الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العذاب النمير
في
جواب مسائل عالم بلاد عسير
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
محمد صبحي بن حسن حلاق
[الحمد لله وحده
صار هذا الكتاب المسمى الفتح الرباني - ما قبل هذا وذلك ثمان وسبعون صفحة وما بعدها - من جملة خزانة المولى سيف الإسلام والدي أحمد بن قاسم حميد الدين حفظه الله تعالى في سنة 1352 هـ
عبد الرحمن بن أحمد بن قاسم] (1)
(1) ما بين الخاصرتين وجد على غلاف الرسالة. والله أعلم.
وصف المخطوط
1 -
عنوان الرسالة: " العذب النمير في جواب مسائل عالم بلاد عسير ".
2 -
موضوع الرسالة: في قضايا الشرك والتوحيد، وخلق أفعال العباد، والاختلاف في الفروع (1).
3 -
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه أجمعين وبعد: فإنه وصل إلينا من الأخ العلامة الزكي الفهامة الفطن اللوذعي محمد بن أحمد حمد الله مساعيه. . .
4 -
آخر الرسالة:. . . عن عدم وقوع الطلاق البدعي بحث طالت فيه الأقوال واضطربت فيه آراء الرجال، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، ومن آخر من أفرده بالتصنيف أيضا راقم الأحرف غفر الله له.
وإلى هنا انتهى جواب السائل كثر الله فوائده في شهر شوال سنة 1222هـ بقلم المجيب محمد الشوكاني. غفر الله له.
5 -
نوع الخط: خط نسخي جيد.
6 -
الناسخ: المؤلف رحمه الله: محمد بن علي الشوكاني.
7 -
عدد الأوراق (
…
) ورقة + ورقة العنوان.
8 -
عدد الأسطر في الورقة: (25 - 27) سطرا.
9 -
عدد الكلمات في السطر: (11 - 13) كلمة.
10 -
تاريخ النسخ: شوال سنة 1222 هـ.
(1) وضعت هذه الرسالة في قسم " العقيدة " ولو كان فيها سؤال يتعلق بالفقه لأن أغلب الرسالة تتحدث عن العقيدة. وهكذا أصنع على مدار الكتاب وهو " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني " حيث أضع الرسالة في القسم الذي يغلب عليها والله الهادي إلى سواء السبيل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين، ورضي الله عن صحبه أجمعين. وبعد:
فإنه وصل إلينا من الأخ العلامة الذكي الفهامة الفطن اللوذعي محمد بن أحمد (1)، حمد الله مساعيه ونفع بعلمه وكثر فوائده، سؤالات نافعات ومباحث شافيات، فأجبت عليها. بما عندي امتثالا لرسمه، وتصديقا لظنه، كونه وجهها إلي وعنونها باسمي وها أنا أكتب الأسئلة وأعقبها بما فتح الله به من الأجوبة مستعينا بالله عز وجل ومتكلا عليه.
[نص الأسئلة]
قال عافاه الله بعد الخطبة:
(السؤال الأول): قد نطقت الآيات القرآنية وشهدت الأحاديث النبوية، وأجمعت الأمة المحمدية على وجوب توحيد الله سبحانه بالعبادة وقال عز من قائل عليم:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (2)، {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (3)، وكذلك تواترت الأحاديث الواردات وتتابعت الآيات البينات على تحريم الشرك بالله سبحانه في العبادات سواء كان ذلك جليا أو خفيا {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} (4). وقال تعالى:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (5)، وفي هذا مباحث يتضح بها المعنى ويستقيم عليها
(1) تقدمت ترجمته في رسالة " أسئلة وأجوبة عن قضايا الشرك والتوحيد وغيرها " رقم (1).
(2)
[الذاريات: 56].
(3)
[البينة: 5].
(4)
[المائدة: 72].
(5)
[النساء: 48].
المبنى الأول أن الدعوة لغير الله شرك، وفي التفاسير أن المراد بها العبادة في كثير منها، والمراد بالعبادة التوحيد كما ذكره ابن عباس رضي الله عنه وفي الحديث: إن " الدعاء هو العبادة "(1) وهذا الوصل للحصر أو للتخصيص للاهتمام، وعلى كل تقدير فهو دليل على هذا التقدير. والدعاء له معنيان أحدهما دعاء الطلب (2) بل قد سمى الله ذلك دينا في قوله تعالى:{فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (3)، وصرف هذه العبادة لغير الله شرك وكفر بدليل قوله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ} - إلى قوله- {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (4) فهل هذا [1] الكلام في سبل السلام إلى بلوغ المرام عند جميع الأعلام أم فيه تفصيل واحتمال على قول بعض الرجال، وشأن الكفر المجمع عليه حل الدم والمال بلا إشكال سرا قبل الدعوة أو بعدها على التفصيل فيمن بلغته ومن لم تبلغه، وهل يعذر الجاهل لقولهم إن العمل متوقف على العلم وكذا الوجوب؟ وفي قوله تعالى:{فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} (5) هل هذه الجملة حالية أو خبرية وهل الاحتمال يصح دليلا للعذر أم لا لوضوح المحجة، وعدم فهم الحجة ليس بعذر، وكيف شأن المتقدمين على هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الإلهية ممن يوجد في كلامه أو في أفعاله ما هو شرك جلي بل وقع ذلك للمصنفين، اللهم إلا أن يقال إن الدعاء ينازع فيه أنه ليس من الشرك الأكبر وأنه لا إنكار في المختلف فيه فاعتقاديات العلميات خلاف الظنيات العمليات فالمراد شيخ الأكابر بإسناد الدفاتر بسط الكلام على الأول من السؤالات والآخر مع النظر فيما يتفرع على كل جملة، والإفادة بما
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم ذكر أنواع الدعاء في رسالة " أسئلة وأجوبة عن قضايا الشرك والتوحيد وغيرها " رقم (1).
(3)
[العنكبوت: 65].
(4)
[الأحقاف: 5 - 6].
(5)
[البقرة: 22].
عليه الجُلَّة في الجملة.
أقول هذا السؤال قد اشتمل على أبحاث:
الأول: ما ذكره السائل عافاه الله، من كون الدعاء عبادة ليترتب عليه ما رتبه.
فاعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة المطلوبة من العباد ولو لم يكن في الكتاب العزيز إلا مجرد طلبه منهم لكان ذلك مفيدا للمطلوب، أعني كونه من العبادة قال الله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (1) وقال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (2)، وقال تعالى:{ادعوني أستجب لكم} (3) فهذه الآيات البينات دلت على أن الدعاء مطلوب لله عز وجل من عباده، ثم توعد على عدم الدعاء فقال عز من قائل:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (4) وهذا القدر [2] يكفي في إثبات كونه عبادة فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله عز وجل:{فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (5)، وقال تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} (6) وقال سبحانه ناعيا على من يدعو غيره ضاربا له الأمثال: {إن الذين تدعون من دون الله عباد}
(1)[الأعراف: 55 - 56].
(2)
[الإسراء: 110].
(3)
[غافر: 60].
(4)
[غافر: 60].
(5)
[الجن: 18].
(6)
[الرعد: 14].
{أمثالكم} (1)، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} (2)، فكيف إذا صرح القرآن الكريم بأن الدعاء عبادة تصريحا لا يبقى عنده ريب لمرتاب، قال الله سبحانه:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} -الآية- (3)، فقد طلب الله سبحانه من عباده في هذه الآية أن يدعوه، وجعل جزاء الدعاء له منهم الإجابة منه فقال:{أستجب لكم} ولهذا جزمه لكونه جوابا للأمر، ثم توعدهم على الاستكبار عن هذه العبادة -أعني الدعاء-. بما صرح به في آخر الآية، وجعل العبادة مكان الدعاء تفسيرا له وإيضاحا لمعناه وبيانا لعباده بأن هذا الأمر الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوع من عبادته التي خص بها نفسه وخلق لها عباده كما قال تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (4).
ومع هذا كله قد جاءت السنة المطهرة بما يدل أبلغ دلالة على أن الدعاء من أكمل أنواع العبادة فأخرج أحمد (5) وأبو داود (6) والترمذي (7) وصححه النسائي (8) وابن ماجه (9) وابن أبي شيبة (10)
(1)[الأعراف: 194].
(2)
[سبأ: 22].
(3)
[غافر: 60].
(4)
[الذاريات: 56].
(5)
في المسند (4/ 271).
(6)
في السنن رقم (1479).
(7)
في السنن رقم (2969) و (3247 و3372) وقال: حسن صحيح.
(8)
في تفسيره رقم (484).
(9)
في السنن رقم (3828).
(10)
في "المصنف"(10/ 200).
والحاكم (1) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن الدعاء هو العبادة " وفي رواية: " مخ العبادة " ثم قرأ رسول الله الآية المذكورة، فهذه الصيغة الشريفة النبوية المصطفوية [3] قد اشتملت على ثلاثة أشياء (2)، كل واحد منها يقتضي الحصر.
الأول: تعريف المسند إليه.
الثاني: تعريف المسند.
الثالث: ضمير الفصل.
وقد صرح أرباب علم المعاني والبيان والأصول بأن كل واحد آلة من آلاته وأداة من أدواته، وأن وجود أحدها يقتضي الحصر، فكيف إذا اجتمعت جميعا وانضم إليها حرف التأكيد المشعر بأن ما دخل عليه كلام مؤكد، فانظر هذه المبالغة البليغة والعبارة المنادية بأبلغ نداء، المفيدة أكمل إفادة، المشعرة أتم إشعار.
فإن قلت: علام كل هذا الحصر. هل على الحقيقي أم على الادعائي؟
قلت: احمله على الادعائي لأنه قد علم من هذه الشريعة أن من أنواع العبادة أمورا كثيرة لو لم يكن من ذلك إلا أركان الإسلام الخمسة: الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج فضلا عن غيرها، فأقل ما يفيده الحديث أن الدعاء عبادة كاملة مؤكدة، فمن دعا غير الله عز وجل طالبا منه أمرا من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه فقد عبد غير الله، ولم يبعث الله سبحانه رسله ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده
(1) في المستدرك (1/ 491) وصححه ووافقه الذهبي.
وهو حديث صحيح وقد تقدم.
(2)
يشير إلى أن الحصر هنا اجتمع فيه ثلاثة عناصر كلها تفيد الحصر:-
* تعريف الجزأين [المسند والمسند إليه] وهذا يفيد الحصر حقيقة أو مبالغة. ومثاله: الحمد لله.
* وكذلك وجود ضمير الفصل وهو يفيد الحصر.
انظر معترك الأقران (1/ 140 - 142).
وإفراده بالعبادة: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (1)، {أن لا تعبدوا إلا الله} (2)، {أن اعبدوا الله واتقوه} (3){قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (4)، {فإياي فاعبدون} (5)، {إياك نعبد} (6)، {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} (7)، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (8)[4]{يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} (9)، {يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (10)، {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} (11)، {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ}
(1)[الأعراف (59، 65، 73، 85) هود (50، 61، 84) والمؤمنون (23)].
(2)
[هود: 26].
(3)
[نوح: 3].
(4)
[الأعراف: 70].
(5)
[العنكبوت: 56].
(6)
[الفاتحة: 5].
(7)
[طه: 14].
(8)
[النحل: 36].
(9)
[البقرة: 21].
(10)
[يس: (60 - 61)].
(11)
[نوح: (1 - 3)].
{وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (1)، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} (2)، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (3)، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} (4)، وقد حكى الله سبحانه في سورة الأعراف عن نوح وهود وصالح أن كل واحد قال لقومه:{يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} (5). وبالجملة فرسل الله صلوات الله عليهم، وكذلك جميع كتبه المنزلة متفقة على هذه الدعوة، وقد تكفل القرآن الكريم بحكاية جميع ذلك لمن تتبعه، وإذا تقرر هذا فاعلم أن من دعا غير الله طالبا منه أمرا لا يقدر عليه إلا الله سبحانه فقد عبد غيره وشرَّكه معه:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (6)، {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} (7)، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا}
(1)[العنكبوت (16 - 17)].
(2)
[الشعراء (69 - 77)].
(3)
[الممتحنة: 4].
(4)
[الزخرف: (26 - 27)].
(5)
[الأعراف: (59 - 65 - 73)].
(6)
[الكهف: (110)].
(7)
[النور: (55)].
{إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (1)، {قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [5]{أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (2)، {إذ أوى الفتية إلى الكهف} - إلى آخر الآيات- (3)، {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (4).
البحث الثاني: من مباحث السؤال الأول ما أشار إليه السائل عافاه الله بقوله: وهل يعذر الجاهل. . . إلخ. والجواب أن ما سأل عنه من قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} (5) هل الجملة حالية أو خبرية؟ الظاهر فيه أن الجملة حالية (6)، والمراد أنكم لا تجعلوا لله أندادا في حال علمكم بأنه لا أنداد لله عز وجل، وأنه المتفرد بالإلهية والمستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهذا يعلمه كل من بلغته الدعوة الإسلامية وصار من جملة المنتمين إلى الإسلام، فلله الحجة البالغة، ولم يكن للعباد على الله حجة
(1)[التوبة: (31)].
(2)
[آل عمران: (64)].
(3)
[الكهف: (10 - 14)].
(4)
[النحل: (73)]
(5)
[البقرة: (22)].
(6)
قال الشوكاني في فتح القدير (1/ 71 - 72): جملة حالية والخطاب للكفار والمنافقين فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك حيت قال: " ولكن لا يعلمون، ولكن لا يشعرون، وما كانوا مهتدين، صم بكم عمي " فيقال: إن المراد أن جهلهم وعدم شعورهم لا يتناول هذا: أي كونهم يعلمون أنه المنعم دون غيره من الأنداد، فإنهم كانوا يعلمون هذا ولا ينكرونه كما حكاه الله عنهم في غير آية، وقد يقال: المراد وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم.
بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (1)، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (2)، وقد فسرها ابن مسعود (3) بأن المراد لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله وروي ذلك عن ابن عباس (4)، وقال الله عز وجل في موضع آخر:{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} (5).
فإن قلت: قد يجهل بعض المسلمين بعض أسباب الردة الموجبة لوقوعه في الكفر، ويجهل بعض أنواع الشرك، بل قد يجهل ذلك كثير من أهل العلم حتى ينبه عليه فينتبه، كما يعرف ذلك من عرف أحوال الناس. ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (6) من حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل " فقيل له: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله، قال:" قولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ".
(1)[النساء: (165)].
(2)
[الإسراء: (15)].
(3)
ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 87).
(4)
ذكره السيوطي في الدر المنثور (1/ 87).
(5)
[البقرة: (165)].
(6)
(4/ 403).
وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير في " الكني " ص 58 وابن أبي شيبة في كتاب الدعاء (10/ 337 - 338 رقم 9596) والطبراني في الأوسط (4/ 10 رقم 3479).
وأورده الهيثمي في المجمع (10/ 226 - 227): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي علي وثقه ابن حبان. وهو حديث حسن.
وقد روي من وجه آخر من حديث أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشرك أخفى فيكم من ديب النمل"فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [6]" الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل، ثم قال: ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ". رواه من هذا الوجه أبو بكر الموصلي (1) ورواه أيضا الحافظ أبو القاسم البغوي (2) من حديث أبي بكر الصديق بلفظ: " الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا " فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ قال: ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: " قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك ما أعلم وأستغفرك لما لا أعلم.
قلت: إذا كان من جملة أنواعه ما هو أخفى من دبيب النمل كما نطق به الصادق المصدوق فمعلوم أن يجهله غالب الخاصة فضلا عن العامة، ولهذا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر فأجاب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل " مؤكدا لقوله السابق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير (3) قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} أنه قال: " الأنداد أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول وحياتك يا فلان وحياتي وتقول لولاك ما كلمته وما كان هذه المنزلة
(1) في المسند (1/ 60 - 61 رقم 58) بإسناد ضعيف.
وأورده الهيثمي في المجمع (10/ 244) وقال: رواه أبو يعلى من رواية ليث بن أبى سليم، عن أبى محمد، عن حذيفة، وليس مدلس، وأبو محمد إن كان هو الذي روى عن ابن مسعود، أو الذي روى عن عثمان بن عفان، فقد وثقه ابن حبان، وإذ كان غيرهما فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(2)
لم أجده في الجعديات.
(3)
(1/ 62 رقم 229).
من الخفاء وعدم الظهور فلا يطلع على كثير منه إلا من تدبر الكتاب العزيز كلية التدبر وتفكر في آياته أكمل التفكر، ونظر في السنة المطهرة أبلغ النظر، وتتبع ما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أتم التتبع. وكثيرا ما نرى من له في العلم نصيب وفي الفهم حظ يقع في نوع من الأنواع التي جاءنا النص النبوي بأنها من الشرك، ويستعمله ذاهلا عن كونه كذلك بعد العلم به بوجه من الوجوه أو جاهلا له مع علمه بكثير من المعارف العلمية، وها نحن نقص عليك بعضا من تلك الأمور التي ورد بها النص حتى يتبين لك صحة ما ذكرناه ويتقرر لك ما سنقرره في هذا المقام، ونحرره من الكلام إن شاء الله [7].
