المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف(1)النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص - أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم - جـ ٣

[ابن القيم]

الفصل: ‌فصلفي تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف(1)النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص

‌فصل

في تحريم الإفتاء والحكم في دين الله بما يخالف

(1)

النصوص وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص

وذكر إجماع العلماء على ذلك

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].

وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105].

وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].

وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]

(1)

ع: «خالف» .

ص: 171

وقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57].

وقال تعالى: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ [52/أ] وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26].

وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]. فأكّد هذا التأكيد وكرّر هذا التكرير في موضع واحد، لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبليَّة الأمة به.

وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

وأنكر تعالى على من حاجَّ في دينه بما ليس له به علم، فقال:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66].

ونهى أن يقول أحد: هذا حلال وهذا حرام، لما لم يحرِّمه الله ورسوله نصًّا، وأخبر أن فاعل ذلك مفترٍ عليه الكذب، فقال:{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ص: 172

وأما السنة ففي «الصحيحين»

(1)

من حديث ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سحماء عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر حديث اللعان، وقولَ النبي صلى الله عليه وسلم:«أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحلَ العينين سابغَ الأليتين خَدلَّجَ الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية» ، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» . يريد ــ والله ورسوله أعلم ــ بكتاب الله قولَه: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 8]، ويريد بالشأن ــ والله أعلم ــ أنه كان يحدُّها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُمِيتْ به، ولكن كتاب الله [52/ب] فصلَ الحكومة، وأسقط كلَّ قول وراءه، ولم يبقَ للاجتهاد بعده موقع.

وقال الشافعي

(2)

: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شيخ من زُهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأله عن وِلادٍ من وِلادِ الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش.

(1)

رواه البخاري (2671، 4747) من حديث ابن عباس، ورواه مسلم (1496) من حديث أنس رضي الله عنهم.

(2)

في «الأم» (2/ 192)، ومن طريقه البيهقي (7/ 402) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 505)، ورواه أيضًا عبد الرزاق (9152) والحميدي (24)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (306).

ص: 173

قال الشافعي

(1)

: وأخبرني من لا أتَّهم

(2)

عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مَخْلد بن خُفاف قال: ابتعتُ غلامًا، فاستغللتُه، ثم ظهرتُ منه على عيب، فخاصمتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي بردّه، وقضى عليَّ برد غلَّته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروحُ إليه العشيةَ فأُخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجِلتُ إلى عمر فأخبرته ما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: فما أيسرَ عليَّ من قضاءٍ قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرِدْ فيه إلا الحق؛ فبلغتْني فيه سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأردُّ قضاءَ عمر وأُنفذ سنةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له.

قال الشافعي

(3)

: وأخبرني من لا أتَّهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضيةٍ برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال [53/أ] سعد: واعجبا،

(1)

في «الرسالة» (ص 448، 449)، ومن طريقه البيهقي (5/ 321) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 506)، وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى تكلم فيه أكثر الحفاظ. انظر:«تهذيب الكمال» (2/ 184)، والقصة ثابتة من غير هذا الطريق، وقد تقدم تخريج حديث «الخراج بالضمان» .

(2)

يريد إبراهيم بن أبي يحيى. انظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» للخطيب (1/ 371).

(3)

في «الرسالة» (ص 450). وشيخ الشافعي المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى.

ص: 174

أُنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردُّ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! بل

(1)

أردُّ قضاء سعد بن أم سعد وأُنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا سعد بكتاب القضية فشَقَّه، وقضى للمقضيِّ عليه.

فلْيوحِشْنا المقلّدون ثم أوحشَ الله منهم.

وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا محمد بن أبي راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب، فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تَنْفِر قبل أن تطهر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به، فقام إليه عمر يضربه بالدِّرة ويقول له: لِمَ تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

. ورواه أبو داود بنحوه

(3)

.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا صالح بن عبد الله ثنا سفيان بن عامر عن عتّاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأيَ لأحدٍ مع سنةٍ سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4)

.

(1)

د: «بلى» .

(2)

رواه البيهقي في «المدخل» (25) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 507)، وفي إسناده هشام بن يحيى المخزومي لم يوثقه إلا ابن حبان.

(3)

رقم (2004) والترمذي (946)، والحديث حسنه المنذري في «مختصر السنن» (2/ 430)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (2/ 187)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» - الأم (6/ 247).

(4)

رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 508)، ورواه أيضًا من طريق أخرى ابن عبد البر في «الجامع» (1/ 781)، ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (6/ 53).

ص: 175

وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانتْ له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعَها لقول أحدٍ

(1)

.

وتواتر عنه أنه قال: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائطَ

(2)

. وصحّ عنه أنه قال: إذا رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب

(3)

. وصحّ عنه أنه قال: لا قول لأحدٍ مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4)

.

وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلًا سأله عن رجل تزوّج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلّق

(5)

امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس. فتزوّجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال؛ فكان يبيع [53/ب] نُفَاية

(6)

بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم

(1)

انظر: «الروح» للمؤلف (2/ 735) والتعليق عليه.

(2)

انظر: «سير أعلام النبلاء» (10/ 35) و «تذكرة الحفاظ» (1/ 362) و «تاريخ الإسلام» (5/ 146).

(3)

رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص 50)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 473 - 474) وفي «المدخل» (250)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 389)، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 106)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 387 - 388).

(4)

رواه البيهقي في «المدخل» بنحوه (24).

(5)

سقط بعدها قدر ورقتين في ع.

(6)

أي ما أُبعد منه لرداءته.

ص: 176

يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحلّ، لا تحلّ الفضة إلا وزنًا بوزن

(1)

.

وفي «صحيح مسلم»

(2)

من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة تذاكروا المتوفَّى عنها الحامل تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتدّ آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحلّ حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعتْ سُبيعة بعد وفاة زوجها بيسيرٍ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوّج.

وقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر رضي الله عنه وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية.

وقال شدّاد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر

(3)

.

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صحّ الخبر عنه

(4)

. وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلّدًا، بل إمامًا

(1)

رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 441)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (5/ 282)، وإسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات.

(2)

رقم (1485).

(3)

رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 510).

(4)

رواه البيهقي في «المدخل» (29).

ص: 177

مستقلًّا كما ذكر البيهقي في «مدخله» عن يحيى بن محمد العنبري، قال: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية

(1)

، والخزيمية أصحاب ابن خزيمة

(2)

.

وقال الشافعي: إذا حدّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو [54/أ] ثابت، ولا يُترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ أبدًا، إلا حديث وُجِد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يخالفه

(3)

.

وقال في كتاب «اختلافه مع مالك»

(4)

: ما كان الكتاب والسنة موجودَين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما.

وقال الشافعي

(5)

: «قال لي قائل: دُلَّني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره بخبرٍ نبوي، قلت له: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة الضبابي من ديته فرجع إليه عمر. وأخبرنا ابن عيينة عن عمرو وابن طاوس أن عمر قال: أذكِّر الله امرأً سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا، فقام حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنتُ بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمِسْطح، فألقتْ جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغُرَّة، فقال عمر: لو لم نسمع فيه

(1)

ت: «الزهرية» . د: «الزاهرية» . وكلاهما تحريف. والراهوية نسبة إلى ابن راهويه.

(2)

لم أجده في المطبوع، ولعله في القسم المفقود.

(3)

رواه البيهقي في «المدخل» (24).

(4)

ضمن «الأم» (8/ 763، 764).

(5)

في «الرسالة» (ص 425 - 427).

ص: 178

هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كِدنا لنقضي

(1)

فيه برأينا. فترك اجتهاده رضي الله عنه للنص.

وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهاد الرأي إنما يُباح للمضطر كما تُباح له الميتة والدم عند الضرورة، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173].

وكذلك القياس إنما يُصار إليه عند الضرورة.

قال الإمام أحمد رضي الله عنه: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في «مدخله»

(2)

.

وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تَنْفِر حتى تطوف طواف الوداع، وتناظر في ذلك هو وعبد الله بن عباس، فقال له ابن عباس: إمّا لا فَسَلْ فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع زيد يضحك ويقول:[54/ب] ما أراك إلا قد صدقتَ، ذكره البخاري في «صحيحه»

(3)

بنحوه.

وقال ابن عمر: كنا نُخابِر ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك

(4)

.

وقال عمرو بن دينار: عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله

(1)

ت: «نقضي» .

(2)

برقم (248)، وفي «مناقب الشافعي» (1/ 478).

(3)

رقم (1758)، ورواه مسلم (1328).

(4)

رواه مسلم (1547).

ص: 179

- صلى الله عليه وسلم بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وسنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ

(1)

.

قال الشافعي: فترك سالم قول جدّه لروايتها.

قلت: لا كما تصنع فرقة التقليد.

وقال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان [قال: قال الشافعي]: لنعطينَّك جملةً تُغنيك إن شاء الله، لا تَدَعْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا أبدًا، إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافُه فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفتْ

(2)

.

قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلافَ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَعُوا ما قلت

(3)

.

وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة من

(4)

رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافَ قولي فخذوا بالسنة ودَعُوا قولي، فإني أقول بها

(5)

.

(1)

أخرجه بهذا السياق الشافعي «مسنده» (1/ 299)، ورجاله كلهم ثقات، وقد سبق تخريج قول عمر، وحديث عائشة رضي الله عنهما.

(2)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 472). ومنه الزيادة بين المعكوفتين.

(3)

رواه البيهقي في «المدخل» (249) وفي «مناقب الشافعي» (1/ 472)، ومن طريقه أبو شامة في «مختصر المؤمل» (ص 47)، ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (1/ 389)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 386).

(4)

ت: «من سنة» .

(5)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 472 - 473) وفي «الاحتجاج بالشافعي» (ص 49)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 389).

ص: 180

وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلَّمتُ فيها صحّ الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل

(1)

بخلاف ما قلت فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعد موتي

(2)

.

وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما قلتُ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بخلاف قولي مما يصحّ فحديثُ النبي صلى الله عليه وسلم[55/أ] أولى، ولا تقلِّدوني

(3)

.

وقال الحاكم: سمعت الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: وروى حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأُشهِدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده على رؤوسهم

(4)

.

وقال الحميدي: سأل رجلٌ الشافعيَّ عن مسألة، فأفتاه وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيتَ في وسطي زُنّارًا؟ أتُراني خرجتُ من الكنيسة؟ أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أقول به!

(5)

.

(1)

ت: «العلم» .

(2)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 473).

(3)

رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص 51)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (9/ 106)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 473)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 386).

(4)

سبق تخريجه قريبًا.

(5)

رواه أبو نعيم في «الحلية» (9/ 106)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 474)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 388).

ص: 181

وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو بن

(1)

السمّاك مشافهةً أن أبا سعيد الجصاص حدّثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول، وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول بهذا؟ فارتعدَ الشافعي واصفرّ وحالَ لونُه، وقال: ويحَكَ، أيُّ أرضٍ تُقِلُّني وأي سماءٍ تُظِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فلم أقلْ به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس والعينين

(2)

.

قال: وسمعت الشافعي يقول: ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزُب عنه، فمهما قلتُ من قولٍ أو أصَّلتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافُ ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي، وجعل يردِّد هذا الكلام

(3)

.

وقال الربيع: قال الشافعي

(4)

: لم أسمع أحدًا نسبتْه عامةٌ أو نسبَ نفسَه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولُ رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبعٌ لهما، وأنّ [54/ب] فرضَ الله علينا

(1)

د: «أبو عمرون» !

(2)

رواه أبو نعيم في «الحلية» (9/ 106)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 474 - 475)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 389).

(3)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 475).

(4)

في أول كتابه «جماع العلم» ضمن «الأم» (9/ 5). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 475 - 476).

