهَا: المنعُ، وعليه أَكثرُ النظَارِ، لمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ القَاعدةِ بَانقلَابِ المُسْتَدِلِّ معترضًا وَالمُعْتَرِضِ مستدلاً.

وَالثَّانِي: الجوَازُ، فإِن بِذَلِكَ يتحقَّقُ نقضُ العِلَّةِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يكنُ لَهُ طريقٌ أَوْلَى بِالقدحِ فِي كلَامِ المُسْتَدِلِّ من ذَلِكَ، فإِنْ كَانَ لَهُ طريقٌ أَفضَى إِلَى المَقْصُودِ فلَا.

ص: ويجبُ الاحترَازُ مِنْهُ علَى المُنَاظِرِ مُطْلَقًا، وعلَى النَّاظرِ إِلا فِيمَا إِذَا اشْتَهَر مِنَ المستثنيَاتِ فصَار كَالمَذْكُورِ، وَقِيلَ: يجِبُ مُطْلَقًا وَقِيلَ: إِلا فِي المستثنيَاتِ مُطْلَقًا.

ش: إِذَا قُلْنَا: إِن النَّقْضَ قَادِح فَهَلْ يجِبُ علَى المُسْتَدِلِّ الاحترَازُ عَن دليلِه مِنْهُ ابتدَاءً أَمْ لَا؟

فِيه أَقوَالٌ:

أَحَدُهَا ـ وهو اختيَارُ المُصَنِّفِ ـ: أَنَّهُ يجِبُ الاحترَازُ مِنْهُ علَى المُنَاظِرِ مُطْلَقًا، وأَمَّا النَّاظرُ المُجْتَهِدُ فِيجِبُ عَلَيْهِ أَيضًا، إِلا أَنْ يَكُونَ مشتهرًا فِينزِلُ شهرتَه منزلةَ ذِكْرَهِ فَلَا يحتَاجُ إِلَى التّصريحِ بِهِ.

ص: 597

الثَّانِي: وُجُوبُ الاحترَازِ مِنْهُ مُطْلَقًا؛ لأَنَّهُ مطَالَبُ بِالمعرَّفِ للحكمِ، وَلَيْسَ هذَا الوَصْف فقط بَلْ هو مَعَ عدمِ المَانعِ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ يجِبُ إِلا فِي الصورِ المستثنَاةِ مِنَ القَاعدةِ كَالعرَايَا.

الرَابِعُ: أَنَّهُ لَا يجِبُ مُطْلَقًا؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ ذِكْرُ الدَّلِيلِ، وأَمَّا نَفْيُ المَانعِ فمِنْ قبيلِ دَفْعِ المُعَارِضِ فَلَمْ يَجِبْ، وَحَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ عن/ (147/أَ/د) الأَكثرينَ.

ص: ودعوَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَو مُبْهَمَةٍ أَو نفِيهَا ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ أَو النفيِ العَامَّيْنِ وبَالعَكْسِ.

ش: فِي هذه الجُمْلَةِ ذِكْرُ مَا يتَّجِهُ مِنَ النّقوضِ ويستحِقُّ الجوَابُ، ومَا لَيْسَ كذلك، وتقديرُ كلَامِه أَن دعوَى الحُكْم قَد يَكُونُ فِي بعضِ/ (180/ب/م) الصورِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي جميعِهَا.

الحَالةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الصّورِ، فقد يَكُونُ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِي صُورَةٍ مُبْهَمَةٍ، وعلَى كِلَا التقْدِيرَيْنِ فقد يَكُونُ المُدَّعَى ثُبُوتَ الحُكْمِ وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ، فهذه أَربعُ صُورٍ:

الأُولَى: دعوَى ثُبُوتِهِ فِي صُورَةٍ معيَّنَةٍ فِينقضُه النفْيُ فِي جَمِيعِ الصورِ؛ لأَنَّ نقيضَ الموجبةِ الجزئيَّةِ: سَالبةٌ كُلِّيَّةٌ، ولَا ينتقِضُ بِنَفْيِهِ عَن بَعْضِ الصورِ لِعَدَمِ تنَاقضِ الجُزْئَيْنِ، وذلك كقولِ الحَنَفِيِّ فِي جريَانِ القصَاصِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَالذميِّ مَعَ العَمْدِ: مَحْقُونَا الدَّمِ فجرَى بَيْنَهُمَا القصَاصِ كَالمسلمينِ فِينتقِضُ بِالأَبِ وَالابْنِ فإِنَّهُمَا مَحْقُونَا الدَّمِ ولَا يجِبُ القصَاصُ علَى الأَبِّ بقتلِ الابنِ.

الثَانِيَةُ: دعوَى ثُبُوتِهِ فِي صُورَةٍ مبهمةٍ، وينقضِه النّفِيَ العَامَّ كَالتي قبلَهَا، كَمَا لو قِيلَ: إِنسَان ٌمَا كَاتِبٌ، فَيَنْقُضُه النَّفْيُ العَامُّ كَقَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنَ الإِنسَانِ

ص: 598

بكَاتبٍ.

الثَالثةُ: دعوَى نفِيه عَن صُورَة معيَّنَةٍ فِيَنْقُضُه الإِثبَاتُ فِي جَمِيعِ الصورِ لَا فِي بعضِهَا، لمَا بيَّنَّا مِنْ تنَاقضِ الجزئيَّةِ وَالكليَّةِ دُونَ الجزئيَّيْنِ، كقولِ القَائلِ: النَّبِيذُ غَيْرُ نجسٍ قِيَاسًا علَى خَلِّ الزّبيبِ، فِينقُضُهُ أَنَّ كلَّ نبيذٍ مُسْكِرٍ، وكلُّ مُسْكِرٍ نَجِسٌ.

الرَابعةُ: دعوَى نفِيه عَن صُورَةِ مُبْهَمَةٍ وهو كَالذي قبلَه، كقولِ القَائلِ: إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ نَهْرُ نفسِه بنهرِ غَيْرِه لَمْ يحلَّ الشّربُ مِنْ وَاحدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لو اشتبَه عَلَيْهِ ظرفُ مَائِهِ بظرفِِ مَاءِ غَيْرِه بجَامعِ الاشتبَاهِ فِينقِضُ بحلِّ الشُّرْبِ من نهرِ غَيْرِه الجَاري علَى الأَصحِّ.

وَقَوْلُهُ: (ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ أَو النَّفْيُ) لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبِ الأَوَّلِ للثَاني، وَالثَّانِي للأَوَّلِ، فإِنَّ النَّقْضَ بِالإِثبَاتِ رَاجِعٌ لصورةِ النَّفْيِ، وبِالنفِي رَاجعٌ لصورةِ الإِثبَاتِ، فلو قَالَ بِالنَّفْيِ أَو الإِثبَاتِ لكَانَ أَوْلَى.

الحَالةُ الثَانِيَةُ: دعوَى ثُبُوتِ الحُكْمِ فِي جَمِيعِ الصورِ أَو نفِيه فِي جميعِهَا أَيضًا، وَالأَوَّلُ ينتقِضُ بِالنَّفْيِ فِي صُورَةِ مُعَيَّنَةٍ (181/أَ/م) أَو مُبْهَمَةٍ، وَالثَّانِي: ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَو مُبْهَمَةٍ.

فهذه أَربعُ صُوَرٍ أَشَارَ المُصَنِّفُ إِليهَا بِقَوْلِهِ: (وبَالعَكْسِ) وكلَامُهُ إِنَّمَا هو فِيمَا إِذَا كَانَ المَقْصُودُ إِثبَاتَ الحُكْمِ أَو نفْيُهُ فَقَطْ، فإِن كَانَ المَقْصُودُ الأَمرينِ معًا وجَبَ كَوْنُ الحُكْمِ مُطَّرِدًا منعكسًا مَعَ عِلَّتِهِ كَالحدِّ مَعَ المحدودِ فِينتقِضُ بِثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الوَصْفِ وبِعَدَمِهِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ.

ص: وَمِنْهَا الكسرُ قَادِحٌ علَى الصّحيحِ؛ لأَنَّهُ نقضُ المَعْنَى وهو إِسقَاطُ وصفٍ/ (147/ب/د) مِنَ العِلَّةِ إِمَّا مَعَ إِبدَالِهِ كَمَا يُقَالُ فِي الخوفِ: صلَاةٌ يجِبُ قضَاؤُهَا، فِيجِبُ أَدَاؤُهَا كَالأَمْنِ، فَيعترِضُ بأَنَّ خصوصَ الصّلَاةِ مُلْغًي فَلْيُبْدِلْ بِالعبَادةِ، ثُمَّ ينقضُ بصومِ الحَائضِ أَو لَا

ص: 599

يبدل فَلَا يَبْقَى عِلَّةٌ إِلا يجِبُ قضَاؤُهَا، وَلَيْسَ كلُّ مَا يجِبُ قضَاؤُه يُؤَدَّى، دليلُه الحَائضُ.

ش: الثَّانِي من مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ الكَسْرُ، وعَرَّفَهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ إِسقَاطُ وَصْفٍ مِنْ أَوصَافِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ، أَي بيَانُ أَنَّهُ مُلْغًى لَا أَثرَ له فِي التَّعْلِيلِ، وهذَا مَحْكِيٌّ عَنِ الأَكْثَرِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ وَالجَدَلِيِّينَ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (المُلَخَّصِ): وهو سؤَالُ مَلِيحٌ، وَالاشتغَالُ بِهِ ينتهي إِلَى بيَانِ الفقهِ، وتصحيحِ العِلَّةِ، وَاتَّفَقَ أَكثرُ أَهْلِ العِلْمِ علَى صِحَّتِهِ وإِفسَادِ العِلَّةِ بِهِ، ويُسَمُّونَهُ النَّقْضَ من طريقِ المعنَى، وَالإِلزَامَ مِنْ طريقِ الفقهِ، وأَنكَرَ ذَلِكَ طَائفَةٌ مِنَ الخُرَاسَانِيِّينَ. انْتَهَى.

وذَكَرَ له المُصَنِّفُ صُورَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: أَن يجعَلَ بدلَ ذَلِكَ الوَصْفَ وَصْفًا عَامًّا، ثُمَّ ينقِضُ الوَصْفَ الآخرَ كَقَوْلِنَا فِي صلَاةِ الخوفِ: صلَاة يجِبُ قضَاؤهَا فِيجِبُ أَدَاؤُهَا كصلَاةِ الأَمْنِ، فَيُعْتَرَضُ بأَنَّ خصوصَ كونِهَا صلَاةً يُلْغَى لَا أَثرَ له لأَنَّ الحجَّ كذلك، فِيبقَى الوَصْفُ العَامُّ وهو كونُهَا عبَادةً، ثُمَّ يُنْقَضُ بِصَوْمِ الحَائضِ فإِنَّه يجِبُ قضَاؤُه ولَا يجِبُ أَدَاؤُه بَلْ يُحْرَمُ.

ثَانِيهُمَا: أَن لَا يَجْعَلَ بدلَه وصفًا عَامًّا، بَلْ يقتصِرُ علَى البَاقي بعدَ إِسقَاطِهِ، فَيُقَالُ: يجِبُ قضَاؤُه فِيحِبُ أَدَاؤُه، وَلَيْسَ كلُّ شَيْءٍ يجِبُ قضَاؤُه يجِبُ أَدَاؤُه، بدليلِ الحَائضِ، وظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَقْضٌ/ (181/ب/م) يَرُدُّ علَى المعنَى، وَاختَارَ القَدْحَ بِهِ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ إِلا أَنَّهُمَا سَمَّيَاه النقضَ المكسورَ، وجعلَا الكسرَ اسمًا لِتَخَلُّفِ الحُكْمِ عَنِ الحِكْمَةِ المقصودةِ مِنْهُ، ونقلًا عَنِ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ وَاختَارَاه.

ص: 600

ص: وَمِنْهَا العَكْسُ، وهو انْتِفَاءُ الحُكْمِ لانتفَاءِ العِلَّةِ، فإِنْ ثبَتَ مقَابِلُه فأَبْلَغ، وشَاهدُه قَوْلُه: صلى الله عليه وسلم ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فكذلك إِذَا وَضَعَهَا فِي الحلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) فِي جوَابِ: أَيأَتي أَحدُنَا شهوتَه وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ وتَخَلُّفُه قَادِحٌ عِنْدَ مَانعٍ علتين ونعني بَانتفَائه انْتِفَاء العِلْم أَو الظن إِذ لَا يَلْزَمُ مِنْ عدمِ الدَّلِيلِ عدمُ المدلولِ.

ش: الثَّالِثُ: عدمُ العَكْسِ، وَالمُرَادُ بَالعَكْسِ انْتِفَاءُ الحُكْمِ لانتفَاءِ العِلَّةِ، كَذَا فسَّرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وذكَرَ أَنَّ اشْتِرَاطَه فِي العِلَّةِ مبنيٌّ علَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِِدِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنَّه حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِلحكمِ إِلا دَلِيلٌ وَاحدٌ، فمتَى انتفَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ انتفَى الحُكْمُ، وتَبِعَهُ المُصَنِّفُ علَى ذَلِكَ، لكنَّ ذِكْرَهُ العَكْسَ فِي مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ كلَامٌ مظلِمٌ لَا يُهْتَدَى إِلَى معنَاه.

وَالعَجَبُ مَشْيُ شَارحِه عَلَيْهِ، وَالمَعْرُوفُ ـ وهو الذي فِي كلَامِ ابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِه ـ أَنَّ العَكْسَ/ (148/أَ/د) من شُرُوطِ العِلَّةِ عِنْدَ مَانعِ الحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ.

وَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي أَثنَاءِ كلَامِهِ علَى الصّوَابِ، فقَالَ: وتَخَلُّفُهُ ـ أَي الحُكْمُ ـ عَنِ العِلَّةِ بأَنْ لَا يَنْتَفِِي بَانتفَائِهَا قَادِحٌ عِنْدَ مَانعِ عِلَّتَيْنِ، فَلَا يَكُونُ العَكْسُ من مبطلَاتِ العِلَّةِ بَلْ مِنْ مُصَحِّحَاتِهَا، وإِنَّمَا المُبْطِلُ عدمُه، فلذلك عَبَّرْتُ أَولاً بقولِي:(عدمُ العَكْسِ) وَالمُرَادُ بَانتفَاءِ الحُكْمِ انْتِفَاءُ العِلْمِ أَو الظّنُ بِهِ، ولَا يلْزَمُ من انْتِفَاءِ دليلِه انتفَاؤُه، فإِنَّه لَا يلزَمُ مِنْ عدمِ الدَّلِيلِ عدمُ المدلولِ، كَمَا لَا يلزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ علَى الصَّانعِ انْتِفَاءَ الصَّانعِ بَلْ انْتِفَاءُ العِلْمِ بِهِ.

أَمَا مَنْ جَوَّزَ تَعْلِيلَ الحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فإِنَّه لَا يجعَلُ العَكْسَ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ، لجوَازِ ثُبُوتِ الحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ تِلْكَ العِلَّةِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وعدَّ البَيْضَاوِيُّ مِنْ

ص: 601

مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ عدمُ العَكْسِ، بنَاءً علَى مَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، لكنَّهُ عرَّفَهُ ـ أَعني عدمَ العَكْسِ ـ بأَنَّهُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى/ (182/أَ/م) بدونِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه.