فمن ذلك ما ورد في تعليق التمائم أنه من الشرك كما أخرجه أحمد في المسند (1) من حديث عقبة بن عامر مرفوعا وكذلك تعليق الخيط في اليد للحمى كما أخرجه ابن أبي حاتم (2) عن حذيفة وأخرج أحمد (3) وأبو داود (4) من حديث ابن مسعود: سمعت رسول
(1)(4/ 156).
قلت: والحاكم في المستدرك (4/ 219) من حديث عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟! قال: " إن عليه تميمة " فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال: " من علق تميمة فقد أشرك ".
وهو حديث صحيح انظر الصحيحة رقم (492).
(2)
في تفسيره (7/ 2208 رقم 12040).
(3)
في المسند (1/ 381).
(4)
في السنن رقم (3883) مختصرا.
وأخرجه ابن ماجه رقم (3530) والبغوي في " شرح السنة " رقم (3240) والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 350).
من طريقين عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود، وقد وقع عند ابن ماجه (ابن أخت زينب) بدل (ابن أخي زينب) وأشار الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " (4/ 205) إلى أنه وقع في بعض نسح ابن ماجه (ابن أخي) وقال: وهو على كلا التقديرين مجهول.
وقال الحافظ في " التقريب " رقم (8496) كأنه صحابي، ولم أره مسمى.
ولكن تابعه عبد الله بن عتبة بن مسعود عند الحاكم (4/ 417 - 418) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
كما أن للحديث طريقين آخرين يتقوى بهما، فقد أخرجه الحاكم (4/ 217) من طريق إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن الأسدي، قال: دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على امرأة
…
فذكره.
وأخرجه الحاكم أيضًا (4/ 216 - 217) من طريق أبي الضحى، عن أم ناجية، قالت: دخلت على زينب امرأة عبد الله أعوذها وخلاصة القول أن الحديث صحيح بطرقه، والله أعلم.
الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " وكذلك ما ورد في ذات أنواط، حيث قال بعض الصحابة: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط- وهي سدرة كان المشركون يعلقون بها أسلحتهم-، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الله أكبر، قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} " أخرجه الترمذي (1) وصححه من حديث أبي واقد الليثي، وكذلك الحلف بغير الله، أخرجه الترمذي (2) وحسنه والحاكم (3) وصححه من حديث
(1) في السنن رقم (2180) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أحمد (5/ 218) والحميدي رقم (848) والطيالسي رقم (1346) وأبو يعلى رقم
(1441)
والطبراني في " الكبير " رقم (3290 و3291 و3292 و3293) وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (76) وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (20763) وابن أبي شيبة في المصنف (15/ 101) من طرق.
وهو حديث صحيح.
(2)
في السنن رقم (1535).
(3)
في المستدرك (1/ 52) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقد أعل بالانقطاع فقد قال البيهقي (10/ 29)، " وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر".
قلت: وأخرجه أحمد (2/ 125) وأبو داود رقم (3251) والطيالسي رقم (1896).
وهو حديث صحيح بشواهده.
[ابن](1) عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " وكذلك أخرج مالك في الموطأ (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ومن ذلك ما أخرجه أحمد (3) من حديث قبيصة عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن العيافة والطَّرْق والطيرة من الجبت " وأخرجه أيضًا أبو داود (4) والنسائي (5) وابن حبان (6)، وأخرج النسائي (7) من
(1) زيادة من مصادر الحديث.
(2)
تقدم تخريجه في " الرسالة السابقة " رقم (1) وهو حديت صحيح.
(3)
في المسند (3/ 477) و (5/ 60).
قلت: وأخرجه عبد الرزاق في " المصنف " رقم (19502) وابن سعد في " الطبقات "(7/ 35) والنسائي في "التفسير"رقم (128) والدولابي في "الكنى"(1/ 86) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 312 - 313) والطبراني في " الكبير "(18 رقم 941، 942، 943، 945) والبيهقي في " السنن الكبرى "(8/ 139)، والبغوي في " شرح السنة " رقم (3256) وأبو نعيم في " تاريخ أصبهان "(2/ 158) والخطيب في " التاريخ "(10/ 425) والمزي في "تهذيب الكمال"(7/ 475 - 476) وابن حبان في "صحيحه" رقم (6131) من طرق ..
وقد اختلف الرواة في إسناده عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي، فقال بعضهم: حيان، لم ينسبه.
وقال بعضهم: حيان أبي العلاء. وقال بعضهم: حيان بن عمير، وقال آخر: حيان بن مخارق.
قلت: فالاضطراب في اسمه مشعر بعدم الضبط الموجب لضعف الحديث.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرِّها.
. الطِيَرة: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء، وأصله فيما يقال: التطير بالطير والظباء وغيرهما.
الطرق: الضرب بالحصى وهو ضرب من التكهف.
الجبت: كل ما عبد من دون الله.
(4)
انظر التعليقة السابقة.
(5)
انظر التعليقة السابقة.
(6)
انظر التعليقة السابقة.
(7)
في السنن (7/ 112رقم 4079) بسند ضعيف فيه عباد بن ميسرة المنقري وهو ضعيف، وعنعنه الحسن.
وخلاصة القول أن الحديث " ضعيف " لكن جملة: " ومن تعلق شيئا وكل إليه " ثبتت في حديث الترمذي (4/ 403 رقم 2072) والحاكم (4/ 216) وأحمد (4/ 301، 311) عن عبد الله بن عكيم.
قال الترمذي: وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الألباني في " غاية المرام "(ص182): قلت: وابن أبي ليلى سيئ الحفظ وكأنه لذلك سكت عليه الحاكم والذهبي، وأشار المنذري في "الترغيب"(4/ 157) إلى إعلاله بابن أبي ليلى.
لكن الحديث حسن عندي، فإن له شاهدا عن الحسن البصري مرسلا أخرجه ابن وهب في "
الجامع " (ص 113): أخبرني جرير بن حازم أنه سمع الحسن يقول: فذكره مرفوعا وهذا إسناد مرسل صحيح، وقد رواه بعض الضعفاء عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا.
وخلاصة القول أن حديث عبد الله بن عكيم حسن والله أعلم.
حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك ". وأخرج أهل السنن (1) والحاكم (2) وصححه من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال النبي
(1) أبو داود رقم (3904) والترمذي رقم (135) وابن ماجه رقم (639) والنسائي في " عشرة النساء " رقم (131).
(2)
في المستدرك (1/ 8) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 259)، والبيهقي في " السنن الكبرى "(7/ 198) وأحمد في المسند (2/ 408، 476) وابن الجارود رقم (107) من طرق عن حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة به.
قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبى تميمة.
وقال البخاري في "التاريخ الكبير"(3/ 17) عقب الحديث: " هذا حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة في البصريين ".
وقال ابن عدي في " الكامل "(2/ 637): " وحكيم الأثرم يعرف بهذا الحديث وليس له غيره إلا
اليسير" اهـ.
قلت: عللوا الحديث بأمرين:
الأول: ضعف حكيم بن الأثرم.
والثاني: الانقطاع بين أبي تميمة وأبي هريرة.
فالجواب عن الأول: أن حكيم وثقه ابن المديني، وأبو داود، وابن حبان وقال النسائي:" لا بأس به" وقال الذهبي: "صدوق".
انظر: " تهذيب التهذيب "(1/ 475 - 476)، و" الكاشف "(1/ 186).
أما الجواب عن الثاني: فأبو تميمة اسمه طريف بن مجالد، قد توفي سنة 97هـ وأبو هريرة توفي سنة 58 - 59 هـ، والمعاصرة تكفي كما عليه الجمهور، إن كان ثقة غير مدلس، وأبو تميمة كذلك وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وشواهد انظر: الإرواء (7/ 69 - 70).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ".
وثبت في الصحيحين (1) وغيرهما (2) من حديث زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سماء، فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال:" هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: [8] أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب ". وأخرج مسلم (3) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ". وأخرج أحمد (4) عن أبي
(1) البخاري في صحيحه رقم (846) ومسلم في صحيحه رقم (25/ 71).
(2)
كأبي داود رقم (3906).
(3)
في صحيحه رقم (46).
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (4204) وأحمد (2/ 301، 435).
وهو حديث حسن.
(4)
في المسند (3/ 30).
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (4204) والبيهقي في " الشعب " رقم (6832) وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة "(3/ 296 رقم 1498/ 4204): " هذا إسناد حسن، كثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن مختلف فيهما
…
".
والخلاصة: أن الحديث حسن والله أعلم.
سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ". وأخرج النسائي (1) من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا قال ما شاء الله وشئت" فقال: " أجعلتني لله ندا قل: ما شاء الله وحده "، وأخرج أحمد (2) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ردته الطيرة عن حاجة فقد أشرك " قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: " أن يقول أحدكم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك".
وبالجملة فالأحاديث في هذا الباب كثيرة وقد أوردت منها شطرا صالحا في رسالتي المسماة " الدر النضيد في إخلاص التوحيد"(3) وتكلمت على أطرافها وما يستفاد منها بما فيه كفاية، وليس المراد هنا إلا بيان ما قصدنا بيانه من أن في بعض أنواع ما يطلق عليه اسم الشرك خفاء ودقة من غير نظر إلى كونه شركا أكبر أو أصغر، فمن وقع في شيء من هذه الأنواع أو ما يشابهها جاهلا فلا شك أن أتي من تقصيره في طلب علم الشرع وسؤال أهله ولكنه يجب على من أتاه الله من علمه وارتضاه لحمل دينه أن يبين لهذا الجاهل ما شرعه الله لعباده مما جهله وخفي عليه علمه وفاء بما أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب من البيان للناس وأن لا يكتموه (4) عنهم، فإن نزع ذلك الجاهل بعد البيان عن
(1) تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1).
(2)
في المسند (2/ 220).
وأورده الهيثمي في المجمع (5/ 105) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات".
وهو حديث صحيح.
(3)
تم تحقيق هذه الرسالة ضمن هذا القسم " الفتح الرباني " العقيدة رقم (4).
(4)
يشير إلى قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران:187].
الغواية ورجع من طريق [9] الضلالة إلى طريق الهداية فقد وفى العالم بما أوجبه الله عليه من البيان والتعليم، ووفى الجاهل بما أوجبه الله عليه من التعلم، وإن أبى إلا اللجاج والمشي على جادة الاعوجاج انتقل معه ذلك العالم من طريقة التليين إلى طريقة التخشين، فإن أصر واستكبر وصمم على غيه وضلاله، واختار العمى على الهدى، وكان ما وقع فيه وجادل عنه من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه به من فريق المسلمين إلى زمرة المشركين فالسيف هو الحكم العدل.
فإن قلت قد جعل بعض أهل العلم كفر هؤلاء القبوريي ن الذين يعكفون على قبور من يعتقدونه من الأموات عكوف أهل الجاهلية على أصنامهم فيدعونهم مع الله عز وجل أو من دونه ويستغيثون بهم ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، واستدل على ذلك مما ورد في الأحاديث الصحيحة من كفر تارك الصلاة كقوله صلى الله عليه وسلم:"بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"(1) وكما ورد فيمن ترك الحج من قوله سبحانه: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} وكقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (2) ونحو ذلك من الأحاديث الواردة
(1) أخرجه مسلم رقم (134/ 82) وأبو عوانة (1/ 61، 62) والترمذي رقم (2618) و (2619) و (2620) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي رقم (465) وأحمد (3/ 389) وابن ماجه رقم (1078) والبيهقي (3/ 366) والبغوي في شرح السنة (2/ 179) من طرق عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " والسياق لمسلم.
وأخرجه أبو داود رقم (4678) والدارقطني (2/ 53) والطبراني في " الصغير "(1/ 134) وصححه الحاكم (4/ 296، 297) ووافقه الذهبي وهو كما قالا. والدارمي (1/ 280) وأبو يعلى (3/ 318 - 319 رقم 16/ 1783) من طريق حماد عن عمرو بن دينار عن جابر مرفوعا، به.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
(2)
[المائدة: (44)].
في كفر من أتى امرأة حائضا أو كاهنا أو عرافا أو قال لأخيه يا كافر، ومن ذلك ما عقده البخاري في صحيحه (1) من كتاب الإيمان في كفر دون كفر، وجعل هذا من الكفر الذي لا يضاد الإيمان من كل وجه.
وروي عن ابن القيم نحوا مما قاله وجعل ما نقله عنه مؤيدا لكلامه- قلت:
…
ليس هذا بصحيح ولا مستقيم فإن من يدعو الأموات ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل [10] لا يصدر منه ذلك إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم هذا إن أراد من الميت الذي يعتقده ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامهم من تقريبهم إلى الله فلا فرق بين الأمرين؛ وإن أراد استغلال من يدعوه من الأموات بأن يعطيه ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية فإنهم قالوا ما حكاه الله عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (2) ولم يدَّعوا لأصنامهم أنهم يستقلون بإيصالهم إلى ما يطلبونه دون الله عز وجل فهذا هو شرك الجاهلية الذي بعث الله لأجله رسله وأنزل فيه كتبه وقاتلتهم الأنبياء عليه.
وأما الخلق والرزق والموت والحياة ونحو ذلك فالجاهلية يقرون في جاهليتهم وقبل بعثة الرسل التفهم بأن الله سبحانه هو المستقل بذلك: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} (3)، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن}
(1) باب: كفران العشير، وكفر دون كفر. (1/ 83 رقم الباب 21 رقم 29). من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال:- يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط ".
(2)
[الزمر: (3)].
(3)
[الزخرف: (87)].
{العزيز العليم} (1)، {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} (2)، {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (3)، {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} (4)، {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (5)، وكانوا يقولون في تلبيتهم:" لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"(6) وأما ما نقله ذلك القائل عن ابن القيم فغير صحيح فإن كلامه في كتبه مصرح بخلاف ذلك فإنه صرح في شرح المنازل (7) بأن هذا [11] الذي يفعله أهل القبور هو من الشرك الأكبر بل قال بعد تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر ما لفظه: " ومن أنواعه -أي الشرك الأكبر- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم -إلى آخر كلامه- ". وقد أطلنا الكلام في " الدر النضيد"(8) على قول هذا القائل فحكينا كلامه أولا ثم ذكرنا تناقضه في
(1)[الزخرف: (9)].
(2)
[يونس: (31)].
(3)
[المؤمنون: (84 - 89)].
(4)
[الشعراء: (97 - 98)].
(5)
[يونس: (18)].
(6)
تقدم تخريجه.
(7)
" مدارج السالكين "(1/ 379 - 382).
(8)
تم تحقيق الرسالة ضمن هذا القسم من " الفتح الرباني" رقم (4).
نفسه ومخالفته للصواب، وعدم صحة ما نقله عن غيره ونقلنا كلام ابن القيم من مؤلفاته، وذكرنا ما قاله أهل العلم في هذه المسألة في مؤلفاتهم المشهورة، وإطباقهم على ما قدمنا ذكره وليس هذا مقام بسطه فلسنا بصدد تقدير المسألة على الوجه الذي ينبغي تحريره بل بصدد جواب ما سأل عنه السائل عافاه ألله مما اشتمل عليه سؤاله.
وبالجملة فإخلاص التوحيد لله عز وجل وقطع علائق الشرك كائنة ما كانت لا تحتاج إلى أن تنتقل فيه أقوال الرجال أو يُستَدل عليه بالأدلة فإنه الأمر الذي بعث الله لأجله رسله وأنزل فيه كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل ومن شك في هذا فعليه بالتفكر في القرآن الكريم فإنه سيجده من أعظم مقاصده وأكثر موارده، فإن عجز عن ذلك فلينظر في سورة من سوره، فإن قال أريد منك مثالا أقتدي به وأمشي على طريقته وأهتدي إلى التفكر الذي أرشدتني إليه بتقديم النظر فيه فنقول ها نحن نقرب لك المسافة ونسهل عليك ما استصعبته. هذه فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها [12] كل مصل في كل صلاة ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعًا:
الأول: قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم} فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخرا ليفيد اختصاص البداية (1) باسم الله تعالى لا باسم غيره، وفي هذا المعنى ما لا يخفى من إخلاص التوحيد.
الثاني والثالث: وفي الاسم الشريف أعني لفظ (الله) عز وجل، فإن مفهومه كما حققه علماء هذا الشأن الواجب الوجود المختصر بجميع المحامد فكان في هذا المفهوم إشارتان إلى إخلاص التوحيد: أحدهما تفرده بوجوب الوجود، وثانيهما اختصاصه بجميع المحامد ما يستفيد من الاسم الشريف الذي أضيف إليه لفظ اسم هذان الأمران (2).
(1) انظر الكشاف للزمخشري (1/ 101 - 102).
(2)
انظر: روح المعاني للألوسي (1/ 75).
الرابع: تحلية الرحمن باللام فإنها من أدوات الاختصاص سواء كانت موصولة كما هو شأن آلة التعريف إذا دخلت على المشتقات، أو لمجرد التعريف كما تكون إذا دخلت على غيرها من الأسماء والصفات وقد أوضح هذا المعنى أهل البيان. مما لا مزيد عليه.
الخامس: اللام الداخلة على قوله الرحيم، والكلام فيها كالكلام في الرحمن.
السادس: اللام الداخلة على قوله {الحمد لله} فإنها تفيد أن كل حمد له لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص توحيده (1).
السابع: لام الاختصاص الداخلة على [13] الاسم الشريف، وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم فلا ثناء إلا عليه ولا جميل إلا منه ولا تعظيم إلا له، وفي هذا من أدلة إخلاص التوحيد ما لا يقادر قدره.
الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر: قوله {رب العالمين} فإن لفظ الرب باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار بإخلاص توحيده هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى؛ فإن كونه رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة.
ثم في لفظ العالمين معنى ثالث فإن العالم هو اسم لمن عدا الله عز وجل، فيدخل في هذا كل شيء غير الله سبحانه فلا رب غيره وكل من عداه مربوب.
ثم في تعريفه باللام معنى رابع لمثل ما قدمنا، فإذا تفيد زيادة الاختصاص. وتقرير ذلك المفهوم في هذا الموضع، ثم في صيغة الجمع معنى خامس بزيادة تأكيد وتقرير، فإن العالم إن كان اسما لمن عدى الله لمن يكن جمعه إلا بمثل هذا المعنى، وعلى فرض انهدامه باللام فهو لا يقتضي ذهاب هذا المعنى المستفاد من أصل الجمع.
الثالث عشر والرابع عشر: قوله: {الرحمن الرحيم} وتقرير الكلام فيهما كما سلف.
(1) انظر: الكشاف (1/ 109 - 112) وفتح القدير (1/ 19).
الخامس عشر والسادس عشر قوله: {مالك يوم الدين} ، فإن لفظ مالك، ومعناه الإفرادي من غير نظر إلى معناه الإضافي يفيد استحقاقه بإخلاص توحيده، ثم في معناه الإضافي إلى يوم الدين معنى ثان، فإن من كان له الملك [14] في مثل هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء لكل العباد، وفيه يجتمع العالم أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، جنهم وإنسهم وملائكتهم، فيه إشارة إلى استحقاقه إخلاص توحيده.
السابع عشر: ما يُستفاد من نفس لفظ (الدين) من غير نظر إلى كونه مضافًا إليه.
الثامن عشر: ما يستفاد من تعريفه، فإن في ذلك زيادة إحاطة وشمول فإن ذلك الملك إذا كان في يوم هو يوم الدين الذي يشتمل على كل دين كان من له هذا الملك حقيقا بأن يخلص العباد توحيده، ويفردوه بالعبادة كما تفرد بملك يوم له هذا الشأن.
فإن قلت: هذان المعنيان الكائنان في لفظ الدين باعتبار أصله وباعتبار تعريفه قد أخذا في المعنى الإضافي حسبما ذكرته سابقا. قلت: لا تزاحم بين المقتضيات، ولا يستنكر النظر إلى الشيء باعتبار معناه الإفرادي تارة، وباعتبار معناه الإضافي أخرى، وليس ذلك بممنوع ولا بمحجور عند من يعرف العلم الذي يستفاد منه دقائق العربية وأسرارها وهو علم المعاني والبيان.
التاسع عشر والموفي عشرين والحادي والعشرين: قوله {إياك نعبد} (1)، فإن تقديم الضمير معمولا للفعل الذي بعده يفيد اختصاص العبادة به، ومن اختص بالعبادة
(1) قال ابن القيم في " مدارج السالكين "(1/ 102): أما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين، ففيه أدبهم مع الله بتقديم اسمه على فعلهم، وفيه الاهتمام وشدة العناية به، وفيه الإيذان بالاختصاص، المسمى بالحصر فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.
وفي ضمير "إياك" من الإشارة إلى نفس الذات، والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي إياك قصدت وأحببت من الدلالة، على معنى: حقيقتك وذاتك قصدي، ما ليس في قولك: قصدتك وأحببتك.
وانظر: روح المعاني للألوسي (1/ 87).
فهو الحقيق بإخلاص توحيده، ثم مادة الفعل أعني لفظ (نعبد) يفيد معنى آخر: ثم المجيء بنون الجماعة الموجبة لكون هذا الكلام صادرا عن كل من تقوم به العبادة من العابدين كذلك فكانت الدلالات في هذه الجملة ثلاثا.
الأولى: في إياك مع النظر إلى الفعل الواقع بعده.
الثانية: ما يفيده مادة (نعبد) مع ملاحظة كونها واقعة لمن [15] ذلك الضمير عبارة عنه وإشارة إليه.
الثالثة: ما تفيده النون مع ملاحظة الأمرين المذكورين، ولا تزاحم بين المقتضيات.
الثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون: قوله: {وإياك نستعين} (1) فإن تقديم الضمير معمولا لهذا الفعل له معنى، ثم مادة هذا الفعل لها معنى آخر، فإن من كان لا يستعان بغيره لا ينبغي أن يكون له شريك، بل يجب إفراده بالعبادة وإخلاص توحيده؛ إذ وجود من لا يستعان به كعدمه. وتقرير الكلام في الثلاث الدلالات كتقريره في إياك نعبد فلا نعيده.
الخامس والعشرون والسادس والعشرون والسابع والعشرون: قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} فإن طلب الهداية منه وحده باعتبار كون هذا الفعل واقعا بعد الفعلين (2) اللذين تقدم معمولهما فكان له حكمهما، وإن كان قد تغير أسلوب الكلام في الجملة حيث لم يقل نستهدي أو نطلب الهداية حتى يصح أن يكون ذلك الضمير المتقدم المنصوب معمولا له تقديرا، لكن مع بقاء المخاطبة وعدم الخروج عما تقتضيه لم يقطع النظر عن ذلك الضمير الواقع على تلك الصورة لتوسطه بين هذا الفعل، أعني (اهدنا)
(1) وفي إعادة " إياك " مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين. ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه. مدارج السالكين (1/ 103).
وانظر معترك الأقران في إعجاز القرآن (1/ 140).
(2)
أي " نعبد ونستعين ".
بين من أسند إليه. ثم في ضمير الجماعة معنى يشير إلى استحقاقه سبحانه إخلاص التوحيد على الوجه الذي قدمناه في الفعلين السابقين، ثم في كون هذه الهداية هي هداية الصراط (1) المستقيم- التي هي الهداية بالحقيقة ولا اعتبار بهداية إلى صراط لا استقامة (2) فيه- معنى ثالث يشير إلى ذلك المدلول.
الثامن والعشرون: قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} فإن من يهدي إلى هذا الصراط الذي هو صراط [16] من أنعم الله عليهم يستحق أن لا يشتغل بغيره ولا ينظر إلى سواه، لأن الإيصال إلى طرائق النعم هو المقصود من المشي، والمراد بحركات السائرين وذلك كناية عن الوصول إلى النعم أنفسها؛ إذ لا اعتبار إلى طرائقها من دون وصول إليها فكان وقوع الهداية على الصراط المستقيم نعمة بمجردها؛ لأن الاستقامة إذا تصورت عند تصور الاعوجاج كان فيها راحة بهذا الاعتبار، فكيف إذا كان ذلك كناية عن طريق الحق؟ فكيف إذا كان حقا موصلا إلى الفوز بنعم الله سبحانه!
التاسع والعشرون: قوله: {غير المغضوب عليهم} (3) ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصا مكدرا بشيء من غضب المنعم سبحانه، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعمة الظفر بما هو أحسن منها موقعا عند العارفين، وأعظم قدرا في صدور المتقين، وهو رضا رب العالمين كان في ذلك البهجة والسرور ما لا يمكن
(1) قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 33): لا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب وسعته للمارين عليه وتعينه طريقا للمقصود. ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهده الأمور الخمسة.
وذكر " الصراط المستقيم " مفردا معرفا تعريفين باللام، وتعريفا بالإضافة وذلك يفيد تعينه واختصاصه. وأنه صراط واحد وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله:{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} .
وانظر الكشاف (1/ 121).
(2)
قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/ 33): لا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب وسعته للمارين عليه وتعينه طريقا للمقصود. ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهده الأمور الخمسة.
وذكر " الصراط المستقيم " مفردا معرفا تعريفين باللام، وتعريفا بالإضافة وذلك يفيد تعينه واختصاصه. وأنه صراط واحد وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله:{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} .
وانظر الكشاف (1/ 121).
(3)
انظر روح المعاني للألوسي (1/ 95 - 96)، الكشاف (1/ 122) بدائع التفسير (1/ 227 - 232).
التعبير عنه ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه، وإذا كان المولي لهذه النعمة والمتفضل بها هو الله سبحانه، ولا يقدر على ذلك غيره ولا يمكن منه سواه، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة.
الموفي ثلاثين: قوله: {ولا الضالين} ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوبا بشيء من الغواية، مكدرا بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضى المنعم بها، فإنه لا يستلزم (سلبها كون المنعم عليه على ضلالة)(1) لا باعتبار هذه النعمة الحاصلة [17] من هذا المنعم عز وجل.
ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى المنعم عليه من المنعم بها- مع كونه راضيا عليه غير غاضب منه إذا كان ذلك الوصول مصحوبا بكون صاحبه على ضلاله في نفسه- (2) قصورا عن وصولها إلى من كان جامعا بين كونه واصلا إلى النعم فائزا برضا المنعم خالصا من كدر كونه في نفسه على ضلالة وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله.
فهذه ثلاثون دليلا مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم الآلية وداخلة فيما تقضيه تلك الألفاظ بحسب المادة والهيئة والصورة مع قطع النظر عن التفسير بمعنى خاص كما قاله بعض السلف، أو وقف عنده من بعدهم من الخلف.
فإن قلت هذه الأدلة التي استخرجتها من هذه الصورة المباركة وبلغت بها إلى هذا العدد وجعلتها ثلاثين دليلا على مدلول واحد، لم نجد لك فيها سلفا ولا سبقك بها غيرك.
قلت: هذه شكاة ظاهر عنك عارها، واعتراض غير واقع موقعه ولا مصادف محله فإن
(1) في المخطوط: سلب كون المنعم عليه على ضلاله، وصوابه ما اعتمدناه.
(2)
ظاهر العبارة أنه بالرفع قصور على أنه اسم كان مؤخر: كان في وصول النعم.
القرآن عربي، وهذا الاستخراج لما ذكرناه من الأدلة هو على مقتضى اللغة العربية [18] وبحسب ما يقتضيه علومها التي دونها الثقات ورواها العدول الأثبات وليس هذا من التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه والزجر لفاعله، بل من الفهم الذي يعطاه الرجل في كتاب الله كما أشار إليه علي بن أبي طالب (1) رضي الله عنه في كلامه المشهور، وما كان من هذا القبيل فلا يحتاج فيه إلى سلف. وكفى بلغة العرب وعلومها المدونة بين ظهراني الناس وعلى ظهر البسيطة سلفًا.
البحث الثالث من مباحث السؤال الأول:
قوله: وكيف شأن المتقدمين على هذه الدعوة النجدية إلى توحيد الألوهية ممن يوجد في كلامه أو في أفعاله شرك
…
إلخ؟
والجواب أنه ينبغي أن يعلم السائل عافاه الله أولا بأن أهل العلم ما زالوا في كل زمان ومكان يرشدون الناس إلى إخلاص التوحيد وينفرونهم عن الوقوع في نوع من أنواع الشرك، ويذكرون ذلك في مصنفاتهم المشتهرة بأيدي الناس، ولكن لما كان الشرك أخفى من دبيب النمل كما قاله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم خفي ذلك على كثير من أهل العلم ووقعوا في أمور منه جاهلين عن ذلك، وسرى ذلك الذهول إلى تحرير شيء مما فيه ذلك في المصنفات وفي أشعار كثير من الأدباء، خصوصا المتصدين لمدح الجناب النبوي ثم المشتغلين بممادح بعض الخلفاء الراشدين، ثم سائر الملوك والسلاطين، فإنه يقع لهم في بعض الأحوال ما يقشعر منه الجلد ويجف له القلب، ويخاف من حلول غضب الله على قارئه فضلا عن قائله، ولا سبب لذلك إلا ما عرفناك من الذهول في بعض الأوقات، والغفلة تارة والجهل أخرى مع ما قد انضم إلى ذلك مما هو أوكد الأسباب في قبح هذه الأبواب، وهو ما زينه الوسواس الخناس لكثير من الناس: من تشييد [19] القبور ورفع سمكها واتخاذ القباب عليها وتزيين بعضها بالستور الفائقة وإيقاد الشموع عليها
(1) سيأتي تخريجه في رسالة رقم (21)" هل خص النبي صلى الله عليه وسلم أهل البيت بشيء من العلم " في القسم الأول - العقيدة-.
واجتماع الناس عندها، وإظهار الخضوع والاستكانة وسؤال الحوائج، والدعاء من صميم القلب ثم ورث الأخر الأول، وتبع الخلف السلف، واقتدى اللاحق بالسابق، فتفاقم الأمر وتزايد الشر وعظمت المحنة، واشتدت البلية، وصار في كل قطر من الأقطار بل في كل مدينه من المدائن بل في كل قرية من القرى جماعة من الأموات يعتقدهم الأحياء ويعكفون على قبورهم وينتسبون إليهم، وصار ذلك عندهم أمرا مأنوسا مألوفا تنبسط إليه نفوسهم وتقبله عقولهم وتستحسنه أذهانهم، فيولد المولود ويكون أول ما يقرع سمعه عند فهم الخطاب هو النداء لأهل تلك القبور من أبويه وغيرهما، وإذا عثر صرخ من يراه باسم واحد من المعتقَدين في ذلك المكان، وإذا مرض نذر من يحب شفاءه بجزء من ماله لذلك الميت، وإذا أراد حاجة توسل إلى صاحب ذلك القبر برشوة يبذلها للعاكفين على قبره المحتالين على الناس به، ثم يكبر ذلك المولود وقد ارتسم في فكره وتقرر عنده ما يسمعه من أبويه لما في ذلك من التأثير في طبع الصغير، ولهذا قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:" كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"(1).
فاعرف هذا وافهم هذا السر المصطفوي، فإن الصبي ينطبع بطبع من يتولى تربيته ويسري إلى أخلاقه ما هو من أخلاق أبويه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثم ينفصل هذا الصغير عن أبويه ويفارق عشه الذي دب فيه ودرج منه، فيجد الناس على ذلك الأمر الذي سمع أبويه عليه وقد يكون أول ممشى يمشيه ومكان يعرفه [20] بعد مكانه الذي ولد فيه هو قبر من تلك القبور المعتقَدَة، ومشهد من هذه المشاهد التي ابتلي الناس بها فيجد عنده الزحام والضجيج والصراخ والنداء من أبيه ومن هو من أمثاله وأكبر منه فينضم إلى ذلك الاعتقاد الذي قد تلقنه من أبويه ما يوجب تأكيده وتأييده وتشديده،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1385) ومسلم في صحيحه رقم (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولا سيما إذا وجد ذلك القبر قد بنيت عليه المباني النفيسة وصبغت جدرانه بالأصبغة الفائقة، ونصبت عليه الستور الرفيعة، وفاحت بجوانبه روائح العود والند والعنبر، وسطعت بنواحيه أشعة السرج والقناديل والشموع، وسمع سدنته العاكفين عليه المحتالين على الناس به يعظمون الأمر ويهولونه ويمسكون بيد زائريه والوافدين إليه ويدفعون في أقفيتهم فإنه عند هذا يتعاظم اعتقاده ويضيق ذهنه عن تصور ما يستحقه ذلك الميت من عظم المنزلة ورفيع الدرجة فيقع حينئذ في بلية لا ينزعها من قلبه إلا توفيق الله وهدايته ولطفه وعنايته أو السيف الذي هو آخر الأدوية وأنفع العقاقير.
