الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
•
قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ}
الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بين في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم، وهو قوله:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} الآية. إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [بطعامه] قديده المجفف بالملح مثلا، وأن المراد [بصيده] الطري منه فهو خلاف الظاهر، لأن القديد من صيده، فهو صيد جعل قديدا، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته، منهم: أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين- وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام، وهو قوله:{إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله:{مَسْفُوحاً} فائدة.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمين، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء الله تعالى. وعنه صلى الله عليه وسلم في البحر "هو الحل ميتته" أخرجه مالك وأصحاب السنن والإمام أحمد، والبيهقي والدارقطني في سننيهما، والحاكم في المستدرك، وابن الجارود في المنتقى، وابن أبي شيبة.
وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث، وعموم قوله تعالى:{وَطَعَامُهُ} يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا. وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتا، وقصته مشهورة.
وحاصل تحرير فقه هذه المسألة: أن ميتة البحر على قسمين: قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها، أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة رحمه الله فيما مات منه في البحر، وطفا على وجه الماء، فقال فيه: هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده.
وأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر: كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء فقد اختلف فيه العلماء: فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه ووجد طافيًا، أو بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين.
وقال ابن نافع، وابن دينار: ميتة البحر مما يعيش في البحر نجسة.
ونقل ابن عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في البر فيكون نجسا، وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه.
وفي المدونة: ولا بأس بأكل الضفادع، وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء. اهـ. أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيها الكراهة.
قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره: "وكلب ماء وخنزيره". وقال الباجي: أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان: أنه مكروه، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون: خنزير. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حراما، هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر، أو لا قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث، وفيه التصريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم، كقوله:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} وقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} .
وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم:
وما معرفا بأل قد وجدا
…
أو بإضافة إلى معرف
• إذا تحقق الخصوص قد نفى *
وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم "ميتته" يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر.
ومذهب الشافعي رحمه الله في هذه المسألة: هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال؛ بلا خلاف، سواء كان طافيا على الماء أم لا.
وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه، وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال، للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان:
أحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا.
الثاني: التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين مالا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم "الحل ميتته" وقوله تعالى:{وَطَعَامُهُ} كما تقدم.
وأما مذهب الإمام أحمد رحمه الله فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر بأنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة،
فلم يبح بغير ذكاة: كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر. اهـ.
وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم.
ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا، لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر [وهو الحوت بأنواعه] فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر، وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه: أنه مستخبث، والله تعالى يقول:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما ألقي البحر، أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه" اهـ.
قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب. عن أبي الزبير. عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. اهـ.
وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من
كتاب، أو سنة يدل على التخصيص. كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور.
قال النووي في شرح المهذب ما نصه: وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب، والسنة، وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم المنتشرة؟
وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. قال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم، سيىء الحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال: ولا أعرف لابن أبي ذئب
(1)
عن أبي الزبير شيئًا.
قال البيهقي: وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير مرفوعا، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به. قال: ورواه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟ قال: وقول الجماعة
(1)
في الأصل: "لأثر ابن أمية"! وهو خطأ، والتصويب من "سنن البيهقي": 9/ 256 - والمؤلف ينقل منه-، و"العلل الكبير": 2/ 636 للترمذي.
من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما رويناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في البحر:"هو الطهور ماؤه الحل ميتته" اهـ.
وقال البيهقي في السنن الكبرى في باب "من كره أكل الطافي" ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه أنه كان يقول:"ما ضرب به البحر، أو جزر عنه، أو صيد فيه فكل، وما مات فيه، ثم طفا فلا تأكل" وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا وعبد الرزاق، وعبد الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا، وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله"، قال سليمان: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي.
قال مقيده -عفا الله عنه - فتحصل: أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم
الاحتجاج به. وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وبالآية، والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة، وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعا التي قدمنا ضعفوها بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيىء الحفظ. وقد رواه غيره مرفوعا مع أن يحيى سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها أنه واهم فيها. قالوا: خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفا.
ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور -وهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي- ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطىء في حديث الثوري، فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضا برواية عبد العزيز بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا.
ورواية يحيى بن أبي أنيسة له، عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا وإن كان عبد العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك
أيضا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها، وبعضها صحيح، كرواية أبي أحمد المذكورة، والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود:
والرفع والوصل وزيد اللفظ
…
مقبولة عند أمام الحفظ
إلخ
…
نعم لقائل أن يقول: هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة، فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم.
والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:
وأن العرش فوق الماء طاف
…
وفوق العرش رب العالمين
ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونا مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني
راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة.
وقال البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ} .
قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر: الطافي حلال، وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل شيء في البحر مذبوحه. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع. لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى من البخاري بلفظه.
ومعلوم أن البخاري رحمه الله لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحا ثابتا عنده.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه: قوله: قال عمر -هو ابن الخطاب-: "صيده" ما اصطيد، و"طعامه" ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما
قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال: فقال عمر: قال الله تعالى في كتابه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} فصيده: ما صيد. وطعامه: ما قذف به.
قوله: وقال أبو بكر -هو الصديق-: الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد، والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله، فإنه ذكي.
قوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال طعامه: ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيا، في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله.
قوله: والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله: وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري. فقال: لا بأس به، إنما هو شيء
كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به، وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود، ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجري -بفتح الجيم- قال ابن التين: وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال: ويقال له أيضًا: الجريت، وهو ما لا قشر له. وقال ابن حبيب من المالكية: إنما أكرهه، لأنه يقال: إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل: سمك لا قشر له. ويقال له أيضًا: المرماهي، والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره: نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين.
قوله: وقال شريح صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل شيء في البحر مذبوح. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه. وصله المصنف في التاريخ، وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني، وأبو نعيم في الصحابة مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضا، وأخرج
عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي، الحوت ذكي كله.
قوله: وقال ابن جريج، قلت لعطاء: صيد الأنهار، وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا:{هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج أتم من هذا. وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري -وهي بئر عظيمة في الحرم- أتصاد؟ قال: نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيد.
وقلات -بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة- ووقع في رواية الأصيلي مثلثة. والصواب الأول، جمع قلت بفتح أوله، مثل: بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء.
قوله: وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. أما قول الحسن الأول فقيل: إنه ابن علي. وقيل: البصري، ويؤيد الأول أنه وقع في رواية "وركب الحسن عليه السلام" وقوله: على سرج من جلود، أي متخذ من جلود كلاب الماء.
وأما قول الشعبي: فالضفادع -بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا- وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادى بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما
مأواه الماء وغيره. وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي: لا بد من التذكية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها. لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهي ليست من حيوان البحر، لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل:"والبحري ولو طالت حياته ببر".
وقال ابن حجر متصلا بالكلام السابق: وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بأكلها، والسلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس.
وحكي أيضا في المحكم: بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضا: سلحفية كالأول، لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة.
قوله: وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة، وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني.
قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كل ما ألقى البحر، وما صيد منه، صاده يهودي، أو نصراني، أو مجوسي. قال ابن التين:
مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى.
ومن فتح الباري بلفظه: وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس. المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو: الحوت، والمري بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافا لصاحب الصحاح والنهاية فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء المشددة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك، ويوضع في الشمس، فيتغير عن طعم الخمر، ويصير خلا، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر وإزالة الإسكار عنه هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يرى: إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعا.
قال ابن حجر في الفتح: وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد
البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر منع أكل الضفادع مطلقا، لثبوت النهي عن قتلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيبا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتلها.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان، أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتله.
وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال: سأل طبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها، وسيأتي لتحريم أكل الضفادع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ} الآية.
وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن
أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم: أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع. قاله النووي. ونقل عن أحمد رحمه الله ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر، ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في المغني، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه: الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول: دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي:
ولو أنا على حجر ذبحنا
…
جرى الدميان بالخبر اليقين
وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول في الماضي: دميت يده كرضي، ومنه قوله: