الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبرُ منه؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دارَ إسلامٍ عزم على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك ــ مع قدرته عليه ــ خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال [2/أ] قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.
ف
إنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلُفه ضدُّه.
الثانية: أن يقلَّ وإن
(1)
لم يَزُلْ بجملته.
الثالثة: أن يخلُفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلُفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأُوليان
(2)
مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتَهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله وإلى رسوله، كرمي النُّشَّاب وسِباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسّاق
(1)
«إن» ليست في ز.
(2)
د: «الأولتان» .
قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاءٍ وتصدية، فإن نقلتَهم عنه إلى طاعة
(1)
، وإلّا كان تركُهم على ذلك خيرًا من أن تُفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغِلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفتَ من نقلِه عنها انتقالَه إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدَعْه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.
وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال، فدَعْهم
(2)
.
فصل
المثال الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُقطَع الأيدي في الغزو. رواه أبو داود
(3)
. فهذا حدٌّ من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشيةَ أن يترتّب عليه ما هو أبغضُ إلى الله من تعطيله أو تأخيره، من لحوقِ صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نصَّ أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في
(1)
في المطبوع: «طاعة الله فهو المراد» ، وليست في النسخ. والكلام مفهوم بدونه.
(2)
انظر كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع في «مجموع الفتاوى» (14/ 472، 20/ 58، 28/ 129).
(3)
تقدم تخريجه.
«مختصره» فقال: «ولا يقام الحدُّ
(1)
على مسلم في أرض العدو»
(2)
. وقد أُتِيَ بُسْر بن أرطاة برجلٍ في الغَزاة قد سرق بُخْتِيَّةً
(3)
فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُقطع الأيدي في الغزو» لقطعتُك، رواه أبو داود
(4)
. وقال أبو محمد المقدسي
(5)
: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في «سننه»
(6)
بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: «أنْ لا يَجلِدنَّ أميرُ جيشٍ ولا سريّةٍ ولا رجلٌ من المسلمين حدًّا وهو غازٍ حتى يقطعَ الدَّرْبَ قافلًا، لئلا تَلحقَه حميةُ الشيطان فيلحق بالكفار» . وعن أبي الدرداء مثل ذلك
(7)
.
وقال علقمة: كنّا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان،
(1)
د: «ولا تقام الحدود» . والمثبت من ز موافق لما في «المختصر» .
(2)
«مختصره» بشرحه «المغني» (13/ 172).
(3)
في النسخ: «مجنه» محرفًا، والتصويب من مصدر التخريج و «السنن الكبرى» للبيهقي (9/ 104) وغيرهما. والبُخْتية من الإبل الخراسانية الطويلة الأعناق.
(4)
رقم (4408). وقوَّى الحافظ إسناده في «الإصابة» (1/ 540).
(5)
أي ابن قدامة في «المغني» (13/ 173، 174).
(6)
رقم (2500). وفي إسناده الأحوص بن حكيم متكلم فيه، وكذلك أبوه حكيم بن عمير لم يسمع من عمر، قال الشافعي: ما روي عن عمر رضي الله عنه منكر غير ثابت. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (3/ 16) و «تهذيب الكمال» (7/ 199) و «الأم» للشافعي (7/ 375).
(7)
رواه سعيد بن منصور (2499) وابن أبي شيبة (29465) .. وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم متكلم فيه، وحميد بن عقبة بن رومان لم يوثقه إلا ابن حبان في «الثقات» (2226).
وعلينا الوليد بن عقبة
(1)
، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدَّه، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟
(2)
.
وأُتِيَ سعدُ بن أبي وقاص بأبي مِحْجن يومَ القادسية وقد شرب الخمر، فأَمر به [2/ب] إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو مِحجن
(3)
:
كفَى حَزَنًا أن تُطْردَ الخيلُ بالقَنَا
…
وأُترَكَ مشدودًا عليَّ وثاقِيا
فقال لابنة خَصَفَة
(4)
امرأة سعد: أطلقيني، ولكِ اللهُ عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجعَ حتى أضعَ رجلي في القيد، فإن قُتِلتُ استرحتم منّي، قال: فحلَّتْه، حتى
(5)
التقى الناسَ، وكانت بسعد جراحةٌ فلم يخرج يومئذٍ إلى الناس، قال: وصَعِدوا به فوق العُذَيب
(6)
ينظر إلى الناس، واستعملَ على الخيل خالدَ بن عُرفُطة، فوثب أبو مِحجن على فرس لسعد يقال لها البَلْقاء، ثم أخذ رُمحًا، ثم خرج، فجعل لا يَحمِل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا مَلَكٌ، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضَّبْرُ ضَبْرُ البَلْقاء
(7)
، والطَّفْرُ
(1)
د، ز:«عتبة» تحريف. والتصويب من مصادر التخريج.
(2)
رواه سعيد بن منصور (2501) وعبد الرزاق (9372) وابن أبي شيبة (29466) ومن طريقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (4/ 1751)، ورجاله كلهم ثقات.
(3)
«ديوانه» (ص 37).
(4)
ز: «حفصة» ، تحريف.
(5)
كذا في النسختين، وفي هامش د:«لعله: حين» . وهي كذلك في «المغني» .
(6)
العُذيب: ماء بين القادسية والمغيثة. انظر: «معجم البلدان» (4/ 92).
(7)
في النسختين د، ز:«والصبر صبر البلقاء» ، وهو تصحيف نبَّه على ذلك ابن فتحون في أوهام الاستيعاب، كما في «الإصابة» (12/ 589). والضَّبْر: العَدْو.
طَفْرُ
(1)
أبي مِحجن، وأبو مِحجن في القيد، فلما هُزِمَ العدو رجع أبو مِحجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خَصَفَة
(2)
سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرِبُ اليومَ رجلًا أبلَى المسلمين
(3)
ما أبلاهم، فخلَّى سبيله، فقال أبو مِحجن: قد كنتُ أشربها إذ يقام عليَّ الحدُّ وأُطَهَّر منها، فأما إذْ بَهْرَجْتَني فوالله لا أشربُها أبدًا
(4)
(5)
.
وقوله: «إذ بَهْرَجْتَني» أي أهدرتَني بإسقاط الحدّ عنّي، ومنه «أنّه بَهْرَجَ دمَ ابن الحارث»
(6)
أي أبطله. وليس في هذا ما يخالف نصًّا ولا قياسًا ولا
(1)
د: «والظفر ظفر» وكذا في المطبوع، وهو تصحيف. والمثبت من ز، و «الإصابة». والطَّفْر: الوثوب في ارتفاع. وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن عبد البر في «الاستيعاب» وابن قدامة في «المغني» : «والطَّعْن طَعْن أبي محجن» .
(2)
ز: «حفصة» ، تحريف.
(3)
كذا في د، ز هنا. وفيما يأتي:«للمسلمين» . وفي «المغني» : «أبلى الله المسلمين به» . وانظر: «الإصابة» (12/ 589) ..
(4)
رواه سعيد بن منصور (2502) وابن أبي شيبة (34435).
(5)
إلى هنا انتهى النقل عن ابن قدامة في «المغني» .
(6)
كما في «النهاية» لابن الأثير (1/ 166)، ولم أجده مسندًا بهذا اللفظ، والمقصود به ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع:«ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أوّلَ دمٍ أضعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل» . أخرجه مسلم (1218) ضمن حديث جابر الطويل في الحج. واسمه آدم كما جاء في «جمهرة أنساب العرب» (ص 70) لا ذباب كما في «المجموع المغيث» (1/ 202). فذباب بن الحارث صحابي، وقصة إسلامه مشهورة ولم يُقتل حتى يُبطل دمه. انظر:«طبقات ابن سعد» (1/ 342) و «الإصابة» (3/ 406، 407).
قاعدةً من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادُّعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ في «المغني»
(1)
: «وهذا اتفاق لم يظهر خلافه» .
قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحدّ لعارضٍ أمر وردت به الشريعة، كما يؤخَّر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.
فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: «والله لا أضرِب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم» ، فأسقط عنه الحد؟
قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حدَّ على المسلم في دار الحرب، كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله عز وجل؛ فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذْله نفسَه لله ما رأى درأ عنه الحدَّ؛ لأن ما أتى به من الحسنات غَمرتْ هذه السيئة الواحدة وجعلتْها كقطرة نجاسةٍ وقعت في بحر، ولا سيّما وقد شامَ منه مخايلَ التوبة النصوح وقت القتال؛ إذ لا يُظَنُّ في مسلم إصرارُه في ذلك الوقت الذي هو مظِنَّة القدوم على الله وهو يرى الموت.
وأيضًا فإنه بتسليمه نفسَه ووَضْعِ رجلِه في القيد اختيارًا قد استحق أن يُوهَب له حدُّه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فقال:«هل صلَّيتَ معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم، قال:
(1)
«المغني» (13/ 174).
«اذهَبْ فإن الله قد غفر لك حدَّك»
(1)
. وظهرَ بركةُ هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: «والله لا [3/أ] أشربها أبدًا ــ وفي رواية: أبدَ الأبدِ
(2)
ــ قد كنت آنَفُ أن أتركَها من أجلِ جَلداتِكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا»
(3)
. وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم مما صنع خالد ببني جَذِيمة، وقال:«اللهم إني أبرأُ إليك مما صنعَ خالد»
(4)
، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.
ومن تأمّل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقهَ هذا الباب.
وإذا كان الله لا يعذِّب تائبًا فهكذا الحدود لا تُقام على تائب، وقد نصّ الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى.
وقد روينا في «سنن النسائي»
(5)
من حديث سِماك عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها [رجلٌ]
(6)
في سواد الصبح ــ وهي تَعمِد إلى
(1)
رواه البخاري (6823) ومسلم (2764) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
لم أقف على هذه الرواية.
(3)
رواه عبد الرزاق (17077). وانظر: «الاستيعاب» (4/ 1748) و «تاريخ الإسلام» للذهبي (2/ 167) و «الإصابة» (12/ 590).
(4)
رواه البخاري (4339) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(5)
الكبرى (7270)، ورواه أيضًا ابن الجارود (823) والطبراني (18) والبيهقي (8/ 284)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (900).
(6)
زيادة من النسائي.
المسجد ــ عَكْوَرَةً
(1)
على نفسها، فاستغاثت برجل مرَّ عليها، وفرَّ صاحبها، ثم مر عليها ذوو
(2)
عددٍ، فاستغاثتْ بهم، فأدركوا الرجلَ الذي كانت استغاثَتْ به فأخذوه، وسبقَهم الآخر، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتُكِ، وقد ذهب الآخر، قال: فأَتَوا به نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتدُّ، فقال: إنما كنتُ أغثتُها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبَ، هو الذي وقع عليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«انطلِقوا به فارجُموه» . فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلتُ بها الفعلَ، فاعترفَ، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أغاثَها، والمرأة، فقال:«أما أنتِ فقد غُفِر لكِ» ، وقال للذي أغاثَها قولًا حسنًا، فقال عمر: ارجُمِ الذي اعترفَ بالزنى، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال:«لا، إنه قد تاب إلى الله» . رواه عن محمد بن يحيى بن كثير الحرّاني ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ثنا أسباط بن نصر عن سِماك، وليس فيه بحمد الله إشكال
(3)
.
فإن قيل: فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟
(1)
في النسختين د، ز، والمطبوع:«بمكروه» تحريف، والتصويب من النسائي. والمعنى: عكَرَ عليها أي حمل عليها فتَسنَّمها وغلبَها على نفسها. انظر: «النهاية» (3/ 283).
(2)
د: «ذو» .
(3)
قيل: هذا من أدلّ الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهَم، وهو يُشبِه إقامةَ الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامةَ حدّ الزنا بالحبل كما نصَّ عليه عمر
(1)
، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يُقام الحدّ على المتَّهم بالسرقة إذا وُجِد المسروق عنده. فهذا الرجل لما أُدرِك وهو يشتدُّ هربًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها وادّعى أنه كان مُغِيثًا لا مُرِيبًا، ولم يرَ أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهرُ الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يَقْصُر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمال الغلط أو عداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة ههنا، بل ظنُّ عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمر أن هذا لَوثٌ ظاهر لا يُستبعد ثبوتُ [3/ب] الحد بمثله شرعًا، كما يُقتل في القسامة باللَّوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع.
فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونُها في نفس الأمر قد تقع غيرَ مطابقةٍ
(2)
أمرٌ لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجِبةً بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يُقاوِمها أو أقوى منها لم يُلغِه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبينة والإقرار.
(1)
رواه البخاري (6829) ومسلم (1691) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
بعدها في د: «أو لا ينضبط» ، وعليها علامة الحذف.
وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتَّسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحرى أن لا يتَّسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتَّسعَ له نطاق الرؤوف الرحيم، فقال:«إنه قد تاب إلى الله» ، وأبى أن يحدَّه. ولا ريبَ أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشيةً من الله وحده، وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل= أكبرُ من السيئة التي فعلَها، فقاوَمَ هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوة صالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدّك، وإنما جعلناه طُهرةً ودواء؛ فإذا تطهَّرتَ بغيره فعفْونا يَسَعُك. فأيُّ حكمٍ أحسنُ من هذا الحكم وأشدُّ مطابقةً للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق.
وقد روينا في «مسند النسائي»
(1)
من حديث الأوزاعي حدثنا أبو عمّار شدّاد قال: حدثني أبو أمامة أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبتُ حدًّا فأَقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليّ، فأعرض عنه، ثم قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، فأعرض عنه، وأُقيمت الصلاة، فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال:«هل توضأتَ حين أقبلتَ؟» قال: نعم، قال:«هل صلّيت معنا حين صلّينا؟» قال نعم، قال:«اذهَبْ، فإن الله قد عفا عنك» ، وفي
(1)
يقصد به «السنن الكبرى» (7274)، ورواه أيضًا أحمد (22286)، وصححه ابن خزيمة (311) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وأصله عند مسلم (2765). وفي الباب عن أنس رضي الله عنه وقد مضى تخريجه.
لفظٍ: «إن الله قد غَفَر لك ذنبك، أو حدَّك»
(1)
. ومن تراجم النسائي
(2)
على هذا الحديث «من اعترف بحد ولم يسمه» .
وللناس فيه ثلاث مسالك: هذا أحدها، والثاني أنه خاص بذلك الرجل، والثالث سقوط الحدّ بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك.
فصل
(3)
المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطعَ عن السارق في عام المجاعة، قال السَّعْدي
(4)
: حدثنا هارون بن إسماعيل الخزَّاز
(5)
ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسَّان بن زاهر أن ابن حُدَير حدّثه عن عمر قال: لا تُقطع اليدُ في عَذْقٍ ولا عامِ سنة
(6)
.
(1)
رواه مسلم (2765).
(2)
في «السنن الكبرى» (6/ 475).
(3)
نقل يوسف بن عبد الهادي أغلب هذا الفصل في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» (1/ 380 - 384) دون العزو إلى ابن القيم.
(4)
هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني صاحب كتاب «الشجرة في أحوال الرجال» ، من تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه مسائل في جزئين، توفي سنة 259. وقد عزا الحافظ ابن حجر هذا الحديث في «التلخيص الحبير» (4/ 131) إلى «الجامع» للسعدي الجوزجاني، وجعل بينه وبين هارون شيخَه الإمام أحمد.
(5)
في المطبوع: «الخرّاز» تصحيف. وقد ضبطه الحافظ في «التقريب» فقال: الخزاز بمعجمات.
(6)
رواه السعدي الجوزجاني كما في «البدر المنير» (8/ 679)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (29184). وفي إسناده حصين بن حُدَير، ذكره البخاري وابن أبي حاتم دون جرح أو تعديل، وإنما ذكرهما ابن حبان في «الثقات». انظر:«التاريخ الكبير» (3/ 4) و «الجرح والتعديل» (3/ 191) و «الثقات» لابن حبان (4/ 157). ورواه عبد الرزاق في «المصنّف» (18990) وابن أبي شيبة (29179) عن يحيى بن أبي كثير قال: قال عمر.
قال السعدي
(1)
: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العَذْق النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إيْ لعَمْري، قلت: إن سرق في مجاعةٍ لا تَقطعُه؟ فقال: لا، إذا حملتْه الحاجة على ذلك والناس في مجاعةٍ وشدة.
