الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لظاهر كلام ابن كثير، ومعنى الأبيات أن هند بنت مر أخت تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس هي أم ثلاثة من أولاد، وائل بن قاسط وهم الحارث، وشخيص، وعنز، وأن أختها برة بنت مر كانت زوجة خزيمة بن مدركة، فتزوجها بعد ابنه كنانة، وأن ذلك مضعف، وأن أختهما عاتكة بنت مر هي أم عذرة أبي القبيلة المشهورة بأن الهوى يقتلها، وقد كان من مختلفات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج أقاربهم، كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه أو أخوه مثلا ثوبا على زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها إن شاء نكحها بلا مهر وإن شاء أنكحها غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدي منه إلى أن نهاهم الله عن ذلك بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً} الآية.
وأشار إلى هذا ناظم عمود النسب بقوله:
القول فيما اختلفوا واخترقوا
…
ولم يقد إليه إلا النزق
ثم شرع يعد مختلقاتهم إلى أن قال:
وأن من ألقى على زوج أبيه
…
ونحوه بعد التوى ثوبا يريه
أولى بها من نفسها إن شاء
…
نكح أو أنكح أو أساء
بالعضل كي يرثها أو تفتدى
…
ومهرها في النكحتين للردى
وأظهر الأقوال في قوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} أن الاستثناء منقطع، أي: لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه، كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ}
الآية. يفهم منه أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم صرح به تعالى في قوله:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (37)} وقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} وقوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} الآية.
أما تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من دليل خارج، وهو تصريحه - صلى الله عليه وسلم - بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية. اعلم أولا أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:
الأول: المحصنات العفائف. ومنه قوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي عفائف غير زانيات.
الثاني: المحصنات الحرائر. ومنه قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} أي على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد.
الثالث: أن يراد بالإحصان التزوج. ومنه على التحقيق قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} الآية -أي: فإذا تزوجن. وقول من قال من العلماء: إن المراد بالإحصان في قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية؛ لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات، حيث قال:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً} الآية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: والأظهر -والله أعلم- أن المراد بالإحصان ها هنا التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول سبحانه وتعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ} والله أعلم. والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله:{فَإِذَا أُحْصِنَّ} أي تزوجن، كما فسره ابن عباس وغيره اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} الآية -أوجه من التفسير هي أقوال للعلماء، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها.
قال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات، أي: حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح، أو ملك شرعي بالرق، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح، أو تسر شرعي، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في الموطأ.
وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع، وأحل لكم ما ملكت أيمانكم من الإماء، وعليه فالاستثناء منقطع.
وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات، لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن السبي يرفع
حكم الزوجية الأولى في الكفر. وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته؛ لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك النكاح، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله:{فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} وقوله: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} وقوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} في الموضعين، فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية، وقوله:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء، دون المنكوحات، كما هو ظاهر، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر؛ لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى.
وصرح العلامة ابن القيم رحمه الله بأن هذا القول مردود لفظا ومعنى. فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، كما دلت عليه الآيات الأخرى التي ذكرنا، ويؤيده سبب النزول، لأن سبب نزولها كما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبنا سبيا من سبي أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فاستحللنا فروجهن.
وروى الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر، ونظير هذا التفسير الصحيح قول الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا
…
حلال لمن يبني بها لم تطلق
تنبيه: فإن قيل: عموم قوله تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} لا يختص بالمسبيات، بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر فهي تحل له بملك اليمين، ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك، والآية وإن نزلت في خصوص المسبيات كما ذكرنا، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
فالجواب: أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم، فحكموا بأن بيع الأمة مثلا يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية، ويروى هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن ومعمر، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، ولكن التحقيق في هذه المسألة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبيات دون غيرها من المملوكات بسبب آخر غير السبي، كالبيع مثلا، وليس من تخصيص العام بصورة سببه.
وأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق ما نصه: وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها، لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة، وباعها مسلوبة
عنه، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط. والله أعلم اهـ. منه بلفظه.
فإن قيل: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح؛ لأنها لا تملك الاستمتاع ببضع الأمة، بخلاف الرجل، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح، كما قال بهذا جماعة، ولا يرد على هذا القول حديث بريرة.
فالجواب: هو ما حرره العلامة ابن القيم رحمه الله، وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها، فهي تملك المعاوضة عليه، وتزويجها وأخذ مهرها، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع، فإذا حققت ذلك علمت أن التحقيق في معنى الآية:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} أي المتزوجات، إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ بالسبي من الكفار، فلا منع في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء، لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما قررنا، وكانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها متزوجة برجل اسمه مسافع، فسبيت في غزوة بني المصطلق، وقصتها معروفة.
قال ناظم قرة الأبصار في جويرية رضي الله عنها:
وقد سباها في غزاة المصطلق
…
من بعلها مسافع بالمنزلق