المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين} - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ٣

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين}

‌جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}

تأليف العلامة

محمد بن علي لشوكاني

حققته وعلقت عليه وخرجت أحاديثه

محفوظة بنت علي شرف الدين

أم الحسن

ص: 1301

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وإلى رسولك.- قلتم أدام الله فوائدكم- في سؤالكم النفيس ما لفظه: أشكل ما ذكره الزمخشري (1) في تفسير قوله- عز وجل: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} (2).

قال الزمخشري (3): فإن قلت كيف عطف (أمرت) على (أمرت)، وهما واحد؟ قلت:

(1) في تفسيره (3/ 341)

(2)

[الزمر: 11 - 12]

(3)

في الكشاف (5/ 295 - 296): قال {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ} بإخلاص الدين {وأُمِرْتُ} ، بذلك (لـ) أجل {لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} ، أي في مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، والمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقا، فإن قلت: كيف عطف (أمرت! على {وأُمِرْتُ} وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد لأختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه لشيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين، ولك أن تجعل اللام مثلها في أردت لأن أفعل، ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع، والدليل على هدا الوجه مجيئه بغير لام في قوله {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} يونس: 72، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104]، {أمرت أن أكون أول من سلم} [الأنعام: 14].

وفي معناه أوجه:

أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي، لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره، لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون. مما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب يعني: أن الله أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل شوب، بدليلي العقل والوحي فإن عصيت ربى. بمخالفة الدليلين، استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه. فإن قلت: ما معنى التكرير في قوله: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وقوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} .

قلت: ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله لإحداث العبادة والإخلاص.

والثاني: إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعمادته مخلصا له وفيه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول فالكلام أولا واقع في الفعل وإيجاده، ثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله:{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ}

ص: 1303

ليس بواحد، لاختلاف جهتيهما إلى آخر ما ذ كره. وقد استشكل السعد هذا الجواب، ولم يسلم مخالفة جهة أحدهما للأخر، ووجه السعد ذلك بتوجيه لم يظهر كلية الظهور فقال: إن معنى الأول الإخبار بأني أمرت، وليس معنى الثاني الإخبار، إنما هو لغرض الإحراز، وهنا التوجيه مشكل أشد إشكالا من الأول، لأن معناه في الأول الإخبار لهم، وهو صريح اللفظ، ثم قال في الثاني: ليس معناه الإخبار بذلك، بل الإخبار أن أمره بالإخلاص لإحراز السبق.

وقد صرح الزمخشري (1) أن معنى الأخر وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين.

ثم قال الزمخشري (1) فيما بعد ذلك أن نجعل اللام مزيدة ولا تزاد (2) إلا مع أن خاصة إلى آخر ما ذكره فأفاد هذا أن الأمر واحد. وقد استشكل الزمخشري العطف أولا فبقي

(1) في الكشاف (3/ 341). وانظر التعليقة السابقة.

(2)

وهذا فيه نظر، من حيث إنها تزاد لتقوية عامل ضعف: إما لتأخره ومثاله: {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أو بكونه فرعا في العمل نحو قوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ}

وقوله تعالى: {فعال لما يريد} . وقد اجتمع التأخر والفرعية قي قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}

وانظر " مغني اللبيب" لابن هشام (1/ 216 - 218)، "الدر المصون"(9/ 418)

ص: 1304

الإشكال في هذا الوجه على حاله، لأن مراده: قل إني أمرت أن أعبد الله

إلخ

، وأمرت أن أكون أول المسلمين، فأعاده المعطوف الأخر تكرارا، وحق المقام: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأن أكون أول المسلمين، على أن اللام مزيدة. وقول الزمخشري (1) أن اللام لا تزاد إلا مع أن خاصة فيقال: قد جاء في قوله- عز وجل {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} (2)، وجعلت اللام مزيدة بدون أن في هذا، هذا لفظ السؤال. وأقول: تقرير سؤال الزمخشري- رحمه الله أن الفعلين وهما أمرت أمرت متحدان مادة وهيئة ومعنى، فكيف عطف أحدهما على الآخر مع أن متعلق الثاني هو متعلق الأول، لأنه لم يذكر بعده إلا العفة، فتعففه مقدر، وهو معمول الأول كما سيأتي تحقيقه. وتقرير الجواب منه- رحمه الله أن الأول مطلق، والثاني مقيد، والمقيد غير المطلق من حيث إنه مقيد، والأول لمحض الإخبار ليس إلا، والثاني للأخبار بالأمر بالإخلاص. ولاشك أن المأمور به غير المأمور له، والأول يفيد الأول، والثاني يفيد الثاني. ولا شك أن هذا من اختلاف الجهة المسوغ للعطف. والسعد وإن ذكر أن اختلاف الجهة مشكل فقد أجاب عنه. مما يزيد ذلك. وقد تبع الزمخشري أئمة التفسير في ذلك، فقال أبو السعود (3): والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة، والإشعار بأن العبارة المذكورة كما يقتضي الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين،

(1) انظر النص الكامل لكلامه فقد تقدم آنفا.