قال السعدي
(2)
: وهذا على نحو قضية عمر في غِلمان حاطب، حدثنا [4/أ] أبو النعمان عارِم ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابنِ حاطب أن غِلمةً لحاطب بن أبي بَلْتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزينة، فأتى بهم عمرَ، فأقرُّوا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب، فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقةَ رجل من مُزينة وأقرُّوا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصَّلْت، اذهب فاقطَعْ أيديَهم. فلما قَفَّى بهم ردَّهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتُجِيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم الله عليه حلَّ له لقطعتُ أيديَهم، وَايْمُ اللهِ
(3)
إذ لم أفعلْ لأُغرِّمنَّك غرامةً تُوجِعك، ثم قال: يا مزنيُّ بكَمْ أُريدتْ منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة، قال
(1)
انظر: «المغني» (9/ 136) و «البدر المنير» (8/ 679) و «التلخيص الحبير» (4/ 131).
(2)
الكلام متصل، وانظر المصادر السابقة.
(3)
الألف في «ايم» ألف وصل عند أكثر النحويين. وانظر الكلام عليها والوجوه التي تُستعمل بها في «تاج العروس» (يمن).
عمر: اذهبْ فأعطِه ثمانَ مائة»
(1)
.
وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين
(2)
جميعًا؛ ففي «مسائل إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجي» التي شرحها السعدي بكتاب سماه «المترجم»
(3)
، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمرَ من أكمامه، فقال: فيه الثمنُ مرتين وضَرْبُ نكالٍ. قال: وكلُّ من دَرأْنا عنه الحدّ
(4)
والقَوَدَ أضعفنا عليه الغرم. وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ.
وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السَّنة إذا كانت سنة مَجاعةٍ وشدّةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يَسلَم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدُّ به رمقَه، ويجب على صاحب
(5)
المال بذلُ
(1)
رواه مالك في «الموطأ» (2/ 748)، وفي إسناده يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب لم يدرك عمر؛ فإنه ولد في خلافة عثمان. انظر:«تهذيب الكمال» (31/ 435).
(2)
كذا في النسختين، ولعلها «الفعلين» يعني: درء الحد وإضعاف الغرم، كما في «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» ليوسف بن عبد الهادي (1/ 373)، حيث نقل كلام ابن القيم في هذا الفصل دون العزو إليه.
(3)
قال الخلال ذاكرًا الشالنجي: «عنده مسائل كثيرة ما أحسب أن أحدًا من أصحاب أبي عبد الله (أحمد) روى عنه أحسن مما روى هذا، ولا أشبع ولا أكثر مسائل منه، ولم أجد هذه المسائل عند أحدٍ رواها عنه إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني» . انظر: «طبقات الحنابلة» (1/ 104). وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (14/ 545) كتابَ «المترجم» ، وقال: فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة.
(4)
في هامش د: «الحدود» .
(5)
ز: «صاحبي» .
ذلك له، إما بالثمن أو مجَّانًا
(1)
، على الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجّانًا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع، وهي
(2)
أقوى من كثير من الشُّبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى مِلْكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشُّبه الضعيفة جدًّا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسدُّ رمقَه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميّز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحدُّ بمن لا يجب عليه، فدُرِئَ. نعم إذا بانَ السارق لا حاجةَ به وهو مستغنٍ عن السرقة قُطِع.
فصل
المثال الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضَ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أَقِطٍ
(3)
، وهذه كانت غالبَ أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوتُهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قُوتِهم،
(1)
د: «ما مجانا» .
(2)
ز: «وهو» .
(3)
رواه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
كمن قوتُهم الذُّرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتُهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان. هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سَدُّ خَلَّة المساكين يوم العيد ومواساتُهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم. وعلى هذا فيُجزِئ [4/ب] إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث
(1)
. وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفعَ للمساكين لقلة المُؤْنة والكُلْفة فيه، فقد يكون الحَبُّ أنفعَ لهم لطول بقائه وأنه يتأتّى منه ما لا يتأتّى من الخبز والطعام، ولا سيَّما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه.
وقد يقال: لا اعتبارَ بهذا، فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرُّض للسؤال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أَغْنُوهم في هذا اليوم عن المسألة»
(2)
، وإنما نص على تلك الأنواع المخرَّجة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قُوتُهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتُهم يومَ عيد النحر من لحوم الضحايا
(3)
أُمِروا أن
(1)
رواه أبو داود (1618) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وزاد ابن عيينة:«صاعًا من دقيق» . وذكر أبو داود أن هذه الزيادة من وهم ابن عيينة، وفي الباب عن ابن عباس. انظر:«التنقيح» لابن عبد الهادي (3/ 130) و «البدر المنير» (5/ 630).
(2)
رواه سعيد بن منصور كما في «المغني» (3/ 88). وفي إسناده أبو معشر متكلم فيه. ورواه ابن وهب في «الجامع» (198) والدارقطني (2133) وابن زنجويه في «الأموال» (2397) بنحوه، وفي إسناده أبو معشر أيضًا، والحديث ضعّفه النووي في «المجموع» (6/ 126). وانظر:«الإرواء» (3/ 332).
(3)
في د، ز:«الأضاحي» . وصُحّح في هامشهما.
يُطعِموا منها القانعَ والمعتَرَّ؛ فإذا كان أهل بلدٍ أو محلةٍ عادتهم اتخاذ الأطعمة يومَ العيد جاز لهم بل شُرِع لهم أن يُواسُوا المساكين من أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به، والله أعلم.
فصل
المثال الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ في المصرَّاة على ردّ صاع من تمرٍ بدل اللبن
(1)
، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قطُّ ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يُجزئهم إخراج صاع من قوتهم. وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه، وجعلوه تعبُّدًا، فعيَّنوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يُخرِج في كل موضع صاعًا من قوتِ ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البرُّ صاعًا من برٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعضِ أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك.
قال القاضي أبو الوليد
(2)
: روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب «الجواهر»
(3)
، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في
بعض ألفاظ هذا الحديث: «صاعًا من طعام»
(1)
؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قُوتِ ذلك البلد. انتهى.
ولا ريبَ أن هذا أقربُ إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.
وكذلك حكم ما نصَّ عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها، كنصه على الأحجار في الاستجمار
(2)
، ومن المعلوم أن الخِرَق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب
(3)
، والأُشنان أولى منه. هذا فيما عُلِم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتمِّ الوجوه بنظيره وما هو أولى منه.
فصل
المثال السادس: أن النبي صلى الله عليه وسلم منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال:«اصنعي ما يصنع الحاجُّ غيرَ أن لا [5/أ] تطوفي بالبيت»
(4)
. فظنَّ من ظنّ أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الإحباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسَّك بظاهر النص، ورأى منافاة
(1)
أخرجه مسلم (1524) من حديث أبي هريرة.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
رواه البخاري (1650) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهيُ الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة.
ونازعَهم في ذلك فريقان:
أحدهما صحَّحوا الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبَر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصُّهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباطَ الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبةً من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعلُه مع الإخلال بها ويَجبُرها الدم.
والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطَها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتُشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظمَ من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى.
قالوا: وقد كان في زمن النبي
(1)
صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيَّض حتى يطهُرن ويطُفْن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن صفية وقد حاضت:«أحابستُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال:«فلْتنفِرْ إذًا»
(2)
. وحينئذٍ فكانت الطهارة مقدورةً لها يُمكِنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان
(1)
د: «رسول الله» .
(2)
رواه البخاري (4401) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
التي يتعذّر إقامة الركْب لأجل
(1)
الحيَّض فلا تخلو من ثمانية أقسام:
أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحَلَ الركْبُ حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمُقَام وحدَها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه.
الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه.
الثالث أن يقال: إذا علمتْ أو خشيتْ مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمُه على وقته.
الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجَّت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه، حتى تصير آيسةً، وينقطع حيضها بالكلية.
الخامس أن يقال: بل تحج، فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المُقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج، حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كلَّ عام حتى يصادفَها عامٌ تطهُر فيه.
السادس أن يقال: بل تتحلَّل إذا عجزتْ عن المُقام حتى تطهر كما يتحلَّل المُحصَر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزِمَها؛ ثم إذا أصابها ذلك أيضًا تحلّلتْ، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا.
(1)
ز: «لأحد» .
السابع أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحجُّ عنها كالمعضوب، وقد أجزأ [5/ب] عنها الحج، وإن انقطع حيضُها بعد ذلك.
الثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، كما سقط عنها طواف الوداع بالنص
(1)
، وكما سقط عنها فرض السترة إذا شَلَّحها
(2)
العبيد أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجَزتْ عنها لعدم الماء أو مرضٍ بها، وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا فُرِض فيه نجاسة تتعذر إزالتها
(3)
، وكما سقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلّي، وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه عجزًا إلى بَدَلٍ وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بدلٍ أو مطلقًا.
فهذه ثمانية أقسام لا مزيدَ عليها، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن؛ فإن القسم الأول وإن قاله من قاله من الفقهاء
(4)
فلا يتوجَّه ههنا؛ لأن هذا الذي قالوه متوجِّه فيمن أمكنها الطواف فلم تطُفْ، والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المُقام لأجله، وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلّمون في نظائره، ولم يتعرَّضوا لمثل هذه الصورة
(1)
رواه البخاري (1561) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
أي عرَّاها.
(3)
د: «يتعذر زوالها» .
(4)
«من الفقهاء» ليست في د.
التي عمَّت بها البلوى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ذكروا أن المُكْرِيَ يلزمه المُقام والاحتباسُ عليها لتطهر ثم تطوف، فإنه كان ممكنًا بل واقعًا في زمنهم، فأفتَوا بأنها لا تطوف حتى تطهر لتمكُّنها من ذلك، وهذا لا نزاعَ فيه ولا إشكال، فأما في هذه الأزمان فغيرُ ممكن. وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سببٍ صدرَ منه يتضمن إيجابَ حجتين إلى البيت، والله تعالى إنما يوجب حجة واحدة، بخلاف من أفسد الحج فإنه قد فرَّط بفعل المحظور، وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة فإنه لم يفعل ما يتمُّ به حجُّه. وأما هذه فلم تُفرِّط ولم تترك ما أُمِرت به، فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه؛ فهي بمنزلة الجنب إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية وصلَّى على حسب حاله، فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال. وأيضًا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية، فإذا قيل إنها تبقى محرِمةً إلى أن تموت، فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإسلام، بل يُعلم بالضرورة أن الشريعة لا تأتي به.
فصل
وأما التقدير الثاني ــ وهو سقوط طواف الإفاضة ــ فهذا مع أنه لا قائلَ به فلا يمكن القول به؛ فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته، والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له.
فصل
وأما التقدير الثالث ــ وهو أن تقدّم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيضَ في وقته ــ فهذا لا يُعلم به قائل، والقول به كالقول بتقديم الوقوف
بعرفة
(1)
على يوم عرفة، وكلاهما مما لا سبيلَ إليه.
فصل
وأما التقدير الرابع ــ وهو أن يقال: يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك ــ فهذا وإن كان أفقهَ [6/أ] مما قبله من التقديرات، فإن الحج يسقط بما هو دون هذا من الضرر، كما لو كان بالطريق أو بمكة خوفٌ، أو أخذ خَفارةً مُجحِفة أو غير مُجحِفة على أحد القولين، أو لم يكن لها محرم، ولكنه ممتنع لوجهين:
أحدهما: أن لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون عجزَتْ عن شرط أو ركن، وهذا لا يُسقِط المقدور عليه، قال الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال صلى الله عليه وسلم:«إذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم»
(2)
. ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروعها أو شروطها سقط عنه؛ والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيًا فعَله راكبًا اتفاقًا، والصبيُّ يفعل عنه وليُّه ما يَعجِز عنه.
الوجه الثاني: أن يُقال: فالكلام فيمن تكلَّفَتْ وحجَّتْ وأصابها هذا العذر، فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذٍ؟ فإما أن يقول: تبقى محرِمةً حتى تعود إلى البيت، أو يقول: تتحلَّلُ كالمُحْصَر.
(1)
«بعرفة» ساقطة من د.
(2)
رواه البخاري (7288) ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يُعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنها لا تَسقُط مصلحة الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمرٍ غايتُه أن يكون واجبًا في الحج أو شرطًا فيه؛ فأصول الشريعة تُبطِل هذا القول.
فصل
وأما التقدير الخامس ــ وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا كل عام ــ فمما تردُّه أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الحكمة والمصلحة والرحمة
(1)
والإحسان؛ فإن الله لم يجعل على الأمة مثلَ هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه.
فصل
وأما التقدير السادس ــ وهو أنها تتحلّل كما يتحلّل المُحْصَر ــ فهذا أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعَها خوفُ المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدوٌّ عن الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف، فإن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعُه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جُعِلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به
(2)
منعَ
(1)
ز: «والرحمة والمصلحة» .
(2)
«به» ليست في ز.
فرْضَ الحج ابتداءً كإحاطة العدو بالبيت وتعذُّر النفقة، وهذه عذرُها لا يُسقِط فرض الحج عليها ابتداءً؛ فلا يكون عروضه موجبًا للتحلّل كالإحصار؛ فلازمُ هذا التقدير أنها إذا علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ظنها أن يسقط عنها فرض الحج وهو رجوع إلى التقدير الرابع.
فصل
وأما التقدير السابع ــ وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها إذا خافت الحيض، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه ــ فما أحسنَه [6/ب] من تقدير لو عُرِف به قائل؛ فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها، ولكن هو باطل أيضًا؛ فإن المعضوب الذي تجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسًا من زوال عذره، فلو كان يرجو زوالَ عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب، وهذه لا تيأسُ من زوال عذرها؛ لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، أو أن دمها ينقطع قبل سنّ اليأس لعارضٍ بفعلها أو بغيرِ فعلها؛ فليست كالمعضوب حقيقةً ولا حكمًا.
فصل
فإذا بطلت هذه التقديرات تعيَّن التقدير الثامن، وهو أن يقال: تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه الضرورة مقتضيةً لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم؛ إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ضرورة.
فإن قيل: في ذلك محذوران:
أحدهما: دخول الحائض المسجدَ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ»
(1)
، فكيف بأفضل المساجد؟
الثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، فقال:«اصنَعي ما يصنَعُ الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبيت»
(2)
. فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه.
فالجواب عن الأول من أربعة أوجه:
أحدها: أن الضرورة تُبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدوَّ أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأً إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغيره
(3)
مضرورةً، وقد تخاف في إقامتها ممن يتعرَّض لها، وليس لها من يدفع عنها.
الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمِنَت التلويثَ، وهي في دورانها حول البيت بمنزلة
(1)
رواه أبو داود (232) وابن خزيمة (1327) من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي إسناده جسرة بنت دجاجة لم يوثقها إلا ابن حبان في «الثقات» (2097) والعجلي في «الثقات» (2087) والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» - الأم (1/ 86).
(2)
تقدم تخريجه قريبًا.
(3)
في هامش د: «لعله: بغربة» .
مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي
(1)
أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز.
يوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجَّمتْ اتفاقًا، وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى.
يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة. وسرُّ المسألة أن قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تطوفي بالبيت» هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطوافُ لا يكون إلا في المسجد، أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة، أو لمجموع الأمرين، أو لكل واحدٍ من الأمرين؟
فهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى الأول [7/أ] لم يمنع صحة الطواف مع الحيض، كما قاله أبو حنيفة ومَن وافقه، وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويُقيَّد بها مطلقُ نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بأول مطلقٍ قُيِّد بأصول الشريعة وقواعدها. وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا عجزتْ عنها سقط اشتراطها، كما لو انقطع دمها وتعذَّر عليها الاغتسال والتيمم، فإنها تطوف على حسب حالها كما تصلِّي بغير طهور.
(1)
«هي» ليست في د.
فصل
وأما المحذور الثاني ــ وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة ــ فجوابه من وجوه:
أحدها: أن يقال: لا ريب أن الطواف تجب فيه الطهارة وستر العورة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يطوف بالبيت عريانٌ»
(1)
، وقال تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]. وفي «السنن» مرفوعًا وموقوفًا: «الطواف بالبيت صلاةٌ إلا أن الله أباحَ فيه الكلام، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلا بخير»
(2)
، ولا ريبَ أن وجوب الطهارة وستر العورة في الصلاة آكدُ من وجوبها في الطواف؛ فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العُريان. وأما طواف الجنب والحائض والمحدِث والعُريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق على أنه منهيٌّ عنه في هذه الحال. بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكدُ من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، وإذا نقصَ من الصلاة ركعةً عمدًا لم تصح، ولو طاف ستة أشواطٍ صح ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره، ولو نكسَ الصلاةَ لم تصح، ولو نكسَ الطواف ففيه خلاف، ولو صلَّى محدِثًا لم تصح صلاته، ولو طاف محدِثًا أو جُنبًا صح في أحد القولين، وغاية الطواف أن يُشبَّه بالصلاة.