ومِثْلُ ذَلِكَ بقولِ الحَنَفِيِّ فِي الاستدلَالِ علَى مَنْعِ الأَذَانِ للصبحِ قَبْلَ وقتِهَا بأَنَّهَا صلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُؤْذَنُ لهَا قَبْلَ وقتِهَا كَالمَغْرِبِ، بجَامِعِ عَدَمِ جَوَازِ القَصْرِ فَيَعْتَرِضُ بأَنَّ الحُكْمَ ـ وهو عدمُ التَّأَذِينِ قَبْلَ الوَقْتِ ـ مَوْجُودٌ مَعَ انْتِفَاءِ الوَصْفِ وهو عدمُ القصرِ، لكن لَا فِي شخصِ المَقِيسِ عَلَيْهِ وهو المَغْرِبُ، بَلْ فِي نوعِه كَالظُّهْرِ مثلاً، فإِنَّهَا تُقْصَرُ ولَا يُؤَذَّنُ لهَا قَبْلَ وقتِهَا.

وَاعترضَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ علَى ذَلِكَ بأَنَّهُ لَيْسَ من شرطِ عدمِ العَكْسِ حُصُولِ مثلُ ذَلِكَ الحُكْم فِي صُورَةِ أُخْرَى، بَلْ لو حَصُلُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بعينِهَا لِعِلَّةٍ أُخْرَى كَانَ كَذَلِكَ أَيضًا.

قَالَ الشَّارِحُ: وإِليه أَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (فإِن ثَبَتَ مقَابلُه فأَبْلِغْ) وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام حينَ ذكَرَ أَنوَاعَ الصّدقةِ: ((وفِي بِضْعِ أَحَدِكُمْ))؛ أَي: جمَاعِه أَهلَه ((صَدَقَةٌ)) قَالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ! أَيَأَتِي أَحدُنَا شهوتَه وَلَهُ أَجرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حرَامٍ)) يَعْنِي أَكَانَ يأثمُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حلَالٍ)) أَي يُؤْجَرُ.

قُلْتُ: كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وفِي مطَابقِةِ قَوْلِ المُصَنِّفِ، (فَإِنْ ثَبَتَ مقَابلُه فأَبْلِغْ) لكلَامِ الصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ هذَا ـ نَظَرٌ، ولم يَظْهَرْ لي وجهُ استشهَادِ المُصَنِّفِ بهذَا الحديثِ، ومَا أَوْرَدَهُ الهِنْدِيُّ قَد سمَّاه البَيْضَاوِيُّ عدمَ التّأَثيرِ، ومثَّلَ لَهُ بِقَوْلِنَا فِي الاستدلَالِ علَى بُطْلانِ بيعِ الغَائبِ: بيعٍ غَيْرِ مرئيٍّ فَلَا يصِحُّ كبيعِ الطّيرِ فِي الهوَاءِ بجَامعِ عدمِ الرّؤيةِ، فَيعترَّضُ بوجودِ الحُكْمِ، وهو بطلَانُ البَيْعِ

ص: 602

بدونِ الوصفِ، وهو عدمُ الرّؤيةِ فِي الصُّورَةِ المَقِيسِ عَلَيْهَا، إِذ لو رآهُ وهو طَائرٌ لَمْ يصِحَّ بيعُه لِكَوْنِهِ غَيْرُ مقدورٍ علَى تسليمِه.

وسَيَأْتِي فِي كلَامِ المُصَنِّفِ التّمثيلُ بذلك/ (148/ب/د) لأَحدِ أَنوَاعِ عدمِ التّأَثيرِ.

ص: وَمِنْهَا عدمُ التّأَثيرِ، أَي أَنَّ الوَصْفَ لَا منَاسبةَ فِيهِ، ومن ثَمَّ اختصَّ بقِيَاسِ المعنَى، وبِالمُسْتَنْبَطَةِ المختلَفِ فِيهَا، وهو أَربعةٌ فِي الوَصْفِ بِكَوْنِه طردِيًّا، وفِي الأَصْلِ مثلُ: مبيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَلَا يصِحُّ كَالطيرِ فِي الهوَاءِ، فِيقولُ: لَا أَثرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مرئيٍّ:/ (182/ب/م) فإِن العَجْزَ عَنِ التّسليمِ كَافٍ، وحَاصلُه معَارضةٌ فِي الأَصْلِ.

ش: الرَّابِعُ عدمُ التّأَثيرِ، وعرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنْ يَكُونَ الوَصْفُ لَا منَاسبةَ فِيهِ؛ أَي: لإِثبَاتِ الحُكْمِ ولَا نفِيهِ، وعرَّفَه فِي (المَحْصُولِ) و (المنهَاجِ) بأَنَّهُ ثُبُوتُ الحُكْمِ بدونِ، الوَصْفِ وهو أَخصُّ مِنْ تعريفِ المُصَنِّفِ كَمَا ستعرِفُه.

وَقَوْلُهُ: (ومِنْ ثَمَّ) أَي: ولأَجْلِ تفسيرِه بِذَلِكَ اختصَّ قَدْحُ عدمِ التّأَثيرِ بقِيَاسِ المَعْنَى دُونَ الشَّبَهِ وَالطردِ، وبِالمُسْتَنْبَطَةِ المختلَفِ فِيهَا فَلَا يَقْدَحُ فِي المَنْصُوصَةِ ولَا فِي المُسْتَنْبَطَةِ المجمَعِ عَلَيْهَا.

وعدمُ التّأَثيرِ علَى أَربعةِ أَقسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الوَصْفِ بِكَوْنِه طرديًا، كقولِهم فِي الصُّبْحِ: صلَاةٌ لَا تُقْصَرُ، فَلَا يقدَّمُ أَذَانُهَا كَالمغربِ، فإِنَّ عدمَ القصرِ بِالنِّسَبَةِ لِعَدَمِ التّقديمِ طرديٌّ، ولذلك لَا يقدَّمُ أَذَانُ الظّهرِ وَغَيْرُهَا، ممَا يقصُرُ، وحَاصلُ هذَا المطَالبةُ بِالدليلِ علَى كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً.

ص: 603

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الأَصْلِ بأَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بوصفٍ آخرَ، كَقَوْلِنَا فِي بيعِ الغَائبِ، مبيعٌ غَيْرُ مرئيٍّ فَلَا يصِحُّ كَالطيرِ فِي الهوَاءِ بجَامعِ عدمِ الرّؤيةِ، فَيَقُولُ الخَصْمُ: لَا أَثرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مرئيٍّ؛ فإِنَّ العجزَ عَنِ التّسليمِ كَافٍ فِي البطلانِ.

وحَاصلُ هذَا معَارضةٌ فِي الأَصْلِ؛ أَي؛ بإِبدَاءِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وهي العَجْزُ عَنِ التّسليمِ، ولذلك بنَاه البَيْضَاوِيُّ علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فإِنْ قُلْنَا بجَوَازِهِ لَمْ يَقْدَحْ وإِلَاّ قَدَحَ.

ص: وفِي الحُكْمِ، وهو أَضربُ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ كقولِهم فِي المُرْتَدِّينَ: مُشْرِكُونَ أَتلَفُوا مَالاً فِي دَارِ الحرب فَلَا ضمَانَ كَالحربيِّ، ودَارِ الحربِ عندهم طرديٌّ فَلَا فَائِدَةَ لذِكْرِهِ، إِذْ مَنْ أَوْجَبَ الضّمَانَ أَوْجَبَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِ الحَرْبِ، وكذَا من نفَاهُ، فَيَرْجِعُ إِلَى الأَوَّل؛ لأَنَّهُ يُطَالِبُ بتأَثيرِ كَوْنهِ فِي دَارِ الحربِ، أَو يَكُونُ لَهُ فَائِدَةٌ ضروريَّةٌ كقولِ معتبرِ العددِ فِي الاستجمَارِ بِالأَحجَارِ: عبَادَةً مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحجَارِ لَمْ يتقدَّمْهَا معصيةٌ فَاعْتُبِرَ فِيهَا العددُ كَالجِمَارِ، فقولُه:(لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةًٌ) عديمُ التّأَثيرِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لكنَّهُ مضطَّرٌ إِلَى ذِكْرِهِ لِئَلَّا ينتقِضُ بِالرجمِ ـ أَو غيرُ ضروريَّةٍ فإِن لَمْ تُغْتَفَرِ الضّروريَّة لَمْ تُغْتَفَرِ، وإِلَاّ فتردَّدْ+، مثَالُه الجمعةُ: صلَاةٌ مفروضةٌ فلم تفتقرْ إِلَى إِذنِ/ (183/أَ/م) الإِمَامِ كَالظُّّهْرِ، فإِنَّ (مفروضةً) حشوٌ إِذ لو حُذِفَ لَمْ يُنْتَقَضْ بشيءٍ لكنْ ذُكِرَ لتقريبِ الفَرْعِ مِنَ الأَصْلِ بتقويةِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا إِذِ الفرضُ/ (149/أَ/د) بِالفرضِ أَشبَهُ.

ش: القِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الحُكْمِ، وقسَّمَهُ المُصَنِّفُ ثلَاثةَ أَقسَامٍ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لذِكْرِهِ فَائِدَةٌ أَصلاً، أَو لَهُ فَائِدَةٌ ضروريَّةٌ أَو غَيْرُ ضروريَّةٍ، وَمَعَ كونِهَا ضروريَّةً لَا تَأْثِيرَ له فِي الحُكْمِ، وفَهْمُ أَمثلةِ ذَلِكَ مِنَ الأَصْلِ وَاضحٌ.

ص: 604

وَقَوْلُهُ: (فَيُرْجُعُ إِلَى الأَوَّلُ) أَي: إِلَى القِسْم الأَوَّلِ؛ لأَنَّ كَوْنَ الإِتلَافِ فِي دَارِ الحربِ لَا تَأْثِيرَ له فِي الأَصْلِ ولَا فِي الفَرْعِ، فَالمُسْتَدِلُّ مطَالَبٌ بِالدليلِ علَى أَنَّ لَهُ مدخلاً فِي العِلَّةِ.

وَقَوْلُهُ: (فإِِنْ لَمْ يُغْتَفَرِ الضروريَّةٌ) أَي لَمْ يُغْتَفَرْ للمستدلِّ ذِكْرُ مَا هو مضطَّرٌ إِلَيْهِ، فَلَا يُغْتَفَرُ لَهُ ذِكْرُ مَا لَا يضطَّرُ إِلَيْهِ، بَلْ هو مجرَّدُ حَشْوٍ.

وَقَوْلُهُ: (وإِلَا) أَي: وَإِنِ اغْتُفِرَ الضّروريُّ ففِي غَيْرِ الضّروريِّ تردُّدٌ، أَي: لخلَافٍ فِيه.

ص: الرَّابعُ فِي الفَرْعِ مثلُ: زوَّجَتْ نفسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلَا يصِحُّ كَمَا لو زُوِّجَتْ وهو كَالثَّانِي إِذ لَا أَثرَ للتقييدِ بِغَيْرِ الكُفْءِ ويُرْجَعُ إِلَى المنَاقشةِ فِي الفرضِ، وهو تخصيصُ بَعْضِ صورِ النّزَاعِ بِالحجَاجِ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ، وثَالثًا بشرطِ البنَاءِ أَي: بنَاءِ غَيْرِ مَحَلِّ الفرضِ عليه.

ش: الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ عدمُ التّأَثيرِ فِي الفَرْعِ لكونِ الوَصْفِ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ صورِ النّزَاعِ، مثلُ قولِنَا فِي ولَايةِ المرأَةِ: زَوَّجَتْ نفسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلَا يصِحُّ، كَمَا لو زوَّجَهَا ولِيُّهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَيَكُونُ التّزويجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ لَا يَطَّرِدُ فِي صُورَةِ النّزَاعِ، وهو تزويجُهَا نفسَهَا ولو مِنْ كُفْءٍ، فهو كَالثَّانِي من جهةِ أَنَّ حُكْمَ الفَرْعِ هُنَا مَنُوطٌ بِغَيْرِ الوَصْفِ المذكورِ فِيهِ، كَمَا أَن حُكْمَ الأَصْلِ فِي القِسْمِ الثَّانِي منوطٌ بِغَيْرِ الوَصْفِ المذكورِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ فِي مختصرِه الصّغيرِ، لكنَّهُ قَالَ فِي الكبيرِ: إِنَّهُ كَالثَّالِثِ وصوَّبَهُ بعضُهم.

وَالكلَامُ فِي هذه المَسْأَلَةِ مبنيٌّ علَى الخِلَافِ فِي الفرضِ، وهو تخصيصُ بَعْضِ صورِ النّزَاعِ بِالحجَاجِ فِيهِ، وإِقَامةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، كَمَا لو قَالَ المُتَكَلِّمُ فِي المُزَوِّجَةِ

ص: 605

نفسُهَا: أَفْرِضُهُ فِي التّزويجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ، وأَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ خَاصَّةً، فَمَنْ منَعَ/ (183/ب/م) الفَرْضُ ردَّ هذَا ومَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ قبلَه.

وفِي قبولِ الفرضِ مَذَاهِبُ:

أَصحُّهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: جَوَازهُ، فقد لَا يسَاعدُه الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الصورِ أَو لَا يقدِرُ علَى دَفْعِ كلَامِ المُعْتَرَضِ فِي بعضِهَا لإِشكَالِه فِيستفِيدُ مِنَ الفرضِ غرضًا صحيحًا.

وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ ـ المنعُ، وقَالَ: شرطُ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لجميعِ صورِ النّزَاعِ، ليكونَ مُطَابِقًا للسؤَالِ، ودَافِعًا لاعترَاضِ الخَصْمِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بشرطِ البنَاءِ، أَي: يُبْنَى غيرُ مَا فَرَضَهُ، وأَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ علَى مَا فَرَضَهُ.

ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ/ (149/ب/د) البنَاءِ، فقِيلَ: يَكْفِيه أَنْ يقولَ: إِذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الصّورِ ثَبَتَ فِي جميعِهَا، إِذ لَا قَائلَ بِالفرقِ، وقيلَ، لَا يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ يحتَاجُ إِلَى ردِّ مَا يخرُجُ عَن مَحَلِّ الفرضِ إِلَيْهِ بجَامِعِ صحيحٍ علَى قَاعدةِ القِيَاسِ.

وَقِيلَ: إِنَّ فَرْضَ الاستدلَالِ فِي صُورَةِ السّؤَالِ فَلَا يحتَاجُ إِلَى البنَاءِ، وإِنْ فرَضَهُ فِي غَيْرِهِ اشْتَرَطَ بنَاءَ صُورَةِ السّؤَالِ علَى مَحَلِّ الفرضِ بطريقِ القِيَاسِ.

ص: وَمِنْهَا القَلْبُ، وهو دعوَى أَنَّ مَا استدَلَّ بِهِ فِي المَسْأَلَةِ علَى ذَلِكَ الوجهِ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِن صحَّ، ومن ثَمَّ أَمْكَنَ مَعَهُ تسليمُ صِحَتِّهِ وَقِيلَ: هو تَسْلِيمُ للصحَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِفسَادُ مُطْلَقًا، وعلَى المُخْتَارِ فهو مقبولٌ، معَارضةٌ عِنْدَ التّسليمِ قَادِحٌ عِنْدَ عدمِهِ، وَقِيلَ: شَاهدٌ زُورٌ لَك وعليكَ.