وإذا اشتعل هذا الذي نشأ على هذه الصفة بطلب العلم وجد غالب أهله قد اتفقوا على اعتقاد ذلك الميت وتعظيم شأنه وجعلوا محبته من أعظم الذخائر عند الله، وطعنوا على من خالفهم في شيء من باطلهم بأنه لا يعتقد الأولياء ولا يحب الصلحاء، ورموه بكل حجر ومدر وألصقوا به كل عيب، فيزداد لذلك الميت محبة وفيه اعتقادا، وعلى فرض وجود فرد من أفرادهم يلهمه الله الصواب ويهديه إلى الحق ويرشده إلى فهم ما جاء عن الشارع من النهي عن رفع القبور (1) وتجصيصها والكتب عليها والتسريج لها والأمر بتسوية ما هو مشرف منها والزجر عن جعلها مساجد وأوثانا [21] ثم فهم كون الدعاء عبادة والعبادة مختصة بالله عز وجل، والمنع من دعاء غير الله في السراء والضراء وتعظيم من سواه والالتجاء إليه في الخير والشر كائنا من كان من غير فرق بين الأنبياء والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم من طوائف المسلمين.
فهذا الفرد النادر والغريب الشاذ قد يكتم ما أمره الله به من البيان للناس إما بعذر
(1) قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان "(1/ 210): فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت على القبور أولى وأحرى لأنه لعن متخذي المساجد عليها ونهى عن البناء عليها فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله ونهى عنه والله عز وجل يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما فهو أشد غيرة وأسرع تغييرا وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطفيه فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول صلى الله عليه وسلم ولا يصح هذا الوقف ولا يصح إثباته وتنفيذه ".
مسوغ أو بالتفريط فيما أوجبه الله، محبة للسلامة وميلا إلى الراحة والدَّعة واستبقاء للجاه بين العامة والسواد الأعظم من الناس، فيكون علمه محنة له ونقمة عليه، ويكون وجوده كعدمه بل يكون الضر بوجوده أكثر لأنه ربما يدخل بداخلهم ونُطق الموافقة لهم فيعتقدون أنه معهم وفي عدادهم فلا يقبلون من أمثاله ويحتجون عليهم بموافقته، وما أقل من يصدع بالحق ويقوم بواجب البيان من أهل العلم، ولهذا ينزع الله البركة من علومهم ويمحقها محقا لا يفلحون بعده.
وهذا الذي يتصدى للصدع بالحق والقيام بواجب البيان لا يوجد في المدينة الكبيرة بلى الأقطار الواسعة إلا الفرد بعد الفرد، وهم مكثورون بالسواد الأعظم مغلوبون بالعامة ومن يلتحق بهم من الخاصة، فقد يتأثر من قيام ذلك الفرد النادر بعض الواقعين في أمر من الأمور لإخلاص التوحيد، وقد لا يتأثر عنه شيء. فمن هذه الحيثية خفي على بعض أهل العلم ما خفي من هذه الأمور ووقع في مؤلفاتهم وأشعارهم ما أشار إليه السائل، وقد صاروا تحت أطباق الثرى وقدموا على ما قدموا من خير أو شر، ولم يبق لنا سبيل إلى الكلام معهم والنصح لهم، ولكن يتحتم علينا بيان بطلان ذلك الذي وقعوا فيه، واشتملت عليه مؤلفاتهم وأشعارهم، والإيضاح للأحياء [22] بأن هذا الذي قاله فلان في كتابه الفلاني أو في قصيدته الفلانية واقع على خلاف ما شرعه الله لعباده، ومخالف لما جاءت به الأدلة، ومستلزم لدخول من عمل به في باب من أبواب الشرك ونوع من أنواع الكفر، والتعريض بذلك في الرسائل التي يكتبها من أوجب الله عليهم البيان والتحذير منه بأبلغ عبارة، والزجر عنه بأوضح بيان حتى يعلم الناس ما فيه، ويتحامَوا الوقوع في شيء منه إن بقي لرجوعهم إلى الحق سبيل.
وعلى فرض عدم الرجوع إلى الحق فقد قامت عليهم حجة الله وخلص العالم عن الفرض الذي أوجبه الله عليه وبرئت ذمته وظهرت معذرته.
واعلم أن هذه البدعة العظيمة والمحنة الكبرى التي طبَّقت المشرق والمغرب ووقع فيها السلف والخلف، أعني الاعتقاد في الأموات إلى حد يخدش في وجه الإيمان ويفت في
عضد الإسلام أسها ورأسها تشييد القبور والتأنق في بناء القباب عليها، والمبالغة في التهويل على زوارها بكل ما يوجب الروعة ويحصل المهابة ويؤثر التعظيم من الأمور التي قدمنا الإشارة إليها، ولا ينكر أحد من العقلاء أن هذا الأمر من أعظم محصلات الاعتقادات الفاسدة وموجبات الوقوع في البلايا المخالفة لإخلاص التوحيد، ومن شك في هذا ولم يقبله عقله وكابر الوجدان فعليه بالتتبع والاستقراء، وأقرب من هذا أن يعمد إلى بعض العامة ويسأله عن ذلك ويكشف ما عنده منه فإنه سيجد ما ذكرناه عند كل فرد من أفرادهم.
وعند تحرير هذه الأحرف ذكرت واقعه ذكرها أهل التاريخ مع بعض الخلفاء العباسيين وهي: أنه قدم على أحدهم رسول من بعض أهل الممالك النائية فاحتفل ذلك الخليفة بجمع أعيان مملكته وأكابرها وجعلهم في الأمكنة التي سيمر الرسول بها ثم أوقف خاصته وهم جمع جم بإيوان كبير قد بالغ في تحسين فرشه وستوره [23] وتأنق في كل أموره وجعل نفسه في مكان يشرف على ذلك الإيوان على صفة في غاية التهويل والتعظيم فما زال ذلك الرسول يدخل من مكان إلى مكان ويمر بجماعة جماعة حتى وصل إلى ذلك الإيوان، فوجده فوق ما قد مر به فامتلأ مهابة وروعة وتعاورته أسباب التعظيم والتهويل من كل جهة وطرقته موجبات الجلالة من كل باب وأقيم بذلك الإيوان رجلان من خدمه الخاص يمسكان بعضديه فلم ينفسوا من خناقه ولا أبلعوه ريقه حتى انفتحت طاقات ذلك المنزل الذي فيه الخليفة وقد نصبت فيه الآلات البراقة من الذهب والفضة والأحجار النفيسة من الجواهر المعدنية وسطعت فيه المجامر وفاحت روائح الأطياب الملوكية وظهر وجه الخليفة وعليه من الثياب ونحوها ما هو الغاية في الحسن والنهاية في البهاء، فعند أن وقعت عين هذا الرسول المسكن على ذلك الخليفة قال للممسكين بيده، أهذا الله؟ فقالا له: بلى هذا خليفة الله.
فانظر أرشدك الله إلى أي حالة بلغ بهذا المسكين ما رآه من التهويل والتعظيم وانظر الحكمة البليغة في ما ورد عن الشارع من الزجر عن رفع القبور وتجصيصها وتسريجها
ونحو ذلك، وإني لأكثر التعجب من تلقي هذه الأمة المرحومة لما ورد عن نبيها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من النهى عن ذلك والزجر عنه والتحذير منه بعكس ما ينبغي وخلاف ما يجب، مع مبالغته في ذلك كلية المبالغة، حتى كان من آخر ما قاله في مرضه الذي قبضه الله فيه:" لا تتخذوا قبري مسجدا، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "(1)، ثم كان أول ما فعلته الأمة من العمل بهذه السنة الصحيحة والقبول لها أن وضعوا [24] على قبره الشريف هذه العمارة، وكان الشروع فيها قبل انقضاء القرن الذي هو خير القرون بعد قرن الصحابة رضي الله عنهم، ثم انفتح باب الشر إلى جميع أقطار الأرض، وطبق مشارقها ومغاربها وبدوها وحضرها. فإن لله وإنا إليه راجعون.
ومن عظيم اهتمامه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أنه بعث بهدم القبة المشرفة أميرا من أهله هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما ثبت في الصحيح (2) أن عليا قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته" والأحاديث في هذا الباب وفي منع الكتابة والتجصيص والتسريج كثيرة ثابتة من طريق جماعة من الصحابة قد استوفيتها في كثير من مؤلفاتي. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، وبه يعرف جواب ما سأل عنه السائل كثر الله فوائده في البحث الثالث من مباحث السؤال الأول، وعلى الله في جميع الأمور المعول.
وحاصله أن الذي يجب علينا عند الوقوف على شيء مما فيه ما لا يجوز اعتقاده من مؤلفات المتقدمين أو أشعارهم أو خطبهم أو رسائلهم أن يُحكم على ذلك الموجود بما يستحقه ويقتضيه، ونوضح للناس ما فيه، ونحذرهم عن العمل به والركون إليه، ونكل أمر قائله إلى الله مع التأول له بما يمكن، وإبداء المعاذير له بما لا يرده الفهم ويأباه العقل ولم يكلفنا الله سبحانه غير هذا ولا واجب علينا سواه.
(1) سيأتي تخريجه في رسالة " الدر النضيد" ضمن هذا القسم برقم (4).
(2)
أخرجه مسلم رقم (93/ 969) وأبو داود رقم (3218) والنسائي (4/ 88 رقم 2031) وأحمد (1/ 89) والترمذي في السنن رقم (1049). وهو حديث صحيح.
قال السائل عافاه الله: السؤال الثاني:
عن الراجح لديكم في مسألة خلق الأفعال حسنها وقبيحها وخيرها وشرها هل يكون ذلك لله تعالى اختراعا وإبداعا وقوعا وإيقاعا لعموم الآيات في ذلك وشمول الأحاديث فيما هنالك، خصوصا ما في صحيح مسلم (1) من ذلك مما يطول سرده بل في جواب سؤال جبريل أعظم دليل، وفي صحيح البخاري (2) في تفسير سورة والليل إذا يغشى [25] عن علي رضي الله عنه حديث: قد أحطتم به علما أم يكون ذلك الفعل من العبد خلقا وحقيقة لا كسبا وصورة لإضافته إليه في كثير من الآيات، وبجواز تخصيص تلك العمومات بغير القبيح السيئ، مع أن دلالة العموم ظنية وإن كانت كلية، ولقيام الحجة على المكلف باستقلاله وعدم بطلان المحجة في إلجائه وأعماله، وهاهنا نكتة تحصل يتقاصر عندها البهتة، وهى أن القائلين بالأول يقولون إن خلافه فيه إثبات شركاء لله يتصرفون بغير إذن الله وأن الإنكار والخلاف (3) إنما هو من جهة التحسين والتقبيح العقليين في الثواب والعقاب، ولا دخل له في هذا الباب.
ثانيا المخصِّص من السنة والكتاب: والقائلين (4) بالثاني يقولون إن خلافه فيه الإجبار (5) وإبطال الشرائع وإلزام الحجة على الشارع، فإن يخلص الفريق الأول من هذا بالكسب وهو العزم المصمم كما قاله بعض أهل التحقيق، أو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل على قول بعضهم- وإن حكى ابن السبكي عن أبيه أن الناس غير مكلفين. بمعرفة الكسب لصعوبته- عارضهم الفريق الثاني وقالوا (6) هل الكسب خلق الله أم لا؟
(1) تقدم في الرسالة السابقة رقم (1)(ص. 13).
(2)
تقدم في الرسالة السابقة رقم (1)(ص 131).
(3)
انظر الكلام على ذلك في الرسالة السابقة رقم (1)(ص 130 - 137).
(4)
النصب عطفا على اسم إن السابق، أن القائلين.
(5)
تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
(6)
تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
إن قلتم لله فهو المذهب الأول، أو للعبد وافقتم قولنا، فليتفضل عين الزمان وإنسان الأعيان بالبيان.
وقد ورد النهي عن الخوض في القدر والأمر بالإمساك عند ذلك لكن كان الأمر قبل ذلك عند المبتدي أنه واجب عليه كما أن علم الكلام مذموم، والشافعي (1) رحمه الله حذر منه جدا، ونقل ابن عبد البر أنه ليس من العلم، وأن أهله ليسوا من العلماء وكان الإنسان يرى أنه أولى الواجبات إلا من عصمه الله.
نعم- دمتم في النعم- حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة (2) الذي رواه أبو داود وسكت عليه [26] عن معاوية بن أبي سفيان، هل يدل على هذا الافتراق قديما وحديثا أم على زمان مخصوص؟ وقد ثبتت النجاة للصحابة رضي الله عنهم فهل يدل على أنهم لم يختلفوا في الأصول أصلا إن كان كذلك فليت شعري من وافقهم من الطائفتين أم كل منهم وافق بعضا فيكون اختلافهم حقا (3)، وهذا يرده ظاهر الحديث، وهنا مسألة مستطردة من الغصون المتعددة عن الراوي هنا الذي هو معاوية وحروبه مع علي رضي الله عنه وما جرى في تلك الوقائع ما يقولون في ذلك؟ وهل عدالة جميع الصحابة مسلمة وكذلك إذا خرج أحد أصحاب السنن عن شخص ورووا عنه كفعل البخاري عن مروان هل هو تعديل أم لا، وهل مسألة الجرح والتعديل يصح فيها التقليد لبعد الزمان أم تجب المعرفة على كل إنسان لكل إنسان، وإلا لم يجز الاحتجاج به، وهذا يثبت وجوب الاجتهاد على كل فرد من العباد، وبعضهم يقول هذا متعسر أو متعذر، ومنهم من يقول إنه واجب متيسر فما الراجح عندكم في هذا بخصوصه، وما دليله بمنصوصه جزاكم الله خيرا.
(1) تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
(2)
تقدم تخريجه في الرسالة رقم (1)(ص 135 - 136).
(3)
انظر الرسالة السابقة رقم (1).
أقول هذا السؤال قد اشتمل على أبحاث:
الأول: السؤال عن مسألة خلق الأفعال وما تشعب عنها من الشعب التي أشار السائل عافاه الله إلى بعض منها في سؤاله. واعلم أن هذه المسألة قد طالت ذيولها وتنوعت مسالكها وتباينت طرائقها وتفرق الناس فيها فرقا وتحزبوا بسببها أحزابا وتكلموا فيها فأنفق كل متكلم مما عنده وأخذ من الأدلة ما قوي له ورجَّح ما ترجح له، وجملة الأقوال فيها (1) أربعة عشر قولا منها لأهل السنة والأشعرية أربعة أقوال وللمعتزلة ثمانية أقوال، وللجبرية الخلص قولان. ولا حاجة بنا إلى ذكر هذه الأقوال وتقرير أدلتها والكلام عليها ودفع ما يستحق الدفع منها، فذلك كله معروف في كتب هذا الشأن، وقد أفرد هذه المسألة جماعة من المحققين بالتصنيف، وراقم الأحرف غفر الله له قد أفردها بمؤلف جمعه [27] في أيام شبابه عند الشغف بالنظر في كل مقال والوقوف على حقيقة كل ما ينسب إلى العلم ويدون في كتب أهله ولما كان سؤال السائل عافاه الله عن الراجع عند المجيب غفر الله في هذه المسألة فأقول:
الراجح عندي فيها السكوت وإمرار الأدلة الواردة فيها الدالة عليها بمطابقة أو تضمن أو التزام كما وردت، وعدم التعرض لشيء من مباحثها ولا التكلف لشيء منها بالتأويل وإخراجه عن معناه الحقيقي.
وهذا السكوت الذي رجحته وإن كان يعده بعض المتكلفين جهلا فأنا به راض، والجهل في كثير من المواطن خير من تكلف العلم بها والدخول في مضايق لم يتعبد الله بها أحدا من عباده. ومن لم يسعه ما وسع خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم في هذه المسألة ونظائرها فلا وسع الله عليه.
على أني لم أرجح هذا الترجيح وأقف في هذا الموقف إلا بعد أن قطعت في هذه المسألة وما شابهها من مسائل هذا العلم شطرا من عمري وأضعت فيه بعض أوقاتي، وأفردت
(1) انظر الرسالة السابقة رقم (1). وانظر: الأصول الخمسة (ص 326)، التبصير في الدين (ص 79)، المغني في أبواب العدل والتوحيد (6/ 43).
أمهات مسائله بالتأليف ورجحت في كل مسألة منها قولا من الأقوال ونصرت مذهبا من المذاهب بحسب ما بلغت إليه القدرة ودلت عليه الأدلة التي غلب الظن بأنها أرجح من الأدلة المقابلة لها.