(1)
رواه البخاري (369) ومسلم (1347) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
(2)
تقدم تخريجه.
وإذا تبيَّن هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة من طافت عريانةً للضرورة؛ فإن نهي الشارع صلوات الله عليه وسلامه عن الأمرين واحد، بل الستارةُ في الطواف آكدُ من وجوه:
أحدها: أن طواف العريان منهيٌّ عنه بالقرآن والسنة، وطواف الحائض منهيٌّ عنه بالسنة وحدها.
الثاني: أن كشف العورة حرام في الطواف وخارجه.
الثالث: أن طواف العريان أقبحُ شرعًا وعقلًا وفطرةً من طواف الحائض والجنب؛ فإذا صح طوافها مع العُرْي للحاجة فصحة طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحرى.
ولا يقال: فيلزمكم على هذا أن تصح صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة، فإنّ
(1)
هذا سؤال فاسد؛ فإن الحاجة لا تدعوها إلى ذلك بوجه من الوجوه، وقد جعل الله سبحانه صلاتها زمنَ الطهر مُغنِيةً [7/ب] لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها، وهذه لا يُمكِنها تتعوَّض في حال طهرها بغير البيت.
وهذا يبيِّن سرَّ المسألة وفقهها، وهو أن الشارع قسّم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين:
قسم يُمكِنها التعوُّض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض، بل أسقطه إما مطلقًا كالصلاة، وإما إلى بَدَلِه زمنَ الطهر كالصوم.
(1)
د: «قيل» .
وقسم لا يُمكِنها التعوُّضُ عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر، فشرعه لها مع الحيض أيضًا، كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه، ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يُمكِنها التعوُّض عنها زمنَ الطهر؛ لأن الحيض قد يمتدُّ بها غالبه أو أكثره، فلو مُنِعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نَسيتْ ما حفظتْه زمنَ طهرِها. وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين
(1)
وأحد قولي الشافعي.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنُب شيئًا من القرآن»
(2)
لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، فإنه من رواية إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.
قال الترمذي
(3)
: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه يضعِّف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما
(4)
حديث إسماعيل بن عيّاش عن أهل الشام». انتهى.
(1)
ز: «وإحدى الروايتين عن أحمد» .
(2)
رواه الترمذي (131) من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وتكلم عليه المؤلف ونقل كلام الحافظ.
(3)
في «سننه» (131).
(4)
د: «إنما هو» . والمثبت موافق لما عند الترمذي.
وقال البخاري أيضًا: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عيّاش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلَّط في حديث أهل العراق، وحدَّثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف
(1)
. وقال عبد الله بن أحمد: عرضتُ على أبي حديثًا حدثناه الفضل بن زياد الطَّسْتي
(2)
ثنا ابن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنبُ شيئًا من القرآن» ، فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهمَ
(3)
.
وإذا لم يصح الحديث لم يبقَ مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب مانعٌ من الإلحاق، وذلك من وجوه:
أحدها: أن الجنب يُمكِنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض.
والثاني: أن الحائض يُشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب.
الثالث: أن الحائض يُشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل
(1)
انظر هذه الأقوال في: «تاريخ بغداد» (7/ 186).
(2)
في المطبوع: «الضبي» تحريف. وترجمة الطستي في «تاريخ بغداد» (14/ 324) ط. بشار.
(3)
انظر: «الضعفاء» للعقيلي (1/ 90).
المصلَّى
(1)
بخلاف الجنب.
وقد تنازع من حرَّم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؟ على ثلاثه أقوال:
أحدها: المنع مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجُنب.
الثاني: [8/أ] الجواز مطلقًا، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، قال: وهو ظاهر كلام أحمد.
والثالث: إباحته للنُّفَساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخلّال.
فالأقوال الثلاثة في مذهب الإمام
(2)
أحمد، فإذا لم تُمنَع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدمُ منعِها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشدُّ حاجةً إليه بطريق الأولى والأحرى.
فصل
هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف. وإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلًّا منهما علة مستقلة= كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرينِ الأولينِ. وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع،
(1)
رواه البخاري (974) ومسلم (890) من حديث أم عطية رضي الله عنها.
(2)
«الإمام» ليست في د.
وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي، فإن أريد بالعلةِ التامةُ فهما من أجزائها، وإن أريد بها المقتضيةُ كانا خارجين عنها.
فإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث، وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث:«الطواف بالبيت صلاة»
(1)
، والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض، فهكذا شقيقُها ومُشبِهُها، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم تصح مع الحيض كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه.
فالجواب: أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدلَّ عليه نصٌّ ولا إجماع، بل فيه النزاع قديمًا وحديثًا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك الإمام
(2)
أحمد في إحدى الروايتين عنه.
قال أبو بكر في «الشافي» : باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا، والتطوع أيسرُ، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وقد نصَّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيًا صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم، وثالثة أنه لا يجزئه الطواف.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
«الإمام» ليست في د.
وقد ظنّ بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدِث والجنب، فأما الحائض فلا يصح طوافها قولًا واحدًا. قال شيخنا رضي الله عنه
(1)
: وليس كذلك، بل صرَّح غير واحد من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة.
قال
(2)
: وكلام أحمد
(3)
يدلّ على ذلك، ويبيِّن أنه كان متوقفًا في طواف الحائض وفي طواف الجنب. قال عبد الملك الميموني في «مسائله»: قلت لأحمد: من طاف طواف الواجب على غير وضوء وهو ناسٍ ثم واقعَ أهلَه، قال: أُخبِرك، مسألة فيها وهمٌ وهم مختلفون، وذكر قول [8/ب] عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دَعْها، أو كلمة تُشبِهها.
وقال الميموني في «مسائله» أيضًا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهلَه، فقال لي: مسألةٌ الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر
(4)
، وما يقول عطاء مما يسهِّل فيها، وما يقول الحسن
(5)
، وأن عائشة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم حين حاضتْ: «افعلي ما يفعلُ الحاج غيرَ أن لا تطوفي
(1)
أي شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر كلامه في «مجموع الفتاوى» (26/ 207). وعبارة الترضي ليست في ز.
(2)
أي شيخ الإسلام، والكلام متصل بما قبله.
(3)
ز: «الإمام أحمد» .
(4)
يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة (14583) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا طافت بالبيت، ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة، فلتَسْعَ بين الصفا والمروة. وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (3/ 505).
(5)
رواه ابن أبي شيبة (14585)، وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (3/ 505).
بالبيت»
(1)
. ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بُلِيَتْ به، نزل عليها ليس من قِبَلِها. قلت: فمن الناس من يقول عليها الحج من قابلٍ، فقال لي: نعم كذا أكبرُ علمي. قلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دمًا، فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة. قال لي أبو عبد الله أولًا وآخرًا: هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر، فدَعْني حتى أنظر فيها. قال ذلك غيرَ مرة. ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف. قلت: والنسيان؟ قال: النسيان أهونُ حكمًا بكثير. يريد أهونُ ممن يطوف على غير طهارةٍ متعمدًا. هذا لفظ الميموني
(2)
.
قلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تُتِمُّ طوافها. وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف، وقد قال إسماعيل
(3)
بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها هذا
(4)
. والناس إنما تلقَّوا منع الحائض من الطواف من حديث عائشة، وقد دلّت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذرِ وتحصيلِ
(5)
مصلحة العبادة التي تفوتها إذا تركتْها مع الحيض من الجنب، ولهذا إذا حاضت في صوم شهري التتابع لم ينقطع
(1)
تقدم تخريجه قريبًا.
(2)
انظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 207).
(3)
كذا في النسختين، والصواب:«سعيد» .انظر: «المحلى» (7/ 180).
(4)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (7/ 180) والزيلعي في «نصب الراية» (3/ 128).
(5)
د: «تحصل» .
تتابعها بالاتفاق، وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف؛ وكذلك تشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة، بالنص. وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقًا وإما عند خوف النسيان؛ وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها، بل تُتِمُّه في رحبة المسجد.
وسرُّ المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم»
(1)
، وكذلك قال الإمام أحمد:«هذا أمر بُلِيَتْ به نزلَ عليها، ليس من قِبَلِها» . والشريعة قد فرقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه؛ فهي أحقُّ بأن تُعذَر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسيًا أو ذاكرًا؛ فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحقُّ بالجواز منه؛ فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها، فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان، فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة يؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الشرط والركن فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قدر عليه؛ فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه، كما قال تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أمرتُكم [9/أ] بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم»
(2)
. وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتَّقَت الله ما استطاعت؛ فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة. والمطلق يقيَّد بدون هذا بكثير.
(1)
رواه البخاري (294) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
تقدم تخريجه.
ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في اشتراط الطهارة، وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فلا شيء عليه، وأختارُ له أن يطوف وهو طاهر، وإن وطئ فحجه ماضٍ ولا شيء عليه. وقد تقدم قول عطاء، ومذهب أبي حنيفة صحة الطواف بلا طهارة.
وأيضًا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع، فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريم ولا تحليل
(1)
، ولا ركوع ولا سجود، ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقًا بالبيت، وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها.
وأيضًا فيقال: لا نسلِّم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت، ولم تذكروا على ذلك حجة واحدة، والقياس الصحيح ما تبين فيه أن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة؛ فالأول قياس العلة، والثاني قياس الدلالة.
وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلَّقت بالبيت أو لم تتعلق، ولهذا وجبت للنافلة في السفر إلى غير القبلة، ووجبت حين كانت مشروعة إلى بيت المقدس، ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال.
وأيضًا فهذا القياس ينتقض بالنظر إلى البيت؛ فإنه عبادة متعلقة بالبيت.
وأيضًا فهذا قياس معارَضٌ بمثله، وهو أن يقال: عبادة من شرطها
(1)
د: «تحليل ولا تحريم» .
المسجد، فلم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف، وقد قال تعالى:{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، وليس إلحاق الطائفين بالركَّع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرط في كل منهما بخلاف الركَّع السجود.
فإن قيل: الطائف لا بدّ أن يصلّي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا بطهارة.
قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ولو خطب مُحدِثًا ثم توضأ وصلّى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدِثًا ثم يتوضأ ويصلّي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص الإمام
(1)
أحمد على أنه إذا خطب جنبًا جاز.
فصل
وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف، فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم، والإمام
(2)
أحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره، كما صرَّح به فيمن [9/ب] طاف جنبًا وهو ناسٍ.
قال شيخنا
(3)
: فإذا طافت حائضًا مع عدم العذر توجَّه القول بوجوب
(1)
«الإمام» ليست في د.
(2)
«الإمام» من ز.
(3)
في «مجموع الفتاوى» (26/ 214 - 216).
الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو فِعْل المحظور، وهذه لم تترك مأمورًا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رَمَت الجمرة وقصَّرت حلَّ لها ما كان محظورًا عليها بالإحرام غير النكاح؛ فلم يبقَ بعد التحلل الأول محظورٌ يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورًا بها مع العجز فيجب بتركها دم.
فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا أُمِرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلمّا سقط عنها طواف القدوم والوداع عُلِمَ أن طوافها مع الحيض غير ممكن.
قيل: لا ريبَ أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدِمتْ وهي متمتعة فحاضت أن تدَعَ أفعال العمرة وتُحرِم بالحج
(1)
، فعُلِم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تُباح إلا في حال الضرورة، ولا ضرورةَ بها إلى طواف القدوم؛ لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت
(2)
. فهذان الطوافان أُمِر بهما القادر عليهما إما أمرَ إيجابٍ فيهما أو في أحدهما أو استحبابٍ كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنًا يقف صحةُ الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللُّبث
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
رواه البخاري (1755) ومسلم (1327) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
فيه للضرورة، ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورًا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمَّت اعتكافها ولم يبطل.
وهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يُفعل في رحبة المسجد وفِنائه جُوِّز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد، وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبردٍ أو مطرٍ أو نحوه.
وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين؛ أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا منافاتها لها، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط أو الوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز. فالإفتاء بها لا ينافي نصَّ الشارع ولا قول الأئمة، وغايةُ المفتي بها أنه يقيِّد مطلقَ كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلقَ كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق [10/أ] لأصول الشرع وقواعده ولقواعد الأئمة، وبالله التوفيق.
فصل
المثال السابع: أن المطَلِّق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خليفته أبي بكر الصديق
(1)
وصدرًا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفمٍ واحد جُعِلَتْ واحدةً، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس؛ فروى مسلم في
(1)
«الصديق» من ز.
«صحيحه»
(1)
عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
وفي «صحيحه»
(2)
أيضًا عن طاوس أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تُجعل واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم.
وفي «صحيحه»
(3)
أيضًا عنه أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: هاتِ من هَناتِك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابعَ
(4)
الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.
وفي «سنن أبي داود»
(5)
عن طاوس أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان
(1)
رواه مسلم (1472/ 15).
(2)
رقم (1472/ 16).
(3)
رقم (1472/ 17).
(4)
كذا في النسختين: «تتابع» ، وضبطه الجمهور بالمثناة التحتية «تتايع» ، وضبطه بعضهم بالموحدة «تتابع». انظر:«شرح النووي على مسلم» (10/ 72).
(5)
رقم (2199)، ورواه من طريقه البيهقي (7/ 338). وفيه ثلاث علل: جهالة الواسطة بين أيوب وطاوس، واختلاط أبي النعمان السدوسي، وكذلك تفرده بقوله:«قبل أن يدخل بها» . انظر: «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 233) و «السلسلة الضعيفة» (1134).
كثير السؤال لابن عباس، فقال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهنّ عليهم.
وفي «مستدرك الحاكم»
(1)
من حديث عبد الله بن المؤمَّل عن ابن أبي مُليكة أن أبا الجَوْزاء أتى ابنَ عباس، فقال: أتعلمُ أن ثلاثًا كنَّ يُردَدْن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح» . وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.
وقال الإمام أحمد في «مسنده»
(2)
: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحُصَين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس، قال: طلّق رُكانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف طلّقتَها؟» قال: طلّقتُها ثلاثًا، قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم، قال: «فإنما تلك
(3)
واحدة، فارْجِعْها إن شئتَ»، قال:
(1)
(2/ 196)، و «سنن الدارقطني» (4032). وقال الذهبي في «مختصره» (2/ 662):«فيه عبد الله بن المؤمَّل وقد ضعفوه» . لكنه توبع بابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي الصهباء عند مسلم (1472/ 16).
(2)
رقم (2387)، ورواه أيضًا أبو يعلى (2500). والحديث صححه الإمام أحمد كما سيأتي. وانظر:«الإرواء» (7/ 144 - 145).
(3)
في النسختين د، ز:«تملك» . والتصويب من «المسند» .
فراجعها. فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.
وقد صحّح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسّنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ ابنتَه على أبي العاص بمهرٍ جديد ونكاحٍ جديد: «هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، لم يسمعه الحجّاج من عمرو بن شعيب، [10/ب] وإنما سمعه من محمد بن عُبَيد الله العَرْزَمي
(1)
، والعَرْزَمي لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح: الذي رُوِي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّهما على النكاح الأول»
(2)
. وإسناده عنده هو إسناد حديث رُكانة بن عبد يزيد
(3)
.
هذا، وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس
(4)
. فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي؛ فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره وأقوى منه؟
وقال أبو داود
(5)
: ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة مولى ابن عباس عن
(1)
في النسختين د، ز:«العزرمي» خطأ. والتصويب من «المسند» .
(2)
«مسند أحمد» عند حديث رقم (6938).
(3)
انظر: «مسند أحمد» (1876).
(4)
«سنن الترمذي» (1143)، وتتمة كلامه: ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبَل داود بن الحصين من قبل حفظه.
(5)
رقم (2196). ورواه أيضًا عبد الرزاق (11334) والبيهقي (7/ 339). وإسناده مسلسل بعلل: جهالة حال علي بن يزيد بن ركانة، وضعف ابنه عبد الله، وفي إسناده اضطراب. انظر:«ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 238).