(2)

قال ابن هشام قي "مغني اللبيب"(2/ 216): واختلف في اللام من نحو: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} و {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} فقيل: زائدة، وقيل: للتعليل، ثم اختلف هؤلاء، فقيل: المفعول محذوف أي يريد الله التبين ليبين لكم ويهديكم: أي ليجمع لكم بين الأمرين، وأمرنا. مما أمرنا له لنسلم.

وقال الخليل وسيبويه ومن تابعهما: الفعل في ذلك كليما مقدر. بمصدر مرفوع بالابتداء، واللام وما بعدها خبر، أي إرادة الله للتبيين، وامرنا للإسلام، وعلى هذا بلا مفعول للفعل.

(3)

في تفسيره (5/ 590) بتحقيق: محمد صبحي بن حسن حلاق.

ص: 1305

انتهى، وقال النيسابوري (1): وأمرت لأن أكون ليس بتكرار، لأن اللام للعفة، والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله، والمعنى أمرت بإخلاص الدين، وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين الخ. وقال البيضاوي (2): والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة الخ. وقال البقاعي (3) بعد أن ذكر المعنى، وأطال: فجهة هذا الفعل غير جهة الأول، فلذلك عطف عليه، لأنه لإحراز قصب السبق. والأول لمطلق الإخلاص في العبادة، انتهى.

إذا تقرر هذا فاعلم أن استشكال العطف إنما هو مع عدم الحكم بزيادة اللام، لأن الأمر الثاني لم يذكر بعده إلا العلة، ولا لد من معلل، وليس إلا الجملة المذكورة بعد الفعل الأول، وهو قوله تعالى:{أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (4) فيكون الكلام على جعل اللام للعلة في قوة أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين، لأن أكون أول المسلمين. ولا شك أنه اتحد ههنا الفعلان وما بعدهما، وهما (أن أعبد) الملفوظ به في الأول، والمقدر في الثاني، فكان الجواب الذي انحل به الإشكال هو ربط الثاني بالعلة المقتضي لاختلاف الجهة، وأما مع القول بزيادة اللام فلا إشكال أصلا، لأن معمول الثاني غير معمول الأول للقطع بأن معمول الأول هو انه يعبد الله مخلصا، ومعمول الثاني هو أنه يكون أول المسلمين. وما أحسن ما قاله ابن الخازن (5)! ولفظه: وقيل أمره أولا بالإخلاص، وهو من عمل القلب، ثم أمره ثانيا بعمل الجوارح إلى آخر كلامه، وهو متين. فالعطف صحيح ليس فيه إشكال، ولكن السائل- كثر الله فوائده- لعله ظن أن الإشكال في مجرد العطف! لأمرت على أمرت سواء اتحد متعلقهما أو اختلفا. ومنشأ?

(1) في تفسيره " غرائب القرآن ورغائب الفرقان"(23/ 120)

(2)

في تفسيره " أنوار التينزيل وأسرار التأويل "(5/ 25)

(3)

في تفسيره " نظم الدرر تناسب الآيات والسور"(16/ 474)

(4)

[الزمر: 11]

(5)

في تفسير "لباب التأويل في معاني التينزيل"(4/ 70)

ص: 1306

ذلك الظن قول الزمخشري (1)، فإن قلت: كيف عطف أمرت على أمرت، وهما واحد!، انتهى. وليس مراد الزمخشري ما ظنه السائل- أطال الله بقاه- بل مراده ما أسلفنا، إنما اختصر الكلام كما هو عادته، وإلا فبتقدير السؤال الذي أراده الزمخشري وغيره هو أن يقال: كيف عطف الفعل الآخر على الفعل الأول، مع أن معمولهما وهو المأمور به واحد: وهو أن أعبد الله مخلصا له الدين لما أسلفناه مع أن تعقيب الثاني بلام العفة يدل على أن المأمور به مقدر، وهو ما دل عليه المأمور به بعد الأمر الأول، فهو نظير كسوت زيدا حلة، وكسوته إكراما له، فلا يشك من نظر في هذا التركيب أن تقدير الكلام كسوت زيدا حلة وكسوت زيدا حلة إكراما. ولا شك أن الفعلين ومعمولهما في هذا التركيب متحدان، فإذا قال القائل: اتحد المعطوف والمعطوف عليه كان الجواب أنهما اختلفا جهة، لأن الأول مطلق، والثاني مقيد، بخلاف ما إذا قيل: كسوت زيدا خفة، وكصوت عمرا جبة؟ فهذا لا يقول قائل أنه مشكل أبدا، لأن عطف الفعل على الفعل مع اختلاف (2) معموليهما مما لا تنكر كثرته في لغة العرب.