ثم لم أبعد من طريقة الإنصاف في شيء منها ولا خرجت عما يوجبه الحق الذي كنت أعتقده حقا بعد أن جردت نفسي عن التعصب لمذهب من المذاهب أو قول من الأقوال أو عالم من العلماء، ثم لما فرغت من تحرير هذه المسائل وتقريرها واستوفيت في كل بحث من المباحث ما كنت أظن أنه قد فاق على كثير من التصانيف المتقدمة قرعت الباب الذي كان يدخل منه خير القرون ثم الذين يلونهم [28] ثم الذين يلونهم بعد أن ألقيت عن كاهلي حملا ثقيلا وأراحني الله من عناء طويل، وقال وقيل، وهذيان ليس له تحصل ففتح الله لي ذلك الباب الذي لازمت قرعه ودخلت منه إلى بيت فيه برد اليقين وطمأنينة الحق فطاحت تلك الدقائق التي كنت فيها وذهبت عني إلى حيث يعوي الذئب. وما أحسن ما قاله القائل:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها
…
سواها وما طهرتَها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى
…
حديث سواها خروة للمسامع
ولله در الشاعر الآخر حيث يقول:
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه
…
من المس كافورا وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هندا عشية
…
تمشت وجرَّت في جوانبه بُردا
البحث الثاني من مباحث السؤال الثاني:
قوله عافاه الله: نعم -ودمتم في النعم- حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلخ، والجواب عنه أن حديث معاوية هذا الذي سأل عنه السائل وقال إنه أخرجه أبو داود (1)، هو أخرجه في سننه في كتاب السنة منه، وإسناده هكذا: حدثنا أحمد بن
(1) في السنن رقم (4597) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده وقد تقدم (ص 135 - 136).
حنبل، ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: حدثنا أبو المغيرة: حدثنا صفوان [ح] وحدثنا عمرو بن عثمان: حدثنا بقية: حدثني صفوان: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي قال أحمد: عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة "، زاد ابن يحيى وعمرو في حديثيهما وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه، وقال عمرو: الكلب بصاحبه لا يبقى من عرق ولا مفصل إلا دخله. انتهى.
فهذا الحديث قد رواه أبو داود (1) من طريقتين إحداهما من طريق أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى عن أبي المغيرة عن صفوان، والثانية من طريق عمرو بن عثمان عن بقية [29] عن صفوان، ثم تفرد به صفوان عن أزهر عن الهوزني.
فأما أحمد بن حنبل فهو الإمام الجليل الحافظ الذي اتفق الموالف والمخالف على توثيقه، وروى عنه أهل الصحيحين وغيرهما وهو أجل قدرا من أن يحتاج إلي تعديل وأرفع محلا من أن يتكلم فيه متكلم بل هو إمام الجرح والتعديل وإمام الحفظ والإتقان، وأما محمد بن يحيى بن فارس فهو الذهلي (2) الإمام الجليل الثقة الثبت الحافظ وأما أبو المغيرة فهو عبد القدوس (3) بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي الثقة المشهور أخرج حديثه الشيخان وسائر أهل الأمهات، وأما عمرو بن عثمان فهو القرشي مولاهم الحمصي فقد وثقه ابن حبان وقال في التقريب (4) صدوق، وأما بقية فهو ابن الوليد الكلاعي أبو محمد
(1) في السنن رقم (4597).
(2)
انظر: تهذيب التهذيب (3/ 728).
(3)
انظر: تهذيب التهذيب (2/ 600).
(4)
رقم (5073) وقال: صدوق من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين.
الحمصي أحد الأعلام قال النسائي (1): " إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة " وقال ابن عدي (2) إذا حدث عن أهل الشام فهو ثبت وقال الجوزجاني (3): إذا حدث عن الثقات فلا بأس به، قلت هو هاهنا قد صرح بالتحديث فقال حدثني صفوان وحدث عن شامي وهو صفوان، وروى عن ثقة وهو أيضًا صفوان فحصل الشرط الذي ذكره هؤلاء الأئمة الثلاثة أعني النسائي وابن عدي والجوزجاني، وقد أخرج له مسلم (4) فرد حديث وقال في التقريب (5): صدوق كثير التدليس عن الضعفاء.
قلت قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة التدليس. وعلى كل حال فهو لم يتفرد بل تابعه أبو المغيرة وهو ثقة كما تقدم، وأما صفوان فهو ابن عمرو السكسكي (6) الحمصي. قال عمرو بن علي: ثبت وقال أبو حاتم: ثقة وقد أخرج له مسلم (7) فرد حديث. وقال في التقريب (8): ثقة، وأما أزهر بن عبد الله الحرازي فكذا وقع في سنن أبي داود (9) وجزم البخاري (10) بأنه ابن سعيد وهو الحرازي الحميري الحمصي قال في التقريب (11) صدوق تكلموا فيه للنصب وقال في الخلاصة (12) صدوق انتهى.
(1) كما في تهذيب التهذيب (1/ 240).
(2)
كما في تهذيب التهذيب (1/ 240).
(3)
كما في تهذيب التهذيب (1/ 240).
(4)
في صحيحه رقم (101/ 1429) باب رقم (16) الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة.
(5)
رقم (108).
(6)
انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (2/ 213).
(7)
في صحيحه رقم (44/ 1753) باب رقم (13)"استحقاق القاتل سلب القتيل ".
(8)
رقم (109).
(9)
(5/ 5 رقم 4597).
(10)
انظر التاريخ الكبير (1/ 1\ 456).
(11)
رقم (349).
(12)
ص (25).
وقد روى عنه مع أبي داود الترمذي والنسائي وليس ممن يحتج به لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم. وهذه الصيغة أعنى قولهم إنه صدوق هي من صيغ التليين كما أشار إليه أهل علم اصطلاح الحديث، وأما أبو عامر الهوزني فهو عبد لله بن لُحَي- بضم اللام وفتح المهملة- الحمري الهوزني بفتح الهاء والزاي بينهما واو: أبو عامر الحمصي وثقه العجلي (1) وقال في التقريب (2) ثقة مخضرم.
إذا عرفت هذا فرجال إسناد الحديث كلهم ثقات إلا بقية بن الوليد وأزهر بن عبد الله الحرازي، فأما بقية فلم يتفرد كما عرفت، وأما أزهر فقد [30] تفرد كما عرفت، وهو ضعيف فيكون هذا الحديث ضعيفا، ولكن قد ورد هذا الحديث بدون الزيادة أعني قوله ثنتان وسبعون في النار
…
إلخ، من حديث أبي هريرة عند أبي داود (3) قال: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وقد أخرج هذا الحديث (4) الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح. انتهى.
ووهب بن بقية المذكور في الإسناد شيخ أبي داود هو الواسطي، أخرج حديثه مسلم ووثقه أبو زرعة وقال في التقريب (5) ثقة، وأما خالد فهو ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد المزني مولاهم أبو الهيثم أو أبو محمد الواسطي الطحان. قال أحمد كان ثقة. قلت: وقد اتفق على إخراج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات. وقال في التقريب (6)
(1) في معرفة الثقات (1/ 215 رقم 56) وقال: شامي ثقة تابعي.
(2)
رقم (573).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
رقم (106).
(6)
رقم (46).
ثقة ثبت، وأما (محمد بن عمرو (1) فلعله جلجلة)، وقد وثقه أبو حاتم (2) وأخرج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات، وأما أبو سلمة فهو عبد الله (3) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ثقة إمام، أخرج حديثه الشيخان وغيرهما من أهل الأمهات، فتقرر بهذا أن رجال حديث أبي هريرة رجال الصحيح، فيكون أصل الحديث أعني افتراق الأمة إلى تلك الفرق صحيحا ثابتا.
وأما الزيادة التي في الحديث الأول فضعيفة كما تقدم تقريره فلا يقوم بها حجة في حكم شرعي ولو على بعض المكلفين فكيف في مثل هذا الأمر العظيم الذي هو حكم بالهلاك على هذه الأمة المرحومة التي شرفها الله واختصها بخصائص لم يشاركها فيها أمة من الأمم السابقة وزادها شرفا وتعظيما وتحليلا بأن جعلها شهداء على الناس، وأي خير في أمة تفترق إلى ثلاث وسبعين في قرة وتهلك جميعها فلا ينجو منها [31] إلا فرقة واحدة!
ولقد أحسن بعض الحفاظ حيث يقول: " وأما زيادة: كلها هالكة إلا واحدة فزيادة غير صحيحة القاعدة، وأظنها من دسيس بعض الملاحدة وكذلك أنكر ثبوتها الحافظ ابن حزم (4)، ولقد جاد ظن من ظن أنها من دسيس أهل الإلحاد والزندقة فإن فيها من التنفير عن الإسلام والتخويف من الدخول فيه ما لا يقادر قدره، فيحصل لواضعها ما يطلبه من الطعن على هذه الأمة المرحومة، والتنفير عنها كما هو شأن كثير من المخذولين الواضعين للمطاعن المنافية للشريعة السمحة السهلة كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: " بعثت
(1) محمد بن عمرو بن حلحلة. كذا في التقريب رقم (588) وفي تهذيب التهذيب (3/ 661) محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني.
(2)
ذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (3/ 661).
(3)
انظر ترجمته في رجال صحيح البخاري (1/ 413 رقم 594) والتقريب (2/ 430) والخلاصة (ص 204).
(4)
في " الفصل في الملل والأهواء والنحل "(3/ 291).
بالحنيفية السمحة السهلة" (1)، وقال الله عز وجل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (2) وقال صلى الله عليه وسلم: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (3) وها أنا سأضرب لك مثلا وهو أنك لو رأيت جماعة من الناس قد جمعوا في مكان من الأرض عددهم اثنان وسبعون رجلا وقال لك قائل ادخل مع هؤلاء فإن واحدا منهم سيملك ما طلعت عليه الشمس وستضرب أعناق الباقين أجمعين وربما تفوز أنت من بينهم بالسلامة فتعطى تلك المملكة فهل ترضى أن تكون واحدا منهم داخلا بينهم والحال هكذا؟ أو لا تدري من هذا الواحد الذي سيفوز بالسلامة ولا سيما إذا رأيت كل واحد منهم يدعي لنفسه أنه الفائز بالسلامة والظافر بالغنيمة لمجرد الأمنية والدعوى العاطلة عن البرهان [32].
فإن قلت: إن قوله في هذا الحديث في الفرقة الناجية وهى "الجماعة" وقوله في
(1) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (7/ 209) من حديث جابر مرفوعا بلفظ " بعثت بالحنيفية السمحة أو السهلة ومن خالف سنتي فليس مني " الشطر الأول منه حسن لغيره أما الشطر الثاني فهو صحيح من طرق أخرى.
أما شواهد الشطر الأول من حديث أبي قلابة الجرمي مرسلا بلفظ: " يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية. مرتين أو ثلاثة، وأن أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة " أخرجه ابن سعد في الطبقات (3/ 395).
وله شاهد آخر من رواية عبد العزيز بن مروان بن الحكم مرسلا أخرجه أحمد في الزهد (ص 289، 310) بسند صحيح.
انظر: تمام المنة (ص 44 - 45) وغاية المرام (ص20 - 21) والصحيحة رقم (881).
وخلاصة القول أن الشطر الأول حسن بشواهده.
ومن شواهد الشطر الثاني:
ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5063) من حديث أنس بن مالك مطول، وفيه:" فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
(2)
[الحج 78].
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه رقم (6/ 1732) من حديث أبي موسى.
حديث آخر: " وهي من أنا عليه اليوم وأصحابي ".
قلت: هذا التعيين وإن قلل شيئا من ذلك التخويف والتنفير لكن قد تعاورت هذه الفرقة المعينة الدعاوي وتناوبتها الأماني، فكل طائفة من الطوائف تدعي لنفسها أنها الجماعة وأنها الظافرة بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنهم الذين لا يزالون على الحق ظاهرين.
فإن قلت إن معرفة الجماعة ومعرفة المتصفين بموافقة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممكنة، ومن ادعى من المبتدعة إثبات ذلك الوصف لنفسه فدعواه مردودة عليه مضروب بها في وجهه. قلت: نعم، ولكن ليس ههنا حجة شرعية توجب علينا المصير إلى هذا التعيين وتلجئنا إلى تكلف تعين الفرق الهالكة وتعدادها فرقة فرقة كما فعله كثير من المتكلفين للكلام على هذا الحديث.
وأما ما ذكره السائل- كثَّر الله فوائده- من قوله هل يدل على هذا الافتراق قديما وحديثا أم على زمان مخصوص فالجواب عنه أن الافتراق لما كان منسوبا إلى الأمة، وحيث قال صلى الله عليه وسلم وتفترق أمتي على ثلاث وسبعن فرقة كما في حديث أبي هريرة المذكور، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية المذكور وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين - كان ذلك صادقا على هذه الأمة بأسرها وعلى هذه الملة أولها وآخرها من دون تخصيص لبعض منها دون بعض ولا لعصر دون عصر، فأفاد ذلك أن هذا الافتراق المنتهي إلى ثلاث وسبعن فرقة كائن في جميع هذه الأمة من أولها إلى آخرها، ومن زعم اختصاص ذلك [33] بأهل عصر من العصور أو بطائفة من الطوائف فقد خالف الظاهر بلا سبب يقتضى ذلك.
وأما ما ذكره السائل عافاه الله من أنها قد ثبتت نجاة الصحابة، فهل يدل على أنهم لم يختلفوا في الأصول أصلا
…
إلخ؟
فالجواب أن السائل إن كان يريد بيان ما عند المسئول غفر الله له فالذي عنده أنه لا ملازمة بين نجاة جميع الصحابة رضي الله عنهم وبين عدم اختلافهم في الأصول بل يجوز الحكم
بنجاتهم جميعا مع الحكم باختلافهم في الأصول، وبيان ذلك أن الأحكام الشرعية عندي متساوية الأقدام منتسبة إلى الشرع نسبة واحدة، وكون بعضها راجعا إلى الاعتقاد وبعضها راجعا إلى العمل لا يستلزم تفاوتها على وجه يكون الاختلاف في بعضها موجبا لعدم نجاة بعض المختلفين، وفي بعضها لا يوجب ذلك، فاعرف هذا وافهمه.
واعلم أن ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من أن المصيب في اجتهاده له أجران وللمخطئ أجر لا يختص بمسائل العمل ولا يخرج عن مسائل الاعتقاد. فما يقوله كثير من الناس من الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية، وتصويب المجتهدين في الفروع دون الأصول ليس على ما ينبغي بل الشريعة واحدة وأحكامها متحدة وإن تفاوتت باعتبار قطعية بعضها وظنية الآخر، فالحق عند الله عز وجل واحد متعين يستحق موافقة أجرين ويقال له مصيب [34]، من الصواب ومن الإصابة، ويقال لمخالفه إنه مخطئ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيحين (1) وغيرهما (2) من حديث عمرو بن العاص إن اجتهد فأصلب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
وفي بعض الروايات الخارجة عن الصحيح من غير حديثه أنه إن أصاب فله عشرة (3)
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7352) ومسلم رقم (1716).
(2)
كأحمد (4/ 198، 204) والدارقطني (4/ 211) والبيهقي (10/ 118 - 119).
(3)
أخرجه الدارقطني في السنن (4/ 203 رقم 4) بإسناد ضعيف.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى القاضي فاجتهد فأصاب كانت له عشرة أجور
…
".
وأخرج الحاكم (4/ 88) عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعمرو: " اقض بينهما فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله؟! قال: نعم على أنك إن أصبت فلك عشر أجور
…
"، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: " فرج ضعفوه ".
قلت: " وفي سنده اضطراب
…
" وفي الباب من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ". أخرجه البخاري رقم (7352) ومسلم رقم (1716) وأبو داود رقم (3574) وابن ماجه رقم (2314) والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " (8/ 158) والدارقطني (4/ 210 - 211، 212) والبيهقي (10/ 119) والبغوي رقم (2509) وابن عبد البر في " جامع بيان العلوم " رقم (1664) وأحمد (4/ 198، 204، 205).
أجور، وهذه زيادة خارج من مخرج حسن كما هو معروف، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد سمى من خالف الحق مخطئا فمن قال إنه مصيب في الظنيات الفروعيات إن أراد أنه مصيب من الإصابة فقد أخطأ وخالف النص، وإن أراد أنه مصيب من الصواب الذي يصح إطلاقه باعتبار استحقاق الأجر لا باعتبار إصابة الحق فلذلك وجه فاعرف هذا وافهمه حتى يتبين لك اختلاف الناس في أن كل مجتهد (1) مصيب أم لا، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق إن شاء الله.
واعلم أنه لا فرق عند التحقيق بين ما يسميه الناس فروعا وبين ما يسمونه أصولا. هذا إن كان مطلوب السائل عافاه الله ما هو عند المجيب وإن كان مطلوبه ما قاله الناس فكلامهم معروف في مؤلفاتهم.
البحث الثالث من مباحث السؤال الثاني:
قوله: " وههنا مسألة مستطردة من الغصون المتعددة عن الراوي
…
إلخ.
والجواب أن هذه المسألة الإمساك عن الكلام فيها أولى، وسد هذا الباب الذي لا
(1) اعلم أن الخلاف في هذه المسألة تختص بالمسائل الشرعية لا العقلية فلا مدخل لها في هذا.
والمسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين: الأول منها: قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس
…
فليس كل مجتهد فيها مصيب بل الحق فيها واحد: فالموافق له مصيب والمخطئ غير معذور بل آثم.
والثاني: المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها، فالكلام فيها طويل فالذي يرفع النزاع حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة مرفوعا:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإن حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ".