ابن عباس قال: طلّق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِه ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يُغنِي عني إلا كما تُغنِي هذه الشعرة ــ لشعرةٍ أخذَتْها من رأسها ــ ففرِّقْ بيني وبينه. فأخذت النبيَّ صلى الله عليه وسلم حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه:«أترون فلانًا يُشبِه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟» ، قالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد:«طلِّقْها» ، ففعلَ، فقال:«راجِعْ امرأتك أمَّ ركانة وإخوتِه» ، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال:«قد علمتُ، راجِعْها» ، وتلا:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].
وقال أبو داود
(1)
: حديث نافع بن جُبَير وعبد الله بن علي بن يزيد بن رُكانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلَّق امرأته فردّها إليه النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله وأعلمُ به، وأن ركانة إنما طلق امرأته البتةَ، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة.
قال شيخنا رضي الله عنه
(3)
: وأبو داود لما لم يروِ في «سننه» الحديثَ الذي في «مسند أحمد» ــ يعني الذي ذكرناه آنفًا ــ فقال: حديث البتّةِ أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، لأنهم أهلُ بيته، ولكن الأئمة
(1)
عقب الحديث السابق.
(2)
رواه أبو داود (2208) وابن ماجه (2051)، وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي متكلم فيه، وعلي بن يزيد بن ركانة لم يوثقه إلا ابن حبان، والحديث أعله أحمد وأبو عبيد والبخاري كما سيذكر المؤلف عن شيخه.
(3)
في «مجموع الفتاوى» (33/ 15).
الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد
(1)
وأبي عبيد
(2)
والبخاري
(3)
ضعَّفوا حديث البتة، وبينوا أنّ رواته قوم مجاهيل لم تُعرف عدالتهم وضبطهم. وأحمد ثبَّتَ حديث الثلاث، وبيّن أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة. وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس
(4)
أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، وأهلُ المدينة يسمُّون الثلاث البتة
(5)
. قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعَّفه
(6)
.
والمقصود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعةٌ من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرةً بعد مرة، وما كان مرةً بعد مرة لم يملك المكلَّف
إيقاعَ مرَّاتِه كلها جملة واحدة، كاللعان فإنه لو قال:«أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين» كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة وقال:«أقسم بالله خمسين يمينًا أن هذا [11/أ] قاتله» كان ذلك يمينًا واحدة، ولو قال المقرُّ بالزنا:«أنا أقرُّ أربع مرات أني زنيت» كان مرة واحدة؛ فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارًا واحدًا. وقال النبي
(1)
سيأتي كلام أحمد.
(2)
انظر: «سنن ابن ماجه» (2051).
(3)
انظر: «التاريخ الكبير» (6/ 301) و «سنن الترمذي» (1177) و «العلل الكبير» للترمذي (ص 171).
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية أبي داود (ص 236).
(6)
انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 547).
- صلى الله عليه وسلم: «من قال في يومٍ
(1)
سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»
(2)
، فلو قال:«سبحان الله وبحمده مائة مرة» لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرةً بعد مرة. وكذلك قوله: «من سبَّح الله دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِدَه ثلاثًا وثلاثين، وكبَّره ثلاثًا وثلاثين»
(3)
الحديث؛ لا يكونعاملًا به حتى يقول ذلك مرةً بعد مرة، ولا يجمع الكلَّ بلفظ واحد. وكذلك قوله:«من قال في يومٍ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي»
(4)
، لا يحصل هذا إلا بقولها مرةً بعد مرة. وهكذا قوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58]. وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثَ مرات، فإن أُذِن لك وإلّا فارجِعْ»
(5)
،
لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 101] إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول ابن عباس رضي الله عنه:«رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين»
(6)
إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(1)
د: «يومه» .
(2)
رواه البخاري (6405) ومسلم (2691) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
(3)
رواه مسلم (597) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
(4)
رواه البخاري (3293) ومسلم (2691) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
(5)
رواه البخاري (6245) ومسلم (2153) واللفظ له، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(6)
رواه مسلم (176).
«لا يُلدغ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين»
(1)
.
فهذا المعقولُ من اللغة والعرف، فالأحاديث المذكورة وهذه النصوص المذكورة وقولُه تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] كلُّها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسِّر المراد من قوله تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ، كما أن حديث اللعان تفسير لقوله تعالى:{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6].
فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عُرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاثَ سنين من عصر عمر على هذا المذهب؛ فلو عدَّهم العادُّ بأسمائهم واحدًا واحدًا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها
(2)
، ولو فُرِض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن مُنكِرًا للفتوى به، بل كانوا ما
(3)
بين مُفْتٍ ومقرٍّ بفتيا وساكتٍ غيرِ مُنكِر.
وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا كما ذكره يونس بن بُكَير عن ابن
(1)
رواه البخاري (6133) ومسلم (2998) من حديث أبي هريرة، ولفظهما:«من حجر واحدٍ مرتين» . وبلفظ المصنف رواه ابن ماجه (3982، 3983) من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم.
(2)
جواب حرف الشرط «لو» مفهوم من السياق. وفي المطبوع: «[لوجد] أنهم كانوا
…
»، وما بين المعكوفتين ليس في النسخ.
(3)
«ما» ليست في د.
إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: استُشهِد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجلٍ، ومنهم سبعون من القرّاء كلهم قد قرؤوا القرآن، وتوفي في خلافة الصدّيق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي بكر. قال محمد بن إسحاق: فلما أصيب المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة أصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين [11/ب] وقرّائهم= فزِعَ أبو بكر إلى القرآن، وخاف أن يَهلِك منه طائفة
(1)
.
وكل صحابي من لدُنْ خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا ادّعى بعض أهل العلم
(2)
أن هذا إجماع قديم، ولم تُجمِع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا
(3)
، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس:«إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفم واحدٍ فهي واحدة»
(4)
.
(1)
لم أقف على هذه الرواية، وقد روى ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة نحوها. انظر:«إمتاع الأسماع» للمقريزي (4/ 239 - 240).
(2)
هو داود الظاهري، انظر:«مذاهب الحكام» (ص 282) و «المعيار المعرب» (4/ 425). وقال المؤلف في «زاد المعاد» (5/ 247): لو شئنا لقلنا وصدَقْنا: إن هذا كان إجماعًا قديمًا لم يَختلف فيه على عهد الصديق اثنان.
(3)
انظر: «تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة» للشيخ سليمان بن عبد الله العمير، فقد استوفى ذكرهم.
(4)
ذكره أبو داود معلقًا (2197) عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. ورواه معلقًا عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة، وجعله قول عكرمة.
وأفتى أيضًا بالثلاث
(1)
، أفتى بهذا وهذا.
وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضّاح
(2)
، وعن علي
(3)
وابن مسعود
(4)
روايتان كما عن ابن عباس.
وأما التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه
(5)
، وأفتى به طاوس
(6)
.
وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد
(7)
وغيره
(8)
عنه، وأفتى به خِلاس بن عمرو
(9)
والحارث العُكْلي.
وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه
(1)
كما في «مصنَّف عبد الرزاق» (6/ 396 - 398) وغيره.
(2)
كما حكاه ابن مغيث في «المقنع» (ص 80)، وانظر:«إغاثة اللهفان» (1/ 567).
(3)
رواية الثلاث عند ابن أبي شيبة (18101)، وذكرها من طريق وكيع ابن حزم في «المحلى» (10/ 172). وأما رواية الواحدة فذكرها ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (1/ 569).
(4)
رواية الثلاث عند عبد الرزاق (11343)، وصححها ابن حزم في «المحلى» (10/ 172). وأما رواية الواحدة فذكرها ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (1/ 569).
(5)
ذكره أبو داود معلقًا (2197).
(6)
رواه ابن عبد البر في «الاستذكار» (6/ 109).
(7)
نقله عنه تلميذه الأثرم. انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 560).
(8)
انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (2/ 85) و «الاستذكار» (6/ 8).
(9)
حكاه عنه بشر بن الوليد عن أبي يوسف عنه. انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 563).
عنهم ابن المغلِّس وابن حزم وغيرهما
(1)
.
وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التِّلِمْسَاني في «شرح تفريع ابن الجلّاب» قولًا لبعض المالكية
(2)
.
وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل
(3)
.
وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال
(4)
: وكان الجد يفتي به أحيانًا.
وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر واحدة» بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث
(5)
. فقد صرَّح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يردَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة
(6)
، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقًا، وترك رأيه. وعلى أصله يخرَّج له قول إن الثلاث واحدة؛ فإنه إذا صرَّح بأنه إنما
(1)
انظر: «مجموع الفتاوى» (33/ 8) و «إغاثة اللهفان» (1/ 569) و «الصواعق المرسلة» (2/ 622).
(2)
انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 563).
(3)
وحكاه عنه المازري في «المعلم بفوائد مسلم» (2/ 126).
(4)
«جامع المسائل» (1/ 346) و «مجموع الفتاوى» (33/ 84).
(5)
«المغني» لابن قدامة (10/ 334).
(6)
رواه سعيد بن منصور (1947) وابن أبي شيبة (18566).
ترك الحديث لمخالفة الراوي وصرَّح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خُرِّج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرِّجون على مذهبه أقوالًا دون ذلك بكثير.
والمقصود أن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأتِ بعده إجماعٌ يُبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم [12/أ] بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانتْ منه المرأة وحرمتْ عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة يراد للدوام لا نكاحَ تحليل، فإنه كان من أشدّ الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفُّوا عن الطلاق المحرم
(1)
، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليقَ بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةً لهم؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرةً بعد مرة، ولم يشرعْه كلَّه مرةً واحدةً، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدَّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعِبَ بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقَب، ويُلزَم بما التزمه، ولا يؤهَّل لرخصة
(2)
الله وسعته، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتَّقِ الله ويطلِّقْ كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمةً منه وإحسانًا، ولَبَس على نفسه واختار الأغلظ والأشد.
فهذا مما تغيَّرت به الفتوى لتغيُّر الزمان، وعلِم الصحابة رضي الله عنهم حسنَ سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به، وصرَّحوا لمن استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، ومن لَبَس على نفسه جعلنا عليه لَبْسَه، والله لا تَلْبِسون على أنفسكم ونتحمَّلُه عنكم، هو كما تقولون
(1)
.
فلو كان وقوع الثلاث ثلاثًا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلِّق قد أتى الأمرَ على وجهه، ولما كان قد لَبَس على نفسه، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن فعل ذلك:«أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكم؟»
(2)
، ولَمَا توقَّف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهبْ إلى ابن عباس وأبي هريرة. فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه فقد جاءتك مُعضِلة، ثم أفتياه بالوقوع
(3)
.
فالصحابة رضي الله عنهم ومقدَّمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولَبَسوا على أنفسهم ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حُدَّ لهم= ألزموهم بما التزموه، وأمضَوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسَّع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه. ولا ريبَ أن من فعل
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
رواه النسائي في «المجتبى» (3401) و «السنن الكبرى» (5564)، وإسناده على شرط مسلم، قاله ابن القيم في «زاد المعاد» (5/ 220).
(3)
رواه مالك في «الموطأ» (2/ 571)، ومن طريقه الشافعي في «مسنده» (113). والأثر صححه الألباني في «صحيح أبي داود - الأم» (6/ 403).
هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفَّذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلَّق مائة:«عصيتَ ربك وبانتْ منك امرأتك؛ إنك لم تتَّقِ الله فيجعل لك مخرجًا، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا»
(1)
. وأتاه رجل فقال: إن عمّي طلق ثلاثًا، فقال:«إن عمَّك عصى الله فأندمَه الله، وأطاع [12/ب] الشيطان فلم يجعل له مخرجًا» ، فقال: أفلا تُحلِّلها له؟ فقال: من يُخادع الله يَخدعه
(2)
.
فليتدبَّر العالم الذي قصْدُه معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعًا وقدرًا، فلما ركب الناس الأُحموقةَ، وتركوا تقوى الله، ولَبَسوا على أنفسهم، وطلّقوا على غير ما شرعه الله لهم= أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معهم
(3)
شرعًا وقدرًا إلزامَهم بذلك، وإنفاذَه عليهم، وإبقاءَ الإصْر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه.
وهذه أسرارٌ من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان، فجاء أئمة الإسلام، فمضَوا على آثار الصحابة سالكين مسلكهم، قاصدين رِضَى الله ورسوله وإنفاذ دينه. فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنِّه أنه
(1)
رواه سعيد بن منصور (1064) وأبو داود (2197) والبيهقي (7/ 337)، وصححه الألباني في «الإرواء» (7/ 120).
(2)
رواه عبد الرزاق (10779) وابن أبي شيبة (5/ 11) وسعيد بن منصور (1065) والبيهقي (7/ 337)، وصححه صالح آل الشيخ في «التكميل على الإرواء» (ص 131).
(3)
كذا في النسختين د، ز. وفي هامش ز: لعله معه.
منسوخ، وهذه طريقة الشافعي. قال
(1)
: فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدةً معنى أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يُشبِه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا فنُسِخ.
فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟
قيل: لا يُشبِه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف.
فإن قيل: فلعلّ هذا شيء رُوي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر.
قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة
(2)
، وبيع الدينار بالدينارين
(3)
، وبيع أمهات الأولاد
(4)
، فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه؟
(1)
كما في «معرفة السنن والآثار» (11/ 38). ولم أجده في «الأم» .
(2)
أما قول عمر فأخرجه عبد الرزاق (14021، 14047) وابن أبي شيبة (17352، 17353، 17360) وأحمد (104، 368)، وأخرجه مسلم (1405/ 16 - 17) من حديث جابر عنه.
وأما قول ابن عباس فأخرجه البخاري (5116) ومسلم (1406/ 31). وانظر: «فتح الباري» (9/ 171).
(3)
قول عمر عند مالك في «موطئه» رواية أبي مصعب (2544) والنسائي (4568). وأما فتوى ابن عباس عند البخاري (2178) ومسلم (1596) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وثبت رجوع ابن عباس عنها عند مسلم (1594/ 100) وابن ماجه (2258).
(4)
فتوى عمر عند أبي داود (3954) من حديث جابر رضي الله عنهما، وقد تقدم تخريجه، وأما قول ابن عباس فعند عبد الرزاق (13218).
قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة
(1)
راويه له؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدَّم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بَرِيرة
(2)
على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها
(3)
.
وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة «من استقاءَ فعليه القضاء»
(4)
، وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه
(5)
.
وأخذوا برواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يَرمُلوا الأشواطَ الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين
(6)
، وصح عنه أنه قال:«ليس الرمل بسنة»
(7)
.
وأخذوا
(8)
برواية عائشة في منع الحائض من الطواف
(9)
، وقد صح
(1)
في النسختين د، ز:«مخالفة» .
(2)
قصة بريرة عند البخاري (2536) ومسلم (1504) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
مضى تخريجه.
(4)
مضى تخريجه.
(5)
رواه البخاري (4/ 173 - مع الفتح) وذكر أنه أصح. وهذا الأثر داخل في شرط البخاري، وحكمه صريح في الاتصال، ولأجل هذا لم يرقمه الألباني في تعاليق البخاري، بل جعله من موصولاته رقم (908). انظر:«تغليق التعليق» (3/ 175) و «مختصر صحيح البخاري» للألباني (1/ 565).
(6)
رواه البخاري (1602) ومسلم (1266) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(7)
رواه أبو داود (1885) ولفظه: «قد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا ليس بسنة» ، وصححه ابن خزيمة (2779) وابن حبان (3811). وهو عند مسلم (1264) دون قوله:«ليس بسنة» .
(8)
د: «وأخذ» .
(9)
رواها البخاري (294) ومسلم (1211).
عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف معها فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها، رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بِشْر
(1)
عن عطاء، فذكره
(2)
.
وأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق والنحر بعضها على بعض، وأنه لا حرجَ في ذلك
(3)
، وقد أفتى ابن عباس أن فيه دمًا
(4)
، فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا بروايته.
وأخذت الحنفية بحديث ابن عباس «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ، قالوا: وهذا صريح في طلاق المُكرَه، وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكرهٍ
(5)
ولا لمضطَهدٍ طلاق
(6)
.
وأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملًا شاردًا بأصح سندٍ يكون
(7)
.
(1)
في النسختين د، ز:«أبي بسر» . والتصويب من «المحلَّى» (7/ 180). واسمه جعفر بن إياس، كما في «التقريب» و «التهذيب» وغيرهما.
