الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالجواب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاووس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ. هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة. والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
•
قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}
لم يبين في هذه الآية، ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة، كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه؛ ليختار حقلا صالحا لزراعته، وذلك في قوله تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} كما تقدم إيضاحه.
•
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع إذا خافا إلا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع، أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.
وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى
إليها بالجماع، وذلك في قوله تعالى:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)} . وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة، وذلك في قوله:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)} . وأشار إلى ذلك بقوله: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} .
تنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا؛ لأن الله تعالى قال: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ثم ذكر الخلع بقوله: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ، فلم يعتبره طلاقا ثالثا، ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية.
وبهذا قال عكرمة، وطاووس، وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين عن أحمد.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي، لما تقدم مرفوعا إليه - صلى الله عليه وسلم - من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله:{أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وهو مرسل حسن.
قال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند
صحيح. قال: "إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها، فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا".
وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا إنما كرره، ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله:{فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الأية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وعثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة، أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير.
ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق: ما رواه مالك عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر. قاله ابن كثير، والعلم عند الله تعالى.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله، وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيء الحفظ، وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم.
فروع
الأول: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق، وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله:
"صيغه كل أو الجميع
…
وقد تلا الذي التي الفروع"
وهذا هو مذهب الجمهور. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: وقد اختلف العلماء رحمهم الله في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها.
فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} .
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة: أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعاها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها.
وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يقل على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت: فكانت مني زلة يوما، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه قال: نعم. قالت: ففعلت. قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن
ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتي.
وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يأخذ منها شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاووس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
قلت: ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ
شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس "فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه منه" رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} اهـ. من ابن كثير بلفظه.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في عدة المختلعة: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
ومأخذهم في هذا: أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
قاله ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وكون الخلع طلاقا ظاهرًا من جهة المعنى؛ لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا يملك لها فراقا شرعا إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس
"أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج.
وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور: قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس. لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك: خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد، وهو الحذاء، عن عكرمة مرسلا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قاله الحافظ في الفتح. فظهر اعتضاد الطريق المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة.
وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة "وأمره ففارقها" يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب
والسنة يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ، والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران:
أحدهما: ما ذكرنا آنفا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء.
الثاني: أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة.
ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو -رحمه الله تعالى- يقول في أشهر الروايتين عنه: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة. فظهر عدم الملازمة عنده.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا. فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" أن الطلاق المأمور به من قبله - صلى الله عليه وسلم - هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه، كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة.
وقال بعض العلماء: تعتد المختلعة بحيضة، ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها -وهو صحابي-. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعا. والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول،
وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام ولو خالف أكثر أهل العلم. وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة، فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر. وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، لا يخلو من نظر أيضا، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها: الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات أن الرحم لم يشتمل على حمل منه، ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعا، فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة. وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة. ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا، بنص قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول.
ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق؛ صيانة للأنساب، كان
الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا؛ لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح.
فإن قيل: فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟
قلنا: إن كان ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة، وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلا. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني.
الفرع الثالث: اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها، وبانت منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن كثير.
الثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع، وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان رضي الله عنه.
الثالث: أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد
بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير، وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء.
قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال، لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية، لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري اهـ. من ابن كثير.
الفرع الخامس: أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فهو قول باطل