انظر " إرشاد الفحول " ص 260 والسيل الجرار (1/ 19 - 21).
يستفاد من فتحه إلا ما لم يتعبد الله به عباده [35] أسلم، وكلام الطوائف في ذلك معروف وكل حزب بما لديهم فرحون، والحق بين المقصر والغالي، والصواب في التوسط بين جانبي الإفراط والتفريط، والحديث الثابت في الصحيح (1) أن عمارا تقتله الفئة الباغية قد دل أكمل دلالة على من بيده الحق ومن هو مقابله، وما ورد في قتال الخوارج (2) أنها تقتلهم أولى الطائفتين بالحق واضح الدلالة على المراد، وقد كان بايع عليا من بايع أبا بكر وعمر، وشذ عن بيعته من شذ بلا حجة شرعيه، وطلبوا أن يمكِّنهم من قتلة عثمان رضي الله عنه فقال إن الحكم فيهم إلى الإمام وهو إذ ذاك الإمام.
وقد ثبت في الصحيح (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، وبالجملة فلا يأتي التطويل في مثل هذا بفائدة، وقد قدموا على ما قدَّموا، ولم يكلفنا الله بشيء من هذا بل أرشدنا إلى ما قصه علينا في كتابه العزيز بقوله:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} (4) فرحم الله امرأ قال خيرا (5) أو صمت.
البحث الرابع من مباحث السؤال الثاني:
قوله: هل عدالة جميع الصحابة مسلمة؟
والجواب: أن لأهل العلم في هذه المسألة أقوالا:
(1) أخرجه البخاري رقم (447) ومسلم رقم (2916).
(2)
تقدم التعريف بها (ص 153).
(3)
أخرجه البخاري رقم (2704) وأطرافه (3629، 3746، 7109).
(4)
[الحشر (10)].
(5)
يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6018) ومسلم في صحيحه رقم (47) من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ".
الأول: ذهب إليه الجمهور (1) أنهم كلهم عدول رضي الله عنهم وأرضاهم.
الثاني: أنهم كغيرهم وبه قال الباقلاني.
والثالث: أنهم عدول إلى حين ظهور (2) الفتن بينهم وهو قول عمرو بن عبيد (3).
والرابع: أنهم عدول إلا من ظهر فسقه وهو قول المعتزله (4) وجماعة من الزيدية، والحق ما ذهب إليه الأولون لمخصصات بينهم يتعسر حصرها، منها أن الله سبحانه قد تولى تعديلهم بقوله:{كنتم خير أمة أخرجت للناس} (5) وبقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (6) أي عدولا، وبقوله تعالى:{لقد رضي الله عن}
(1) انظر إرشاد الفحول (ص 69)، الاستيعاب (1/ 9)، المسودة (ص 249) وقال إمام الحرمين بالإجماع- ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، ولو ثبت توقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار.
انظر: البحر المحيط (4/ 299).
(2)
" أما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد وكل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والمخطئ معذور بل ومأجور، وكما قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا ..
البحر المحيط (4/ 299).
(3)
هو عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء أبو عثمان البصري شيخ المعتزلة ولد سنة80 هـ، توفي سنة 144هـ كان جده من سبي كابل عاش في البصرة، وعاصر واصل بن عطاء وكان تربا له، فلما قام واصل بحركته انضم إليه وآزره. فأعجب واصل به وزوجه أخته وقال: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة. وقد أصبح- عمرو- شيخ المعتزلة بعد واصل. له رسائل وخطب وكتب منها: "
التفسير"، "والرد على القدرية ".
انظر: الأعلام للزركلي (5/ 81) ميزان الاعتدال (2/ 295 - 296).
(4)
سيأتي التعريف بها (ص 656).
(5)
[آل عمران:110].
(6)
[البقرة: 143].
{المؤمنين} (1) ونحو ذلك، وكذلك تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعديلهم بقوله: " خير القرون قرني
…
الحديث " [36] وهو في الصحيح (2)، ومثل حديث: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " وهو في الصحيح (3) أيضًا وقوله: " أصحاب كالنجوم" (4) وقوله: " لا تمس النار رجلاً
(1)[الفتح: 18].
(2)
سيأتي تخريجه في الرسالة رقم (3)(ص 255).
(3)
سيأتي تخريجه في الرسالة رقم (19)(ص 839).
(4)
أما حديث: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " فقد ورد من حديث جابر، وأبي هريرة، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، ونبيط:
فأما حديث جابر: فقد أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"(2/ 91) وابن حزم في "الإحكام "(6/ 82) من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن غضين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا به.
وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن: الحارث بن غضين مجهول. وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة
…
فيه سلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها، وهذا منها بلا شك.
وقال الألباني في " الضعيفة "(1/ 78 رقم 58) موضوع.
وأما قول الشعراني في " الميزان الكبرى "(1/ 30): " وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين فهو صحيح عند أهل الكشف " فباطل وهراء لا يلتفت إليه وانظر المسألة الثانية عشرة " صحة الأحاديث لا تثبت بالكشف والإلهام والأحلام " ص 101 - 102 من كتابنا " مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة ".
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى " وهو حديث موضوع.
أخرجه القضاعي في " المسند "(2/ 275 رقم 1346) والذهبي في الميزان (1/ 413) في ترجمة " جعفر بن عبد الواحد " وقال: هذا من بلاياه.
وقال الألباني في الضعيفة (1/ 439) موضوع. وآفته جعفر هذا، قال عنه الدارقطني في الضعفاء رقم (144): يضع الحديث. وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها كما في لسان الميزان
(2/ 117). وقال ابن عدي في الكامل (2/ 576): منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيهما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحاب لكم رحمة ".
وهو حديث موضوع.
أخرجه الخطيب في " الكفاية في علم الرواية " ص 48. من طريق سليمان بن أبي كريمة- عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا.
قلت: إسناد ضعيف جدا: سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم (4/ 138) عن أبيه:" ضعيف الحديث " وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك كما قال الدارقطني في الضعفاء رقم (148)، والنسائي أيضًا في الضعفاء رقم (106) وقال الذهبي في الكاشف (1/ 132 رقم 835): تركوه وقال ابن حجر في التقريب (1/ 136رقم 131) ضعيف جدا، وقال السخاوي في المقاصد ص 69 وجويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع.
ومن طريق جويبر هذا روى الديلمي في مسند الفردوس الجملة الأخيرة، كما في الموضوعات الكبرى للقاري ص 52 رقم 161، وكشف الخفاء للعجلوني (1/ 68).
وأما حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إلي يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى" وهو حديث موضوع.
أخرجه الخطيب في الكفاية ص 48، وفي الفقيه والمتفقه (1/ 177) وابن الجوزي في العلل (1/ 283)، وابن عدي في الكامل (3/ 1057) كلهم من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعا.
قال ابن الجوزي: وهذا- أي الحديث- لا يصح، نعيم مجروح- قلت: بل هو صدوق يخطئ كثيرا، فقيه عارف بالفرائض. كما في التقريب (2/ 305) - وعبد الرحيم قال يحيى بن معين: كذاب- قلت: وقال البخاري: تركوه، وقال الجوزجاني: غير ثقة، وقال أبو حاتم: ترك حديثه، وقال أبو زرعة: واه، وقال أبو داود: ضعيف- كما في الميزان (2/ 605).
وقال الألباني في الضعيفة (1/ 80 - 81 رقم60). موضوع.
وأما حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم*. وهو حديث موضوع.
أخرجه ابن عدي في الكامل (2/ 785) في ترجمة (حمزة بن أبي حمزة الجزري)، وقال فيه: كل ما يرويه أو عامته مناكير موضوعة، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وساق له الذهبي في الميزان (1/ 607) أحاديث من موضوعاته، وهذا منها.
وقال ابن حبان في المجروحين (1/ 270): ينفرد عن الثقات بالموضوعات حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه، وقال الألباني في الضعيفة (1/ 82 رقم 61): موضوع.
وأما حديث نبيط رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وهو حديث موضوع.
قال الألباني في الضعيفة (1/ 84 رقم 62): " موضوع. وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذاب ".
وقال الذهبي في الميزان (1/ 82) عن هذه النسخة. فيها بلايا
…
وأحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط لا يحل الاحتجاج به فإنه كذاب
وأورد الحديث ابن عرَّاق في تنزيه الشريعة (1/ 419 رقم 33) والشوكاني في الفوائد المجموعة ص 397 رقم 133.
رآني " (1) على ما فيهما من المقال. والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة.
وورد في البعض منهم خصائص تخصه كما ورد في أهل بدر: " إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا مما شئتم فقد غفرت لكم "(2) على أن المطلوب من الحكم بعدالة الجميع هنا ليس هو إلا قبول الرواية من غير بحث عن حال الصحابي، ومرجع القبول
(1) أخرجه الترمذي رقم (3858) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاري.
وروى علي بن المديني وغير واحد من أهل الحديث عن موسى هذا الحديث. وهو حديث ضعيف.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3007) ومسلم في صحيحه رقم (2494) من حديث عبيد الله بن أبي رافع.
على ما هو الحق عندي هو صدق اللهجة والتجوز عن الكذب ولم يتفش في خير القرون الكذب، بل ولا في القرن الذي يليهم ولا في الذي يليه كما في حديث:" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يغشوا الكذب"(1)، وبالجملة فالقول بعدالة الجميع أقل ما يستحقونه من المزايا التي وردت بها الأدلة الصحيحة.
ويقال في جواب القول الثاني بأن جعلهم كغيرهم إهمال لمزاياهم وإهدار لخصائصهم وطرح لكثير من الآيات والأحاديث الصحيحة ويقال في جواب القول الثالث بأن تقييد ثبوت العدالة إلى وقت ظهور الفتن لا يتم إلا بعد تسليم أنهم دخلوا فيها- صانهم الله- جرأة لا على بصيرة ولا تأويل، وذلك مما لا ينبغي إطلاقه على آحاد المسلمين مع الاحتمال فكيف بالواحد من الصحابة بل كيف بجميعهم. ثم ليت شعري ما يقول صاحب هذا القول أعني عمرو بن عبيد في البدريين الداخلين في تلك الحروب، فإن الله قد غفر لهم ما قارفوه من الذنوب، ولعله لا يجد عن هنا جوابا، وهو مع زهده من رءوس البدع ومن المتهمين في الدين ومما يحقق تصميمه على هذه المقالة في الصحابة أنه كان يقول: لو شهد عندي علي وطلحة والزبير على باقة بقل ما قبلت شهادتهم، فانظر هذه الجرأة العظيمة من هذا المبتدع الجاهل للشرع وأهله.
ويقال لأهل القول الرابع: إن ما ذكرتم من ظهور الفسق لا نسلم وجوده على الحقيقة، وأما بحسب الأهواء والدعاوي الفارغة والقيام في مراكز المذاهب فذلك لا يضرنا ولا ينفعكم، وأيضا إن ذلك الموجب للفسق إن كان لا يعود إلى ما يتعلق بالرواية والحفظ فلا اعتداد به لما قدمنا لك من أنه الاعتبار بصدق اللهجة وحفظ المروي وعدم الدخول في بدعة من البدع [37] توجب التهمة لذلك الراوي بالدعاء إلى مذهبه، وجميع الصحابة رضي الله عنهم منزهون عن جميع ذلك لا يخالف في هذا إلا من قد غلت في صدره مراجل الرفض.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2652) ومسلم في صحيحه رقم (2533) والترمذي رقم (3859) وقال: حديث حسن صحيح.
البحث الخامس من مباحث السؤال الثاني:
قوله: وكذلك إذا أخرج أصحاب السنن عن شخص ورووا عنه كفعل البخاري (1) عن مروان هو تعديل أم لا؟
والجواب أنه إذا كان لذلك الراوي شرط معروف فيمن يروي عنه وكان من أهل التحري والإتقان والخبرة الكاملة في الفن، وصرح بأنه لا يروي إلا عمن حصل فيه ذلك الشرط كان الظاهر وجود الشرط المذكور في جميع رواته، فإن كان المجتهد يرى أن ما جعله ذلك الراوي شرطا تحصل به مفهوم العدالة عند، وفي اجتهاده فلا بأس بذلك، وإن لم يكن للراوي شرط معروف، أو كان ولكن لا يراه المجتهد المطلع على ذلك محصلا لمفهوم العدالة فلا يكون ذلك تعديلا، فلا بد من هذا التفصيل وتقييد أقوال المختلقين في هذه المسألة به فاعرفه.
البحث السادس من مباحث السؤال الثاني:
قوله: وهل مسألة الجرح والتعديل يصح فيها التقليد
…
إلخ؟
أقول: ينبغي أن يعلم السائل عافاه الله أن التقليد (2) هو قبول رأي الغير دون روايته من دون مطالبة بالحجة، وتعديل المعدل للراوي ليس من الرأي في ورد ولا صدر بل هو
(1) تقدم في رسالة" أسئلة وأجوبة عن قضايا الشرك والتوحيد " رقم (1).
(2)
التقليد لغة: جعل القلادة في العنق، ومنه تقليد الهدي في الحج، أي جعل القلادة في عنق ما يهدي إلى الحرم من النعم.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو أن قول الغير من غير معرفة دليله.
انظر: نزهة الخاطر العاطر (2/ 449 - 450).
قال الشوكاني في " القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد- سيأتي تحقيقها ضمن الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني في قسم الفقه وأصوله-: " إن التقليد لم يحدث إلا بعد انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة إنما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة، وأنهم كانوا على نمط من تقدمهم من السلف في هجر التقليد وعدم الاعتداد به وأن هذه المذاهب إنما أحدثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين ".
من الرواية لحال من يعد له أو يجرحه؛ لأنه ينقل إلينا ما كان معلوما لديه من حال الراوي، وهذا بلا شك من الرواية لا من الرأي فلا مدخل لهذه المسألة في التقليد، وقد أوردها بعض المتأخرين بقصد التشكيك على المدعين للاجتهاد زاعما أنهم لم يخرجوا عن التقليد من هذه الحيثية، وأنت خبير بأن هذا تشكيك باطل نشأ من عدم الفرق بين الرواية والرأي، ومن هاهنا يعرف السائل عافاه الله بأن الاجتهاد متيسر لا متعذر ولا متعسر، والهداية بيد الله عز وجل وقد أوسمت هذه المسألة في مؤلفاتي بمباحث مطولة لا يتسع المقام لبسطها، وأطال وأطاب الكلام في شأنها الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، رحمه الله، في كتابه العواصم من القواصم (1) في الذب عن سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فليرجع إليه فإنه كتاب يكتب بماء الأحداق في صفحات الخدود والرقاق، وقد أوضحت ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم في الكتاب الذي سميته (أدب الطلب ومنتهى الأرب)(2) بحسب ما ظهر لي وقوي لدي، والله أعلم [38].
قال كثر الله فوائده:
السؤال الثالث: فيما يتعلق بالفروع من الاختلاف المتباين الأطراف هل الشريعة الحكيمة قابلة لهذا التناقض وأنها كالبحر يغترف كل من جهته من الماء الفائض أم لا تقبل إلا قولا واحدا وليس لورادها إلا مورد ولا لروادها إلا رائد، لحديث" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر"(3). فمن أين لنا العلم بالمصيب وما علامته على التقريب، فإن أكثر الخلافيات معتضدة بالدليل من المخالف، وإذا ثبت عذر المخطئ فهل يعذر مقلده أم لا؟ وهل حصل بين الصحابة رضي الله عنهم في الأحكام خلاف متناقض في غير الاجتهادات؟ وهل رجع أحدهم إذا علم بالدليل؟ وإذا رجع هل يكون مقلدا أو مقتديا
(1)(2/ 8 - وما بعدها).
(2)
(19 - 181) بتحقيقي.
(3)
تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1)(ص 138).
وما حكم ما سلف من الأحكام قبل العلم بالدليل. وفي رجوع الصحابة إلى كتاب عمرو ابن حزم (1) في دية الأصابع وترك ما قضى به عمر رضي الله عنه بارقة من ذلك. وهنا خطر في البال سؤال لاح في الخيال، هل يجوز العمل بالخطوط مطلقا أم لا، سانحة متمنة لا لميسرة ولا ميمنة فيما ورد في الحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
…
إلخ " (2) هل المراد سنتهم في اتباع هديه وسنته، أم المراد فيما سنوه فيما لم يكن فيه نص؟ فكيف إذا تعارضت عند الناظر كحديث كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ، ما المعتمد في ذلك وما عذر عمر رضي الله عنه فيما هنالك، جزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله، انتهى.
أقول هذا السؤال قد اشتمل على أبحاث:
الأول: سؤاله هل المصيب في الفروع واحد أم كل مجتهد مصيب. والجواب: إنه قد اختلف الناس في ذلك، فالجمهور قالوا بوحدة الحق وتخطئة من خالفه، وأن الله سبحانه لم يشرع لعباده في كل مسألة من مسائل الشرع إلا شيئا واحدا، فمن وافقه فهو المصيب، ومن خالفه فهو المخطئ، وقال الأشعري (3) والباقلاني وابن سريج وأبو يوسف ومحمد إن كل مجتهد مصيب (4).