(2)
ذكره ابن حزم في المحلى (7/ 180).
(3)
رواه البخاري (84) ومسلم (1307) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4)
رواه ابن أبي شيبة (15188) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 238)، وأعله ابن حزم وابن حجر بإبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال. انظر:«المحلى» (7/ 183) و «فتح الباري» (3/ 572).
(5)
ز: «للمكره» .
(6)
حديث ابن عباس المرفوع تقدم تخريجه، وأما قوله الموقوف فعند سعيد بن منصور (1143) وابن أبي شيبة (18330)، وفي إسناده عبد الله بن طلحة الخزاعي لم يوثقه سوى ابن حبان في «الثقات» (7/ 12).
(7)
رواه ابن أبي شيبة (20894).
وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث علي وابن عباس: «صلاة الوسطى صلاة العصر»
(1)
، وقد ثبت عن علي وابن عباس أنها صلاة الصبح
(2)
.
وأخذ الأئمة الأربعة وغيرهم [13/أ] بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل
(3)
، وقد صح عنها خلافه، وأنه كان يَدخُل عليها من أرضعتْه بناتُ إخوتها، ولا يدخُل عليها من أرضعتْه نساءُ إخوتها
(4)
.
وأخذ الحنفية بحديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين»
(5)
، وصح عنها أنها أتمَّت الصلاة في السفر، فلم يَدَعوا روايتها لرأيها.
(1)
حديث علي عند البخاري (6396) ومسلم (627). وأما حديث ابن عباس فعند أحمد (2745) والطبراني (11905).
(2)
رواه مالك بلاغًا (1/ 139)، ووصله من قول ابن عباس عبد الرزاق (2207) وابن أبي شيبة (8717)، وصححه ابن عبد البر في «الاستذكار» (2/ 189). وأما قول علي فوصله الطبري من وجه آخر في «تفسيره» (15/ 36)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم متكلم فيه، وكذلك منقطع، فعبد الرحمن بينه وبين علي رضي الله عنه مفاوز. والصحيح عن علي رضي الله عنه أنه فسرها بصلاة العصر. انظر:«التمهيد» (4/ 287 - 288) و «الاستذكار» (2/ 189).
(3)
رواه البخاري (4796) ومسلم (1445) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
رواه أحمد (26330) وأبو داود (2061)، وصححه ابن حبان (4215).
(5)
رواه البخاري (350، 1090، 3935) ومسلم (685/ 1 - 3) من طرق عن الزهري عن عروة عنها. وأما إتمامها الصلاة في السفر فعند البخاري (1090) ومسلم (685/ 3) عقب حديثها: قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان.
واحتجوا بحديث جابر وأبي موسى في الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة، وقد صح عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك
(1)
.
وأخذ الناس بحديث عائشة في ترك إيجاب الوضوء مما مست النار، وقد صحّ عن عائشة بأصح إسنادٍ إيجابُ الوضوء للصلاة من أكلِ كلِّ ما مسَّت النار
(2)
.
وأخذ الناس بأحاديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في المسح على الخفين
(3)
، وقد صح عن ثلاثتهم المنعُ من المسح جملة
(4)
؛ فأخذوا بروايتهم وتركوا رأيهم.
واحتجوا في إسقاط القصاص عن الأب بحديث عمر: «لا يُقتَصُّ لولدٍ من والده» ، وقد قال عمر:«لأقصَّنَّ للولد من الوالد»
(5)
؛ فلم يأخذوا برأيه
(1)
حديث جابر عند الدارقطني (647)، وحكم بنكارته أبو بكر النيسابوري شيخ الدراقطني، وعلته يزيد بن سنان، وابنه محمد ضعفهما الدارقطني، ورجح وقفه. وانظر:«الإرواء» (2/ 114). وأما حديث أبي موسى ففي «المعجم الكبير» كما في «نصب الراية» (1/ 47). وأما أثر جابر فعلقه البخاري (1/ 280 - مع الفتح)، ووصله ابن أبي شيبة (3929). وأثر أبي موسى عند ابن أبي شيبة (3935).
(2)
رواه ابن أبي شيبة (550) وأحمد (25282، 26297). وأما الموقوف فرواه عبد الرزاق (674).
(3)
حديث عائشة عند الطبراني في «مسند الشاميين» (1504) والدارقطني (746)، وحديث ابن عباس عند الطبراني (11319)، وحديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة (1894)، وكلها صحاح ثابتة. انظر:«السلسلة الصحيحة» (3455).
(4)
انظر لأقوالهم: «مصنف ابن أبي شيبة» (1956، 1959، 1964) تباعًا.
(5)
أما الحديث المرفوع فرواه أحمد (147، 148) والترمذي (1400) وابن ماجه (2662) بلفظ: «لا يقاد
…
»، والحديث صحيح بالشواهد والمتابعات. انظر:«الإرواء» (7/ 268). وأما قول عمر فلم أجده.
بل بروايته.
واحتجت الحنفية والمالكية في أن الخلع طلاق بحديثين لا يصحّان عن ابن عباس
(1)
، وقد صحّ عن ابن عباس بأصح إسنادٍ يكون أن الخلع فسخٌ لا طلاق
(2)
.
وأخذت الحنفية بحديث لا يصح بل هو من وضع حَرام بن عثمان
(3)
ومبشِّر بن عُبيد الحلَبي، وهو حديث جابر:«لا يكون صداقٌ أقلّ من عشرة دراهم»
(4)
، وقد صح عن جابر جوازُ النكاح بما قلّ أو كثر
(5)
.
(1)
الحديثان أخرجهما الدارقطني (4025، 4026)، وأعلّ ابن الجوزي الأول بعبّاد بن كثير، وأعلّ الثاني بعمرو بن مسلم. انظر:«التحقيق في مسائل الخلاف» (2/ 294 - 295).
(2)
رواه عبد الرزاق (11765)، وابن أبي شيبة (5/ 112)، وانظر:«الفتح» (9/ 369).
(3)
ز: «عمار» خطأ. وترجمته في «لسان الميزان» (3/ 6). ولم أجد الحديث من طريقه، وقد ذكره ابن حزم في «المحلى» (9/ 495).
(4)
رواه الدارقطني عن جابر رضي الله عنه
مرفوعًا (3601) وأعلّه بمبشر بن عبيد. قال ابن عدي في «الكامل» (8/ 162): هذا الحديث مع اختلاف ألفاظه في المتون واختلاف إسناده باطل لا يرويه إلا مبشر. وانظر: «الإرواء» (6/ 264).
(5)
لعله يشير إلى حديث جابر رضي الله عنه
عند مسلم (1405): «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث» . قال البيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 237): وقد مضت الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حرم نكاح المتعة بعد الرخصة والنسخ، وإنما ورد بإبطال الأجل لا قدر ما كانوا عليه ينكحون من الصداق. والله أعلم.
واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس المرفوع
(1)
، وقد صح عنه جواز بيعهن
(2)
؛ فقدَّموا روايته التي لم تثبت على فتواه الصحيحة عنه.
وأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين، وقد خالفه سعيد بن المسيّب
(3)
؛ فلم يعتدُّوا بخلافه.
وصح عن عمر وعثمان ومعاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتَّع بالعمرة إلى الحج
(4)
، وصح عنهم النهي عن التمتع
(5)
، فأخذ الناس برواياتهم وتركوا رأيهم.
وأخذ الناس بحديث أبي هريرة في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه»
(6)
. وقد روى سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي هريرة أنه قال: ماءانِ لا يُجزِئان في غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام
(7)
.
(1)
رواه ابن ماجه (2515). وفي إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي وشريك النخعي متكلم فيهما، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (6/ 185).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه عبد الرزاق (13476) والبيهقي (7/ 413).
(4)
الذي فيه إقرار عثمان رضي الله عنه عند مسلم (1223)، وأما البخاري فليس فيه ذلك (1563، 1569). وأما حديث عمر فعند مسلم (1222). وأما حديث معاوية فلم أجده.
(5)
قول عثمان عند البخاري (1563) ومسلم (1223)، وقول عمر ومعاوية عند مسلم (1222) و (1225) ولاءً.
(6)
مضى تخريجه.
(7)
رواه أبو عبيد في «الطهور» (246)، وابن أبي شيبة (1156)، وفيه راوٍ مبهم.
وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغَسْل الإناء من ولوغ الكلب
(1)
، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلَغُ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرِّم الماءَ شيء
(2)
.
وأخذت الحنفية بحديث علي: «لا زكاةَ فيما زاد على المائتي درهمٍ حتى يبلغ أربعين درهمًا»
(3)
، مع ضعف الحديث بالحسن بن عُمارة، وقد صح عن علي أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه، رواه عبد الرزاق
(4)
عن معمر عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عاصم بن ضَمرة عنه.
وهذا باب يطول تتبعُه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قولَ من قلّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، [13/ب] فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلّده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخُه، وإلا كان قدحًا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.
(1)
مضى تخريجه.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (1519).
(3)
نقله ابن الملقن في «البدر المنير» (5/ 561) عن الدارقطني. ولم أجده في «سننه» .
(4)
برقم (7074)، ورواه أبو داود مرفوعًا (1572)، وكلاهما صحيح، كما نقله الترمذي عن شيخه البخاري عقب الحديث (620). وانظر:«صحيح أبي داود» - الأم (5/ 291).
والذي نَدِينُ الله به ولا يسعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه وتركُ كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطّن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلّد غيرَه في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله ــ ولا سبيلَ إلى العلم بانتفائه ولا ظنه ــ لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوطَ عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.
فصل
إذا عُرِف هذا فهذه المسألة مما تغيَّرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لِما رآه الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدةَ تتابُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلَه مفتوحًا بوجهٍ ما، بل كانوا أشدَّ خلق الله في المنع منه، وتواعد عمر فاعلَه بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شَكَت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْحِ ما يرتكبه المحلّلون مما هو رَمَدٌ بل عمًى في عين الدين وشَجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتَمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه،
بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطابٌ، ولا يحصُرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلَبتْ من الدين رسمه، وغيَّرتْ منه اسمه، وضَمَّخَ التيسُ المستعار فيها المطلقةَ بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها
(1)
للحليل.
فيا لله العجب! أيُّ طِيبٍ أعارها هذا التَّيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوف الزوج المطلِّق
(2)
أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلَّ إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المُرتَبَع
(3)
، والزوج أو الولي يُناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لِتَشْبع، فقد علمتَ أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لستَ معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة [14/أ] وأوليائها بك رضًى ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفَك على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثارٍ
(4)
ولا دُفٍّ ولا إخوان
(5)
ولا إعلان، بل التواصي بِهُسْ
(6)
ومُسْ والإخفاء والكتمان. فالمرأة تُنكح لدينها وحسبها
(1)
د: «أنه وطئها» .
(2)
د: «والمطلق» .
(3)
كذا في النسختين د، ز. وفي المطبوع:«المرتع» . والمرتبع: المرعى في زمن الربيع.
(4)
النِّثار: ما نُثِر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.
(5)
«إخوان» لغة في «خِوان» أي مائدة طعام. انظر: «غريب الحديث» للخطابي (1/ 374).
(6)
هُسْ: زجر للغنم وأمر بالسكوت. ومُسْ كأنه إتباع له.
ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها.
والله سبحانه قد جعل كل واحد من الزوجين سَكنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودةً ورحمةً ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيزُ الحكيم، فسَلِ التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصودِه ومصلحتِه أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المُصابة حليلةً وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيتْ به قطُّ زوجًا وبعلًا تُعوِّل في نوائبها عليه؟ وسَلْ أولي التمييز والعقول: هل تزوَّجت فلانة بفلان؟ وهل يُعدُّ هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أمّته نكح نكاحًا شرعيًّا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرَّمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يُشبِّهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعيَّر به المرأة طولَ دهرها بين أهلها والجيران؛ وتظلُّ ناكسةً رأسَها إذا ذُكر ذلك بين النسوان؟
وسَلِ التيس المستعار: هل حدَّث نفسَه وقتَ هذا العقد الذي هو شقيق النفاق بنفقةٍ أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طَمِعت المصابةُ منه في شيء من ذلك، أو حدَّثت نفسَها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسَلْ عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خيرُ هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلِّل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلًا؟
وسَلِ التيس المستعار ومن ابتُلِيتْ به: هل تجمَّل أحد منهما بصاحبه كما يتجمَّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسَلِ المرأة: هل تَكره أن يتزوَّج عليها هذا
التيس المستعار أو يتسرَّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأل عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟
وسل التيس المستعار
(1)
: هل سأل قطُّ عما يسأل عنه من قصد حقيقة النكاح، أو يتوسَّل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسّل به خاطب المِلاح؟ وسَلْه: هل هو أبو يأخذُ أو أبو يُعطي؟ وهل قوله عند إقراءةِ
(2)
أبي جادِ هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه عن وليمة عرسه: هل أولَمَ ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه فقضى حقَّه وأتاه؟ [14/ب] وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمَّله المتزوّجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنِّئون؟ وهل قيل له: بارك الله لكما وعليكما وجمعَ بينكما في خير وعافية، أم لعن الله المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟
فصل
ثم سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرّةٍ مَصُونة أنشبَ فيها المحلِّل مخالبَ
(3)
إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلّل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمرُ الله كم أخرج التحليلُ مخدَّرةً من سِترها
(4)
إلى البِغاء، وألقاها بين براثن العُشَراء
(1)
«المستعار» ليست في د.
(2)
كذا في النسختين د، ز. وهو مصدر بإضافة هاء، مثل إطلالة. وفي المطبوع:«قراءة» .
(3)
د، ز:«فخالفت» ، تحريف. والمثبت من ط.
(4)
د: «سرها» .
والحُرَفاء
(1)
؟ ولولا التحليل لكان منالُ الثريّا دون منالها، والتدرُّع بالأكفان دون التدرُّع بجمالها، وعِناق القَنا دون عِناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وسَلْ أهل الخبرة: كم عقَد المحلِّلُ على أمّ وابنتها؟ وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك محرَّم باطل في المذهبين. وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تُفرَد بالذكر، وهي كموجةٍ واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عدَّ أمواج البحر؟ وكم من امرأةٍ كانت قاصرةَ الطرف على بَعْلها، فلما ذاقت عُسيلةَ المحلِّل خرجت على وجهها فلم يجتمع شَمْلُ الإحصان والعفة بعد ذلك بشَمْلِها، وما كان هذا سبيلَه، فكيف يَحتمل أكملُ الشرائع وأحكمُها تحليلَه؟ فصلوات الله وسلامه على من صرَّح بلعنته، وسماه بالتيس المستعار
(2)
من بين فسَّاق أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس
(3)
، وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدُّونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سِفاحًا
(4)
.
أما ابن مسعود ففي «مسند الإمام أحمد» و «سنن النسائي» و «جامع الترمذي»
(5)
عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له. قال
(1)
جمع عَشِير وحَرِيف، أي الصديق والقريب.
(2)
سيأتي تفصيله في كلام المؤلف.
(3)
سيأتي تخريج هذه الطرق.
(4)
سيأتي تخريجه.
(5)
رواه الترمذي (1120) وصححه، وهذا لفظه، وسيأتي لفظ أحمد والنسائي. وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري. انظر:«التلخيص الحبير» (3/ 349).
الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال سفيان الثوري: حدثني أبو قيس الأَودي عن هُزَيل بن شُرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمةَ والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكلَ الربا ومُوكِله. رواه النسائي والإمام أحمد
(1)
.
وروى الترمذي منه لَعْنَ المحلِّل، وصححه، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين.
ورواه الإمام أحمد
(2)
من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لُعِن المحلِّل والمحلَّل له» .
وفي «مسند الإمام أحمد» والنسائي
(3)
من حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود قال: «آكلُ الربا ومُوكِله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة
(4)
، ولَاوِي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتدُّ [15/أ] على عقبيه أعرابيًّا بعد هجرته= ملعونون على لسان محمدٍ صلى الله عليه وسلم يوم القيامة».
وأما حديث علي بن أبي طالب ففي «المسند» و «سنن أبي داود»
(1)
النسائي (3146) وأحمد (4283).
(2)
رقم (4308)، وفي إسناده أبو الواصل مجهول، وقد توبع في الحديث الذي قبله.
(3)
رواه أحمد (4090) والنسائي (5102)، وفي إسناده الحارث الأعور ضعيف. وله متابع، وصححه ابن خزيمة (2250) والحاكم (1/ 387).
