الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فِي بَيَان الْإِحْسَان الْمَأْمُور بِهِ
كتب الله سُبْحَانَهُ الْإِحْسَان على كل شَيْء وَأخْبر أَنه يَأْمر بِهِ على الدَّوَام والاستمرار بقوله {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} النَّحْل 16 / 90 وَرغب فِيهِ بقوله {إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ} الْبَقَرَة 2 / 195 وَإِن أمرا يكون سَببا لحب الله سُبْحَانَهُ لجدير بِأَن يحرص عَلَيْهِ ويتنافس فِيهِ ويبادر إِلَيْهِ وَلَا يتَقَيَّد ذَلِك الْإِحْسَان بالإنسان بل يجْرِي فِي حق الْمَلَائِكَة عليهم السلام فَإِنَّهُم يتأذون مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ النَّاس بل يجْرِي فِي حق الْحَيَوَان الْمُحْتَرَم بل فِي غير الْمُحْتَرَم لقَوْله صلى الله عليه وسلم إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذّبْح وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته وَقد جعل لمن قتل الوزغ فِي الضَّرْبَة الأولي مئة حَسَنَة وَفِي الثَّانِيَة سبعين لِأَن قَتله بضربة وَاحِدَة أَهْون عَلَيْهِ من قَتله بضربتين
وَالْإِحْسَان منحصر فِي جلب الْمصَالح ودرء الْمَفَاسِد وَهُوَ غَايَة الْوَرع أَعْلَاهَا إِحْسَان الْعِبَادَات وَهُوَ أَن تعبد الله عز وجل كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَقدر أَنه يراك وأفضلهما أَن تعبد الله عز وجل مُقَدرا أَنَّك ترَاهُ فَإنَّك إِذا قدرت فِي عبادتك ترى المعبود فَإنَّك تعظمه غَايَة التَّعْظِيم وتجله أعظم الإجلال وَاعْتبر ذَلِك لَهَا صُورَة الأكابر والملوك فَإِن من نظر إِلَى ملك بِنَظَر إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يعظمه أبلغ التَّعْظِيم ويهابه أتم المهابة ويتقرب إِلَيْهِ بغاية مَا يقدر عَلَيْهِ وَهَذَا مَحْكُوم بالعادات فَإِن عزفت عَن تَقْدِير رؤيتك إِيَّاه فقد ترى أَنه يراك وَينظر إِلَيْك فَإنَّك تَسْتَحي مِنْهُ وَتَأْتِي بِعِبَادَتِهِ على أتم الْوُجُوه
النَّوْع الثَّانِي الْإِحْسَان إِلَى الْخَلَائق وَذَلِكَ إِمَّا بجلب الْمَنَافِع أَو بِدفع المضار أَو بهما وَلَا فرق بَين قَلِيله وَكَثِيره وجليله وحقيره فَإِن {فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره} الزلزلة 99 / 7 {وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا وَكفى بِنَا حاسبين} الْأَنْبِيَاء 21 / 47 وَفِي الحَدِيث كل مَعْرُوف صَدَقَة وَلَو أَن تلقى أَخَاك وَأَنت منبسط إِلَيْهِ وَجهك وَفِي الحَدِيث لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَا فرسن شَاة وَفِي الحَدِيث
تصدقوا وَلَو بشق تَمْرَة فَإِن لم تَجدوا فبكلمة طيبَة وعَلى الْجُمْلَة فالإحسان مَكْتُوب على كل شَيْء وكل مَعْرُوف صَدَقَة كالكلمة الطّيبَة وطلاقة الْوَجْه وتبسمه وانبساطه وهداية الطَّرِيق