ص: 606

ش: الخَامِسُ: القلبُ، وعرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنَّهُ دعوَى المُعْتَرِضِ أَنَّ مَا استدَلَّ بِهِ المُسْتَدِلُّ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ علَى ذَلِكَ الوجهِ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِنْ صحَّ، كَاستدلَالِ الحَنَفِيِّ فِي توريثِ الخَالِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:((الخَالُ وَارِثٌ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ)) فأَثبَتَ إِرْثَهُ عِنْدَ عدمِ إِرثِ غيرِهِ، فَيعترِضُ بأَنَّ هذَا عَلَيْهِ لَا له؛ لأَنَّ معنَاه نَفْيُّ تَوْرِيثِ الخَالِ بطريقِ المبِالغَةِ، أَي: إِنَّ الخَالَ لَا يَرِثُ كَمَا يقَالَ: الجوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصبرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حيلَةَ له، أَي لَيْسَ الجوعُ زَادًا ولَا الصّبرُ حيلَةً.

وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ أَنْ يَدَّعِي المُعْتَرِضُ أَنَّ مَا استدلَّ بِهِ هو عَلَيْهِ فِي مسأَلةٍ أُخْرَى لَا فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا. ِ

وبِقَوْلِنَا: (علَى ذَلِكَ الوجهِ) أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ لكن علَى غَيْرِ ذَلِكَ الوجهِ، كأَنْ يَكُونَ استدلَالُ المُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ مِنْ جهةِ الحَقِيقَةِ وَاستدلَالُ المُعْتَرِضِ بِهِ مِنْ جهةِ المجَازِ.

قُلْتُ: وكَانَ يَنْبَغِي تأَخيرُ قَوْلِهِ: (فِي تِلْكَ المسأَلةِ/ (184/أَ/م) علَى ذَلِكَ الوجهِ) عَنْ قَوْلِهِ (عَلَيْهِ)؛لأَنَّ المَقْصُودَ تَقِييدُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ بِتلكَ المَسْأَلَةِ، وبِذلكَ الطََّرِيقِ فِي الاستدلَالِ، وَلَيْسَ المُرَادُ تقييدَ استدلَالِ المُسْتَدِلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الشَّارِحُ: وكَانَ يَنْبَغِي إِسقَاطُ قَوْلِهِ: (لَا لَهُ) ولهذَا قَالَ الآمِدِيُّ: قَلْبُ الدَّلِيلِ هو أَنْ يُبَيِّنَ القَالِبُ أَنْ مَا ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لَا له)، أَو يَدُلُّ عَلَيْهِ (وله)، قَالَ: وَالأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الأَقيسةِ، ومَثَّلَه مِنَ النّصوصِ بحديثِ:((الخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ له)) كَمَا تقدَّمَ.

وَقَوْلُ المُصَنِّفُ: (إِنْ صحَّ) أَي: علَى تقديرِ التَّرْكِ، ولهذَا يُمْكِنُ مَعَ القَلْبِ تَسْلِيمُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ وهو معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ، ومِنْ ثُمَّ أَمْكَنَ مَعَهُ تسليمُ صِحَّتِهِ.

ص: 607

ثم حكَى المُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ فِي أَن َّالقلبَ تسليمٌ للصحَّةِ مُطْلَقًا/ (150/أَ/د) أَو إِفسَادٌ للِعِلَّة مُطْلَقًا، وَوَجْهُ الأَوَّلِ أَنَّ الجَامِعَ دَلِيلٌ صحيحٌ، وإِنَّمَا اختلَفَا فِي أَنَّهُ دَلِيلٌ للمستدِلِّ أَو عَلَيْهِ.

وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يصلُحُ التّعليقُ بِهَا لوَاحدٍ مِنْهُمَا؛ لأَنَّ الشيءَ الوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِالشيءِ وضِدِّهِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ فِي شرحِ المختصَرِ أَنَّ هذَا الخِلَافَ لَا يُوجَدُ هكذَا صريحًا، وإِنَّمَا استنبَطَ الأَوَّلَ مِنْ تسميةِ بعضِهم القلبَ معَارضةَ، فإِنَّ المُعَارضَةَ لَا تفِسُد العِلَّةُ بَلْ تَمْنَعُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهَا إِلَى أَنْ يثبُتُ رُجْحَانُهَا من خَارجِ، وَاستنبطَ الثَّانِي ممَا سَيَأْتِي فِي كلَامِهِ عَن بعضِهم أَنَّهُ قَالَ: القلبُ شَاهدُ زورٍ لَك وعليكَ؛ أَي: كَمَا يشهدُ لَكَ يشهَدُ عليك، ومِنْ قَوْلِ ابنِ السَّمْعَانِيِّ: توجيهُ سؤَالِ القَلْبِ أَنْ يقَالَ: إِذَا عَلَّقَ علَى العِلَّةِ ضدَّ مَا عَلَّقَهُ المُسْتَدِلِّ مِنَ الحُكْمِ فَلَا يَكُونُ أَحدُ الحُكْمَيْنِ أَولَى مِنَ الآخرِ، ويَبْطُلُ تعلُّقُهَا بِهَا، وَاعترضَه الشَّارِحُ بأَنَّ هذَا الخِلَافَ ذَكَرَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (البُرْهَانِ) فقَالَ: ذَهَبَ ذَاهبونَ إِلَى ردِّهِ لكونِ مَا جَاءَ بِهِ القَالِبُ لَيْسَ منَاقِضًا لمَا صرَّحَ بِهِ المُعَلَّلُ بَلْ كَالمعَارضةِ.

وَقِيلَ بقبولِه، لاشتمَالِ العِلَّةِ، وقلبِهَا علَى حُكْمَيْنِ يستحِيلُ الجمعُ بَيْنَهُمَا فهو منَاقضٌ للمقصودِ.

قَالَ: ولَا يُمْكِنُ القَالِبُ أَن يعتقِدَ صِحَّةَ قَلْبِهِ لكونِ قِيَاسِ المُعَلَّلِ قَلْبًا له، بَلْ هو عندَه من بَابِ/ (184/ب/م) معَارضةِ الفَاسدِ بِالفَاسدِ، بخلَافِ المُعَارضَةِ إِذ قَد تكونُ صحيحةً لترجيحِهَا علَى قِيَاسِ المعللِ.

وقَالَ النَّيْليُّ فِي جدلِه: القِسْمُ الأَوَّلُ مِنَ القلبِ وهو مَا يَدُلُّ علَى

ص: 608

المُسْتَدِلِّ لَا لَهُ من قبيلِ الاعترَاضَاتِ، ولَا يتَّجِهُ فِي قبولِه خلَافَ.

فأَمَا الثَّانِي وهو مَا يَدُلُّ علَى المُسْتَدِلِّ مِنْ وجهٍ آخرَ كمثَالِ الاعتكَافِ، ومسحِ الرّأَسِ وبيعِ الغَائبِ، فَاختلفُوا فِيهِ هَلْ هو اعْتِرَاضٌ أَو معَارَضَةٌ، ثُمَّ بسَطَ ذَلِكَ، ثُمَّ فَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى المُخْتَارِ عندَه أَنَّهُ لَا يلزَمُ مِنَ القلبِ إِفسَادُ الدَّلِيلِ، بَلْ يُمْكِنُ مَعَهُ تسليمُ صحَّتِهِ أَنَّهُ علَى قسمينِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ معَارضةً بقِيَاسٍ بجَامعِ المُسْتَدِلِّ وأَصلُه، وذلك إِذَا اقتَرَنَ بِهِ تسليمُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ فَيُجَابُ عَنْهُ بِالترجيحِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعترَاضًا قَادحًا، وذلك عِنْدَ عدمِ تسليمِ صِحَّةِ الدَّلِيلِ، وعلَى التَّقْدِيرينِ فهو مقبولٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ المُعَارضَةَ إِنْ كَانَتْ لِعِلَّةِ المُسْتَدِلِّ نَفْسِهَا فهي القلبُ، وتُسَمَى مشَاركَةً فِي الدَّلِيلِ، وإِنْ كَانَتْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى فهي مَا عدَاه.

وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: يمتَازُ القلبُ عَن مطلقِ المُعَارضَةِ بأَمرينِ.

****************

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادةُ فِي العِلَّةِ وفِي سَائرِ المعَارضَاتِ يُمْكِنُ.

الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعَ وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لأَنَّ أَصلَ القَالبِ وفرعَهُ همَا أَصلُ المُسْتَدِلِّ وَفَرْعَهُ، ويُمْكِنُ ذَلِكَ فِي سَائرِ المعَارضَاتِ/ (150/ب/د)،وَقَوْلُ المُصَنِّفِ:(وَقِيلَ: هو شَاهدٌ زُورٌ) هو القَوْلُ الذي حَكَاهُ أَولًّا بِالإِفسَادِ كَمَا تقدَّمَ.

ص: وهو قسمَانِ: الأَوَّلُ لتصحيحِ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ فِي المَسْأَلَةِ إِمَّا مَعَ إِبطَالِ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ صريحًا كَمَا يقَالُ فِي بيعِ الفضولِيِّ: عَقْدٌ فِي حقِّ الغيرِ بلَا وِلَايةٍ فَلَا يصِحُّ كَالشّرَاءِ، فَيُقَالُ: عَقْدٌ فِيصِحُّ كَالشِّرَاءِ أَو لَا مِثْلَ لِبَثَِّ فَلَا يَكُونُ بنفسِه قُرْبَةٌ كوقُوفِ عَرَفَةَ فِيقَالُ:

ص: 609

فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصّومُ كعرفةَ، الثَّانِي: لإِبطَالِ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ بِالصرَاحةِ: عُضْوُ وُضُوءٍ فَلا يَكْفِي أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسمُ كَالوجِهِ فَيُقَالُ: فَلا يَتَقَدَّرُ غُسْلُه بِالرُّبْعِ كَالوجِهِ أَو بِالالتزَامِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الجهلِ بِالمُعَوَّضِ كَالنكَاحِ فَيُقَالُ: فَلا يُشْتَرَطُ خيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنكَاحِ.

ش: قَد يُرَادُ بِالقَلْبِ/ (185/أَ/م) تصحيحُ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَب المُسْتَدِلِّ، فهذَانِ قِسْمَانِ، وَالأَوَّلُ مِنْهُمَا تحتَهُ قِسْمَانِ أَيضًا.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَ تصحيحِ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ صريحًا، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الفُضُولِيِّ: عَقَدَ فِي حَقِّ الغيرِ بِلا وِلَايةٍ ولَا نيَابةٍ، فَلَا يَصِحُّ كَمَا لو اشترَى شيئًا لِغيره بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَقُولُ الخَصْمُ: عَقَدَ فِي حَقِّ الغيرِ بلَا ولَايةٍ ولَا نيَابةٍ فَيَصِحُّ كَالشِّرَاءِ؛ فَإِنَّهُ صحيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِمَنْ أُضِيفَ لَهُ، وهو المُشْتَرَى لَهُ، وإِنَّمَا يَقَعُ لِلمشترِي وهو الفُضُولِيُّ.

ثَانِيهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إِبطَالُهُ صريحًا، كَقولِ الحَنَفِيِّ فِي الاعتكَافِ: لُبْثٌ مخصوصٌ، فَلا يَكُونُ قُرْبَةٌ بِنفسِهِ بَلْ بَانضمَامِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ كَالوقوفِ بِعَرَفَةَ؛ فَإِنَّه لَيْسَ قُرْبَةٌ بِنفسِهِ بَلْ بِانضمَامِ الإِحرَامِ بِالحَجِّ إِليه، ومقصودُه إِثبَاتُ الصَّومِ فِيهِ، ولم يُصَرِّحْ بِهِ؛ لأَنَّهُ لَا يَجِدُ أَصلاً يَقِيسُ عَلَيْهِ لو صَرَّحَ بِهِ؛ فَنَقُولُ: الاعتكَافُ لُبْثٌ مخصوصٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ كَالوقوفِ بِعرفةَ.

وَالقِسْمُ الثَّانِي وهو مَا يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ تَحْتَهُ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالصرَاحةِ كَقَوْلِ الحَنَفِيِّ: مَسْحُ الرَّأَسِ رُكْنٌ مِنْ أَركَانِ الوُضُوءِ؛ فَلَا يَكْفِي فِيهِ أَقلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسمُ كَالوجِهِ، فَتَقُولُ:

ص: 610

مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ كَالوجِهِ.

ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِالالتزَامِ، كَقولِ الحَنَفِيِّ فِي بَيْعِ الغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوضَةٍ فَيَصِحُّ بِدُونِ رؤيةِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالنكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رؤيةُ المنكوحةِ، فَنَقُولُ: عَقْدُ مُعَاوضةٍ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنكَاحِ، فَنَفَيْنَا ثُبُوتَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، ويَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ صِحَّتِهِ؛ لأَنَّهُ لَازِمٌ له، إِذْ كُلُّ مَنْ قَالَ بِصِحَّتِهِ قَالَ بِثُبُوتِ الخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ.

ص: ومنه خِلَافًا للقَاضِي: قَلْبُ المُسَاوَاةِ مِثْلُ طهَارةٍ بِالمَائِعِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَالنجَاسةِ فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنجَاسةِ.

ش: مِنْ هذَا القِسْمِ الأَخيرِ ـ وهو مَا يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ ضِمْنًا ـ نَوْعٌ يُسَمَّى قَلْبُ المُسَاوَاةِ، وهو أَنْ/ (151/أَ/د) يَكُونَ فِي الأَصْلِ حُكْمَانِ وأَحَدُهُمَا:/ (185/ب/م) مُنْتَفٍ عَنِ الفَرْعِ اتفَاقًا وَالآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فِيثْبِتُ مُسْتَدِلُّ المُخْتَلَفِ فِيهِ إِلحَاقًا بَالأَصْلِ، فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ فِي الفَرْعِ كَمَا أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الأَصْلِ، كَقَوْلِ الحَنَفِيَّةِ فِي نِيَّةِ الوضوءِ: طَهَارةٌ بِالمَاءِ فَلا يَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَإِزَالةِ النَّجَاسةِ، فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنَّجَاسةِ، وهُمْ يُوجِبِونَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارةِ بِالجَامدِ وهو التَّيَمُّمُ.

وَالأَكثرون علَى قبولِه مِنْهُم الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وطَائفةٌ إِلَى رَدِّهِ؛ لأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِحُكْمِ العِلَّةِ؛ فإِنَّ الحَاصِلَ فِي الأَصْلِ نَفْيٌ، وفِي الفَرْعِ إِثبَاتٌ.

وأَجَابَ الأَكثرونَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ حُكْمِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي أَصْلَ

ص: 611

الاستوَاءِ الذي جُعِلَ جَامعًا.