(4)
في مصدري التخريج: «والواشمة والمستوشمة» .
والترمذي وابن ماجه
(1)
من حديث الشعبي عن الحارث عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعنَ المحلِّل والمحلَّل له.
وأما حديث أبي هريرة ففي «مسند الإمام أحمد» و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة»
(2)
من حديث عثمان بن الأخنس عن المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلّل والمحلَّل له» . قال يحيى بن معين: عثمان بن الأخنس ثقة
(3)
. والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر القرشي ثقة من رجال مسلم، وثّقه أحمد ويحيى وعلي
(4)
وغيرهم؛ فالإسناد جيد.
وفي كتاب «العلل» للترمذي
(5)
: ثنا محمد بن يحيى ثنا معلّى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي
(6)
عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقْبُري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له. قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المَخْرَمي صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظنُّ أن عثمان لم يسمع من سعيد
(1)
أحمد (635) وأبو داود (2076) والترمذي (1119) وابن ماجه (1935)، وأعله الترمذي بمجالد، وفيه أيضًا الحارث الأعور.
(2)
أحمد (8287)، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (17375).
(3)
«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (6/ 166).
(4)
انظر هذه الأقوال في: «الجرح والتعديل» (5/ 22) و «تاريخ ابن معين» رواية عثمان الدارمي (ص 164).
(5)
«العلل الكبير» (ص 161) برقم (273).
(6)
في النسختين د، ز هنا وفيما يأتي:«المخزومي» ، تحريف. وانظر:«التقريب» و «التهذيب» .
المَقبري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية
(1)
: هذا إسناد جيد.
وأما حديث جابر بن عبد الله ففي «جامع الترمذي»
(2)
من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له. ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهدٌ ومقوٍّ.
وأما حديث عقبة بن عامر ففي «سنن ابن ماجه»
(3)
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبِركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» . ورواه الحاكم في «صحيحه» من حديث الليث بن سعد عن مِشْرَح بن هَاعَان
(4)
عن عقبة بن عامر، فذكره.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بثلاث علل:
إحداها: أن أبا حاتم البستي ضعَّف مِشْرح بن هَاعان
(5)
.
والعلة الثانية: ما حكاه الترمذي في كتاب «العلل»
(6)
عن البخاري، فقال: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مِشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبِركم بالتَّيس المستعار؟ هو المحِلُّ والمحلَّل له، لعن الله
(1)
في «بيان الدليل على إبطال التحليل» (ص 320). وفي د بعده: «رضي الله عنه» .
(2)
رقم (1119).
(3)
برقم (1936)، ورواه أيضًا الطبراني (825) من حديث عقبة بن عامر، وصححه الحاكم (2/ 198 - 199).
(4)
في النسختين د، ز:«عاهان» . والتصويب من هامشهما.
(5)
انظر: «المجروحين» له (3/ 28).
(6)
(ص 161).
المحِلَّ والمحلَّل له». فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مِشْرَح بن هَاعان؛ لأن حَيْوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح.
العلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في «مُتَرجَمِه»
(1)
فقال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا
(2)
.
فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي
(3)
: مِشْرح قد وثّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد
(4)
، وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان.
قلت: وهو صدوق عند الحفّاظ، لم يتَّهمه أحدٌ البتةَ، ولا أطلقَ عليه أحد من أهل الحديث [15/ب] قطُّ أنه ضعيف، ولا ضعَّفه ابن حبان، وإنما قال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يُتابَع عليها؛ فالصواب تركُ ما انفرد به. وانفردَ ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه.
وأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرَّح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يُخرِجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يضرُّه شيئًا. وأما قوله:«إن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح» فإنه يريد به أن حيوة بن شُريح المصري من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن
(1)
«المترجم» اسم كتاب، وقد سبق التعريف به.
(2)
انظر: «بيان الدليل» (ص 321).
(3)
الضياء المقدسي في «السنن والأحكام» (5/ 144).
(4)
(ص 204).
مِشْرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكِّده أن الليث قال:«قال مشرح» ولم يقل: «حدثنا» ، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمِشْرح وهو في بلده، وطلبُ الليثِ للعلم وجمعُه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرَح حديثَه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد.
وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام
(1)
: إنكارُ من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهُّم انفراده به عن الليث، وظنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهَّم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذًا فيه وعلةً قادحة، وهذا لا يتوجَّه ههنا لوجهين:
أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي بكر القَطيعي: حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي حدثني العباس المعروف بأبي قُرَيق
(2)
ثنا أبو صالح حدثني الليث به، فذكره. ورواه أيضًا الدارقطني في «سننه»
(3)
: ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره.
الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه
(4)
روى عنه البخاري في «صحيحه» ، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ
(1)
في «بيان الدليل» (ص 321، 322).
(2)
في بيان الدليل: «المعروف بابن قريق» وقريق لقب العباس بن إسماعيل بن حماد البغدادي، كما في «الكامل» لابن عدي (4/ 118)، و «نزهة الألباب» (2/ 90).
(3)
رقم (3618).
(4)
كذا في النسختين د، ز. وفي بيان الدليل:«ثقة» .
صالح سليم الناحية
(1)
، قيل له: كان يلقَّن؟ قال: لا
(2)
. ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالفه به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل ابن صالح
(3)
وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط. ومشرح بن هاعان
(4)
قال فيه ابن معين: ثقة
(5)
، وقال فيه الإمام أحمد: هو معروف
(6)
؛ فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن، انتهى
(7)
.
وقال الشافعي
(8)
: ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث، إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات.
وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في «سننه»
(9)
عنه قال:
(1)
في النسختين: «التأدية» ، تحريف. والتصويب من «بيان الدليل» و «الجرح والتعديل» (6/ 154)، وقد وصف به أبو حاتم أيضًا رجلًا آخر، كما في «الجرح والتعديل» (5/ 87).
(2)
انظر: «الجرح والتعديل» (6/ 154) و «تهذيب الكمال» (19/ 391).
(3)
في بيان الدليل: «أبي صالح» . وكلاهما صواب، فهو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث.
(4)
د، ز:«عاهان» . والتصويب من «بيان الدليل» .
(5)
تقدم توثيقه.
(6)
انظر: «الجرح والتعديل» (8/ 431).
(7)
أي انتهى النقل من كلام شيخ الإسلام.
(8)
رواه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص 178) والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص 119).
(9)
رقم (1934).
«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له» . وفي إسناده زَمْعة بن صالح، وقد ضعّفه قوم، ووثّقه آخرون، وأخرج له مسلم في «صحيحه» مقرونًا بآخر
(1)
، وعن ابن معين فيه روايتان
(2)
.
وأما [16/أ] حديث عبد الله بن عمر ففي «صحيح الحاكم»
(3)
من حديث ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسّان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجها أخ له من غير مؤامرة بينهما
(4)
ليُحِلَّها لأخيه: هل تَحِلُّ للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سِفاحًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال سعيد في «سننه»
(5)
: حدثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار. وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار
(6)
.
(1)
انظر: «تهذيب الكمال» (9/ 386).
(2)
«تاريخ ابن معين» رواية الدوري (3/ 75).
(3)
(2/ 199). ورواه البيهقي (7/ 208) وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 96)، وصححه الحاكم والألباني. انظر:«إرواء الغليل» (6/ 311).
(4)
د: «بينه» .
(5)
رقم (1998). وفي إسناده محمد بن نشيط، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 254) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 110)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(6)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 182).
فصل
فسَلْ هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وهل دخل في قوله تعالى:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج»
(1)
، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«تزوَّجوا الودودَ الولودَ، فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»
(2)
، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«أربعٌ من سنن المرسلين: النكاح، والتعطُّر، والختان» وذكر الرابعة
(3)
، وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني»
(4)
، وهل دخل في قول ابن عباس:«خير هذه الأمة أكثرها نساء»
(5)
، وهل له نصيب من قوله صلى الله عليه وسلم:
(1)
رواه البخاري (1905) ومسلم (1400) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2)
رواه أحمد (12613) والطبراني في «المعجم الأوسط» (5099) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (4028). وفي الباب عن ابن عمر ومعقِل بن يَسَار رضي الله عنه. انظر:«آداب الزفاف» للألباني (ص 53 - 54).
(3)
رواه أحمد (23581) والترمذي (1080) من حديث أبي أيوب. وفي إسناده أبو الشمال، قال فيه أبو زرعة كما في «الجرح والتعديل» (9/ 391): لا أعرفه إلا بهذا الحديث ولا أعرف اسمه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (1/ 116).
(4)
رواه البخاري (5063) ومسلم (1401) من حديث أنس بدون زيادة: «النكاح سنتي» . وهذه الزيادة عند ابن ماجه (1846) من حديث عائشة، وفيه عيسى بن ميمون، متكلم فيه.
(5)
رواه البخاري (5069).
«ثلاثةٌّ حق على الله عونُهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء» وذكر الثالث
(1)
،
أم حقٌّ على الله لعنتُه تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟
وسَلْه: هل يلعن الله ورسوله من فعل مستحبًّا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرةً، أم لعنتُه مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها؟ كما قال ابن عباس: كل ذنب خُتِم بلعنةٍ أو غضبٍ أو عذابٍ أو نارٍ فهو كبيرة
(2)
. وسَلْه: هل
(3)
كان في الصحابة محلِّل واحد أو أُقِرَّ رجل منهم على التحليل؟ وسَلْه لأيّ شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتُهما
(4)
.
وسَلْه: كيف تكون المتعة حرامًا نصًّا مع أن المستمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت، لكن لما كان غيرَ داخلٍ على النكاح المؤبَّد كان مرتكبًا للمحرم؟ فكيف يكون نكاح المحلّل الذي إنما قصدُه أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها، ولا غرضَ له في النكاح البتةَ، بل قد شرطَ انقطاعه وزواله إذا أخبثَها
(5)
بالتحليل، فكيف يجتمع في عقل أو شرعٍ تحليلُ هذا
(1)
رواه أحمد (7416) والترمذي (1655) والنسائي (3120) وابن ماجه (2518) من حديث أبي هريرة .. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (4030) والحاكم (2/ 160).
(2)
رواه الطبري في «تفسيره» (6/ 652) والبيهقي في «الشعب» (286)، وفي إسناده عبد الله بن صالح متكلم فيه.
(3)
«هل» ليست في د.
(4)
رواه عبد الرزاق (10777) وسعيد بن منصور (1992، 1993) وابن أبي شيبة (17363).
(5)
في النسختين د، ز:«إذا خبثها» .
وتحريمُ المتعة؟ هذا مع أن المتعة أُبيحت في أول الإسلام، وفعلها الصحابة، وأفتى بها بعضهم
(1)
[16/ب] بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، ونكاح المحلِّل لم يُبَحْ في ملّة من الملل قطُّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم.
وليس الغرضُ بيانَ تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي
(3)
سِفْرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام، وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تَحرُم به، وأنه لا سبيلَ إلى عودها بالتحليل. فلما تغيَّر الزمان، وبعُدَ العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوقُ التحليل ونَفَقَتْ في الناس= فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفتَيه
(4)
، من الإفتاء بما يُعطِّل سوقَ التحليل أو يقلِّلها ويخفِّف شرها. وإذا عُرِض على من وفَّقه الله وبصَّره بالهدى وفقَّهه في دينه مسألةُ كون الثلاث واحدة ومسألةُ التحليل ووازنَ بينهما= تبينَ له التفاوت، وعَلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين.
فهذه حجج المسألتين قد عُرِضت عليك، وقد أُهدِيت ــ إن قبِلْتها ــ إليك، وما أظنُّ عمى التقليد يزيد
(5)
الأمرَ على ما هو عليه، ولا يَدَعُ التوفيقَ
(1)
ز: «بعضهم بها» .
(2)
تقدم تخريجه من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(3)
ز: «فإنها تستدعي» .
(4)
د: «خليفته» .
(5)
كذا في النسخ. ولعل الصواب: «يُريك» . وفي المطبوع: «إلا يزيد» .
يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارةً تُطلِع العالمَ على ما وراءها، وبالله التوفيق.
فصل
فقد تبيَّن أن أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحِلِّها
(1)
بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذَرَ عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما
(2)
في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرِّحة بلعن فاعله كثيرة جدًّا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهلُ من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن لا يُترَك منها شيء.
وتأمَّلْ كيف كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدةً والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث
(3)
والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشدّ الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليلُ كثيرًا مشهورًا والثلاثُ ثلاث.
وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبةُ الناس بما عاقبَهم به عمر من
(1)
«بحلها» ليست في ز.
(2)
د: «كليهما» .
(3)
كذا في النسختين مرفوعًا، والسياق يقتضي النصب.
وجهين:
أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [17/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق
(1)
وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق.
فصل
المثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً» ، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما
(2)
عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم
(1)
«الصديق» ليست في د.
(2)
كذا في النسخ، وفي المطبوع:«ممن» .
حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته.
وكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها.
وكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها.
وعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه.
وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.
ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذِنتُ لك في الخروج إلى الحمّام فأنتِ طالق، فتهيَّأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وأبصِرِي، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقتْ منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعتَ عليَّ الطلاق؟ قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك
(1)
إذنًا، [17/ب] وإنما قلتُه تهديدًا، أي: إنك لا يُمكِنكِ الخروج. وهذا كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40]، فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاؤوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذن، فقال له: ما أردتُ الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغَلُظَ حجابُه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن الله به
(2)
ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] إذنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبعدُ الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلِّقين مقاصدَهم.
ومن هذا إذا قال العبد لسيده ــ وقد استعمله في عملٍ يَشُقُّ عليه ــ: أعتِقْني من هذا العمل، فقال: أعتقتُك، ولم ينوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك. وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرُمْ بذلك، ولم يكن مظاهرًا. والصريح لم يكن موجِبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدلُّ على قصد المتكلم به لمعناه؛ بجريان اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجُزْ أن يلزم بما لم يُرِده، ولا
(1)
«ذلك» ليست في ز.
(2)
«به» ليست في ز.
التزمه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جنايةٌ على الشرع وعلى المكلَّف. والله سبحانه رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مُكرَهًا لمَّا لم يقصد معناها ولا نواه، وكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مُكرَهًا لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده؛ وقد أتى باللفظ الصريح؛ فعُلِم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به.
والله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدَّث نفسَه بأمر بغير تلفظٍ أو عمل، كما رفعها عمن تلفَّظ باللفظ من غير قصدٍ لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقًا من غير قصدٍ لفرح أو دهش أو غير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فقَدَ راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، فأَيِسَ منها، ثم وجدها فقال:«اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدّة الفرح
(1)
، ولم يؤاخذ
(2)
بذلك.
وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك
(3)
، ومن هذا قوله تعالى:{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب
(4)
. ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه،
(1)
رواه مسلم (2747/ 7) بهذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه. وهو في البخاري (6309) بلفظ آخر.
(2)
ز: «يؤاخذه» .
(3)
«بذلك» ليست في ز.
(4)
بنحوه قال مجاهد، رواه الطبري في «تفسيره» (12/ 130) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (6/ 1932).
ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده.
ومن هذا رفعُه صلى الله عليه وسلم حكم الطلاق عمن طلَّق في إغلاق
(1)
. وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب
(2)
، وبذلك فسَّره أبو داود
(3)
، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدَّم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح «أحكام» عبد الحق [18/أ] عنه، وهو ابن بَزِيْزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي وابن عباس
(4)
وغيرهما من الصحابة إن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. وفي «سنن الدارقطني»
(5)
بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: «لا يمينَ في غضب، ولا عتاقَ فيما لا يملك» . وهو وإن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس
(6)
، وقد فسَّر الشافعي
(1)
أخرجه أحمد (26360) وأبو داود (2193) وابن ماجه (2046) من حديث عائشة، وفيه محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي ضعيف. وانظر:«تنقيح التحقيق» (4/ 408 - 409) و «البدر المنير» (8/ 84 - 86).
(2)
انظر: «الفروع» لابن مفلح (9/ 11).
(3)
عقب الحديث (2193)، ولفظه: الغِلاق أظنه في الغضب.
(4)
انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (6/ 137).
(5)
رقم (4319). وفي إسناده سليمان بن أبي سليمان متكلم فيه، وبه أعلَّه ابن عبد الهادي وضعَّفه في «التنقيح» (5/ 53).