ص: 182

وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدٌ لا يختلف فيه الفرض، وواجبٌ قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم= إلا فرقةً

(1)

سأصِفُ قولها إن شاء الله.

قال الشافعي

(2)

: ثم تفرَّق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقًا متباينًا، وتفرَّق عنهم

(3)

ممن نسبته العامة إلى الفقه تفرقًا أتى بعضهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق

(4)

من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة.

وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقولوا لي حتى أذهبَ إليه

(5)

.

وقال الإمام أحمد: كان أحسنُ أمرِ الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله

(6)

.

وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن

(1)

سياق الكلام: «لم أسمع أحدًا

يخالف

إلّا فرقة

».

(2)

الكلام متصل بما قبله.

(3)

في «جماع العلم» : «غيرهم» .

(4)

كذا في النسختين. وفي «جماع العلم» : «التخفيف» .

(5)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 476)، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 106)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 385).

(6)

رواه البيهقي في «المدخل» (251)، وفي «مناقب الشافعي» (1/ 476)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (51/ 384).

ص: 183

يدخله

(1)

القياس، ولا موضعَ للقياس لموقعِ السنة

(2)

.

قال الربيع

(3)

: وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ــ بأبي هو وأمي ــ أنه قضى في بَرْوَع بنت واشق ونكحت بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها؛ وقضى لها بالميراث

(4)

، فإن كان ثبت

(5)

عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في قياسٍ، ولا شيءَ إلا طاعة الله بالتسليم له. وإن كان لا يثبت

(6)

عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرةً عن معقِل بن يسار، ومرةً عن معقِل بن سنان، ومرةً عن بعض أشجع لا يُسمَّى.

وقال الربيع

(7)

: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يرفع المصلّي يديه إذا افتتح الصلاة حذوَ منكبيه، وإذا أراد أن [56/أ] يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود. قلت له:

(1)

في ت، د:«لا يدخله» . والتصويب من مصدر التخريج.

(2)

رواه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 478).

(3)

انظر: «الأم» (5/ 74). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 478، 479).

(4)

رواه النسائي (3354)، والترمذي (1145) وصححه من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. ورواه أبو داود (2114)، وابن ماجه (1891)، وصححه ابن حبان (4098)، والحاكم (2/ 180)، والبيهقي (7/ 244) من طريق الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وانظر:«تنقيح التحقيق» (4/ 383) و «نصب الراية» (3/ 201).

(5)

ت: «كانت تثبت» .

(6)

ت: «كانت لا تثبت» .

(7)

كما في «الأم» (8/ 710، 711).

ص: 184

فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قولنا

(1)

.

قال الربيع

(2)

: فقلت: فإنا نقول: يرفع في الابتداء ثم لا يعود، قال الشافعي: أنا مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك

(3)

.

قال الشافعي

(4)

: وهو ــ يعني مالكًا ــ يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. ثم خالفتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمر، فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة. وقد رويتم عنهما أنهما رفعاها في الابتداء وعند الرفع من الركوع. أفيجوز لعالمٍ أن يترك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر لرأي نفسه أو فعْلَ النبي صلى الله عليه وسلم لرأي ابن عمر، ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكيف لم ينْهَه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيتَ إذا جاز له أن يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاثًا وعن ابن عمر فيه اثنتين أنأخذ بواحدة ونترك

(5)

واحدة؟ أيجوز لغيره تركُ الذي أخذ به وأخذُ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره ترك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

(1)

رواه البخاري (735) ومسلم (390).

(2)

الكلام متصل بما قبله.

(3)

رواه مالك في «الموطأ» (1/ 77)، ومن طريقه أبو داود (742).

(4)

الكلام متصل بما قبله.

(5)

في «الأم» : «ويأخذ» و «يترك» بصيغة الغائب.

ص: 185

فقلت له

(1)

: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال: معناه تعظيم لله واتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي صلى الله عليه وسلم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر معًا، ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا، ورُوي عن [56/ب] أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه

(2)

، ومن تركه فقد ترك السنة

(3)

.

قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه تارك للسنة، ونصَّ أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه.

وقال الربيع

(4)

: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؛ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا أكرهه؛ لثبوت السنةِ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأخبارِ عن غير واحد من الصحابة. فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار.

ثم قال

(5)

: أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر

(1)

الكلام متصل بما قبله.

(2)

بلغ بهم المؤلف في «زاد المعاد» (1/ 211) إلى ثلاثين نفسًا، وفي «رفع اليدين في الصلاة» (7 - 38) إلى ثمانية وثلاثين صحابيًّا، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص 85) إلى ثلاثة وعشرين صحابيًّا. وصنف البخاري جزءًا مفردًا في رفع اليدين.

(3)

انتهى النقل من كتاب «الأم» .

(4)

في «الأم» (8/ 588). ونقله البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 484).

(5)

المصدر نفسه (8/ 590).

ص: 186

- رضي الله عنه: من رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم عليه إلا النساء والطيب

(1)

. قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ أن تُتبع

(2)

.

قال الشافعي

(3)

: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترْكِ السنة وغيرها

(4)

وترْكِ ذلك الغير لرأي أنفسكم

(5)

فالعلم إذًا إليكم، تأتون منه ما شئتم وتدَعون ما شئتم.

وقال في الكتاب القديم

(6)

رواية الزعفراني في مسألة بيع المدبّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقتُه، ومن غلطَ فتركَها خالفتُه، صاحبي الذي لا أفارِق اللازمُ الثابت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بعُد، والذي أفارق من لم يقل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرُب.

وقال في خطبة كتابه «إبطال الاستحسان»

(7)

: الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [57/أ] وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من

(1)

أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 410)، والشافعي في «الأم» (3/ 376).

(2)

أخرجه الشافعي في «الأم» (3/ 376، 377).

(3)

الكلام متصل بما قبله.

(4)

في «الأم» : «لغيرها» .

(5)

ع: «أنفسهم» .

(6)

ذكره البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 485).

(7)

ضمن «الأم» (9/ 57).