ص: ومِنْهَا: القَوْلُ بِالمُوجِبِ، وشَاهِدُهُ:{ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} فِي جَوَابٍ {لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} وهو تسليمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، كَمَا يُقَالُ فِي المُثَقَّلِ: قُتِلَ بِمَا يَقْتِلُ غَالبًا فَلَا يُنَافِي الْقِصَاصَ كَالإِحرَاقِ فَيُقَالُ: سَلَّمْنَا عَدَمَ المُنَافَاةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتَ يَقْتَضِيهِ، وكَمَا يُقَالُ: التََّفَاوُتُ فِي الوسيلةِ لَا يَمْنَعُ القِصَاصَ كَالمْتَوَسِّلِ إِلَيْهِ فَيُقَالُ: مُسْلِمٌ، ولَا يَلْزَمُ مِنْ إِبطَالِ مَانعٍ انْتِفَاءُ الموَانِعِ ووُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالمُقْتَضِي، وَالمُخْتَارُ تصديقُ المُعْتَرِضِ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مَأَخَذِي، ورُبَّمَا سَكَتَ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مشهورةٍ مَخَافَةَ المَنْعِ فَيُرَدُّ القَوْلُ بِالمُوجِبِ.

ش: السَّادِسُ: القَوْلُ بِالمُوجَبِ ـ بِفَتْحِ الجِيمِ ـ أَيْ: بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ المُسْتَدِلِّ وَاقْتَضَاهُ، أَمَّا المُوجِبُ بِكَسْرِهَا، فهو الدَّلِيلُ، وهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِيَاسِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ تعَالَى:{لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: إِذَا أَخْرَجَ الأَعَزُّ الأَذَلَّ فأَنْتُمْ المُخْرَجُونَ ـ بِفَتحِ الرَّاءِ ـ لأَنَّكُمْ الأَذِلَاّءُ، وَالعِزَّةُ لِلَّهِ ولِمَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ تعَالَى.

وعَرَّفَهُ المُصَنِّفُ بِأَنَّهُ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الحَاجِبِ، وعَبَّرَ البَيْضَاوِيُّ بِتسليمِ مُقتضَى الدَّلِيلِ، وصَوَّبَهُ بعضُهم؛ لأَنَّ تسليمَ الخَصْمِ إِنَّمَا هو لِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ومُوجِبُهُ لَا لِنَفْسِ الدَّلِيلِ/ (186/أَ/م) لأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مُرَادًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ وسيلةً إِلَى معرفةِ المدلولِ.

وذَكَرَ لَهُ المُصَنِّفُ مِثَالَيْنِ:

أَحَدَهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ: قُتِلَ بِمَا يُقْتَلُ غَالبًا فَلَا ينَافِي

ص: 612

وُجُوبَ القصَاصِ كَالإِحرَاقِ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وأُسَلِّمُ عَدَمَ المُنَافَاةِ، لَكِنْ لَا يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ القصَاصِ الذي هو مَحَلُّ النِّزَاعِ، وكَوْنُ الشَّّيْءِ لَا يُنَافِي الشَّيْءَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ.

ثَانِيهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ أَيضًا: التَّفَاوتُ فِي الوسيلةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ، كَالتفَاوتِ فِي المُتَوَسِّلِ إِلَيْهِ، أَيْ أَنَّ المُحَدَّدَ وَالمُثْقَلَ وسيلتَانِ إِلَى القتلِ، فَالتفَاوتُ الذي بَيْنَهُمَاْ/ (151/ب/د) لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ كَالتَّفَاوُتِ فِي المُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، وهو النَّفْسُ؛ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكبيرِ وَالوضِيعِ وَالشَّريفِ، فَيُقَالُ بِمُوجِبِه، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ القِصَاصِ؛ فإِنَّه لَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ هذَا المَانعِ انْتِفَاءُ جَمِيعَ الموَانِعِ، ولَا وُجُودَ مُقْتَضَيَاتِ ذَلِكَ، وشرَائِطِه، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَجِبَ القِصَاصُ لِعَدَمِ المُقْتَضِي لَهُ أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَو لمَانِعٍ آخَرَ، وَهَلْ يُصَدِّقُ المُعْتَرِضُ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مأَخَذِي؟

فِيهِ مَذْهَبَانِ:

أَحَدُهُمَا ـ وهو المُخْتَارُ ـ: نَعَمْ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ.

وَالثَّانِي: لَا، حتَّى نَتَبَيَّنَ مَأَخذًا آخَرَ فَقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنَادًا.

ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ قَدْ يَسْكُتُ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مَشْهُورةٍ؛ خشيةَ أَنْ يَمْنَعَهَا الخَصْمُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الاستدلَالِ عَلَيْهَا فَيَقَعُ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وهو أَنْ يَقُولَ المُعْتَرِضُ بِالمُوجِبِ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ شَافِعِيٍّ، فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصلَاةِ، ولَا يَقُولُ: وَالوُضُوءُ قُرْبَةٌ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَمْنَعَ هذه المُقَدِّمَةَ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقولُ بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْتُهُ، ولَكِنَّ مُقَدِّمَةً وَاحدةً لَا تُنْتِجُ المُدَّعَى، وإِنَّمَا قَيَّدَهَا بِغَيْرِ المشهورةِ؛ لأَنَّ المشهورةَ كَالمذكورةِ، فَتُمْنَعُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِهَا./ (176/ب/م).

قُلْتُ: هُنَا سؤَالٌ تقديرُه: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِهذَا بِالقولِ بِالمُوجِبِ وتعريفَهم إِيَّاه بِمَا تَقَدَّمَ يَدُلَّانِ علَى تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ، وذِكْرَهُمْ لَهُ فِي مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ يَدُلُّ علَى إِبطَالِ الدَّلِيلِ وهُمَا أَمرَانِ مُتَنَافِيَانِ.

وَالأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِكلَامِ الجَدَلِيِّينَ، وعليه يَدُلُّ كلَامُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ.

ص: 613

وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى كَلَامِ الآمِدِيِّ وَالصَّفِِيِّ الهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، ووُجِّهَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تسليمَ مُوجِبٍ دليلِهِ لَا يَرْفَعُ الخِلَافَ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِلحكمِ الذي أَرَادَ إِثبَاتَهُ أَو نَفْيَهُ.

وجوَابُهُ: أَنَّهُ لَا تنَافِيَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ تسليمَ دِلَالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ علَى مَا ادَّعَاهُ المُسْتَدِلُّ، بَلْ تسليمَ صِحَّةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، لَكِنْ لَا علَى قَوْلِ المُسْتَدِلِّ بَلْ علَى خلَافِهِ، فهو مُبْطِلٌ للِعِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: وَمِنْهَا القَدْحُ فِي المُنَاسَبَةِ وفِي صَلَاحِيَّةِ إِفْضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَقْصُودِ وفِي الانضبَاطِ وَالظهورِ، وجَوَابُهَا بِالبيَانِ.

ش: السَّابِعُ: القَدْحُ فِي المُنَاسبةِ، وهو إِظهَارُ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَو مُسَاوِيَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ المُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالمعَارضةِ، وَالمذكورُ هُنَا عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ، وإِنَّمَا كُرِّرَ؛ لِتَعْدِيدِ صُورِ القوَادحِ.

وجوَابُهُ بِبَيَانِ ترجيحِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ علَى تِلْكَ المَفْسَدَةِ تفصيلاً أَو إِجمَالاً.

الثَامِنُ: القَدْحُ فِي صلَاحِيَّةِ إِفضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَصْلَحَةِ المقصودةِ مَنْ شَرْعِ الحُكْمِ لَهُ، كَتَعْلِيلِ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ فِي حَقِّ المُحْرِمِ بِالمصَاهَرَةِ بِالاحتيَاجِ إِلَى ارتفَاع ِ (152أَ/د) الحجَاب، وهو سَبَبٌ لِلفجورِ غَالِبًا، فَإِذَا تَأَبَّدَ التَّحْرِيمُ انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ.

فِيقولُ المُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابُ النِّكَاحِ أَشَدُّ إِفضَاءً لِلفجورِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ مَائلةٌ لِلممنوعِ مِنْه.

وجوَابُهُ بِبَيَانِ أَنَّ التَّأَبِيدَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ فِي العَادَةِ لانسدَادِ بَابِ الطَّمَعِ، فَلَا يَبْقَى المَحَلُّ مُشْتَهَى كَالأُمْهَاتِ.

التَاسِعُ: القَدْحُ فِي انْضِبَاطِ الوَصْفِ كَالمَشَقَّةِ فِي القَصْرِ؛ فإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالأَشخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالزمَانِ.

ص: 614

وجوَابُه: بِبِيَانِ أَنَّهُ مُنْْضَبِطٌ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالمَشَقَّةِ مُنْضَبِطَةٌ فِي العُرْفِ، أَوْ بِوَصْفِهِ كَالمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ.

العَاشرُ: القَدْحُ فِي الوَصْفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَالرِّضَا (187/أ/م) فِي العُقُودِ، وجَوَابُهُ بَيَانُ ظُهُورِهِ بِصِفَةٍ ظَاهرةٍ، كَضَبْطِ الرِّضَا بما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ، ولَمَّا اشتركَتْ هذه القوَادُحُ الأَربعةُ فِي أَنَّ جوَابَهَا بِالبَيَانِ علَى مَا فَصَّلْنَاهُ جَمَعَ المُصَنِّفُ فِي الجَوَابِ بِذلكَ.

ص: وَمِنْهَا الفَرْقُ، وهو رَاجِعٌ إِلَى المُعَارضَةِ فِي الأَصْلِ أَو الفَرْعِ، وَقِيلَ: إِليهمَا مَعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَادِحٌ، وإِنْ قِيلَ إِنَّهُ سؤَالانِ وأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الأُصُولِ للَانتشَارِ، وإِنْ جُوِّزَ عِلْتَانِ قَالَ المُجِيزُونَ: ثُمَّ لو فَرَّقَ بَيْنَ الفَرْعِ وأَصْلٍ مِنْهَا كَفَى، وثَالِثُهَا: إِنْ قَصَدَ الإِلحَاقَ بِمَجْمُوعِهَا ثُمَّ فِي اقتصَارِ المُسْتَدِلِّ علَى وُجُوبِ أَصْلٍ وَاحدٍ قَوْلَانِ.

ش: الحَادِي عَشَرَ: من قوَادحِ العِلَّةِ: الفرقُ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، إِمَّا بجعلِ تَعَيُّنِ أَصلِ القِيَاسِ ـ أَي خصوصيَّتُهُ ـ عِلَّةً للحُكْمِ، وإِمَا بِجَعْلِ تَعَيُّنِ الفَرْعِ مَانعًا مِنَ الحُكْمِ، فَالأَوَّلُ كأَنْ يَقِيسَ حنفِيٌّ الخَارجَ مِنْ غَيْرِ السّبيلينِ علَى الخَارجِ مِنْهُمَا فِي نقضِ الوضوءِ بجَامعِ خروج ِالنجَاسةِ فِيهمَا.

فِيقولُ شَافعيٌّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الخصوصيَّةَ التي فِي الأَصْلِ ـ وهي خروجُ النّجَاسةِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ ـ هي العِلَّةُ فِي انتقَاضِ الوضوءِ لَا مُطْلَقَ خروجِهَا.

وَالثَّانِي كقولِ الحَنَفِيِّ: يجِبُ القصَاصُ علَى المُسْلِمِ بقتلِ الذِّمِّيِّ، قِيَاسًا علَى غَيْرِ المسلمِ بجَامعِ القتلِ العمدِ، العدوَانُ فِيهمَا.

فِيقول الشَّافِعِيُّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ

ص: 615

تَعَيُّنِ الفَرْعِ ـ وهو كونُه مسلِمًا ـ مَانعٌ من وُجُوبِ القصَاصِ عَلَيْهِ لشرفِه بِالإِسلَامِ.

وذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ القَدْحَ بِذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى المُعَارضَةِ فِي الأَصْلِ أَو الفَرْعِ، فحكمُه فِي الرَّدِّ وَالقبولِ حكمُه.

وَاستغنَى المُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَن تعريفِه، وعن جوَابِ المُسْتَدِلِّ عَنْهُ لتقدُّمِ ذَلِكَ فِي عدمِ التّأَثيرِ.

وذهَبَ كثيرٌ مِنَ المتقدِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ معَارضَةٌ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ معًا، حتَّى لو اقْتَصَرَ علَى أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ فَرْقًا، وفِي قبولِه قولَانِ:

أَصحُّهُمَا قبولُه، وأَنَّهُ قَادِحٌ؛ لأَنَّهُ علَى أَيِّ وَجْهٍ ورَدَ يُوهِنُ غَرَضَ المُسْتَدِلِّ مِنَ الجمعِ، ويبطُلُ مقصودُه، وَحَكَاهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ عَن جمَاهيرِ/ (187/ب/م) الفقهَاءِ.

وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (المُلَخَّصِ) إِنَّهُ أَفقَهُ (152/ب/د) شَيْءٍ يجري فِي النَّظَرِ، وَبِهِ يُعْرَفُ فقهُ المسأَلةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مردودٌ لَا يقدَحُ، وعَزَاهُ ابنُ السَّمْعَانِيُّ للمحقِّقِينَ، وذكَرَ البَيْضَاوِيُّ أَنَّ الخِلَافَ فِي النوعِ الأَوَّل مبنيٌّ علَى الخِلَاف فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنْ جَوَّزْنَاه فهو غَيْرُ قَادِحٍ لجوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ- وهو مُطْلَقُ خروجِ النّجَاسَةِ فِي مِثَالِنَا- عِلَّةً، ومَا ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ وهو خروجُ النّجَاسةِ مِنَ السّبيلينِ عِلَّةٌ أُخْرَى، وإِنْ مَنَعْنَا كَانَ قَادِحًا، وأَنَّ الخِلَافَ فِي النوعِ الثَّانِي مَبْنِيٌّ علَى الخِلَافِ فِي النَّقْضِ إِذَا كَانَ لِمَانعٍ هَلْ يَقْدَحُ فِي العِلِّيَّةِ أَمْ لَا؟

فإِن قُلْنَا: لَا يقدَحُ، فهذَا كذلك؛ لأَنَّ الوَصْفَ الذي ادَّعَى المُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ لمَا وُجِدَ فِي الفَرْعِ وتَخَلَّفَ فِيهِ الحُكْمُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ فهذَا نقضٌ لمَانِعٍ، فِيقدحُ عِنْدَ القَائلِ بِالقدحِ بِالنقضِ لمَانعٍ وإِلَاّ فلَا، فَيَكُونُ المُخْتَارُ عِنْدَ البَيْضَاوِيِّ قدحُ النّوعِ الأَوَّلِ فِي المُسْتَنْبَطَةِ دُونَ المَنْصُوصَةِ، وعدمُ قدحِ النوعِ الثَّانِي مُطْلَقًا، لاخْتِيَارِه جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فِي المُسْتَنْبَطَة دُونَ المَنْصُوصَةِ، وأَن النَّقْضَ لمَانعٍ

ص: 616

غَيْرُ قَادحٍ.

وأَشَارَ المُصَنِّف بِقَوْلِهِ: (وإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ سؤَالانِ) إِلَى أَنَّهُ اختلَفَ فِي أَنَّهُ سؤَالٌ أَو سؤَالانِ.

فقِيلَ: إِنَّهُ سؤَالٌ وَاحدٌ لاتِّحَادِ المَقْصُودِ مِنْهُ، وهو قطعُ الجمعِ.

وقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: سؤَالانِ لاشتمَالِه علَى معَارضةِ عِلَّةِ الأَصْلِ بعلَّةٍ، ثُمَّ مُعَارَضَةُ الفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ فِي جَانبِ الفَرْعِ، وأَنَّهُ مقبولٌ علَى الأَوَّلِ قَطْعًا، وَالخِلَافُ إِنَّمَا هو إِذَا قُلْنَا بِالثَاني، فَمِنْهُمْ مَنْ ردَّهُ، وقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُورَدَ كلُّ سؤَالٍ علَى حيَالِهِ، وَالصَّحِيحُ القبولُ، وجوَازُ الجمعِ بَيْنَهُمَا لأَنَّهُ أََْضْبَطُ وأَجمعُ لتفرُّقِ الكلَامِ.

وقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: المُخْتَارُ عندَنَا ـ وَارتضَاه كلُّ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى التحقيقِ ـ أَنَّهُ صحيحٌ مقبولٌ، وإِنِ اشتمَلَ علَى معنَى معَارضةِ الأَصْلِ ومعَارضةِ عِلَّةِ الفَرْعِ بعلَّةٍ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ المُعَارضَةُ بَلْ منَاقضةُ الجمعِ.

قَالَ الشَّارِحُ: فَالقَائِلُ بأَنَّهُ سؤَالانِ لَمْ يَقْبَلْهُ علَى أَنَّهُ فَرْقٌ، بَلْ معَارضةٌ، فكلَامُ المُصَنِّفِ مُنْخَدِشٌ بهذَا، انْتَهَى.

ثم حكَى المُصَنِّفُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ/ (188/أَ/م) تعدُّدُ الأُصُولِ المَقِيسِ عَلَيْهَا؟

وصحَّحَ مَنْعَهُ لإِفضَائِه إِلَى الانتشَارِ مَعَ إِمكَانِ حُصُولِ المَقْصُودِ بوَاحدٍ مِنْهَا، ولو جَوَّزْنَا تَعْلِيلَ الحُكْمِ الوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ.

وصحَّحَ ابْنُ الحَاجِبِ جَوَازَهُ، لمَا فِيهِ من تكثيرِ الأَدلَّةِ، وهو أَقوَى فِي إِفَادةِ الظَّنِّ.

فإِن قُلْتَ: كلَامُ المُصَنِّفِ فِي الاعترَاضَاتِ، وهذَا الخِلَافُ فِي الدَّلِيلِ.

قُلْتُ: هو كذلك، ولكنَّهُ حكَى هذَا الخِلَافَ؛ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ الخِلَافَ المذكورَ

ص: 617

بعدَه، وهو من مَسَائِلِ الاعترَاضَاتِ، وتقرُّرُهُ أَنَّا إِذَا جوَّزْنَا تعدُّدَ أَصولِ المُسْتَدِلِّ فَهَلْ يَكْفِي المُعْتَرِضُ بيَانَ/ (153/أَ/د) الفرقِ بَيْنَ أَصلٍ وَاحدٍ وَبَيْنَ الفَرْعِ، أَو لَا بُدَّ مِنْ إِبدَاءِ الفَرْقِ بَيْنَه وَبَيْنَ جَمِيعِ الأَصولِ.

فِيه ثلَاثةُ مَذَاهِبَ: أَصحُّهَا ـ كمَا قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ ـ: الاكتفَاءُ لانخرَامِ غرضِ المُسْتَدِلِّ فِي إِلحَاقِه بجميعِ تِلْكَ الأَصولِ.

وَالثَّانِي: لَا، لبقَاءِ إِلحَاقِه ببقيَّةِ تِلْكَ الأَصولِ.

وَالثَّالِثُ ـ وَاختَارَه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ ـ: أَنَّهُ إِن كَانَ غرضُ المُسْتَدِلِّ مِنَ الأَقيسةِ المتعدِّدَةِ إِثبَاتُ المطلوبِ بصفةِ الرُّجْحَانِ وغلبةِ الظَّنِّ المخصوصِ ـ كفَى ذَلِكَ، وإِنْ كَانَ غرضُه إِثبَاتَ أَصلِ المطلوبِ لَمْ يَكْفِ؛ لأَنَّهُ متَى سَلَمَ عَنِ القَدْحِ قِيَاسٌ وَاحدٌ بقِي غرضُ المُسْتَدِلِّ.

قُلْتُ: وَالعبَارةُ التي عبَّرَ بِهَا المُصَنِّفُ عَنْ هذَا القَوْلِ الثَّالِثِ لَا تحصُلُ هذَا الغرضِ، فإِنَّ المُسْتَدِلََّ علَى كلِّ حَالٍ أَلْحَقَ بِالجُمُوعِ، وإِنَّمَا افترَقَا فِي أَنَّهُ قصدَ مَعَ ذَلِكَ صِفَةَ الرُّجْحَانِ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ المخصوصِ، أَو لَمْ يُرِدْ إِلا إِثبَاتَ أَصلِ المطلوبِ، فإِذَا فَرَّعْنَا علَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الفرقِ بَيْنَ ذَلِكَ الفَرْعِ وَبَيْنَ كُلَّ وَاحدٍ مِنَ الأُصُولِ فَهَلْ يَكْفِي المُسْتَدِلُّ فِي الجوَابِ الاقتصَارُ علَى أَصلٍ وَاحدٍ؟

فِيه قولَانِ، فَمَنْ اكْتَفَى بِهِ قَالَ: يحصُلُ بِهِ مقصودُ المُسْتَدِلِّ، ومَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ قَالَ: قَد الْتَزَمَ المُسْتَدِلُّ صِحَّةَ القِيَاسِ علَى كُلِّ الأَصولِ، فإِذَا عُورِضَ فِي الجميعِ وَجَبَ الجوَابُ عَنِ الكلِّ.

ولم يَذْكُرِ الشَّارِحُ هذَا الفَرْعَ الأَخيرَ، وهو ثَابِتٌ فِي النُّسَخِِ الصحيحةِ مِنْ هذَا الكتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: ومنهَا: فسَادُ الوضعِ بأَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ علَى الهيئةِ الصَّالحَةِ لاعتبَارِهِ فِي ترتيبِ/ (188/ب/م) الحُكْمِ كتَلَقِّي التّخفِيفِ مِنَ التّغليظِ وَالتوسيعِ مِنَ التّضِييقِ وَالإِثبَاتِ مِنَ النَّفْيِ مثلَ: القتلُ جنَايةٌ

ص: 618

عظيمةٌ فَلَا يُكَفَّرُ كَالرِّدَّةِ، ومنه كَوْنُ الجَامِعِ ثبَتَ اعتبَارُه بنصٍّ أَو إِجمَاعٍ فِي نقيضِ الحُكْمِ وجوَابُهمَا بتقريرِ كَوْنِهِ كذلك.

ش: الثَّانِي عشرَ: فسَادُ الوضعِ، وهو أَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ علَى الهيئةِ الصَّالحةِ لاعتبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الحُكْمِ، سَوَاءً أَكَانَ علَى هيئةٍ تصلُحُ لأَنْ يترتَّبَ عَلَيْهِ ضدُّه أَو لَا، كأَنْ يَكُونَ وصفًا طرديًا لَا يصلُحُ للعِلِّيَّةِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ هذَا فسَادُ الوضعِ؛ لأَنَّ وضْعَ القِيَاسِ أَنْ يَكُونَ علَى هيئةٍ صَالحةٍ؛ لأَنْ يترتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الحُكْمُ المطلوبُ إِثبَاتُهُ، فمتَى خلَا عن ذَلِكَ فسَدَ وَضْعُهُ، وذلك كتَلَقِّي التّخفِيفِ مِنَ التّغليظِ، كقولِ الحَنَفِيِّ: القتلُ جنَايةٌ عظيمةٌ فَلَا تجِبُ فِيهِ الكفَارةُ كغيرِهِ مِنَ الكبَائرِ نحوَ الرَّدَّةِ، فإِنَّ كَوْنَهُ جنَايةً عظيمةً تُنَاسِبُ التَّغْلِيظَ لَا التّخفِيفَ.

أَو التّوسيعَ مِنَ التّضِييقِ، كقولِهم فِي أَنَّ الزّكَاةَ علَى التّرَاخِي: مَالٌ وجَبَ إِرفَاقًا لدفِعِ الحَاجةِ فهو علَى التّرَاخي كَالدِّيَةِ علَى العَاقلةِ، فإِنَّ كَوْنَهُ لدفعِ الحَاجةِ تقتضِي الفورَ.

أَو الإِثبَاتَ مِنَ النَّفْيِ، كَقَوْلِنَا فِي المعَاطَاتِ وَالمحقَّرَاتِ، بيعً لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سوَى الرِّضَى/ (153/ب/د) فوجَبَ أََنْ يبطُلَ كغيرِ المحقَّرَاتِ، فإِنَّ الرِّضَى يُنَاسِبُ الانعقَادَ لَا عدمَه.

وَاقتصَرَ المُصَنِّفُ علَى مثَالِ الأَوَّلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ أَنوَاعِ فسَادِ الوضعِ أَنْ يثبُتَ بنصٍ أَو إِجمَاعٍ اعتبَارُ الجَامِعِ فِي نقيضِ الحُكْمِ، كقولِ الحَنَفِيِّ فِي سُؤْرِ السّبَاعِ: سَبُعٌ ذو نَابٍ فكَانَ سُؤْرُهُ نجسًا كَالكلبِ.

فنقولُ: قَد ثبَتَ بِالنَّصْبِ اعتبَارُ الجَامِعِ وهو سُؤْرُ السَّبْعِ فِي نقيضِ الحُكْمِ، وهو الطَّهَارةُ، وذلك فِيمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يأَتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الأَنصَارِ ودونَهم دَارٌ فشَقَّ

ص: 619

ذَلِكَ عليهم، فقَالَ لهم:((إِنْ كَانَ دَارُكم كَلْبًا)) فقَالُوا: إِن فِي دَارِهم سَبُعًا فقَالَ: ((الهِرَّةُ سَبُعٌ)) فجَعَلَ السَّبُعِيَّةَ عِلَّةَ الطّهَارةِ، ولم يَذْكُرِ ابْنُ الحَاجِبِ لفسَادِ الوضعِ غَيْرَ هذَا النّوعِ، فأَشَار المُصَنِّفِ للَاعترَاضِ عَلَيْهِ، وفِي اقتصَارِهِ علَى نوعٍ مِنْهُ، وتفسيرِ الكلِّ بِالجزءِ.

وجوَابِهمَا ـ أَي النّوعِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ فسَادِ الوضعِ ـ بتقديرِ/ (189/أَ/م) كَوْنِه كَذَلِكَ أَي: بأَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ الأَوَّلَ علَى هيئةٍ صَالحةٍ لاعتبَارِهِ فِي ثُبُوتِ الحُكْمِ بأَنْ يَكُونَ للوصفِ جِهَتَانِ ينَاسبُ بإِحْدَاهُمَا التّغليظَ وبِالأُخْرَى التَّخْفِيفَ، وكونُ الثَّانِي كَذَلِكَ إِمَّا بأَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ عِلَّتِهِ تقتضِي نقيضَ مَا عَلَّقََ عَلَيْهَا أَو يَسْلَمُ ذَلِكَ، ولكن تبيَّنَ وُجُودُ مَانعٍ فِي أَصلِ المُعْتَرِضِ.

ص: وَمِنْهَا فسَادُ الاعْتِبَارِ بِأَنْ يخَالِفُ نصًّا أَو إِجمَاعًا وهو أَعمُّ مِنْ فسَادِ الوضعِ، وَلَهُ تقديمُه علَى المُنَوَّعَاتِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهَا وجوَابُه الطَّعْنُ فِي سندِهِ، أَو المُعَارضَةِ لَهُ، أَو مَنْعِ الظُّهُورِ، أَو التَّأْوِيلِ.

ش: الثَّالِثَ عشرَ: فسَادُ الاعْتِبَارِ، وعرَّفَهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ يخَالِفُ نصًّا أَو إِجمَاعًا كَقَوْلِنَا: لَا يصِحُّ +السَّلْمُ فِي الحيوَانِ؛ لأَنَّهُ عَقْدٌ يشتمِلُ علَى الغَرَرِ، فَلَا يصِحُّ كَالسَّلْمِ فِي المُخْتَلَطَاتِ.

فَيُقَالَ: هذَا فَاسدُ الاعْتِبَارِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَرْخَصَ فِي +السَّلْمِ.

وكقول الحَنَفِيِّ: لَا يَجُوزُ للرجلِ تغسيلُ زوجتِه المَيْتَةِ؛ لأَنَّهُ يحرُمُ النَّظَرُ إِليهَا كَالأَجنبيَّةِ.

ص: 620

فيقالَ: هذَا مخَالِفٌ للإِجمَاعِ السكوتيِّ أَنَّ عَلِيًّا غسَّلَ فَاطمةَ عليهما السلام، ولم يُنْكِرْه أَحدٌ.

وَاعْتُرِضَ علَى تعريفِه بِذَلِكَ بأَنَّهُ غَيْرُ جَامعٍ، لأَنَّهُ يخرُجُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ إِحدَى مقدِّمَاتِه مخَالفةً للنصِّ أَو الإِجمَاعِ، أَو يَكُونَ الحُكْمُ ممَا لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِالقِيَاسِ، كإِلحَاقِ المَصَرَّاةِ بغير، هَا مِنَ المَعِيبِ لمخَالفتِهِ للنصِّ الوَاردِ فِيهَا، أَو يَكُونَ تركيبُه مشعرًا بنقيضِ الحُكْمِ المطلوبِ.

وسُمِّي بِذَلِكَ لأَنَّ اعتبَارَ القِيَاسِ مَعَ مخَالفةِ النَّصِّ أَو الإِجمَاعِ اعتبَارٌ فَاسِدٌ، لاعتبَارِ الأَضْعَفِ فِي مخَالفةِ الأَقوَى.

ثم ذكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ فسَادَ الاعْتِبَارِ أَعمُّ مِنْ فسَادِ الوضعِ المذكورِ/ (154/أَ/د) قَبِلَهُ، فإِنَّ مِنْ أَقسَامِه أَنْ يَكُونَ تركيبُه مشعِرًا بنقيضِ الحُكْمِ المطلوبِ وهذَا لَا يدخُلُ فِي فسَادِ الوضعِ.

قَالَ الشَّارِحُ: وهذَا ظَاهرٌ علَى تفسيرِ فسَادِ الاعْتِبَارِ بمَا ذَكَرْنَاه فأَمَّا علَى تفسيرِه المُصَنِّفِ، ففسَادُ الوضعِ أَعمُّ.

ثم ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ المُعْتَرِضَ مخيَّرٌ بَيْنَ تقديمِ ذِكْرِ فسَادِ الاعْتِبَارِ علَى المُنَوَّعَاتِ وتأَخيرِهِ عَنْهُ، وتوجيهِ التّقديمِ أَنَّ فسَادَ الاعْتِبَارِ يغني عَن مَنْعِ المقدِّمَاتِ، وتوجيهُ/ (189/ب/م) التّأَخيرِ أَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلاً بتصحيحِ مُقَدِّمَاتِ قيَاسِهِ، فإِذَا صَحَّحَهَا رَدَّ بأَنَّهُ فَاسِدُ الاعْتِبَارِ، ولِلْمُسْتَدِلِّ الجوَابُ عَن فسَادِ الاعْتِبَارِ بطرُقٍ.