(6)
رواه سعيد بن منصور (782 - التفسير) والطبري في «تفسيره» (4/ 26) وابن أبي حاتم (4/ 1191)، وكذلك ابن المنذر في «الأوسط» (12/ 175) والبيهقي في «الكبرى» (10/ 49) كلاهما من طريق سعيد بن منصور.
«لا طلاقَ في إغلاق» بالغضب
(1)
، وفسَّره مسروق به
(2)
.
فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسَّروا الإغلاق بالغضب، وهو من أحسن التفسير؛ لأن الغضبان قد أُغلِق عليه باب القصد بشدة غضبه، وهو كالمُكْرَه، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره؛ لأن المكره قد قصدَ رفْعَ الشر الكثير بالشر القليل
(3)
الذي هو دونه، فهو قاصدٌ حقيقة، ومن ههنا أوقع عليه الطلاقَ من أوقعه. وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون، فإن الغضب غولُ
(4)
العقلِ، يغتالُه كما يغتاله الخمر بل أشدّ، وهو شعبة من الجنون، ولا يشكُّ فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه؛ ولهذا قال حبر الأمة الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين:«إنما الطلاق عن وَطَرٍ» ، ذكره البخاري في «صحيحه»
(5)
، أي عن غرضٍ من المطلِّق في وقوعه. وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه وإجابةِ الله دعاء رسوله له، إذ الألفاظ إنما يترتّب عليها موجباتُها لقصد اللافظ بها، ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا، ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور السلف أنه قول
(1)
ذكر المؤلف في «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص 7) أنه مقتضى كلام الشافعي، فإنه يسمي نذر اللجاج والغضب يمين الغلق ونذرَ الغلق. وانظر:«الأم» (3/ 659).
(2)
انظر: «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (6/ 137).
(3)
«القليل» ليست في ز.
(4)
الغول: كل شيء يذهب بالعقل.
(5)
(9/ 388 - مع الفتح) معلقًا بصيغة الجزم.
الحالف: «لا والله، وبلى والله»
(1)
، في عرض كلامه من غير عقدٍ لليمين.
وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عليَّ الطلاقُ لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصدٍ لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الرب جل جلاله لا ينعقد به يمين اللغو فيمينُ الطلاق أولى أن لا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب، وتخريجه على نص أحمد صحيح؛ فإنه نصَّ على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق لأنها عنده يمين، ونصَّ على أن اللغو أن يقول:«لا والله، وبلى والله» من غير قصدٍ لعقد اليمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم»
(2)
، وصح عنه أنه قال:«أفلحَ وأبيه إن صدق»
(3)
، ولا تعارضَ بينهما، ولم يَعقِد النبي صلى الله عليه وسلم اليمينَ بغير الله قطُّ. وقد قال حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم:«هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي» ، وكان نشوانًا
(4)
من الخمر
(5)
، فلم يكفرْ بذلك. وكذلك الصحابي الذي قرأ:«قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون»
(6)
، وكان
(1)
قول عائشة رواه البخاري (6663). وانظر لأقوال بعض السلف: «سنن سعيد بن منصور» (779، 780، 783 - التفسير)، و «تفسير الطبري» (4/ 14 - 18) و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 408 - 410).
(2)
رواه البخاري (6108) ومسلم (1646) من حديث عمر رضي الله عنه.
(3)
رواه مسلم (11/ 9) بهذا اللفظ من حديث طلحة بن عبيد الله، وكذلك رواه البخاري (46) ومسلم (11/ 8) دون قوله:«وأبيه» .
(4)
كذا في النسخ، والكلمة ممنوعة من الصرف.
(5)
رواه البخاري (3091) ومسلم (1979) من حديث علي رضي الله عنه.
(6)
رواه أبو داود (3671) والترمذي (3026) وصححه من حديث علي بن أبي طالب. وصححه أيضًا الحاكم (2/ 307).
ذلك قبل تحريم الخمر، [18/ب] ولم يعُدْ بذلك كافرًا؛ لعدم القصد، وجريانِ اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه.
فإيّاك أن تُهمِل قصد المتكلم ونيته وعُرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزِم الحالفَ والمقرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلزِمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصفُ الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله سبحانه المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] فقال ربهم تبارك وتعالى: قد فعلتُ
(1)
.
فصل
ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حَنِثَ بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا يُحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزامُ الطلاق به أبدًا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط، كما في «صحيح البخاري»
(2)
عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتةَ إن خرجت، فقال ابن عمر:«إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء» . فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلَّق
(1)
رواه مسلم (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
معلقًا بصيغة الجزم (9/ 392)، ولم يذكر الحافظ مَن وصَله في «الفتح» ولا في «تغليق التعليق» (4/ 456).
بالشرط مطلقًا، وأما من يفصِّل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ فإنهم صحَّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صورٍ، وصحَّ عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتَوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويُترك بعضها.
فأما الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر
(1)
، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي
(2)
عن إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: «إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق» ، ففعلتْه، قال: هي واحدة، وهو أحق بها
(3)
، على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالقٌ إلى سَنَةٍ، قال: يستمتع بها إلى سنة
(4)
. ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحَّتْ عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال:«إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق»
(5)
.
وههنا نكتة لطيفة يحسُن التنبيه عليها، وهي أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وألحَّ عليه، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم في آخر مساءلته: «التمسوها في
(1)
انظر التخريج السابق.
(2)
كذا في النسخ. وفي «السنن الكبرى» : «الزبير بن عدي» ، وهو الصواب، فهو الذي يروي عن إبراهيم.
(3)
رواه البيهقي (7/ 356).
(4)
ذكره البيهقي (7/ 356) ووصله ابن أبي شيبة بنحوه (18194).
(5)
رواه الطبراني في «الدعاء» (183)، ولكن فيه أن سؤال زوجته له كان عن ساعة إجابة الدعاء يوم الجمعة.
العشر الأواخر، ولا تَسألْني عن شيء بعدها»
(1)
. ثم حدّث النبي صلى الله عليه وسلم وحدّث، قال: فاهتبلتُ غفلتَه فقلت: أقسمتُ عليك يا رسول الله بحقّي عليك لتحدِّثنِّي في أيّ العشر هي، قال: فغضِبَ عليَّ غضبًا ما غضِبَ عليَّ من قبلُ ولا من بعدُ، ثم قال:«التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألْني عن شيء بعدُ» . ذكره النسائي والبيهقي
(2)
. فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحِها عليه [19/أ] ما أوجب غضَبه وقال: إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق.
فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلَّق.
وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأنّ كل مملوكٍ لها حرٌّ إن لم تفرِّق بين عبدها وبين امرأته، أنها تُكفِّر عن يمينها ولا تفرِّق بينهما.
قال الأثرم في «سننه»
(3)
: حدثنا عارِم بن الفضل ثنا معتمِر بن سليمان قال: قال لي أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العَجْماء: كل مملوكٍ لها محرَّر، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي
(4)
نصرانية إنْ لم تُطلِّق امرأتك أو تُفرِّق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيتُ زينبَ بنت أم سلمة، وكانت إذا ذُكِرت امرأة بالمدينة فقيهة ذُكِرت
(1)
ز: «بعد هذا» .
(2)
رواه أحمد (21499) والنسائي في «الكبرى» (3413) والبيهقي (4/ 307). وفي إسناده مرثد بن عبد الله الزِّمَّاني، ويقال الذماري، لم يوثقه غير العجلي في «الثقات» (1552) وابن حبان في «الثقات» (5/ 440).
(3)
ورواه أيضًا عبد الرزاق (16000). ونقله شيخ الإسلام وتكلم عليه في «مجموع الفتاوى» (33/ 188، 189) و «الرد على السبكي» (1/ 188 وما بعدها).
(4)
«هي» ليست في د.
زينب، قال: فأتيتُها فجاءت معي
(1)
إليها، فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب، جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها محرَّر، وكلُّ مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وامرأته. فأتيتُ حفصة أم المؤمنين، فأرسلتْ إليها فأتَتْها، فقالت: يا أم المؤمنين، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حرٌّ، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وبين امرأته. قالت: فأتيت عبد الله بن عمر، فجاء معي
(2)
إليها، فقام على الباب فسلَّم، فقالت: بِيَبَا أنتَ وبِيَبَا
(3)
أبوك، فقال: أمِن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ أنتِ أم من أي شيء أنت؟ أفتتْكِ زينبُ وأفتتْكِ أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها حرٌّ، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية! كفِّري عن يمينكِ، وخلِّي بين الرجل وبين امرأته.
(1)
كذا في د، ز. وفي «مجموع الفتاوى» و «الرد على السبكي»:«فجاءت يعني» .
(2)
كذا في النسختين. وفي المصدرين السابقين: «يعني» .
(3)
في النسختين: «بينا أنت وبينا» ، مصحفًا. وفي المطبوع:«بأبي أنت وبآبائي أبوك» (نقلًا عن مصنف عبد الرزاق)، وفي الجزء الثاني منه تحريف. وفي «مجموع الفتاوى» (33/ 189):«سا أنت وسا أبوك» بدون نقط .. وفي أصل «الرد على السبكي» (1/ 188): (سى أنت وسى أبوك). وينبغي أن يُقرأ «بِيَبَا» و «بِيَبِي» . قال ابن الأنباري في «الزاهر» (1/ 162 - ط. الرسالة): فيه ثلاث لغات: بِأَبِي وبِيَبِي وبِيَبَا، فمن قال «بأبي» أخرجه على أصله، ومن قال «بِيَبِي» ليَّن الهمزة وأبدلَ منها ياءً، ومن قال «بِيَبَا» توهَّم أنه اسم واحد، فجعل آخِرَه بمنزلة آخرِ سكْرَى وغضبَى وحُبلَى. ومعنى «بأبي أنت»: أفديك بأبي.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في «المترجم» له
(1)
: حدثنا صفوان بن صالح ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني جَسْر
(2)
بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني قال: حدثني رُفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكينِ لامرأة من الأنصار، فحلفَتْ بالهدي والعتاقة أن تفرِّق بيننا، فأتيتُ امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرتُ لها ذلك، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينَك، فأبَتْ، ثم أتيت زينب ابنة أم سلمة
(3)
، فذكرت لها ذلك
(4)
، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينك، فأبَتْ
(5)
. فأتيتُ ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها: أن كفِّري يمينك، فأبَتْ، فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلتْ إليك فلانةُ زوج النبي صلى الله عليه وسلم وزينبُ أن تكفِّري يمينك فأبيتِ، قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفتُ بالهدي والعتاقة، قال: وإن كنتِ قد حلفتِ
(6)
.
وقال الدارقطني
(7)
: ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن
(1)
نقل عنه شيخ الإسلام في «الرد على السبكي» (1/ 305). وأخرجه أبو العباس الأصم في الثاني من «حديثه» (18).
(2)
في د، ز والمطبوع:«حسن» ، تحريف. وترجمة جَسْر بن الحسن في «الميزان» (1/ 398) و «تهذيب التهذيب» (2/ 78). وفي «التقريب»: أنه مقبول من السابعة.
(3)
في النسختين: «زينب أو أم سلمة» . والصواب: «زينب ابنة أم سلمة» كما في «الرد على السبكي» (1/ 205) وفي الرواية السابقة. وفي المطبوع: «زينب وأم سلمة» خطأ أيضًا.
(4)
د: «ذلك لها» .
(5)
«فأبت» ليست في د.
(6)
رجاله كلهم ثقات إلا جسْر بن الحسن وهو مقبول، كما سبق ذكره.
(7)
رقم (4331).
عبد الله الأنصاري ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن [19/ب] مولاةً له أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوكٍ لها حرّ إن لم تفرِّق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهم، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني
(1)
مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفِّر عن يمينها وتخلِّي بينهما.
وقد رواه البيهقي
(2)
من طريق الأنصاري: ثنا أشعث ثنا بكر عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوكٍ لها حرّ، وكل مالٍ لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تُفرِّق بينهما، فسألت عائشةَ وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفّر عن يمينها وتخلّي بينهما. رواه رَوْح و
(3)
الأنصاري واللفظ له، وحديث رَوْح مختصر. وقال النضْر بن شُمَيل: أنا أشعث عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفّر يمينَها.
وقال يحيى بن سعيد القطّان
(4)
عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العَجْماء مولاتَه قالت: هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها محرر، وكل مالٍ لها هَدْيٌ، إن لم يُطلِّق امرأتَه إن لم تفرِّق
(1)
في النسختين: «تكفري» . والتصويب من مصدر التخريج.
(2)
في «السنن الكبرى» (10/ 66).
(3)
الواو ساقطة من ز.
(4)
كما في المصدر السابق (10/ 66).
بينكما، فذكر القصة، وقال: فأتيتُ ابن عمر فجاء معي فقام بالباب، فلما سلّم قالت: بأبي أنت وأبوك، قال
(1)
: أمن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ؟ أتَتْكِ زينبُ وأرسلتْ إليكِ حفصة! قالت: قد حلفتُ بكذا وكذا، قال: كفِّري عن يمينك وخلِّي بين الرجل وامرأته.
فقد تبيَّن بسياق هذه الطرق انتفاءُ العلة التي أُعِلّ بها حديث ليلى هذا، وهي تفرُّد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد:«لم يقل: وكل مملوكٍ لها حرٌّ، إلا التيمي» ، وبرئ التيمي من عُهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يُخرَج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛ فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القولُ بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.
فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم
(2)
: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفتْ بكذا وكذا وكلّ مملوكٍ لها حرٌّ، فأُفتِيَتْ بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمانٍ، فقال
(3)
: أما الجارية فتعتق.
قلت: يريد به
(4)
ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر، قال: حلفتْ امرأة من آل ذي أَصْبَح فقالت: مالُها في سبيل الله
(1)
«قال» ليست في د، ز. والزيادة من مصدر التخريج.
(2)
ذكره شيخ الإسلام في «القواعد النورانية» (ص 316، 317) وعنه في «مجموع الفتاوى» (35/ 255).
(3)
كذا في النسخ و «القواعد» و «الفتاوى» . ولعل الصواب: «فقالا» بدليل الأثر التالي.
(4)
«به» ليست في د.
وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا يفعله، فسُئل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما [20/أ] قولها:«مالي في سبيل الله» فتتصدق بزكاة مالها
(1)
.
فقيل
(2)
: لا ريبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرَّد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصحُّ من حديث عثمان، فإن رواته حفّاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفِّر يمينه
(3)
. وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة. قال أبو محمد ابن حزم
(4)
: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: «كل مملوك لها حرّ، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك» كفارة يمين واحدة.
فإذا صحّ هذا عن الصحابة، ولم يُعلَم لهم مخالف ــ سوى هذا الأثر المعلول أثرِ عثمان بن حاضر
(5)
ــ في قول الحالف: عبدُه حرٌّ إن فعل، أنه
(1)
رواه عبد الرزاق (15998).
(2)
جواب «فإن قيل» .
(3)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (8/ 8).
(4)
في «المحلَّى» (8/ 8).
(5)
كذا هنا «عثمان بن حاضر» ، وهو الصواب، وقد غلَّط الإمام أحمد عبد الرزاق في قوله:«عثمان بن أبي حاضر» ، وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: وهو وهم. انظر: «تهذيب الكمال» (19/ 349).
يُجزئه كفارة يمين، ولم يُلزِموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يُلزِموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالفَ بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يُعرَف له في الصحابة مخالف؟
قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي
(1)
المعروف بابن بَزِيزة في «شرحه لأحكام عبد الحق»
(2)
: الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه، وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلف به بحنث
(3)
، ولا يُعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظه بعينه.
فهذه فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط، ولا تعارضَ بين ذلك؛ فإن الحالف لم يقصد وقوعَ الطلاق، وإنما قصد منْعَ نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خصَّ منْعَ نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منْعَ نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مُخْرَجَ اليمين بما لا يريد وقوعه منَعَ من ثبوت حكمه. وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا
(1)
كذا في النسختين، وفي المطبوع:«التميمي» ، وكذا في ترجمته في «نيل الابتهاج» (ص 178).
(2)
سبق ذكر هذا النص، وسمى كتابه هناك «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» .
(3)
سيأتي تخريجها.