فإذا جعلت اللام في الآية زائدة، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فقد جعلت اللام في الآية زائدة، وكان معمول أمرت الأول غير معمول أمرت الثاني فلا يحتاج مع ذلك إلى تجشم الجواب، باختلاف الجهة، لأنه قد وقع الاختلاف في متعلق الفعلين كما يقال: ضربت زيدا وضربت عمرا إكراما، فإذا قال قائل: ما المسوغ لعطف ضربت على ضربت؟ قلنا: اختلاف المعمولين بخلاف ما إذا قال ضربت زيدا وضربت إكراما " فالمسوغ اختلاف الجهتين بالإطلاق والتقييد، والمقام غير محتاج إلى التطويل بمثل هذا، ولكن لما كان منشأ الإشكال هو ذلك كما فهمته من كلام السائل حسن التطويل، وإن كان مثل السائل في قوة إدراكه وجودة عرفانه لا يحتاج إلى البعض من ذلك، إنما لعله

(1) انظر: نص كلام الزمخشري وقد تقدم في بداية الرسالة.

(2)

انظر: الأصول في النحو لابن السراج (2/ 78)

ص: 1307

يقف على هذا الجواب من يحتاج إلى بعض إسهاب، ولا سيما مع إيراد الزمخشري للسؤال على تلك الصفة، فإنه لا يفهم منه كل ناظر فيه في بادئ الرأي إلا ما فهمه السائل- عفى الله عني وعنه-. وأما ما أورده في آخر البحث عن كلام الزمخشري في قوله: إن اللام لا تزاد إلا مع أن خاصة، فالجواب أن جواز زيادة اللام لا يختص بأن المذكورة لفظا، بل هو أعم من اللفظ، والتقدير وقد صرح هذا غير واحد من أئمة (1) الإعراب، بل صرح أهل حواشي الكشاف في هذا الموضع بخصوصه بذلك، قال السراج في حاشيته: أي لفظا أو تقديرا ولهذا قوبل بقوله: دون الاسم الصريح (2) الخ.

(1) انظر " الدر المصون "(9/ 418) وقد تقدم التعليق عليه آنفا.

(2)

قال الألوسي في "روح المعاني"(23/ 250): ولا تزاد إلا مع أن لفظا أو تقديرا دون الاسم الصريح وذلك لأن الأصل في المفعول به أن يكون اسما صريحا فكأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه كما يعوض السين في أسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع وهذه الزيادة وإن كانت شاذة قياسا إلا أنها لما كثرت استعمالا جاز استعمالها في القرآن والكلام الفصيح.

ومثل هذا يقال في زيادتها مع فعل الإرادة نحو أردت لأن أفعل وجعل الزمخشري وجه زيادها معه أنها لما كان فيها معنى الإرادة زيدت تأكيدا لها وجعل وجها في زيادتها مع فعل الأمر أيضًا لاسيما والطلب والإرادة عندهم من باب واحد وفي المعنى أوجه أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي أي إسلاما على وفق الأمر، وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعا ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون. مما لا يفعلون، وأن أفعل ما استحق به الأولية والشرف من أعمال السابقين دلالة على السبب وهى الأعمال التي يستحق بها الشرف بالمسبب وهو الأولية والشرف المذكور في النظم الجليل ذكر ذلك الزمخشري.

وفي الكشف المختار من الأوجه الأربعة الوجه الثاني فإنه المكرر الشائع في القرآن الكريم وفيه سائر المعاني الأخر من موافقة القول الفعل ولزوم أولية الشرف من أولية التأسيس مع أنه ليس فيه أنه أمر بأن يكون أشرف وأسبق.

فائدة:

قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} قال: مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتما به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فأنزل الله قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين، وأقول إن التكليف نوعان: أحدهما الأمر بالاحتراز والتاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا شيء هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة مالا ينبغي فقال:{اتَّقُوا رَبَّكُمُ} لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وهذا يشتمل على قيدين: أحدهما: الأمر بعبادة الله. الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي وإنما خص الله تعالى الرسول إذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها وفي هذه الآية فائدتان:

الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعا فيه وأكترهم مداومة عليه.

الفائدة الثانية: أنه قال: {إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} والعبادة لها كنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله:{مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله ي هذه الآية:{وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ (أمرت) لأنا نقول ذكر لفظ (أمرت) أولا في عمل القلب وثانيا في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريرا.

انظر: "التفسير الكبير" للرازي (25/ 354 - 355)، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (15/ 242)

ص: 1308

وقال السعد في حاشيته: أما الحكم فهو أن اللام إنما تزاد في متعلق الأمر والإرادة إذا كان أن مع (1) الفعل ظاهرة نحو: أمرت لأن أقوم وأردت لأن أقوم، ومضمرة مثل: أمرت لا سلم، يريدون ليطفئوا نور الله الخ. ومنه ما ذكره السائل يريد الله ليبين لكم. ووجه اختصاص زيادة اللام بفعل الإرادة والأمر مذكور في كتب الفن، انتهى قال

(1) انظر التعليقة السابقة.

ص: 1309

المجيب.

حرر بعد مضي النصف من ليلة التلوث ثاني العقدة الحرام سنة 1210هـ قلت: وكان نقل الأم لهذا عن خطه بقلم الوالد العلامة القاضي عبد الله عبد الكريم الجرافي -رحمة الله- صبح يوم الجمعة 15 رجب سنة 1352هـ.

رحمهم الله جميعا

ص: 1310