منهَا: الطَّعْنُ فِي سندِهِ؛ أَي: فِي النَّصِّ الذي ادَّعَى المُعْتَرِضُ كَوْنَ القِيَاسِ علَى خلَافِهِ، إِمَّا بِمَنْعِ صِحَّتِهِ لضعفِ إِسنَادِهِ، وإِمَا بِمَنْعِ دلَالَتِهِ؛ ولهذَا أَطلَقَ ابْنُ الحَاجِبِ الطَّعْنَ، وقيَّدَهُ المُصَنِّفُ بِالسَّنَدِ، وحمَلَ فِي شرحِهِ كلَامُ ابْنُ الحَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كذلك.

ومنهَا: المُعَارضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ مِثْلَهُ فِيتسَاقطَانِ ويَسْلَمُ قيَاسُهُ.

ص: 621

ومنهَا: مَنْعُ ظهورِ دلَالتِه علَى مَنْ يلزَمُ مِنْهُ فسَادُ القِيَاسِ.

ومنهَا: تأَويلُهُ بدليلٍ يُرَجِّحُهُ علَى الظَّاهِرِ.

ص: وَمِنْهَا مَنْعُ عِلِّيَّةِ الوَصْفِ ويُسَمَّى المطَالبةُ بتصحيحِ العِلَّةِ وَالأَصَحُّ قبولُه وجوَابُه بإِثبَاتِهِ.

ش: الرَّابِعَ عشرَ: مَنْعُ كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، وهو أَعظمُ الأَمثلةِ لعمومِهِ فِي كلِّ مَا يُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ، ويُسَمَّى المطَالبةُ بتصحيحِ العِلَّةِ، بَلْ هو المفهومُ مِنْ إِطلَاقِهِمْ المطَالبةُ، وإِذَا أُرِيدَ غَيْرُه قُيِّدَ، وَالأَصَحُّ قبولُه، وإِلَاّ تَمَسَّكَ المُسْتَدِلُّ بِالأَوصَافِ الطَّرْدِيَّةِ.

وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الانتشَارِ وعدمِ الضّبطِ، وجوَابُه بأَنْ يُثْبِتُ المُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ بطريقٍ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى ذلك.

ص: ومِنْهُ مَنْعُ وصفِ العِلَّةِ كَقَوْلِنَا فِي إِفسَادِ الصّومِ بِغَيْرِ الجِمَاعِ: الكفَارةُ للزجرِ عَنِ الجمَاعِ المحذورِ فِي الصومِ فوجَبَ اختصَاصُهَا بِهِ كَالحدِّ فيُقَالُ: بَلْ عَنِ الإِفطَارِ المحذورِ فِيهِ وجوَابُهُ بتبيينِ اعتبَارِ الخصوصيَّةِ، وكأَنَّ المُعْتَرِضَ يُنَقِّحُ المَنَاطَ وَالمستدلُّ يُحَقِّقُهُ.

ش: يَنْدَرِجُ فِي القَادحِ المتقدِّمِ ـ وهو مَنْعُ عِلَّيَّةِ الوَصْفِ ـ أُمُورٌ:

منهَا: مَنْعُ وصفِ العِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي أَنَّ إِفسَادَ صومِ رمضَانَ بِالأَكلِ وَالشُّرْبِ لَا يُوجِبُ، الكفَارةُ شُرِعَتْ زَجْرًا عَنِ ارتكَابِ الجمَاعِ الذي هو محذورٌ بِالصومِ، فَاخْتُصَّتْ بِهِ كَالحدِّ، فَيَمَنْعُ المُعْتَرِضُ وَصْفَ العِلَّةِ التي هي الإِفطَارُ بخصوصيَّةِ الجِمَاعِ، ويقولُ: بَلِ العِلَّةُ فِي ذَلِكَ الإِفطَارُ وهو محذورُ الصّومِ، سَوَاءً أَكَانَ بِالجمَاعِ أَو غيرِهِ.

ص: 622

وجوَابُهُ أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ اعتبَارَ خصوصيَّةِ الجمَاعِ فِي ذَلِكَ، فإِنَّ الأَعرَابيَّ لمَا سأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الجمَاعِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ الكفَارةَ، فكَانَ كقولِه:/ (190/أَ/م) جَامَعْتُ فِي نهَارِ رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، فترتيبُ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ/ (154ب/د) ومقتضَاه أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ خُصُوصِيَّةَ الجِمَاعِ لَا مُطْلَقَ الإِفطَارِ، وكأَنَّ المُعْتَرِضَ يُنَقِّحُ المنَاطَ؛ لأَنَّهُ حَذَفَ خصوصَ الجمَاعِ، ونَاطَ الحُكْمَ بِالأَعمِّ وهو الإِفطَارُ، وَالمُسْتَدِلُّ يحقِّقُ المنَاطَ؛ لأَنَّهُ حقَّقَ علية هذَا الوَصْفَ الخَاصَّ.

فإِن قُلْتَ: كلَاهمَا من مسَالِكِ العِلَّةِ فتعَارَضَا.

قُلْتُ: يُرَجِّحُ التَّحْقِيقَ فإِنَّه يَرْفَعَ النّزَاعَ.

ص: ومَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ وفِي كَوْنِهِ قَطْعًا للمُسْتَدِلِّ مَذَاهِبُ، ثَالِثُهَا قَالَ الأَستَاذُ: إِن كَانَ ظَاهِرًا، وقَالَ الغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ عُرْفُ المكَانِ، وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشّيرَازيُ: لَا يُسْمَعُ فإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَنْقَطِعُ المُعْتَرِضُ علَى المُخْتَارِ بَلْ لَهُ أَن يعودَ ويَعْتَرِضَ.

ش: من أَنوَاعِ المَنْعِ أَنْ يَمْنَعَ المُعْتَرِضُ حُكْمَ الأَصْلِ، كأَنْ يقولَ شَافعيٌّ: الخلُّ مَائعٌ لَا يَرْفَعُ الحدثَ، فَلَا يُزِيلُ النجَاسةَ كَالدُّهْنِ.

فِيقولُ الحَنَفِيُّ: لَا أُسَلِّمُ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ، فإِنَّ الدُّهْنَ عندي يُزِيلَ النّجَاسَةَ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ ينقطِعُ المُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟

علَى مَذَاهِبَ:

أَصحُّهَا: أَنَّهُ لَا ينقَطِعُ بذلك؛ لأَنَّهُ مَنَعَ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ القِيَاسِ فلَهُ إِثبَاتُهُ كسَائرِ المُقَدِّمَاتِ.

وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ؛ لأَنَّهُ انتقَالٌ مِنْ حُكْمِ الفَرْعِ إِلَى حُكْمِ الأَصْلِ.

ص: 623

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ المَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكثرُ الفقهَاءِ صَار مُنْقَطِعًا لبنَائِه المُخْتَلِفِ فِيهِ علَى المُخْتَلِفِ فِيهِ، وإِنْ كَانَ خفِيًّا بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُه إِلا الخوَاصُّ فلَا، وهو اختيَارُ الأَستَاذِ أَبِي إِسحَاقَ، ونقَلَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي (الأَوسطِ) عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الظَّاهِرِ مَا إِذَا قَالَ فِي نَفْسِ الاستدلالِ: إِنْ +سَلَّمْتُ وإِلَاّ نَقَلْتُ الكلَامَ عَلَيْهِ، فَلَا يُعَدُّ منقطعًا.

وَالرَّابِعُ ـ وَبِهِ قَالَ الغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ عُرْفُ ذَلِكَ المكَانِ، فإِنْ عَدُّوه مُنْقَطِعًا فذَاك، وإِلَاّ لَمْ يَنْقَطِعْ، فإِنَّ لِلْجَدَلِ عُرْفًا ومرَاسيمَ فِي كلِّ مكَانٍ فَيُتْبَعُ.

وَالخَامِسُ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ / (190/ب/م) الشّيرَازِيُّ ـ: إِنَّهُ لَا يُسْمَعُ أَصلاً، ولَا يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ ذِكْرَ دَلِيلِ الأَصْلِ، بَلْ يقولُ: قِسْتُ علَى أَصليٍّ ـ وهو بعيدٌ، فإِنَّ القِيَاسَ علَى أَصلٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولَا يَعْتَقِدُه الخَصْمُ لَا يَنْتَهِضُ دَلِيلاً علَى الخَصْمِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ عَنْهُ، لكنَّ الذي فِي (المُلَخَّصِ) لَهُ سمَاعُ المَنْعِ.

وكَان يَنْبَغِي تقديمُ حكَايةَ الخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَسْمَعُ أَمْ لَا؟ فإِذَا قُلْنَا بِسَمَاعِهِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ المُسْتَدِلُّ أَمْ لَا؟ فهذَا أَلْيَقُ فِي التّرتِيبِ.

فإِذَا فَرَعْنَا علَى سمَاعِ المَنْعِ، وأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ المُسْتَدِلُّ بَلْ لَهُ إِقَامةُ الدَّلِيلِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، فأَقَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، فَهَلْ يَنْقَطِعُ المُعْتَرِضُ أَمْ لَا؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:

المُخْتَارُ: لَا، بَلْ لَهُ أَنْ يعودَ وَيَعْتَرِضَ علَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ بطريقِه، إِذ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ صحَّتُهُ.

وَالثَّانِي: نَعَمْ، لأَنَّ اشتغَالَه بِذَلِكَ خُرُوجٌ عَنِ المَقْصُودِ الأَصْلِيِّ.

ص: وَقَدْ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأَصْلِ،+ سَلَّمْنَا ولَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ ممَا

ص: 624

يُقَاسُ فِيهِ، +سَلَّمْنَا ولَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ، +سَلَّمْنَا، ولَا نُسَلِّمُ أَن هذَا الوَصْفَ عِلَّتُه، +سَلَّمْنَا ولَا نُسَلِّمُ وُجُودَه فِيهِ، سَلَّمْنَا ولَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ، سَلَّمْنَا، ولَا نُسَلِّمُ وُجُودَه فِي الفَرْعِ، فَيُجَابُ بِالدفعِ بمَا عُرِفَ مِنَ الطُّرُقِ.

ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ سَبْعَ اعترَاضَاتٍ، ثلَاثَةٌ تتعلَّقُ بَالأَصْلِ، وثلَاثَةٌ بَالعِلَّةِ، ووَاحِدَةٌ بَالفَرْعِ، وفُهِمَ مِنْ إِيرَادِهَا علَى هذَا التّرتيبِ وجوبُه لمنَاسبةِ ذَلِكَ للترتيبِ الطَّبِيعِيِّ، فَيُقَدَّمُ مِنْهَا مَا يتعلَّقُ بَالأَصْلِ مِنْ مَنْعِ حُكْمِهِ أَو كَوْنِهِ مِمَّا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ أَو كَوْنُهُ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالعِلَّةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ لاستنبَاطِهَا مِنْهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً أَو مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الأَصْلِ أَو مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ مَا يتعلَّقُ بَالفَرْعِ لانْبِنَائِهِ عَلَيْهِمَا، كمَنْعِ وُجُودِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ فِي الفَرْعِ، وجوَابُ هَذِهِ الاعترَاضَاتُ بِدَفْعِ مَا يُرَادُ دَفْعُه مِنْهَا بطريقِه المفهومةِ ممَّا تقدَّمَ.

ص: ومِنْ ثُمَّ عُرِفَ جَوَازُ إِيرَادِ المعَارَضَاتِ مِنْ نوعٍ، وكذَا مِنْ أَنوَاعٍ وإِن كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً أَي يَسْتَدْعِي تَالِيهَا/ (191/أَ/م) تَسْلِيمَ مَتْلُوَّهُ؛ لأَنَّ تسليمَه تقديريٌّ، وثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ.

ش: أَي: عُرِفَ - ممَّا سَبَقَ فِي ذِكْرِهِ هذه المُنَوَّعَ - جَوَازُ إِيرَادِ معَارضَاتٍ متعدِّدَةٍ مِنْ نوعٍ وَاحدٍ، وهذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، فإِنْ كَانَتْ مِنْ أَنوَاعٍ مختلِفَةٍ ففِيه مَذَاهِبُ.

أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: الجوَازُ.

وَالثَّانِي ـ وهو مَحْكِيٌّ عَن أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ ـ: المَنْعُ للَانتشَارِ، فِيجِبُ

ص: 625

الاقتصَارُ علَى سؤَالٍ وَاحدٍ.

وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فإِنْ كَانَتْ الأَسئلةُ مُتَرَتِّبَةً أَي يَسْتَدْعِي تَاليهَا تَسْلِيمَ مَتْلُوَّهُ، كَالمُعَارضةِ بعدَ مَنْعِ وُجُودِ الوَصْفِ فِي الأَصْلِ ـ امْتَنَعَ، فإِنَّ السؤَالَ الثَّانِي يتضمَّنُ تسليمَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّكَ تقولُ: لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، ولَئِنْ سَلَّمْنَاه فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ العِلَّةَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ، ومتَى سَلَّمَ الأَوَّلَ صَارَ ذِكْرُهُ مَانِعًا لَا يَسْتَحِقُّ جوَابًا، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَرَتِّبَةٍ كَالنقضِ وعدمِ التّأَثيرِ جَازَ، فإِنَّه لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، ومَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا قَالَ: التسليمُ لَيْسَ بحقيقيٍّ، وإِنَّمَا هو تقديريٌّ معنَاه، ولو سُلِّمَ الأَوَّلُ فَالثَّانِي مُطْلَقًا وَارِدٌ، وعلَى هذَا فِيجِبُ ترتيبُهَا وإِلَاّ لَزِمَ مِنْهُ المَنْعَ بعدَ التّسليمِ.

قَالَ الشَّارِحُ: فَيَجْتَمِعُ مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ، فَيَجُوزُ فِي المُتَرَتِّبَةِ ويَمْتَنِعُ فِي غيرِهَا.

قُلْتُ: صوَابُهُ العَكْسُ، وهو المَنْعُ فِي المُتَرَتِّبَةِ، وَالجوَازُ فِي غيرِهَا، لمَا يَلْزَمُ فِي المُتَرَتِّبَةِ مِنَ المَنْعِ بعدَ التَّسْلِيمِ، وَقَوْلُ المُصَنِّفِ:(وإِنْ كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً) يُفْهَمُ ذَلِكَ.

ص: وَمِنْهَا اخْتِلَافُ الضَّابطِ فِي الأَصلِ وَالفَرْعِ لِعَدَمِ الثّقةِ بِالجَامِعِ وجوَابُه بأَنَّهُ القَدْرُ المُشْتَرَكُ أَو بأَنَّ الإِفضَاءَ سَوَاءٌ لَا إِلغَاءُ التّفَاوتِ.