ص: 187

خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم

(1)

أنعم عليه، وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقال:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} [النحل: 89] وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، فقال:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، فأعلَمَ أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله، ولم يجعل لهم إلا اتباعه. وكذلك قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 - 53] مع ما علّم الله نبيه، ثم

(2)

فرض اتباع كتابه فقال: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف: 43]، وقال:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49]. وأعلمَهم أنه أكمل لهم دينهم فقال عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

إلى أن قال

(3)

: ثم منَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا

(4)

غيره إلا ما علّمهم، فقال لنبيه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ

(1)

في «الأم» : «بما» .

(2)

في «الأم» : «بما» .

(3)

المصدر نفسه (8/ 58).

(4)

في «الأم» : «وأن لا يتولوا» .

ص: 188

رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52]، وقال لنبيه:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]، وقال لنبيه:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24]، ثم أنزل على نبيه أن غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، يعني ــ والله أعلم ــ ما تقدّم من ذنبه قبل الوحي وما تأخّر أن يعصِمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه [57/ب] أول شافعٍ ومشفَّعٍ يوم القيامة، وسيّد الخلائق، وقال لنبيه:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]. وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل في امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يرجع، فأوحى الله إليه آية اللعان فلاعنَ بينهما

(1)

. وقال: {لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية [لقمان: 34]، وقال لنبيه:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 42 - 43]، فحجب عن نبيه علمَ الساعة، وكان مَن عدا

(2)

ملائكة الله المقرّبين وأنبياءه المصطفين من عباد الله أقصرَ علمًا من ملائكته وأنبيائه، والله عز وجل فرض على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا.

وقد صنَّف الإمام أحمد رضي الله عنه كتابًا في «طاعة الرسول»

(3)

، ردّ فيه

(1)

رواه البخاري (423) ومسلم (1492) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.

(2)

في «الأم» : «من جاور» .

(3)

ذكره ابن النديم في «الفهرست» (ص 281). وفي «طبقات الحنابلة» (2/ 65): قال صالح بن أحمد: هذا كتاب عمله أبي في مجلسه، ردًّا على من احتجَّ بظاهر القرآن وترك ما فسَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلَّ على معناه. ونقل عنه أبو يعلى كثيرًا في «العدة» (1/ 143، 144، 145، 149، 227، 2/ 349، 359، 519، 3/ 721)، وابن تيمية في «المسوّدة» (ص 11، 15، 21، 90، 122، 158).

ص: 189

على من احتجّ بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَرْك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته

(1)

: إن الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدالّ على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصّه وعامّه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبِّر عن كتاب الله الدالّ على معانيه، شاهدَه في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلمَ الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبِّرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمِلَ به من شيء [58/أ] عمِلنا به

(2)

.

ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول، فقال: قال جلّ ثناؤه في آل عمران: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [131 - 132]، وقال:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [32].

وقال في النساء: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ

(1)

نقله ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» مختصرًا (2/ 65)، وذكره الموصلي في «مختصر الصواعق» (ص 614).

(2)

جزء من حديث جابر الطويل في الحج رواه مسلم (1218).

ص: 190

بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [65]، وقال:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [69]، وقال:{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [79، 80]، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [59]، وقال:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [13 - 14]، وقال:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [105].

وقال في المائدة: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [92].

وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ

(1)

وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ [58/ب] رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ

ص: 191

اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51 - 52]، وقال:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، وقال:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقال:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62].

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]، وقال:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

ص: 192

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، فكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه

(1)

، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ [59/أ] فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 2 - 5].

وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 17]، وقال:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 1 - 5]، وقال:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، وقال:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12]، وقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 10 - 11]، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

(1)

رواه الطبري (21/ 336).

ص: 193

وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8 - 9]، وقال:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} ــ قال ابن عباس: هو جبريل

(1)

، وقاله مجاهد

(2)

ــ {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [هود: 17].

ثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طفتُ مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررتُ بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطف مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قلت

(3)

: لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك

(4)

.

[59/ب] قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلَّها، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلمُ هذين الركنين ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية:

(1)

رواه الطبري (12/ 357) وابن أبي حاتم (10760) وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (8/ 29) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.

(2)

رواه الطبري (12/ 358)، وابن أبي حاتم (10762) ..

(3)

في النسخ: «قال» . والتصويب من «المسند» .

(4)

رواه أحمد (253) وأبو يعلى (182) والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (297) من طريق ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن عبد الله بن بابَيْه عن يعلى بن أمية به، ورواه أحمد (313) وعبد الرزاق (8945)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (298)، وزادوا «بعض بني يعلى» بين عبد الله بن بابيه ويعلى. وجوّد إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/ 316) وقال: وجهالة ابن يعلى بن أمية لا تضر لأنهم كلهم ثقات. وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (3/ 504): وفي صحَّته نظرٌ. وانظر: «نصب الراية» (3/ 47).

ص: 194

ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فقال معاوية: صدقتَ

(1)

.

ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردَّها بذلك.

وهذا فِعْل الذين يستمسكون بالمتشابه في ردّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظا متشابهًا غير المحكم يردّونه استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردُّوه به، فلهم طريقان في ردّ السنن؛ أحدهما: ردُّها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، الثاني: جعلُهم المحكم متشابهًا ليعطِّلوا دلالته.

وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ــ كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق ــ فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسِّر لهم المتشابه ويبيِّنه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره.

ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدّة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب:

(1)

رواه البخاري (1608) معلقًا دون قوله: «فقال ابن عباس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، فقال معاوية: صدقت» ، فهو عند أحمد (1877) والطحاوي في «معاني الآثار» (2/ 184)، وفي إسناده خصيف ضعيف.