واختلف هؤلاء فقال ابن سريج وأبو يوسف ومحمد إنه مصيب مع الأشبه، وهو ما لو حكم الله لم يحكم إلا به فمخطئه مصيب مخالف للأشبه، وربما قال بعضهم: إنه يخطئ في الانتهاء لا في الابتداء. وقال الأشعري والباقلاني: بل كل مجتهد مصيب مع عدمه إلى عدم الأشبه فجعلوا حكم الله تابعا لنظر المجتهد، فكل ما اجتهد فيه فهو حكم الله في
(1) تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1)(ص 139).
(2)
تقدم تخريجه (ص 140).
(3)
انظر هذه الأقوال في مجموع فتاوى (19/ 204) لابن تيمية، الرسالة (ص 489)، جمع الجوامع (2/ 389).
(4)
انظر " مسألة تصويب المجتهد " أقوال العلماء وأدلتهم بتوسع " المسودة "(ص 497، 501) تيسير التحرير (4/ 202) التبصرة (ص 496) وما بعدها.
حقه. واختلف أيضًا أهل القول الأول أعني القائلين [39] بوحدة الحق، فقال أكثرهم: إنه مخطئ معذور، وقال الأقلون: إنه مخطئ آثم، وحجج هذه الأقوال عقليها ونقليها مدونة في مطولات الأصول.
والحق الذي لا شبهة فيه أن المصيب من المجتهدين من وافق مراد الله عز وجل في ذلك الأمر المختلف فيه، وأن من خالفه فهو مخطئ، كما قاله الجمهور والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا، فمنها قوله تعالى:{ففهمناها سليمان} فلو كان كل واحد منهما أعنى سليمان وداود مصيبا لم يكن لتخصيص سليمان معنى.
ومنها الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان (1) وغيرهما عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" وأخرجه أيضًا الشيخان (2) وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا.
وفي الباب عن عقبة بن عامر كما أشار إليه الترمذي (3) وهو بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في قضاء أمره به:" اجتهد فإن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة"، وأخرجه أحمد في المسند، ورواه الحاكم في مستدركه بلفظ:" إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله عشرة أجور"(4) ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد. فانظر ما اشتملت عليه هذه الأحاديث الصحيحة من الحجة النيرة الدافعة لقول من قال: إن كل مجتهد مصيب دفعا لا يبقى بعده ريب لمرتاب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى من خالف الحق مخطئا فقال:" وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " وهؤلاء القائلون بأن كل مجتهد مصيب قالوا: إنه لا يكون المجتهد مخطئا، بل هو مصيب في كل ما يقتضيه اجتهاده.
ولما كانت هذه المقالة ظاهرة البطلان خالية عن البرهان قال بعض أهل العلم في تأويلها: إن لفظ مصيب قد يراد به الإصابة للشيء، وقد يراد به كون القول صوابا في نفسه أي لثبوت [40] الأجر لفاعله، وإن كان مخطئا في الواقع، فالمصيب من الإصابة
(1) تقدم تخريجه في الرسالة رقم (1)(ص 138) وفي الرسالة رقم (2)(210 - 211).
(2)
تقدم تخريجه في الرسالة رقم (1)(ص 138) وفي الرسالة رقم (2)(210 - 211).
(3)
تقدم تخريجه في الرسالة رقم (1)(ص 138) وفي الرسالة رقم (2)(210 - 211).
(4)
تقدم تخريجه في الرسالة رقم (1)(ص 138) وفي الرسالة رقم (2)(210 - 211).
ينافي الخطأ على كل حال، والمصيب من الصواب لا ينافي الخطأ الذي ثبت عليه الأجر كخطأ المجتهد.
ولا يخفاك أن هذا الكلام وإن كان صحيحا في نفسه لكن لا يصلح لتأويل قول من قال بأن كل مجتهد مصيب، فإن كلامهم لا يحتمل هذا التأويل لتصريحهم بأنه مصيب للحق. ولا ريب أن هذا هو معنى الإصابة لا سيما عند من قال منهم: إن حكم الله تابع لنظر المجتهد، ولقد أحسن من قال إنهم شابهوا هذه المقالة الفرقة التي يقال لها العندية من فرق السوفسطائية (1) فإنهم ثلاث فرق: عندية وعنادية واللادرية وأقوالهم خارجة عن القوانين العقلية؛ لأن القائل يقول لأحدهم: أنت موجود فيقول: لا، فيقول له: فما هذا الشبح الذي أراه، والكلام الذي أسمعه، والحس الذي أدركه؟ فيقول: وجودي ثابت عندك لا عندي، وهذه هي الفرقة العندية. وأما الفرقة العنادية فيقول له القائل: أنت موجود ويستدل على ذلك بنحو ما تقدم فيكابر ويصمم على أنه لا وجود له، وإنما ذلك خيال عرض للمدعي للوجود، فلما كان هذا عنادا قيل لهذه الفرقه: عنادية. وأما الفرقة الثالثة أعني التي يقال لها اللادرية، فإنه يقال له: أنت موجود فيقول: لا أدري، فيقال له: فما هذا الشبح المرئي والصوت المسموع، فيقول: لا أدري، ولقد أحسن من قال من علماء المعقول إن هؤلاء لا يناظرون إلا بالضرب المؤلم، فإذا استغاثوا قيل لهم: ألم تقولوا إنه لا وجود لكم؟ وهذا وإن كان فيه خروجا [41] عما نحن بصدده ففيه أيضًا فائدة اقتضاها ذكر ما قاله ذلك القائل.
(1) السوفسطائية: طائفة من اليونانيين ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، تقوم فلسفتهم على إنكار حقائق الأشياء، ويزعمون أنه ليس هاهنا ماهيات مختلفة وحقائق متمايزة فضلا عن، اتصافها بالوجود، بل كلها أوهام لا أصل لها. وكانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء وبإيراد الحجج الخلابة في مختلف المسائل والمواقف، اشتهر منهم بروتاغوراس، وغورغياس.
انظر: قصة الحضارة. ول ديورانت (7/ 212).
تاريخ الفلسفة اليونانية- يوسف كرم- 57
ولا ريب أن كل واحد من المصوبة يدعي لنفسه أنه مصيب ويعترف لخصمه بأنه مصيب، فكان هذا شبيها مما تقوله العندية.
ويا عجبا لقوم جعلوا مراد الله عز وجل أحدا دائرا بين المرادات وتابعا لنظر المجتهدين، والتزموا إنصاف العين الواحدة بأنها حلال بتحليل هذا المجتهد لها، وحرام بتحريم هذا المجتهد لها، وأن الله سبحانه شرع لعباده فيها أنها حلال وأنها حرام، وقد يتوقف الحكم من الله عز وجل بالحل أو الحرمة على وجود مجتهد يوجد في آخر الأزمنة، وقد يرتفع ما شرعه الله من الحل أو الحرمة بموت المجتهد وعدم المتابع له.
وبالجملة فهذا تلاعب لا مزيد عليه وهذيان لا يجوز نسبة مثله إلى أعجز العباد فكيف ينسب إلى أحكم الحاكمين، وليس لهم على هذه المقالة الساقطة أثارة من علم ولا ألجأهم إليها دليل عقل ولا نقل، بل مجرد خيالات مختلة ودعاوى (مضلة).
والحاصل أن الأدلة الدالة على هدم هذه المقالة كثيرة جدا وهي محتملة لإفرادها بالتصنيف، وقد كان قرن الصحابة الذي هو خير القرون يصرحون بتخطئة بعضهم بعضا في غير مسألة، ويخشى بعضهم على بعض إذا رآه قد أخطأ في اجتهاده، والواقعات في هذا كثيرة جدا قد اشتملت عليها كتب الأحاديث والسير فارجع إليها، فإن ذلك يغنيك عن التطويل هنا [42].
وأما ما ذكره السائل من قوله: فمن أين لنا العلم بالمصيب وما علامته.
فأقول: إن كان هذا الذي يريد أن يعرف المصيب مجتهدا فلم يتعبده الله بذلك بل تعبده بأن يعرف الصواب، ومعرفة الصواب تحصل له بأن ينظر في أدلة الكتاب والسنة نظرا يحصل له عنده الظن القوي بأنه قد أحاط بما يتعلق بما ينظر فيه من المسائل من الأدلة الدالة عليها، فإذا فعل ذلك جمع بين ما كان ظاهره التخالف منها جمعا مقبولا، فإن تعذر الجمع رجع إلى الترجيح، وقدم الراجح على المرجوح وعمل به.
وطرق الجمع (1)
(1) انظر: تيسير التحرير (3/ 161) مجموع فتاوى (9 1/ 201 - 267)(22/ 368) المستصفى (2/ 392).
والترجيح معروفة مدونة لا تلتبس على من ترشح للاجتهاد والنظر في المسائل.
وبهذا يعرف الصواب، ومعرفته تستلزم معرفة المصيب ولكن هذا إنما هو في ظن ذلك المجتهد ولم يتعبده الله بزيادة على هذا.
فإن انكشف أن ذلك الذي ظنه صوابا هو الصواب في الواقع فقد ظفر هذا المجتهد بالأجرين المذكورين في الحديث، وإن انكشف أنه خلاف الصواب في الواقع فقد ظفر بأجر. وأما إذا كان الذي أراد أن يعرف المصيب أو الصواب مقلدا فقد كلف نفسه ما لا تبلغ إليه قدرته وتقصر عن إدراكه ملكته، ومن أين لمن يقر على نفسه بأنه لا يتعقل الحجج بأنه يعرف صوابا أو إصابة، ولكن ينبغي أن يعلم هذا المقلد بأن بين جنبيه نفسا شريفة وهمة عالية تنازعه إلى مكان لا يرتقي إليه إلا من قطع عن عنقه أطواق التقليد، وأقبل على علوم الاجتهاد بساعد شديد وناب حديد، فليقبل على العلوم بكليته، ويستفرغ فيها وسعه، فإن بلغ إلى المنزل ظفر بالمنية وفاز بالأمل، وإن بات [43] دونه فقد أعذر وأورد في المعالي وأصدر.
البحث الثاني من مباحث السؤال الثالث:
قوله- عافاه الله- وإذا ثبت عذر المخطئ فهل يعذر مقلده أم لا؟
والجواب: أنه لم يرد الدليل إلا في خطأ المجتهد، ولم يأت في تسويغ التقليد حرف واحد من كتاب ولا سنة، وما يزعمه من سوغ التقليد من أنه دليل على ما زعمه فهو خارج عن ذلك كما يعرفه من يعرف الدليل، وكيف يستدل به. بل قد ثبت عن الأئمة الأربعة رحمهم الله النهي عن تقليدهم، وقد أوضحت هذا في مؤلف مستقل سميته " القول المفيد في حكم التقليد "(1) ولم أدع شيئا مما قاله الناس في هذه المسألة إلا ذكرته، وتعقبت ما يستحق التعقيب، وبسط الكلام في ذلك لا يتسع له المقام ولكنه قد يشتغل ذهن المطلع على هذا الجواب بسؤال وهو:(أن قول يقول)(2) ليس في وسع كل أحد من
(1)(ص 117 وما بعدها) بتحقيقنا ط 1.
(2)
هكذا في المخطوط، ولعله صوابه:(وهو قول من يقول).
العباد أن يحيط بعلوم الاجتهاد لاختلاف الأفهام وتباين القرائح، والاشتغال بالكسب على النفس والأهل وتقويم أمر المعاش، ففي المنع من التقليد حرج.
فأقول: لا حرج إن شاء الله بل على المقصر أن يسأل الكامل عن النص الوارد فيها يعرض له من كتاب أو سنة ويسترويه ما في تلك الحادثة فيعمل به في عباداته ومعاملاته كما كان يصنعه المقصرون من الصحابة فمن بعدهم قبل ظهور هذه المذاهب، ومن لا يسعه ما وسع خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فلا وسع الله عليه، فإنه لم يضيق عنهم شيء من الحق قط، وهم المعيار الذي لا يزيغ، والقدوة التي لا يخسر من ائتم بها ومشى خلفها فاعرف هذا [44].
البحث الثالث من مباحث السؤال الثالث:
قوله عافاه الله: وهل حصل بين الصحابة خلاف متناقض في غير الاجتهادات .. إلخ.
أقول: الذي لا مسرح للاجتهاد فيه هو الشاذ النادر كتقرير الحدود وعدد الركعات ونحو ذلك مما مرجعه الرواية، فإن كان السائل يريد أنه هل وقع الخلاف بين الصحابة في نفس الأشياء المروية فنعم، قد اختلفوا في آيات من كتاب الله إثباتا ونفيا واختلفوا في كثير من السنة، وأنكر بعضهم على بعض شيئا مما يرويه ورجعوا لعد الاختلاف إلى الحق، كما في إنكار عمر (1) رضي الله عنه على فاطمة بنت قيس (2) ما روته في العدة
(1) أخرج مسلم رقم (46/ 1480) عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به. فقال: ويلك! تحدث. بمثل هذا، قال عمر: لا ندع كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، وتلا الآية: قال الله عز وجل: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)[الطلاق: 1].
(2)
أخرج مسلم رقم (44/ 1480) عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا- " ليس لها سكنى ولا نفقة.
وانظر ما قاله محمد بن إسماعيل الأمير في" سبل السلام" بتحقيقي (6/ 283 - 285) وخلاصته:
"أن الحق ما أفاده الحديث" وقد أطال ابن القيم الجوزية في زاد المعاد (5/ 675) ناصرا للعمل بحديث فاطمة بنت قيس.
وإنكاره (1) على أبي موسى ما رواه في الاستئذان، وإنكاره على عمار ما رواه في التيمم (2). والوقائع في هذا كثيرة جدا لا حاجة لنا في الاستكثار منها، وإن كان يريد أنهم هل اختلفوا في شيء من مسائل الصفات فقد كان دأبهم وديدنهم وهجيراهم رضي الله عنهم أن لا يتعرضوا لشيء من التكلف والتأويل، بل يمرونها كما جاءت ويؤمنون بها كما وردت. وأما إنكار بعضهم على بعض إذا خالف الرواية بالرأي فهو كثير جدا قد تضمنته كتب السير والتواريخ، وهكذا إنكارهم على من أخطأ في رأيه ولم يصب في استنباطه فذلك كثير جدا. وأما ما سأل عنه عافاه الله بقوله وهل رجع أحدهم إذا علم الدليل. فجوابه أنهم قد رجعوا كثيرا عن الرأي عند العلم بالدليل ووقع هذا الكثير منهم [45] والوقائع مبسوطة في كتب الرواية، بل لم يخل عن مثل هذا غالب أكابرهم ولا سيما الخلفاء
(1) أخرج البخاري رقم (6245) ومسلم رقم (2153) عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار: فأتانا أبو موسى فزعا أو مذعورا. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه. فأتيت بابه فسلمت ثلاثا فلم يرد علي فرجعت. فقال ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثا فلم يردوا علي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له، فليرجع" فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال: أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال القوم. قال أبو سعيد: أنا أصغر القوم قال: فاذهب به.
(2)
أخرج البخاري رقم (338) ومسلم رقم (112/ 368):
عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر، يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" فقال عمر: اتق الله يا عمار! قال: إن شئت لم أحدث به.
الراشدين والمقصورين للإفتاء منهم، وقد رجع (1) لما سمع الحجة الشرعية من امرأة، وقال: كل الناس أعلم من عمر حتى المخدرات.
وأما قول السائل عافاه الله: وإذا رجع هل يكون مقلدا
…
إلخ.
فأقول: قد صانهم الله عن هذه البدعة ورفع شأنهم عن الوقوع في هذه النقيصة، فلم يسمعوا بها ولا تلوثوا بشيء منها، بل كان من رجع منهم عن رأي رآه إلى رواية سمعها عمل بها مقتديا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عرفت مما ذكرناه سابقا أن التقليد إنما هو الأخذ بالرأي لا بالرواية.
البحث الرابع من مباحث السؤال الثالث:
قوله: هل يجوز العمل بالخطوط مطلقا أم لا؟
والجواب: أنه قد أمر الله سبحانه بالكتابة فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل} ، فلو كان الخط غير معمول به لم يكن للأمر بالكتابة معنى، وقد ثبت في الصحيح (2) أنه قال صلى الله عليه وسلم:" اكتبوا لأبي شاة " وذلك لما طلب أن يكتبوا له خطبة الوداع، فأمرهم صلى الله عليه وسلم بأن
(1) قال المحدث الألباني في " الإرواء "(6/ 347 - 348): (تنبيه): أما ما شاع على الألسنة من اعتراض المرأة على عمر وقولها: " نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه:(وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)[النساء: 20]، فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر، قال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له.