ش: الخَامِسَ عشرَ: اخْتِلَافُ الضَّابطِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، وذلك رَاجِعٌ إِلَى مَنْعِ وُجُودِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الفَرْعِ، كَقَوْلِنَا فِي شهَادةِ الزُّورِ بِالقتلِ/ (154/ب/د): تَسَبَّبَ بِالشَّهَادةِ إِلَى القتلِ عَمْدًا فأَوْجَبَ القصَاصَ كَالإِكرَاهِ، فَيُعْتَرَضُ بأَنَّ الضَّابِطَ فِي الفَرْعِ الشّهَادةُ، وفِي الأَصْلِ الإِكرَاهُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التّسَاوي بَيْنَهُمَا فِي ضبطِ

ص: 626

الحِكْمَةِ، فلم يَصِحَّ الإِلحَاقُ لِعَدَمِ الثّقةِ بِالجَامِع بَيْنَهُمَا.

ويُجَابُ عَنْهُ بأَحدِ طَرِيقَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: بيَانُ أَنَّ الجَامِعَ هو عمومُ القدرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وهو التَّسَبُّبِ/ (191/ب/م).

ثَانِيهُمَا: بيَانُ أَنَّ إِفضَاءَ الضَّابطِ فِي الفَرْعِ إِلَى المَقْصُودِ مسَاوٍ لإِفضَاءِ الضَّابطِ فِي الأَصْلِ إِلَيْهِ، +ولم مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ أَرْجَحَ بطريقِ الأَوْلَى، ولَا يَكْفِي فِي الجوَابِ إِلغَاءُ التّفَاوتِ بَيْنَ الشهَادةِ وَالإِكْرَاهِ حفظًا للنفسِ، فإِنَّه لَا يَلْزَمُ مِنْ إِلغَاءِ هذَا التّفَاوتِ إِلغَاءُ كلِّ تفَاوتٍ.

ص: وَالاعترَاضَاتُ رَاجعةٌ إِلَى المَنْعِ، ومُقَدِّمُهَا الاستفسَارُ وهو طَلَبُ ذِكْرِ معنَى اللّفْظِ حَيْثُ غرَابةٌ أَو إِجمَالٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ بيَانَهمَا علَى المُعْتَرِضِ، ولَا يُكَلَّفُ بيَانُ تسَاوي المحَاملِ، ويكفِيه أَنَّ الأَصْل عدمُ تفَاوتِهَا فَيُبَيِّنُ المُسْتَدِلُّ عدمَهمَا، الثَّانِي: أَو يُفَسِّرُ اللّفْظَ بمحتمِلٍ، قِيلَ: أَو بِغَيْرِ مُحْتَمِلٍ، وفِي قَبُولِ دَعْوَاه الظهورِ فِي مقصدِه دفعًا للإِجمَالِ لِعَدَمِ الظّهورِ فِي الآخرِ خلَافٌ.

ش: ذَكَرَ الجَدَلِيُّونَ أَنَّ الاعترَاضَاتِ تَرْجِعُ إِلَى المَنْعِ فِي المقدِّمَاتِ أَو المُعَارضَةِ فِي الحُكْمِ، وبَحَثَ المُصَنِّفُ فِي (شرحِ ابْنِ الحَاجِبِ) أَنَّهَا ترجِعُ إِلَى المَنْعِ وحدَه، لأَنَّ المُعَارضَةَ مَنْعُ العِلَّةِ عَنِ الجريَانِ، وجزمَ بِهِ ههنَا.

وَحَكَاهُ الشَّارِحُ عَن بَعْضِ الجَدَلِيِّينَ، قَالَ: إِنَّ المُعَارضَةَ ترجِعُ إِلَى المَنْعِ، فَعَلَى هذَا يرجِعُ جَمِيعُ الاعترَاضَاتِ لِلْمَنْعِ.

وتقدَّمَ الاعترَاضَاتِ الاستفسَارُ، وهو مَطْلَبُ ذِكْرِ معنَى اللّفْظِ إِذَا كَانَ غَرِيبًا، إِمَّا من حَيْثُ الوضعُ كَقَوْلِنَا، لَا يَحِلُّ السيِّدُ أَي الذّئبُ، أَو مِنْ حَيْثُ

ص: 627

الاصطلَاحِ، كذِكْرِ لفظِ الدَّوْرِ أَو التسلسلِ أَو نحوِهمَا، أَو مُجْمَلاً كذِكْرِ مُشْتَرَكٍ بلَا قرينَةٍ، نحوُ قولِنَا: يَلْزَمُ المُطَلَّقَةَ العِدَّةُ بِالأقرَاءِ، فيُقَالُ: مَا المُرَادُ بِالأَقرَاءِ؟

وعبَارةُ القَاضِي أَبِي بكرٍ: (مَا ثَبَتَ فِيهِ الاستبْهَامُ جَازَ فِيهِ الاستفهَامُ، وهو أَعمُّ مِنْ تعبيرِ المُصَنِّفِ، وإِنمَا كَانَ الاستفسَارُ مُقَدَّمُ الاعترَاضَاتِ؛ لأَنَّ الخَصْمَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَدْلُولَ اللّفْظِ استحَالَ مِنْهُ المَنْعُ أَو المعَارضَةُ.

قَالَ الشَّارِحُ: وكَانَ شَيْخُنَا عمَادُ الدِّينِ الإِسْنَوِيُّ رحمه الله يقولُ: فِي كَوْنِ الاستفسَارِ مِنَ الاعترَاضَاتِ نظَرٌ، لأَنَّ الاستفسَارَ طليعةُ جنسِ الاعترَاضَاتِ وَلَيْسَ مِنْ أَقسَامِ الاعترَاضَاتِ؛ إِذ الاعترَاضَاتُ عبَارةٌ عمَا يُخْدَشُ بِهِ كلَامُ المُسْتَدِلِّ، وَالاستفسَارُ لَيْسَ مِنْ هذَا القبيلِ، بَلْ هو مُعَرِّفٌ للمُرَادِ، ومُبَيِّنٌ لَهُ لِيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السّؤَالُ، فإِذنْ هو طليعةُ السّؤَالِ. انْتَهَى.

قُلْتُ:/ (192/أَ/م) إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِه مُقَدَّمَهَا أَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لهَا فهو عينُ كلَامِ الشَّيْخِ عمَادِ الدّينِ، وإِنْ أُرِيدَ/ (156/أَ/د) أَنَّهُ المُقَدَّمُ مِنْهَا، أَي فِي الذِّكْرِ فقد يُنَازَعُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاعترَاضَاتِ، بَلْ كلَامُ الذي يُطْلِقُ المشترَكَ بلَا قَرِينَةٍ أَو اللّفْظُ الذي هو غَرِيبُ المَعْنَى لَا يُعْرَفُ غَالِبًا ـ مُعْتَرِضٌ لاخْتِلَالِ الفَهْمِ مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثم حكَى المُصَنِّف خِلَافًا فِي أَنَّ بيَانَ اشتمَالِ اللّفْظِ علَى إِجمَالٍ أَو غرَابةٍ علَى المُعْتَرِضِ لِيَصِحَّ مِنْهُ الاستفسَارُ، فَيُبَيِّنُ الغرَابةَ بِعَدَمِ شُهْرَتِهِ لُغَةً أَو اصطلَاحًا وإِجمَالُه بوقوعِهِ علَى مُتَعَدِّدٍ أَو لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَلْ متَى ادَّعَى الإِجمَالَ أَو الغرَابةَ قُلْنَا للمستدلِّ: بَيْنَ مُرَادِكَ، وصَحَّحَ الأَوَّلَ.

ولَا يُكَلَّفُ المُعْتَرِضُ بيَانُ تسَاوي المَحَامِلِ أَي كَوْنِ إِطلَاقِ اللّفْظِ علَى تِلْكَ المعَاني مستويًا لَمْ يترجَّحْ بعضُهَا، ويكفِيه التّمَسُّكُ بأَنَّ الأَصْلَ عدمُ تفَاوتِهَا، كذَا قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّهُ جيِّدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الأَصْلُ وُجُودِه، لأَنَّهُ دَافِعٌ للإِجمَالِ الذي هو خِلَافُ الأَصْلِ.

ص: 628

وجوَابُهُ ببيَانِ عدمِهمَا؛ أَي: عدمِ الغرَابةِ وَالإِجمَالِ، بأَنْ يَثْبُتَ ظهورُ اللّفظِ فِي مقصدِهِ بِالنقلِ عَن أَئمَّةِ اللّغةِ أَو الشَّرْعِ، أَو تفسيرِهِ بِمُحْتَمَلٍ لغةً أَو عُرْفًا، فإِنْ فَسَّرَهُ بمَا لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَالأَصحُّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ مخَالفةَ ظَاهرِ اللّفْظِ مِنْ غَيرِ قرينةٍ بعيدٌ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ؛ لأَنَّ غَايةَ الأَمرِ أَنَّهُ نَطَقَ بِلُغَةٍ جديدةٍ.

قَالَ الشَّارِحُ: وهي المَسْأَلَةُ المَعْرُوفة بِالعِنَايَةِ.

قُلْتُ: إِنَّمَا عُهِدَتِ العِنَايَةُ فِي التعَاريفِ لَا فِي إِثبَاتِ الأَحكَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فلو قَالَ المُسْتَدِلُّ: الأَصْلُ عدمُ الإِجمَاعِ، فَيَلْزَمُ ظهورُ اللّفْظِ فِيمَا أَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهرٍ فِي غَيْرِه بِالاتِّفَاقِ بينَنَا، فإِنَّه مُجْمَلٌ عندَكَ وظَاهرٌ عندي فِيمَا ادَّعَيْتُهُ ـ ففِي قبولِه خلَافٌ، وَجْهُ القبولِ دَفْعُ الإِجمَالِ، وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عدمِ ظُهُورِهِ فِي المَعْنَى الآخرِ ظُهُورِهِ فِي مقصودِه، لجوَازِ عدمِ ظهورِه فِيهِمَا جميعًا.

ص: وَمِنْهَا التّقسيمُ وهو كَوْنُ اللّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْن أَحَدُهُمَا ممنوعٌ وَالمُخْتَارُ وُرُودُهُ، وجوَابُه أَنَّ اللّفْظَ مَوْضُوعٌ ولو عُرْفًا أَو ظَاهِرٌ/ (192/ب/م) ولو بقرينةٍ فِي المُرَادِ.

ش: السَّادِسَ عشرَ: التّقسيمُ، وهو كَوْنُ اللّفْظِ متردِّدًا بَيْنَ احتمَالينِ متسَاوِيَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسَلَّمٌ لَا يحصلُ المقصودُ، وَالآخرُ ممنوعٌ، وهو الذي يحصلُ المقصودُ.

وأَهملَ المُصَنِّفُ ـ تبعًا لابْنِ الحَاجِبِ ـ هذَا القَيْدَ الأَخيرَ، ولَا بُدَّ مِنْهُ؛ لأَنَّهُمَا لو كَانَا مُسْلِمَيْنِ يحصلَانِ المَقْصُودِ أَو لَا يحصلَانه لَمْ يَكُنْ للتقسيمِ معنًى؛ لأَنَّ المَقْصُودَ حَاصِلٌ أَو غَيْرُ حَاصلٍ علَى التَّقْدِيرينِ معًا، وَمَعَ زيَادتِه فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا لو حَصُلَ المقصودُ، ووَرَدَ علَى أَحَدِهِمَا مِنَ القوَادحِ مَا لَا يَرِدُ علَى الآخرِ، فإِنَّه

ص: 629

مِنَ التّقسيمِ أَيضًا لحصولِ غرضِ المُعْتَرِضِ بِهِ.

وَقَوْلُ المُصَنِّفِ (بينَ أَمْرَيْنِ) أَي: علَى السَّوَاءِ؛ فإِنَّه لو كَانَ ظَاهرًا فِي أَحَدِهِمَا لَوَجَبَ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ، وذِكْرُ/ (156/ب/د) الأَمرين مثَالٌ، فلو تَرَدَّدَ بَيْنَ ثلَاثةٍ أَو أَكثرَ منهَا كَانَ الأَمرُ كذلك.

ومثَالُ ذَلِكَ أَنْ يستدِلَّ علَى ثُبُوتِ المُلْكِ للمُشْتَرِي فِي زَمَنِ الخَيَارِ بوجودِ سببِه، وهو البَيْعُ الصَّادرُ مِنْ أَهلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَيَعْتَرِضُ بأَنَّ السّببَ مُطْلَقُ البَيْعِ أَو البَيْعُ المطلقُ الذي لَا شَرْطَ فِيهِ، وَالأَوَّلُ ممنوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لكنَّهُ مفقودٌ فِي مَحَلِّ النّزَاع، لأَنَّهُ لَيْسَ مُطْلَقًا بَلْ هو مشروط بِالخيَارِ وَاخْتُلِفَ فِي قبولِ هذَا السّؤَالِ علَى قَوْلَيْنِ، المُخْتَارُ مِنْهُمَا قبولُهُ، لكنْ بعدَ أَن يُبَيِّنَ المُعْتَرِضَ الاحتمَالينَ، وَقِيلَ: لَا، استغنَاءً عَنْهُ بِالاستفسَارِ ويجَابُ هذَا الاعترَاضُ بأُمُورٍ:

أَحَدُهَا: بيَانُ أَنَّ اللّفْظَ موضوعٌ للمعنَى المَقْصُودِ إِثبَاتُه بِالنقلِ عَنْ أَئمَّةِ اللّغةِ، أَو بِالاستعمَالِ فإِنَّه دَلِيلُ الحقيقةِ.

ثَانِيهَا: بيَانُ أَنَّهُ ظَاهرٌ فِيه.

ثَالِثُهَا: بيَانُ ظهورِ أَحدِ الاحتمَالينِ بقرينةٍ لفظيَّةٍ أَو عقليَّةٍ أَو حَاليَّةٌ.

ص: ص: ثُمَّ المَنْعُ لَا يَعْتَرِضُ الحكَايةَ بَلِ الدَّلِيلُ إِمَّا قَبْلَ تمَامِهِ لِمُقَدِّمَةٍ مِنْهُ أَو بَعْدَهُ وَالأَوَّلُ إِمَّا مُجَرَّدٌ أَو مَعَ المُسْتَنَدِ كلَا نُسَلِّمُ كَذَا، ولِمَ لَا يَكُون كذَا؟ أَو إِنَّمَا يَلْزَمُ كَذَا لو كَانَ كَذَا وهو المُنَاقَضَةُ؛ فَإِنْ احْتَجَّ لانتفَاءِ المُقَدِّمَةِ/ (193/أ/م) فَغَصْبٌ لَا يَسْمَعُهُ المُحَقِّقُونَ، وَالثَّانِي: إِمَّا

ص: 630

مَعَ مَنْعِ الدَّلِيلِ بِنَاءً علَى تَخَلُّفِ حُكْمِهِ فَالنَّقْضُ الإِجمَاليُّ أَو مَعَ تَسْلِيمِهِ، وَالاستدلَالُ بِمَا يُنَافِِي ثُبُوتَ المدلولِ فَالمعَارضةُ، فَيَقُولُ: مَا ذَكَرْتُ، وإِنْ دَلَّ فَعِنْدِي مَا يَنْفِيهِ، ويَنْقَلِبُ مُسْتَدِلاًّ، وعلَى الممنوعِ الدَّفْعُ بِدليلٍ فَإِنْ مُنِعَ ثَانِيًا، فَكَمَا مَرَّ، وهكذَا إِلَى إِفحَامِ المُعَلَّلِ إِنْ انْقَطَعَ بِالمُنُوعِ، أَو إِلزَامُ المَانِعِ إِنْ انْتَهَى إِلَى ضَرُورِيٍّ أَوْ يَقِينِيٍّ مَشْهُورٍ.