ص: 195

المثال الأول: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة غاية الإحكام المبيَّنة بأقصى غاية البيان أن الله موصوف بصفات الكمال، من العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغضب والرضا والفرح والضحك [60/أ] والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى سماء الدنيا ونحو ذلك. والعلمُ بمجيء الرسول بذلك وإخبارِه به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصُر عنه، فالعلم الضروري حاصل بأن الرسول أخبر عن الله بذلك، وفرض على الأمة تصديقَه فيه، فرضًا لا يتمُّ أصل الإيمان إلا به. فردَّ الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ومن قوله:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، ومن قوله:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، ثم استخرجوا من هذه النصوص المحكمة

(1)

المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه.

المثال الثاني: ردُّهم المحكمَ المعلوم بالضرورة أن الرسل جاؤوا به من إثبات علوِّ الله على خلقه واستوائه على عرشه، بمتشابه قوله:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقوله:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] ونحو ذلك، ثم تحيَّلوا وتمحَّلوا حتى ردُّوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه.

(1)

ت: «المجملة» .

ص: 196

المثال الثالث: ردُّ القدرية النصوصَ الصريحة المحكمة في قدرة الله على خلقه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، بالمتشابه من قوله:{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، و {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التحريم: 7]، ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهًا أُخَر أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه.

المثال الرابع: ردُّ الجبرية النصوصَ المحكمة في إثبات كون العبد قادرًا مختارًا فاعلًا بمشيئته، بمتشابه قوله:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير: 29]، وقوله:{مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} [الأنعام: 39] وأمثال ذلك، ثم [60/ب] استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يُرِدْها ما صيَّروها به متشابهة.

المثال الخامس: ردُّ الخوارج والمعتزلة النصوصَ الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة وخروجهم من النار، بالمتشابه من قوله:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48]، وقوله:{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، وقوله:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14] ونحو ذلك، وفعلوا فيها كفعل من ذكرنا سواء.

المثال السادس: ردُّ الجهمية النصوصَ المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى في عَرَصات القيامة وفي الجنة، بالمتشابه من قوله:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}

ص: 197

[الأنعام: 103]، وقوله لموسى:{لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، وقوله:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] ونحوها، ثم أحالوا المحكم متشابهًا وردُّوا الجميع.

المثال السابع: ردّ النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العدَّ على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به، كقوله:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]، وقوله:{فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 105]، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقوله:{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ} [النمل: 8]، وقوله:{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143]، وقوله:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء: 16]، وقوله:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة: 1]، وقوله:{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]، وقوله:«ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا»

(1)

، وقوله:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، وقوله:«إن ربي قد غضب [61/أ] اليوم غضبًا لم يغضب الله قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»

(2)

، وقوله:«إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي» الحديث

(3)

، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف،

(1)

رواه البخاري (1145) ومسلم (758) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

رواه البخاري (4712) ومسلم (194) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

رواه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 198

فردُّوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76].

المثال الثامن: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة التي هي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة وُجودُها خيرٌ من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن يُعدّ، فردُّوها بالمتشابه من قوله:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، ثم جعلوها كلَّها متشابهة.

المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا، كقوله:{بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105]، {بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39]، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]، {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10]، {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 107]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9]، {ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [الجاثية: 35]، وقوله:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]، {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، وقوله:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]، وقوله:{فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57]، وقوله:{فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [المؤمنون: 19]، وقوله:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14]، وقوله في العسل:{فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] وفي القرآن: {وَنُنَزِّلُ مِنَ

ص: 199

الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، إلى أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية.

فردُّوا ذلك كلَّه بالمتشابه من قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، وقوله:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]، {وَمَا رَمَيْتَ [61/ب] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ما أنا حَملتُكم، ولكن الله حَمَلكم»

(1)

ونحو ذلك، وقوله:«إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه»

(2)

، وقوله للذي سأله عن العزل عن أَمته

(3)

: «اعزِلْ عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها»

(4)

، وقوله:«لا عدوى ولا طِيَرة»

(5)

، وقوله:«فمن أعدى الأولَ؟»

(6)

، وقوله:«أرأيتَ إن منعَ الله الثمرةَ»

(7)

، ولم يقل: منعها البرَدُ والآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدلّ على أن مالك السبب وخالقه يتصرَّف فيه: بأن يسلُبه سببيتَه إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سلبَ النارَ قوةَ الإحراق عن الخليل، ويالله العجب! أترى من أثبت الأسباب وقال إن الله خالقها أثبت خالقًا غير الله؟

(1)

رواه البخاري (3133) ومسلم (1649) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

(2)

رواه البخاري (3117) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

ت: «لأمته» .

(4)

رواه مسلم (1439) من حديث جابر رضي الله عنه.

(5)

رواه البخاري (5717) ومسلم (2220) من حديث أبي هريرة.

(6)

قطعة من الحديث السابق.

(7)

سبق تخريجه.

ص: 200

وأما قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب بها خاص لأهل بدر.

وكذلك القبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأوصلها الله سبحانه إلى جميع وجوه المشركين

(1)

، وذلك خارج عن قدرته صلى الله عليه وسلم، وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محلّ قدرته وهو الخَذْف، وكذلك القتل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أثر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرقٌ بين ذلك وبين كل قتلٍ وكل فعلٍ من شربٍ أو زنا أو سرقة أو ظلم، فإن الله خالق الجميع، وكلام الله يُنزَّه عن هذا.

وكذلك قوله: «ما أنا حملتُكم ولكن الله حملَكم» ، لم يُرد أن الله

(2)

حملهم بالقدر، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم متصرّفًا بأمر الله منفِّذًا له

(3)

، [62/أ] فالله سبحانه أمره بحملهم فنفّذ أوامره، فكأن الله هو الذي حملهم. وهذا معنى قوله:«والله إني لا أُعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعُه» ، ولهذا قال:«وإنما أنا قاسم» ،

(1)

رواه الطبري (11/ 86) من قول ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث متكلم فيه، وللقصة مراسيل تقويها. انظر:«السيرة النبوية» (2/ 431 - 435).

(2)

د: «أنه» .

(3)

«له» ليست في د.

ص: 201

فالله سبحانه هو المعطي على لسانه، وهو يَقسِم ما يقسمه

(1)

بأمره.