فهو ضعيف منكر يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر. أخرجه البيهقي (7/ 233) وقال: هذا منقطع. قلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقرب، ثم هو منكر المتن، فإن الآية لا تنافي توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء
…
" ا هـ.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2434) ومسلم في صحيحه رقم (447/ 1355). من حديث أبي هريرة.
يكتبوا له.
وثبت في الصحيح (1) أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: "اكتب " لما استأذنه في كتابة الحديث، بل قد نهى القرآن عن يأبى الكاتب أن يكتب فقال: {ولا يأب كاتب
…
} الآية (2). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بكتبه إلى الملوك (3) في الأقطار النائية ثم يرتب على ذلك غزوهم وسفك دمائهم وسلب أموالهم وسبي ذراريهم، وهذا دليل على أن الحجة قد لزمتهم ببلوغ تلك الكتب، فلو كان الخط غير معمول به لم يرتب على الكتابة مثل هذه الأمور العظيمة، ومع هذا فإنهم لا يعرفون [46] خطوط تلك الكتب ولا يفهمون ما فيها إلا بعد أن تترجم لهم. ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بكتب المصالحة بينه وبين قريش (4) يوم الحديبية، ومنها ما كان يأمر بكتبه من كتب الأمانات وكتب الإقطاعات وكتب عقد الذمة وكتب المصالحة لسائر من صالحهم من القبائل، ومنها كتاب عمرو بن حزم (5) الذي كتبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ به الصحابة واعتمدوا عليه، وقد روي مسندا ومرسلا، فمن رواه مسندا أحمد والنسائي وأبو داود في كتاب المراسيل، وعبد الله بن عبد
(1) أخرجه أحمد (2/ 162، 192) وأبو داود رقم (3646) والدارمي (1/ 125) والحاكم (1/ 05 1 - 106) وقال عقبه: " رواة هذا الحديث قد احتجا بهم عن آخرهم غير الوليد هذا، وأظنه (الوليد بن أبي الوليد الشامي) فإنه (الوليد بن عبد الله) وقد غلبت على أبيه الكنية. فإن كان كذلك فقد احتج به مسلم " ووافقه الذهبي.
وعقب الألباني في " الصحيحة "(4/ 46) على كلام الحاكم قائلا: " كذا قال، وإنما هو الوليد
بن عبد الله بن أبي مغيث مولى بني الدار حجازي وهو ثقة، كما قال ابن معين وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (1196).
(2)
[البقرة: 282].
(3)
منها ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4424) باب رقم (82/ 83) كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر.
(4)
انظر السيرة النبوية (3/ 440).
(5)
تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1)(ص 139).
الرحمن الدارمي وأبو يعلى الموصلي ويعقوب بن سفيان في مسانيدهم، ورواه الحسن بن سفيان النسوي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن عبد العزيز البغوي، وأبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وحامد بن محمد بن سعيد البلخي، والحافظ الطبراني، وأبو حاتم بن حبان في صحيحه وجماعة.
وأما المرسل فرواه النسائي، وأبو داود، والشافعي، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم، ولو لم يكن الخط معمولا به لم يأخذ الصحابة كثيرا من الأحكام الشرعية من هذا الكتاب، وكذلك أخذ به من بعدهم وصار ما فيه من التكاليف العامة لجميع الأمة. ومن ذلك ما ثبت في الصحيح (1) من قوله صلى الله عليه وسلم:" ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " وقد اتفق عليه الشيخان (2) من حديث ابن عمر، فلولا أن الخط معمول به لم يكن للأمر بكتابة الوصية معنى، ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن.
ومن ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بكتاب يكتب وختمه (3)، وأمر سرية تذهب إلى حيث عينه لهم وأنهم لا يقرءون الكتاب إلا في ذلك الموضع وأنهم يعملون بما فيه، ومنها [47] قول (4) على رضي الله عنه وقد سئل هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقال:" لا، إلا ما في هذه الصحيفة " وفيها أحكام شرعية.
ومن ذلك عمله صلى الله عليه وسلم بما جاء من عماله من الكتب، ومنه إجماع الصحابة على العمل
(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2738) ومسلم رقم (1627) من حديث عبد الله بن عمر.
(2)
انظر التعليقة السابقة.
(3)
أخرج البخاري رقم (65) ومسلم في صحيحه رقم (2092) من حديث أنس بن مالك قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما من فضة نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لقتادة: من قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس.
(4)
تم تخريجه في رسالة " هل خص النبي صلى الله عليه وسلم أهل البيت بشيء من العلم " رقم (21).
بالخط كما رواه أبو الحسين البصري في المعتمد وكذلك رواه الدارمي والحافظان يعقوب بن سفيان وإسماعيل بن كثير، ورواه الإمام المنصور عبد الله بن حمزة، كما نقله عنهم العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في تنقيح الأنظار (1) واستدل على ذلك الرازي في المحصول بإجماع الصحابة وبالعقل فقال:" وأما المعقول فلأن الظن هاهنا حاصل والعمل بالظن واجب" انتهى.
ومن ذلك الإجماع الفعلي في جميع الأعصار والأمصار في اعتبارهم بالخطوط الكائنة بين الناس في معاملاتهم وخطوط الأمراء والقضاة، ومن ذلك عمل السلف والخلف بالوجادة التي صرح العلماء بقبولها، وقد صرح ابن رسلان في " شرح سنن أبي داود " أن القاضي عياضا حكى ذلك عن أكثر الصحابة والتابعين، قال: ثم أجمع عليها المسلمون وزال الخلاف. ثم قال: وقد اختلف الناس في الجواب على حديث أبي سعيد أعني الذي رواه مسلم (2) من حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تكتبوا شيئا إلا القرآن" فقيل: إن النهي منسوخ بأحاديث الإذن. وكان النهي في أول الأمر لخوف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه، وجع بعضهم بأن النهي في حق من وثق بحفظه، والإذن في حق من لم يثق كأبي شاة، وحمل بعضهم النهي على كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معه فنهوا عن ذلك لئلا يختلط به فيشتبه على القارئ" (3) انتهى.
وعلى كل حال فهذا النهي ورد في كتابة الحديث في ابتداء الأمر، ولم يرد في كل كتابة، وسؤال السائل هو عن العمل بالخط مطلقا. ومن ذلك ما أخرجه أبو داود أنه دخل زيد
(1)(ص246) بتحقيقي
(2)
في صحيحه رقم (72/ 3004) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي- قال همام: أحسبه قال: متعمدا- فليتبوأ مقعده من النار".
(3)
كلام محمد بن إبراهيم الوزير في كتاب " تنقيح الأنظار "(ص 248) بتحقيقي.
ابن ثابت على معاوية فسأله عن حديث فأمر إنسانا بكتبه فقال له زيد بن ثابت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، وهذه المسألة محتملة للتطويل وقد أفردتها بمصنف مستقل (1)، وفي هذا المقدار كفاية [48].
البحث الخامس من مباحث السؤال الثالث:
قوله: فيما ورد في الحديث:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
…
إلخ (2).
والجواب: أن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا وأخذوا في تأويله بوجوه أكثرها متعسفة، والذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب بحسب ما يقتضيه لغة العرب فالسنة هي الطريقة، فكأنه قال: الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته صلى الله عليه وسلم، فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شيء وعلى كل حال. وكانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر. وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضًا من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله، أو كما قال "(3).
وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف، فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به، وقد أوضحت هذا في بحث مستقل، فإن قلت: إذا كان ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله وسنة الخلفاء الراشدين ثمرة. قلت: ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وأدرك زمن الخلفاء الراشدين أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء، ولكنه
(1) رسالة بعنوان " بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية " وهي ضمن "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".
(2)
تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1)(ص140).
(3)
سيأتي تخريج هذا الحديث في الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، وهو حديث منكر.
حدث أمر لم يحدث في زمنه ففعله الخلفاء، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون، وأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي، وإن كان من سنته كما تقدم، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل.
وبالجملة فكثيرا ما كان صلى الله عليه وسلم ينسب الفعل أو الترك إليه وإلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه؛ لأنه محل القدوة ومكان الأسوة، فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث، ولم أقف في تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم، فإن كان صوابا [49] فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله العظيم.
البحث السادس من مباحث السؤال الثالث:
قوله: فكيف إذا تعارضت عند الناظر كحديث كان الطلاق (1) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .... إلخ.
والجواب: أن هذه المسألة طويلة الذيول، كثيرة النقول، واسعة الأطراف، رحبة الأكناف، وقد أفردها جماعة بالتصنيف آخرهم رقم هذه الأحرف غفر الله له ولا بد من الإشارة إلى ما هو الحق بأخصر عبارة، فاعلم أنه قد احتج القائلون بأن الطلاق الثلاث يكون ثلاثا دفعة واحدة، وهم جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة، وطائفة من أهل البيت لقوله تعالى:{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (2) وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الاثنتين دفعة أو مفرقة، ويجاب عنه بأنه لا دليل في الآية على ما زعموه من وقوع الثلاث دفعة، فلم يكن في الآية إلا المرتان. وأما التسريح فهو إما يكون بعد إيقاع الطلقتين وهو أمر غير الطلقتين، وقد قيل: إن الآية حجة عليهم لا لهم، وإنما تدل على المنع من إيقاع الثلاث دفعة، وهو أظهر وأوضح وعندي أن
(1) تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
(2)
[البقرة: 230].
هذه الآية مطلقة مقيدة بالسنة الصحيحة الصريحة لما في الآية من اجتماع الجمع للطلقتين والتفريق لهما، وأما الثالثة فلا ذكر لها باعتبار ما يزعمونه من انضمامها إلى الاثنتين لا باعتبار صحة إرسالها منفردة ووقوع التسريح بها، فقد استدلوا بأدلة قرآنية، وهي أبعد من هذه الآية التي ذكروها بمراحل فيما قصدوه كقوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (1) وقوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} (2) ونحو ذلك. وغاية ما في هذه الآيات الإطلاق، ولا تقوم به حجة بعد تقييده بما سيأتي، واستدلوا بأحاديث أقربها إلى الدلالة على ما قصدوه حديث الذي طلق امرأته ألف تطليقة، فقال صلى الله عليه وسلم:"بانت منك بثلاث على غير السنة"(3) وعارضه بأن في إسناده يحيى بن العلاء (4) وهو ضعيف وعبيد الله بن الوليد (5) وهو هالك، وإبراهيم بن
(1) البقرة: 230
(2)
البقرة: 227
(3)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (11339) والدارقطني (4/ 20 رقم 53) وقال الدارقطني: رواته مجهولون وضعفاء، إلا شيخنا وابن عبد الباقي.
وقال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (5/ 240): " خبر في غاية السقوط؛ لأن في طريقه يحيى بن العلاء، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن إبراهيم بن عبيد الله ضعيف، عن هالك، عن مجهول، ثم الذي يدل على كذبه وبطلانه أنه لم يعرف في شيء من الآثار صحيحها ولا سقيمها ولا متصلها ولا منقطعها، أن والد عبادة بن الصامت أدرك الإسلام فكيف بجده، فهذا محال بلا شك، وخلاصة القول أن الحديث ضعيف جدا.
(4)
يحيى بن العلاء البجلي أبو سلمة، ويقال أبو عمرو الرازي.
قال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وقال أبو زرعة: في حديثه ضعف، وقال أبو حاتم: عن ابن معين: ليس بشيء.
انظر: تهذيب التهذيب (4/ 380).
(5)
عبيد الله بن الوليد الوصافي، أبو إسماعيل الكوفي، قال البخاري: هو من ولد الوصاف بن عامر العجلى.
عبيد الله وهو مجهول فأي حجة في رواية ضعيف عن هالك عن مجهول؟.
واستدلوا بما وقع في حديث ركانة (1) أنه طلق امرأته البتة فقال: ما أردت إلا واحدة فاستحلفه صلى الله عليه وسلم وردها إليه. رواه الشافعي وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم. ويجاب عنه بأن عامة ما فيه أنه يقبل قول الزوج في تفسير ألبتة مع يمينه وعلى كل حال فالحديث في إسناده اضطراب كما قال البخاري (2) وفيه أيضًا الزبير بن سعيد الهاشمي (3) وقد ضعفه غير واحد، وقيل: إنه متروك. وقد روى أحدهم أنه طلقها ثلاثا فجزي عليها، وروى ابن إسحاق أنه قال: يا رسول الله إني طلقتها ثلاثا فقال: قد علمت (4) أرجعها ثم تلا: {إذا طلقتم النساء
…
الآية} (5) أخرجه أبو داود [50] وأحمد والحاكم من حديث ابن عباس فكيف تقوم الحجة بمحتمل مضطرب متناقض في إسناده متروك؟ وهذا غاية ما جاءوا به من الأدلة التي تحتاج إلى دفع وبيان، وأما سائر ما استدلوا به فبطلان دلالته على المطلوب غنية عن البيان غير محتاجة إلى إيضاح.
واعلم أنه قد ذهب إلى القول بأن الثلاث الواقعة دفعة واحدة فقط ولا يقع منها فوق الواحدة جماعة من الصحابة منهم علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير كما
(1) تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1) وهو حديث ضعيف.
(2)
انظر: فتح الباري (9/ 362 - 367).
(3)
هو الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشمي، أبو القاسم، ويقال: أبو هاشم، المديني: نزل المدائن.
قال ابن المديني: ضعيف. وقال العجلي: روى حديثا منكرا في الطلاق.
انظر: تهذيب التهذيب (1/ 624).
(4)
تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1) وهو حديث حسن.
(5)
[الطلاق: 1].
حكاه ابن مغيث في كتاب الوثائق (1)، وحكاه في البحر (2) عن أبي موسى وابن عباس، وحكاه ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار وحكاه عنهم أيضًا صاحب البحر (3) ونقله ابن مغيث عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام وغيرهما، ونقله في البحر (4) عن القاسم بن إبراهيم، والهادي يحيى بن القاسم، والباقر والناصر، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي، وإليه ذهب ابن تيمية (5) وابن القيم (6) وجماعة من المحققين. واستدل هؤلاء بأدلة منها ما ثبت في صحيح مسلم (7) ومسند أحمد وغيرهما عن ابن عباس أنه قال:"كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم"(8) فقد اعترف عمر رضي الله عنه هاهنا أن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الثلاث واحدة، واعترف أنه لم يرجع فيما وقع منه من الإمضاء إلى شيء غير مجرد ما استحسنه وقوي في رأيه من إمضاء ذلك عليهم، وكل من له علم يعترف بأنه لا حجة في (قول)(9) أحد لا سيما إذا خالف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحق الذي لا تفريط به ولا خلاف فيه. وقد أجاب القائلون بوقوع الثلاث (10) عن حديث ابن عباس هذا بأجوبة متكلفة متعسفة قد أوضحت بطلانها في ذلك المؤلف الذي أشرت إليه وسقت فيه من
(1) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 363).
(2)
(3/ 174 - 175).
(3)
(3/ 174 - 175).
(4)
(3/ 174 - 175).
(5)
انظر: مجموع فتاوى (33/ 82 - 90).
(6)
في زاد المعاد (5/ 234).
(7)
تقدم تخريجه في الرسالة السابقة رقم (1). وهو حديث صحيح.
(8)
تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
(9)
زيادة اقتضاها التركيب
(10)
تقدم ذكر ذلك في الرسالة السابقة رقم (1).
الأدلة الدالة على ما ذهب إليه القائلون بأن الثلاث واحدة ما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة عليه، وقد ذهب قوم إلى أنه لا يقع من الثلاث المرسلة دفعة شيء، لا واحدة ولا أكبر منها وتمسكوا بما ورد من المنع من وقوع الطلاق المخالف للسنة، كما في حديث ابن عمر الثابت في الصحيح (1) الحاكي لطلاقه لزوجته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه ذلك، وثبت في بعض الروايات أنه لم يرها شيئا. ومن القائلين هذا بعض التابعين وبعض أهل الظاهر وبعض الإمامية وابن علية وهشام بن الحكم وأبو عبيدة. وهذا (2) أيضًا عن عدم وقوع الطلاق البدعي بحث طالت فيه الأقوال واضطربت فيه آراء الرجال، وقد أفرده جماعة بالتصنيف، ومن آخر من أفرده بالتصنيف أيضًا راقم الأحرف غفر الله له (3).
وإلى هنا انتهى جواب السائل كثر الله فوائده في شهر شوال سنة 1222هـ بقلم المجيب محمد الشوكاني غفر الله له.
(1) تقدم في الرسالة السابقة رقم (1).
(2)
لعل الأصل وهناك
(3)
بعنوان: "بحث في الطلاق الثلاث مجتمعة هل يقع أم لا؟ وقد حصلت على جزء من المخطوط من " الهند " ولم أجدها كاملة.