ش: لمَّا فَرَغَ مِنَ الكلَامِ علَى القوَادحِ ذَكَرَ أَلفَاظًا يَتَدَاولُهَا أَهْلُ الجَدَلِ، وتَقْرِيرُ كلَامِهِ أَنَّ المَنْعَ لَا يَعْتَرِضُ حكَايةَ الشَّيْءِ، وإِنَّمَا يَعْتَرِضُ الدَّلِيلَ؛ فُتَارُةً يَكُونُ قَبْلَ تَمَامِهِ لِبعضِ مُقَدِّمَاتِهِ، وتَارةً يَكُونُ بَعْدَهُ؛ فَالأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ مُجَرَّدًا عَنْ ذِكْرِ مُسْتَنَدِ المَنْعِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذِكْرِ المُسْتَنَدِ، وهو مَا يُبْنَى عَلَيْهِ المَنْعُ، كَقولِهِ: لَا نُسَلِّمُ كذَا، أَوْ لَمَ لَا يَكُون كذَا؟، وإِنَّمَا يَلْزَمُ كَذَا لَوْ كَانَ كذَا.

وهذَا القِسْمُ الأَوَّلُ يُسَمِّيهِ الجَدَلِيُّونَ المُنَاقَضَةَ، سَوَاءً ذُكِرَ المُسْتَنَدُ أَمْ لَا، فَإِنْ أَقَامَ المُعْتَرِضُ الحُجَّةَ علَى انْتِفَاءِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ التي مَنَعَهَا فَهَذَا يُسَمَّى غَصْبًا؛ أَيْ: غَصْبُ مَنْصِبِ الدَّلِيلِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَظِيفَةُ المُسْتَدِلِّ؛ فَلِهذَا كَانَ غَيْرَ مَسْمُوعٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ، لِلِزُومِ التَّخَبُّطِ فِي البحثِ.

نَعَمْ، إِذَا أَقَامَ المُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ علَى تِلْكَ المُقَدِّمَةِ فَلِلْمُعْتَرِضِ حِينَئِذٍ الاستدلَالُ علَى انتفَائِهَا. ْ

وَالقِسْمُ الثَّانِي ـ وهو المَنْعُ بَعْدَ تَمَامِهِ ـ لَهُ حَالتَانِ.

إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ منعًا لِلدليلِ، فَيَتَخَلَّفُ الحُكْمُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وسَمَّاهُ المُصَنِّفُ النَّقْضَ الإِجْمَالِيَّ، وَالذي/ (157/أَ/د) ذَكَرَهُ الجَدَلِيُّونَ أَنَّ النَّقْضَ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ الدَّلِيلِ، وقَسَّمُوهُ إِلَى إِجْمَالِيٍّ وتَفْصِيلِيٍّ؛

فَالإِجْمَالِيُّ تَخَلُّفُهُ لِلْقَدْحِ فِي بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ لَا علَى التَّعْيِينِ.

وَالتَّفْصِيلِّيُّ لِلْقَدْحِ فِي مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

وَالمُصَنِّفُ سَمَّى مُطْلَقَ مَنْعِ الدَّلِيلِ نَقْضًا إِجمَاليًّا، فَقَيَّدَ فِي مَوْضِعِ الإِطلَاقِ؛ لأَنَّ مُطْلَقَ المَنْعِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِجميعِ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ لِبعضِهَا

ص: 631

مَعَ التََّعْيِينِ أَوْ الإِبهَامِ.

الثَانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَنْعُ الحُكْمِ مَعَ تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ/ (193/ب/م) وَالاستدلَالُ بِمَا يُنَافِي ثُبُوتَ المدلولِ بِأَنْ يَقُولَ المُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وإِنْ دَلَّ علَى مَا تَدَّعِيهِ فعندي مَا يَنْفِيه أَو يَدُلُّ علَى نَقِيضِهِ، وتََبَيَّنَ ذَلِكَ بِطريقِهِ، وهذَا هو المعَارضةُ، ولَا يُسْمَعُ بعدَهَا مَنْعٌ.

وأَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (ويَنْقَلِبُ مُسْتَدِلاً) إِلَى أَنَّ فِي قبولِهِ خِلَافًا لَمْ يَقْبَلْه بعضُهمَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ انقلَابِ المُعْتَرِضِ مُسْتَدِلاًّ، وَالمُسْتَدِلُّ مُعترِضًا؛ ولأَنَّ وظيفةَ المُعْتَرِضِ الهدمَ لَا البنَاءَ. وَالصَّحِيحُ قبولُهُ؛ لأَنَّهَا بنَاءٌ بِالعَرْضِ هَدْمٌ بِالذَاتِ، وَالمُسْتَدِلُّ مُدَّعٍ بِالذَاتِ مُعْتَرِضٌ بِالعَرَضِ، وَالمُعْتَرِضُ عَكْسُهُ، فَصَارَا كَالمتخَالفَينِ.

ومثَالُه: مَسْحُ الرَّأَسِ رُكْنٌ فِي الوُضُوءِ، فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالوجِِِِِِه، فِِِِيُقَالُ: مَسْح ٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ، كَالْمَسْحِ علَى الخُفَّيْنِ.

ثُمَّ بَيَّنَ المُصَنِّفُ أَنَّ علَى المَمْنُوعِ ـ وهو المُسْتَدِلُّ ـ دَفْعَ الاعترَاضِ بِدَلِيلٍ، ولَا يَكْفِي المَنْعُ المُجَرَّدِ فَإِنْ ذَكَرَ دَلِيلَهُ فَمَنَعَهُ المُعْتَرِضُ ثَانِيًا فَعَلَ كَمَا مَرَّ مِنْ دَفْعِ الاعترَاضِ بِدليلٍ، ويَسْتَمِرُّ الأَمْرُ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى إِفْحَامِ المُعَلِّلِ، وهو المُسْتَدِلُّ، وهو انقطَاعُه بِالمَنْعِ أَو المُعَارَضَةِ، أََوْ إِلزَامُ المُعْتَرِضِ بِأَنْ يَنْتَهِيَ دَلِيلُ المُسْتَدِلِّ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ ضروريةٍ أَوْ يَقِينِيَّةٍ مَشْهُورةٍ؛ بِحَيْثُ يَلْزَمُ المُعْتَرِضُ الاعترَافَ بِهِ، ولَا يُمْكِنَهُ جَحْدُهُ.

قُلْتُ: وعِنْدِي فِي تَعْبِيرِ المُصَنِّفِ فِي الحَالَةِ الثَّانِيةِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثةِ أَوْجُهٍ.

أَحدِهَا فِي قَوْلِهِ: (مَعَ مَنْعِ الدَّلِيلِ) كَانَ يَنْبَغِي الاقتصَارُ علَى قَوْلِهِ: مَنْعُ الدَّلِيلِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ لَفْظِةِ:(مَعَ).

ثَانِيهَا فِي قَوْلِهِ: (بِنَاءً علَى تَخَلُّفِ حُكْمِهِ) كَانَ يَنْبَغِي التََّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (فَيَتَخَلَّفُ حُكْمُهُ) ولَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ استعمَالِ لَفْظَةِ البِنَاءِ.

ثَالِثِهَا: تقييدُه النَّقْضَ بِالإِجْمَالِيِّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَفْصِيلِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ

ص: 632

ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: خَاتِمَةٌ: القِيَاسُ مِنَ الدِّينِ، وثَالِثُهَا: حَيْثُ يَتَعَيَّنُ، ومِنْ أُصُولِ الفِقْهِ خِلَافًا لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ، وحُكْمُ المَقِيسِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ ولَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالَ اللَّهُ، ثُمَّ القِيَاسُ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَتَعَيَّنُ عَلَى مُجْتَهِدٍ احتَاجَ إِليه.

ش: فِيهِ مَسَائِلُ:

الأَولَى: اخْتُلِفَ فِي أَنَّ القِيَاسَ/ (194/أَ/م) هَلْ هو مِنْ دِينِ اللَّهِ تعَالَى أَمْ لَا؟

علَى ثلَاثةِ مَذَاهِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، نَقَلَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ البَصْرِيِّ/ (157/ب/د) فِي (الْمُعْتَمَدِ).

الأَوَّلِ ـ وَبِهِ قَالَ القَاضِي عُبْدُ الْجَبَّارِ ـ: نَعَمْ.

وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ ـ: لَا؛ لأَنَّ اسمَ الدِّينِ إِنَّمَا يَقَعُ علَى مَا هو ثَابِتٌ مُسْتَمِرٌّ.

وَالثَّالِثِ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ ـ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ وَاجبًا فَهُوَ مِنَ الدِّينِ ـ وإِليه أَشَارَ المُصَنِّفُ بِالتعينِ ـ أَوْ نَدْبًا فَلَا.

وجَعَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ مَوْضِعِ الخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، فَإِنْ أُرِيدَ ذَلكَ: فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ.

الثَانِيَةِ: المشهورُ أَنَّ القِيَاسَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وخَالَفَ فِيهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا يُطْلَقُ علَى المقطوعِ بِهِ، وَالقِيَاسُ لَا يُفِيدُ إِلَاّ الظَّنَّ.

ورُدَّ بِأَنَّ القِيَاسَ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا.

سَلَّمْنَا، ولَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أُصولَ الفِقْهِ

ص: 633

أَدِلَّتُهُ فَقَطْ سَلَّمْنَا، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقَعُ إِلَّا علَى المَقْطُوعِ بِهِ.

الثَالثةِ: قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي حُكْمِ المَقِيسِ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ تعَالَى، ودِينُ رسولِهِ، ولَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تعَالَى، ولَا قَوْلُ ورسولِهِ.

الرَابعةِ: القِيَاسُ فَرْضُ كِفَايةٍ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ وتَعَدَّدَ المُجْتَهِدُونَ، وفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ.

ومندوبٌ فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الحَالِ لَكِنَّ الحَاجَةَ إِلَيْهِ مُتَوَقِّعَةٌ.

ص: وهُوَ جَلِيٌّ وخَفِيٌ؛ فَالجَلِيُّ: مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الفَارقِ أَوْ كَانَ احتمَالاً ضعيفًا، وَالخفِيُّ خِلَافُه، وَقِيلَ: الجَلِيُّ هذَا، وَالخَفِيُّ: الشَّبَهُ، وَالوَاضحُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الجَلِيُّ الأَوْلَى، وَالوَاضِحُ: المُسَاوِي، وَالخَفِيُّ: الأَدْوَنُ.

ش: يَنْقَسِمُ القِيَاسُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ إِلَى جَلِيٍّ وخَفِيٍّ؛ فَالجَلِيُّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيٍ بِالفَارقِ، كَإِلحَاقِ الأَمَّةِ بِالعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ فِي الْعِتْقِ، أَوْ كَانَ احْتِمَالُ الفَارقِ فِيهِ ضَعِيفًا، ومَثَّلَ بِإِلحَاقِ العَمْيَاءِ بِالعورَاءِ فِي المَنْعِ مِنَ التَّضْحِيَةِ.

قُلْتُ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ فَالذي يَظْهَرُ أَنَّ هذَا المِثَالَ مِنْ قِسْمِ القَطْعِيِّ، وَالقِيَاسُ الخَفِيُّ خِلَافُ الجَلِيِّ.

وقَسَّمَهُ بعضُهم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: جَلِيٍّ وخَفِيٍ ووَاضِحٍ.

فَالجَلِيُّ مَا تَقَدَّمَ، وَالخَفِيُ قِيَاسُ الشّبَهِ، وَالوَاضحُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا.

وقَالَ بعضُهم: الجَلِيُّ مَا كَانَ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ فِي الفَرْعِ أَوْلَى مِنَ الأَصْلِ.

قُلْتُ: ويَنْبَغِي تَمْثِيلُهُ بِقِيَاسِ العميَاءِ علَى العورَاءِ فِي مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بِهَا. وَالوَاضِحُ/ (194/ب/م) مَا كَانَ مُسَاويًا لَهُ كَالنَّبِيذِ مَعَ الخَمْرِ.

وَالخَفِيُّ مَا كَانَ دُونَهُ كَقِيَاسِ اللَّيْنُوفَرَ علَى الأَرُزِّ بِجَامعِ الطَّعْمِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الاصطلَاحِ.

ص: 634

ص: وقِيَاسُ العِلَّةِ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِهَا، وقِيَاسُ الدَّلَالَةِ مَا جُمِعَ فِيهِ بِلَازِمِهَا فَأَثرِهَا فَحُكْمِهَا، وَالقِيَاسُ فِي مَعْنَى الأَصْلِ الجَمْعُ بِنَفِيِ الفَارقِ.

ش: ويَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ إِلَى: قِيَاسِ عِلَّةٍ، وقِيَاسِ دِلَالَةٍ، وقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الأَصْلِ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِذِكْرِ الجَامِعِ، أَوْ بِإِلغَاءِ الفَارقِ، فَإِنْ كَانَ بِذِكْرِ الجَامِعِ فَالجَامِعُ إِنْ كَانَ هو العِلَّةُ سُمِّيَ قِيَاسَ العِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي المُثَقَّلِ قُتِلَ: عَمْدُ عُدْوَانٍ، فَيَجِبُ فِيهِ القِصَاصُ كَالجَارحِ، وإِنْ كَانَ الجَامِعُ/ (158/أَ/د) وَصْفًا لَازِمًا مِنْ لَوَازِمِ العِلَّةِ أَوْ أَثرًا مِنْ آثَارِهَا أَو حَكْمًا مُنْ أَحكَامِهَا فَهُو قِيَاسُ الدِّلَالةِ؛ لأَنَّ المذكورَ لَيْسَ عَيْنُ العِلَّةِ، بَلْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا، مِثَالُ الأَوَّلِ: قِيَاسُ النَّبِيذِ علَى الخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائحةِ الفَائحةِ الملَازمةِ لِشِدَّةِ المُطْرِبَةِ، ولَيْسَتْ نَفْسُ العِلَّةِ، وإِنَّمَا هي لَازِمَةٌ لَهَا.

ومِثَالُ الثَّانِي: قولُنَا فِي المُثَقَّلِ: قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ فَاعِلُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قُتِلَ، فَوَجَبَ فِيهِ القِصَاصُ كَالجَارحِ؛ فَالإِثْمُ بِهِ لَيْسَ نَفْسَ العِلَّةِ بَلْ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا.

ومِثَالُ الثَّالِثُ: قولُنَا فِي قَطْعِ الأَيدِي بِاليَدِ الوَاحِدةِ: قَطْعٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عليهم، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ كَوُجُوبِ القِصَاصِ علَيهم، فوُجُوبُ الدِّيَةِ لَيْسَ عَيْنَ عِلَّةِ القِصَاصِ بَلْ حُكْمٌ مِنْ أَحكَامِهَا.

وإِنْ كَانَ بِإِلغَاءِ الفَارقِ فهو القِيَاسُ فِي مَعْنَى الأَصْلِ، كَإِلحَاقِ البَوْلِ فِي إِنَاءٍ وصَبِّهِ فِي المَاءِ الدَّائمِ بِالبَوْلِ فِيهِ.

ص: 635