وكذلك قوله في العزل: «فسيأتيها ما قُدِّر لها» ، ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن الله سبحانه إذا قدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقلَّ شيء، فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد البتةَ وليس سببًا له، وأن الزوج أو السيد إن وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حدٍّ سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟

وكذلك قوله: «لا عدوى ولا طِيَرة» لو كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدلَّ على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدلُّ على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يثبتونه من سببية مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفُها عن محلّها ولا معارضتُها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًّا بنفسه.

فالناس في الأسباب لهم ثلاثة طرق:

إبطالها بالكلية.

وإثباتها على وجهٍ لا يتغير، ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها، كما يقوله الطبائعية والمنجِّمون والدهرية.

والثالث ما جاءت به الرسل ودلَّ عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجوازُ ــ بل وقوعُ ــ سلْبِ سببيتها عنها إذا شاء الله، ودفْعها بأمور

(1)

ت: «قسمه» .

ص: 202

أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرَف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصلة، وتُصرَف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضدِّ ذلك، فللّه [62/ب] كم من خير انعقد سببه ثم صُرِف عن العبد بأسبابٍ أحدثَها منعت حصولَه وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شر انعقد سببه ثم صُرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقه له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، والله المستعان وعليه التكلان.

المثال العاشر: ردّ الجهمية النصوصَ المحكمة الصريحة التي تفوت العدَّ على أن الله سبحانه تكلّم ويتكلّم، وكلّم ويكلّم، وقال ويقول، وأخبر ونبَّأ، وأمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى، ويعظ

(1)

ويبشِّر وينذر ويحذّر، ويوصِّل لعباده القولَ ويبيّن لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووعد وأوعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلِّم كلًّا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام

(2)

والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع. فردَّها الجهمية ــ مع إحكامها وصراحتها وتعيُّنها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره ــ بالمتشابه من قوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

المثال الحادي عشر: ردُّوا محكم قوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، وقوله:{وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13]، وقوله: {نَزَّلَهُ

(1)

في المطبوع: «ويعطي» خلاف النسخ.

(2)

ع: «الكلام» .

ص: 203

رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102]، وقوله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقوله:{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144]، وغيرها من النصوص المحكمة، بالمتشابه من قوله:{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، وقوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40]، والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات الله جل جلاله داخلة في مسمّى اسمه؛ فليس «الله» اسمًا لذاتٍ لا سمعَ لها ولا بصرَ ولا حياة ولا كلام ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته

(1)

وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مسمى [63/أ] اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق، وما سواه مخلوق.

وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغٍ محض لا إنشاء. والرسالة تستلزم تبليغ كلام المرسِل، ولو لم يكن للمرسِل كلام يبلّغه الرسول لم يكن رسولًا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلمًا فقد أنكر رسالة رسله، فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم.

فالجهمية وإخوانهم ردّوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيَّروا الكل متشابهًا، ثم ردّوا الجميع، فلم يثبتوا لله فعلًا يقوم به يكون به فاعلًا، كما لم يثبتوا له كلامًا يقوم به يكون به متكلمًا؛ فلا كلام له عندهم ولا فَعَال

(2)

، بل كلامه وفعله عندهم مخلوق منفصل عنه، وذلك لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به.

(1)

ع: «وكتابه» تحريف.

(2)

ع: «فعل» .

ص: 204

المثال الثاني عشر ــ وقد تقدم ذكره مجملًا فنذكره ههنا مفصلًا ــ: ردُّ الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من

(1)

ثمانية عشر

(2)

نوعًا:

أحدها: التصريح بالفوقية مقرونةً بأداة «مِن» المعينة لفوقية الذات، نحو:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].

الثاني: ذكرها مجردةً عن الأداة، كقوله:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].

الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فيعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم»

(3)

.

الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10].

الخامس: التصريح برفعه بعضَ المخلوقات إليه، كقوله:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55].

السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا

(4)

وشرفًا، كقوله:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، {وَهُوَ الْعَلِيُّ

(1)

«من» ليست في ت.

(2)

ع: «عشرين» .

(3)

رواه البخاري (555) ومسلم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

ع: «قدرة» .

ص: 205

الْكَبِيرُ} [سبأ: 23]، {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

(1)

} [الشورى: 51].

السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله:[63/ب]{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ} [الزمر: 1]، {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]. وهذا يدلُّ على شيئين: على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلّم به لا غيره، الثاني: على علوه على خلقه، وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.

الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله:{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

(2)

وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]، ففرق بين من له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه:«إنه عنده على العرش»

(3)

.

التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون «في» بمعنى «على» ، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.

العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش الذي

(1)

في جميع النسخ: «علي كبير» .

(2)

في النسخ: «ومن في الأرض» .

(3)

رواه البخاري (7404) ومسلم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 206

هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثم» الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتةَ.

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا»

(1)

.

الثاني عشر: التصريح بنزوله كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا

(2)

، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ.

الثالث عشر: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه مَن هو أعلمُ به وبما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية [64/أ] والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مجمعٍ على وجه الأرض، يرفع أصبعه إلى السماء ويقول:«اللهم اشهَدْ»

(3)

، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.

الرابع عشر: التصريح بلفظ «الأين» الذي هو عند الجهمية بمنزلة «متى» في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين عندهم

(4)

البتةَ، فالقائل «أين الله» و «متى كان الله» عندهم سواء، كقول أعلمِ الخلق به، وأنصحهم لأمته،

(1)

رواه أبو داود (1488) والترمذي وحسنه (3556) وابن ماجه (3865) من حديث سلمان، وصححه ابن حبان (876) والحاكم (1/ 497). وانظر:«صحيح أبي داود» - الأم (5/ 226 - 227).

(2)

سبق تخريجه.

(3)

جزء من حديث جابر الطويل رواه مسلم (1218).

(4)

د، ت:«عندهما» .

ص: 207

وأعظمِهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظٍ لا يوهم باطلًا بوجهٍ «أين الله»

(1)

في غير موضع.

الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادةٍ عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال «إن ربه في السماء» بالإيمان، وشهد عليه أفراخُ جهمٍ بالكفر، وصرَّح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان

(2)

، فقال في كتابه

(3)

في باب عتق الرقبة المؤمنة، وذكر حديث الأمة السوداء التي سوَّدتْ وجوهَ الجهمية وبيَّضتْ وجوه المحمدية، فلما وصفت الإيمان قال:«أعتِقْها فإنها مؤمنة»

(4)

، وهي إنما وصفَتْ كون ربها في السماء، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فقرنَتْ بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان.

السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذِّبَه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال:{يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 36]، فكذّب فرعون موسى في إخباره إياه

(5)

بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فرقَ بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب. وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزَّه

(1)

كما رواه مسلم (537) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.

(2)

في النسخ: «إيمانا» .

(3)

«الأم» (6/ 706 - 707).

(4)

قطعة من حديث معاوية بن الحكم.

(5)

«إياه» ساقطة من ع.

ص: 208

الربّ عما لا يليق به وكذّب موسى في إخباره [64/ب] بذلك؛ إذ من

(1)

قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب، فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سماهم أئمة السنة «فرعونية». قالوا: وهم

(2)

شر من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول: إن الله في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطَّلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأيُّ طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجهٍ كان قوله

(3)

خيرًا من قولهم.

السابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردَّد بين موسى وبين الله، ويقول له موسى: ارجعْ إلى ربك فسَلْه

(4)

، فيرجع إليه، ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه، ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرارٍ

(5)

.

الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عِيانًا جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر

(6)

، والذي تفهمه الأمم على اختلافِ لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة

(1)

د: «ومن» .

(2)

ت: «وقالوا هم» .

(3)

كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع:«قولهم» .

(4)

بعدها في المطبوع: «التخفيف» ، وليست في النسخ ولا عند البخاري. وفي ع:«لأمتك» .

(5)

رواه البخاري (3207) ومسلم (164) من حديث أنس عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما.

(6)

رواه البخاري (806) ومسلم (182) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 209

والمواجهة، التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة، غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية، ولا

(1)

في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تَعقل الأمم

(2)

غير هذا، فإما أن يروه

(3)

سبحانه من تحتهم ــ تعالى الله ــ أو من خلفهم أو أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بدَّ من قسمٍ من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقًّا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم، كما في حديث جابر الذي في «المسند»

(4)

وغيره: «بينا أهلُ الجنة في نعيمهم إذ سطعَ لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبّار قد أشرف

(5)

عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم

(6)

. ثم قرأ قوله: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته [65/أ] وبركته عليهم في ديارهم»

(7)

.

ولا يتمُّ إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلَهم وصرَّحوا بذلك، وركِبوا النفْيينِ معًا، وصدّق أهل السنة بالأمرين معًا وأقرُّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علوَّ الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

(1)

في جميع النسخ: «من لا» . والمثبت من ط.

(2)

د: الأمة».

(3)

د: «أن يرونه» . ت: «أن يرويه» .

(4)

لم أجده في «مسند» الإمام أحمد، ولا في «إتحاف المهرة» .

(5)

ت: «أشرق» .

(6)

بعدها في ع: «طبتم» .

(7)

رواه ابن ماجه (184) من حديث جابر رضي الله عنه. والإسناد ضعيف لضعف عاصم العباداني والفضل بن عيسى الرقاشي، والحديث ضعفه الذهبي في «العلو» (ص 23)، والبوصيري في «مصباح الزجاجة» (67).

ص: 210

فهذه أنواع

(1)

من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسِطَتْ أفرادها كانت ألفَ دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهميةُ ذلك كله وردُّوه بالمتشابه من قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وردَّه زعيمهم المستأخر

(2)

بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، وبقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

ثم ردُّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردُّوه به، ثم ردُّوا المحكم متشابهًا؛ فتارةً يحتجون به على الباطل، وتارة يدفعون به الحق. ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهرُ ولا أبينُ مرادًا من مضمون هذه النصوص؛ فإذا كانت متشابهةً فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم البتةَ، ولازمُ هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أنّ ترْكَ الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتْهم وأفهمتْهم غير المراد، وأوقعتْهم في اعتقاد الباطل، ولم يُبيَّنْ لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقاييسهم، فنسأل مثبِّتَ القلوب تبارك وتعالى أن يثبِّت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يُزِيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريب مجيب.

المثال الثالث عشر: ردُّ الرافضة النصوصَ الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاصِّ الأمة

(3)

وعامتها بالضرورة في مدح

(1)

ت: «أنواع من الأنواع» .

(2)

ت: «المتأخر» . يريد الرازي.

(3)

ع: «خاصة الأمة» .

ص: 211

الصحابة والثناء عليهم، ورِضا الله

(1)

[65/ب] عنهم، ومغفرته لهم، وتجاوزه

(2)

عن سيئاتهم، ووجوب محبة الأمة واتباعهم، واستغفارهم لهم، واقتدائهم بهم= بالمتشابه من قوله:«لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرِب بعضكم رقابَ بعض»

(3)

ونحوه.

كما ردُّوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردُّوا النصوص الصحيحة

(4)

المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب، التي تقع مكفَّرةً بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة

(5)

، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة

(6)

، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحو أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بدَّ من دخول النار، ثم يخرجون منها. فتركوا

(7)

ذلك كلَّه بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردُّوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا

(1)

د: «ورضاه» .

(2)

ع: «ومجاوزته» .

(3)

رواه البخاري (4403) ومسلم (66) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(4)

ت: «الصريحة الصريحة» .

(5)

ع: «يوم القيامة» .

(6)

ع: «بالشفاعة» .

(7)

ع: «فردوا» .

ص: 212

قصدوا بها

(1)

طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا

(2)

فيه على الأجر المفرد

(3)

، وكان حظُّ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب. فاشتركوا هم والرافضة في ردّ

(4)

المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفّروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويَدَعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى

(5)

على الهدى، وبالله التوفيق.

[66/أ] المثال الرابع عشر: ردُّ المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من وجوب الطمأنينة وتوقُّف إجزاء الصلاة وصحتها عليها، كقوله: «لا تُجزِئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صُلْبه في

(6)

ركوعه وسجوده»

(7)

، وقوله لمن

(1)

ع: «به» .

(2)

ت: «فجعلوا» .

(3)

ت: «المقرر» .

(4)

ع: «وردوا» .

(5)

ت: «وتقديم الهوى» .

(6)

د، ت:«من» .

(7)

رواه أبو داود (855) والنسائي (1027) والترمذي وصححه (265) وابن ماجه (870) وأحمد (17103)، وصححه ابن خزيمة (591) والدارقطني (1315) وابن حبان (1893) والبيهقي (2/ 88) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه. وفي الباب عن علي بن شيبان، وأنس، وأبي هريرة، ورفاعة الزرقي. انظر:«تحفة الأحوذي» (2/ 109).

ص: 213

تركها: «صلِّ فإنك لم تُصلِّ»

(1)

، وقوله:«ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا»

(2)

، فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة، ونفى مسماها الشرعي بدونها، وأمر بالإتيان بها، فردّ هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله:{ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

المثال الخامس عشر: ردُّ المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر»

(3)

، وقوله:«تحريمها التكبير»

(4)

، وقوله:«لا يقبل الله صلاةَ أحدكم حتى يضع الوضوءَ مواضعَه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر»

(5)

، وهي نصوص في غاية الصحة فرُدَّتْ بالمتشابه من قوله:{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15].

(1)

رواه البخاري (757) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

قطعة من الحديث السابق.

(3)

قطعة من الحديث السابق.

(4)

رواه أبو داود (61) والترمذي (3) وابن ماجه (275) وأحمد (1006) من حديث علي، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه، وللحديث شواهد أخرى يتقوى بها، وقد صححه الحاكم (1/ 132)، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (718)، وحسّنه البغوي في «شرح السنة» (558). انظر:«نصب الراية» (1/ 307 - 308) و «التلخيص الحبير» (1/ 389 - 391) وأصل «صفة الصلاة» (1/ 184 - 186).

(5)

رواه أبو داود (857) وابن ماجه مختصرًا (460) والبزار وحسّنه (178)، وابن الجارود (194) وصححه الحاكم (1/ 241) من حديث رفاعة رضي الله عنه. انظر:«صحيح أبي داود» - الأم (4/ 7).

ص: 214

المثال السادس عشر: ردُّ النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة

(1)

في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فرضًا

(2)

، بالمتشابه من قوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدلٌ عن قيام الليل، وبقوله للأعرابي

(3)

: «ثم اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن»

(4)

، وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يُسِئْ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسَّر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه؛ فلا يترك له المحكم الصريح.

المثال السابع عشر: ردُّ المحكم الصريح من توقُّف الخروج من الصلاة على التسليم، كما في قوله:«تحليلُها التسليم»

(5)

، وقوله:«إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»

(6)

. [66/ب] فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك، فردَّ بالمتشابه من قول ابن مسعود:«فإذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتك»

(7)

، وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام

(8)

.

(1)

«الصحيحة» ليست في ع.

(2)

رواه البخاري (756) ومسلم (394) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

(3)

«للأعرابي» ليست في د.

(4)

ضمن حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي سبق تخريجه قريبًا.

(5)

جزء من حديث علي الذي سبق تخريجه في الصفحة السابقة.

(6)

رواه مسلم (431) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما.

(7)

سبق تخريجه.

(8)

ت: «للسلام» .

ص: 215

المثال الثامن عشر: ردُّ المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وقوله: «وإنما لامرئٍ ما نَوى»

(1)

، وهذا لم ينوِ رفع الحدث فلا يكون له بالنص؛ فرُدَّ هذا بالمتشابه من قوله:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادةً على نصّ القرآن فيكون نسخًا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاث مقدمات:

إحداها

(2)

: أن القرآن لم يوجب النية.

الثانية

(3)

: أن إيجاب السنة لها نسخٌ للقرآن.

الثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز.

وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صرَّحت السنة بإيجابه، كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها.

ولا يُتصوَّر صدق المقدمات الثلاث

(4)

في موضع واحد أصلًا، بل إما أن تكون كاذبةً أو بعضها؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبَّه على أنه لم يكتفِ من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينوِ التقرُّبَ إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعةً البتةَ؛ فلا يكون معتدًّا به، مع أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى

(1)

رواه البخاري (5070) ومسلم (1907) من حديث عمر رضي الله عنه.

(2)

د، ت:«احدها» .

(3)

د، ت:«الثاني» .

(4)

«الثلاث» ليست في د.

ص: 216

الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إنما يفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهتَ

(1)

الأمير فترجَّلْ، وإذا دخل الشتاء فاشترِ

(2)

الفروَ ونحو ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دلَّ على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه.

ولو كان كلُّ ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر

(3)

سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم[67/أ] ودُفِعَ في صدورها وأعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب الله فلا تُقبل ولا يُعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيقع وحذَّر منه، كما في «السنن» من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه

(4)

، ألا يوشك رجلٌ شَبْعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، ما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه، ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي نابٍ من السباع، ولا لُقطة مال معاهدٍ»

(5)

. وفي لفظ: «يوشك أن يقعد الرجل منكم

(6)

على

(1)

ت: «وجهت» .

(2)

د: «فاشتروا» .

(3)

«أكثر» ليست في ع.

(4)

تكررت هذه الجملة في ع ثلاث مرات.

(5)

رواه أبو داود (4604) وأحمد (17174) والدارقطني (4768) من طريق حريز بن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام. ورواه ابن حبان وصححه (12) من طريق مروان بن رؤبة عن أبي عوف عن المقدام. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (2870).

(6)

ع: «بينكم» .

ص: 217