فرقَ البتةَ، والعلة متى تخصَّصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دلَّ ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منعَ لزومَ الحج والصدقة والصوم بل لزومَ الإعتاق والتطليق بل لزومَ اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى؟
أما العبادات المالية والبدنية فإذا منعَ لزومَها قصد اليمين وعدم قصد وقوعها [20/ب] فالطلاق أولى، فكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء. وأما الحلف بإلزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصدُ اليمين قد منعَ ثلاثة أشياء ــ وهي وجوب التطليق وفعله وحصول أثره وهو الطلاق ــ فلَأن يَقوى على منع واحدٍ من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى. وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع هذا فقصدُ اليمين منَعَ من وقوعه، فلَأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى. وإذا كان العتق الذي هو أحبُّ الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره، ويحصل بالملك والفعل، قد منَعَ قصدَ اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة= فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع. وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلَّف:«أيمانُ المسلمين تَلزمني» عند من ألزمه بالطلاق، فدخولها في قول رب العالمين:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] أولى وأحرى. وإذا دخلت في قول الحالف: «إن حلفتُ يمينًا فعبدي حرٌّ» ، فدخولها في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها، فليكفِّر عن يمينه ولْيأتِ الذي هو خير»
(1)
أولى وأحرى.
(1)
رواه النسائي (3781) من حديث عبد الله بن عمرو بهذا اللفظ والحديث عند مسلم (1650، 1651) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
وإذا دخلت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلفَ فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل وإن شاء ترك»
(1)
،
فدخولها في قوله: «من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه» [أولى وأحرى]
(2)
، فإن الحديث أصح وأصرحُ. وإذا دخلت في قوله:«من حلفَ على يمينٍ فاجرةٍ يقتطعُ بها مالَ امرئ مسلم لقيَ الله وهو عليه غضبانُ»
(3)
، فدخولها في قوله تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] أولى بالدخول أو مثله. وإذا دخلت في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] فلو حلف بالطلاق كان مُولِيًا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى، لأن الإيلاء نوع من اليمين؛ فإذا دخل الحلفُ
(4)
بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزمٌ الجنسَ ولا ينعكس. وإذا دخلت في قوله:«يمينُك على ما يُصدِّقك به صاحبُك»
(5)
، فكيف لا تدخل في بقية نصوص الأيمان؟ وما الذي أوجب هذا التخصيصَ من غير مخصِّص؟ وإذا
(1)
رواه أحمد (4581) وأبو داود (3262) والترمذي (1531) والنسائي (3793) وابن ماجه (2105) من حديث ابن عمر. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (4342) ..
(2)
ما بين المعكوفتين ليس في د، ز.
(3)
رواه البخاري (2356) ومسلم (138) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4)
ز: «في الحلف» .
(5)
رواه مسلم (1653) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
دخلت في قوله: «إياكم وكثرةَ الحَلف في البيع، فإنه يُنفِّق ثم يَمْحَق»
(1)
، فهلّا دخلت في غيره من نصوص اليمين؟ وما الفرق المؤثِّر شرعًا أو عقلًا أو لغةً؟ وإذا دخلت في قوله:{وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} فهلّا دخلت في قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]؟ وإذا دخلت في قول الحالف «أيمانُ البيعةَ تَلزمُني» وهي [21/أ] الأيمان التي رتّبها الحَجَّاج، فلِمَ لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟
فإن كانت
(2)
يمينُ الطلاق يمينًا شرعيةً بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تُعطَى حكمَ الأيمان، وإن لم تكن يمينًا شرعيةً كانت باطلة في الشرع، فلا يَلزم الحالفَ بها شيءٌ، كما صحّ عن طاوس، من رواية عبد الرزاق
(3)
عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس الحلف بالطلاق شيئًا. وصحّ عن عكرمة من رواية سُنيد بن داود في «تفسيره» عنه: أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء
(4)
. وصحّ عن شُريح
(5)
قاضي علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق.
(1)
رواه مسلم (1607) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(2)
د: «كان» .
(3)
رقم (11401)، ولكن فيه عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، ومن طريق عبد الرزاق هذا ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 213).
(4)
ذكره الذهبي في «السير» (5/ 36) و «ميزان الاعتدال» (3/ 97) قائلاً: قال سنيد بن داود في «تفسيره» : حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة، في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان.
(5)
رواه عبد الرزاق (11322)، وعنه ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 212).
وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه، وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي، كقوله: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فقال: لا تُطلَّق إن كلّمتْه؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلَّقتْ وإن شاءت أمسكتْ، وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يَلزمُني أو لازمٌ لي لا أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية.
الوجه الثاني: أنه صريح، فلا يحتاج إلى نيةٍ، وهذا اختيار الرُّوياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا اختيار القفّال في «فتاويه» . ووجهه أن الطلاق لا بدَّ فيه من إضافته إلى المرأة، كقوله: أنتِ طالق، أو طلّقتكِ، أو قد طلّقتكِ، أو يقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني. ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته: طلِّقي نفسكِ، فقالت: أنتَ طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاق، وقال: خَطَّأ الله نَوْءَها
(1)
، وتبعه على ذلك الأئمة. فإذا قال «الطلاق يلزمني» لم يكن لازمًا له إلا أن يُضِيفه إلى محلِّه، ولم
(1)
رواه ابن أبي شيبة (18393). والمعنى: لو طلَّقت نفسَها لوقع الطلاق، فحيثُ طلَّقت زوجَها لم يقع، فكانت كمن يُخطئه النَّوء فلا يُمطَر. انظر:«النهاية» لابن الأثير (5/ 122، 123).
يُضِفْه فلا يقع. والمُوقِعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومن ضرورة لزومه إضافتُه إلى المحلّ، فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم.
ولِمن نصرَ قول القفّال أن يقول: إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليقَ أو وقوعَ الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه لأنه نذرَ أن يطلِّق، ولا تُطلَّق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله:«الطلاق يلزمني» التزامٌ لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق، فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق؟ وقوله:«الطلاق يَلزمني» لا يصلح أن يكون سببًا؛ إذ لم يُضِف فيه الطلاق إلى محلِّه، فهو كما لو قال:«العتق يَلزمني» ، ولم يُضِف فيه العتق إلى محلّه بوجه. ونظير هذا أن يقول له: بِعْني أو آجِرْني، فيقول: البيع يلزمني، أو الإجارة [21/ب] تلزمني، فإنه لا يكون بذلك موجبًا لعقد البيع والإجارة، حتى يُضِيفهما إلى محلّهما. وكذلك لو قال:«الظهار يلزمني» لم يكن بذلك مظاهرًا حتى يُضيفه إلى محلّه. وهذا بخلاف ما لو قال: «الصوم يلزمني، أو الحج، أو الصدقة» فإن محلّه الذمة، وقد أضافه إليها.
فإن قيل: وههنا محلُّ الطلاق والعتاق الذمةُ.
قيل: هذا غلط، بل محلُّ الطلاق والعتاق نفسُ الزوجة والعبد، وإنما الذمة محلُّ وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق، وحينئذٍ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق، وذلك لا يوجب الوقوع. والذي يوضح هذا أنه لو قال:«أنا منكِ طالق» لم تُطلَّق بذلك، لإضافة الطلاق إلى غير محلّه، وقيل: تَطلُق إذا نوى طلاقها هي بذلك، تنزيلًا لهذا اللفظ منزلة الكنايات، فهذا كشف سرِّ هذه المسألة.
وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم ابن يونس
(1)
في «شرح التنبيه» ، وأكثر أيمان الطلاق بهذه الصيغة، فكيف يحلُّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي الله ومسؤول أن يكفِّر أو يجهِّل من يفتي بهذه المسألة، ويسعى في قتله وحَبْسه، ويلبِّس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟ وقد علم الله ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة لم تُردَّ بغير الشكاوى إلى الملوك ودعوى الإجماع الكاذب، والله المستعان، وهو عند لسان كل قائل:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].
فصل
وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مريدًا لموجباتها، كما أنه لا بدّ أن يكون قاصدًا للتكلّم باللفظ مريدًا له، فلا بدَّ من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكدُ من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود، واللفظ وسيلة، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام.
قال مالك وأحمد فيمن قال «أنت طالق البتةَ» وهو يريد أن يحلِف على
(1)
في «الصواعق المرسلة» (2/ 613): «أبو القاسم عبد الرحمن بن يونس» . ولم أجد ترجمته في المصادر، والمعروف بشرح «التنبيه»: أبو الفضل أحمد بن موسى بن يونس الإِرْبِلي ثم المَوْصِلي (ت 622). انظر ترجمته في «وفيات الأعيان» (1/ 108) و «سير أعلام النبلاء» (22/ 248) و «طبقات الشافعية» للسبكي (8/ 39).
شيء، ثم بدا له فترك اليمينَ: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يُرِد أن يطلّقها. وكذلك قال أصحاب أحمد. وقال أبو حنيفة: لو أراد أن يقول كلامًا فسبق لسانه فقال «أنتِ حرّة» لم تكن بذلك حرة. وقال أصحاب أحمد: لو قال الأعجمي لامرأته «أنت طالق» وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة لم تَطلُق؛ لأنه ليس مختارًا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمُكْره. قالوا: فلو نوى موجَبَه عند أهل العربية لم يقع أيضًا؛ لأنه لا يصح منه اختيارُ ما لا يعلمه. وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر.
وفي «مصنَّف وكيع» : أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سَمِّني فسمّاها الظبية، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسمِّيكِ؟ [22/أ] قالت: سَمِّني خَليَّة طالق، قال لها: فأنتِ خليّة طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر بن الخطاب رأسها، وقال لزوجها: خُذْ بيدها وأوجع رأسها
(1)
.
وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفَّظ بصريح الطلاق. وقد تقدّم أن الذي قال لما وجد راحلته:«اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك» ، أخطأ من شدة الفرح
(2)
؛ لم يكفُر بذلك وإن أتى بصريح الكفر؛ لكونه لم يُرِده، والمُكرَه على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل؛ فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلًا، لأنه قاصد للتكلم باللفظ، وهزلُه لا يكون عذرًا له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور،
(1)
رواه البيهقي (7/ 341)، وذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 200). وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى متكلم فيه.
(2)
تقدم تخريجه.
مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود؛ فهو متكلم باللفظ مريدٌ له، ولم يصرِفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل. والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرًا صارفًا، بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة. ألا ترى أن الله سبحانه عَذَرَ المكره في تكلُّمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان، ولم يَعذِر الهازل بل قال:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66]، وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي.
فصل
ومن ذلك أنه لو قال: «أنت طالق» ، وقال: أردتُ إن كلمتِ رجلًا أو خرجتِ من داري، لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي. وكذلك لو قال: أردتُ
(1)
إن شاء الله، ففيه وجهان لهم. ونصَّ الشافعي فيما لو قال:«إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق» ثم قال: أردتُ به إلى شهر، فكلَّمتْه
(2)
بعد شهر، لم تطلَّق باطنًا. ولا فرقَ بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها، فإن التقييد بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية، وهو أولى بالجواز من تخصيص العام بالنية، كما إذا قال:«نسائي طوالق» واستثنى بقلبه واحدة منهن، فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما تناولَه اللفظ صحّ التقييد بالنية بطريق الأولى؛ فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على
(1)
«أردت» ليست في ز.
(2)
د: «فكلمه» .
عموم الأحوال والأزمان، ولو دلّ عليها بعمومه فإخراج بعضها تخصيص للعام، وهذا ظاهر جدًّا، وغايته استعمال العام في الخاص أو المطلق في المقيّد، وذلك غير بِدْعٍ لغةً وشرعًا وعرفًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أما معاوية فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه»
(1)
، فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه وبين الله وفي الحكم أيضًا.
فصل
قد عُرِف أن الحلف بالطلاق له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ طالق، والثانية: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديمًا وحديثًا. وهكذا [22/ب] الحلف بالحرام له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ عليَّ حرام، أو ما أحلَّ الله عليَّ حرام، والثانية: الحرام يلزمني لا أفعلُ كذا، فمن قال في «الطلاق يلزمني» إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء، ففي قوله:«الحرام يلزمني» أولى، ومن قال: إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقًا وإلّا فلا، فهكذا يقول في «الحرام يلزمني»: إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليقَ
(2)
، فكأنه التزم أن يحرِّم كما التزم ذاك أن يطلِّق؛ فهذا التزامٌ للتحريم وذاك التزام للتطليق. وإن نوى به ما حرَّم الله عليَّ يلزمني تحريمه= لم يكن يمينًا ولا تحريمًا ولا طلاقًا ولا ظهارًا.
ولا يجوز أن يفرَّق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظٍ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارةُ يمينٍ حرمةً لشدة اليمين؛ إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين، وهي يمينٌ منعقدة ففيها
(1)
رواه مسلم (1480/ 36) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.
(2)
ز: «والتطليق» خطأ.
كفارة يمين. وبهذا أفتى ابن عباس ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فصحَّ عنه بأصح إسنادٍ: الحرام يمينٌ يكفِّرها، ثم قال:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
(1)
. وهكذا حكم قوله: «إن فعلت كذا فأنتِ عليَّ حرام» ، وهذا أولى بكفارة يمينٍ من قوله:«أنتِ عليَّ حرام» .
وفي قوله: «أنتِ عليَّ حرام» أو «ما أحلّ الله عليّ حرام» أو «أنتِ
(2)
عليَّ حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير» مذاهب
(3)
:
أحدها: أنه لغو وباطل لا يترتَّب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي
(4)
وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولَي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج.
وفي «الصحيح»
(5)
عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرَّم امرأته فليس بشيء، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. وصح عن مسروق: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو قصعةً من ثريد
(6)
. وصح عن الشعبي
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
ز: «وأنت» .
(3)
انظر: «المحلَّى» (10/ 124 وما بعدها)، فقد اعتمد عليه المؤلف اعتمادًا كبيرًا، وتصرَّف في ترتيب المذاهب.
(4)
سيأتي تخريج هذه الآثار بعد حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
رواه البخاري (5266).
(6)
رواه عبد الرزاق (11375) وسعيد بن منصور (1702)، وابن الجعد (2381) واللفظ له.
في تحريم المرأة: لهو أهونُ عليَّ من نعلي
(1)
. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو حرَّمتُ ماء النهر
(2)
. وقال حجّاج بن مِنهال
(3)
: إن رجلًا جعل امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال له حميد: قال الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7 - 8]، وأنت رجل تلعب، فاذهبْ فالْعَبْ
(4)
.
فصل
المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
(5)
، وقضى فيها عليٌّ بالثلاث في عديّ بن قيس الكِلابي، وقال له: والذي نفسي بيده لئن مَسِسْتَها قبل أن تتزوَّج غيرك لأرجمنَّك
(6)
. وحجة
(1)
رواه عبد الرزاق (11378).
(2)
رواه عبد الرزاق (11376).
(3)
في «المحلَّى» (10/ 127): «ومن طريق الحجاج بن منهال نا همام بن يحيى أنا قتادة أن رجلًا
…
».
(4)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 127) وابن القيم في «زاد المعاد» (5/ 276).
(5)
قول علي عند ابن أبي شيبة (18486) وكذلك قول زيد (18494)، وقول الحسن عند عبد الرزاق (11382، 11383)، وأما قول ابن عمر فحكاه ابن حزم في «المحلى» (10/ 124)، وقول ابن أبي ليلى حكاه الشافعي في «الأم» (8/ 373) والطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (2/ 413) وابن حزم في «المحلى» (10/ 124).
(6)
رواه عبد الرزاق (11381).
هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.
المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صحّ أيضًا عن أبي هريرة والحسن وخِلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا، بل أمروه باجتنابها [23/أ] فقط
(1)
. وصحّ ذلك أيضًا عن علي
(2)
، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث.
وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه.
المذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن عليّ أيضًا، وهو قول الشعبي، قال: يقول رجال في «الحلال حرام» إنها حرام حتى تنكح زوجًا غيره، وينسبونه إلى علي، واللهِ ما قال ذلك عليّ، إنما قال: ما أنا بمُحِلّها ولا بمُحَرِّمها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ وإن شئتَ فتأخَّرْ
(3)
.
وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عُرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه.
المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا
(1)
حكاه ابن حزم في «المحلى» (10/ 125).
(2)
تقدم تخريجه في بداية هذا الفصل.
(3)
ذكره ابن حزم في «المحلى» (10/ 126)، ورواه ابن أبي شيبة (18509) بنحوه.
قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن
(1)
.
وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقًا، وإن لم ينوِه كان يمينًا، لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 1 - 2].
المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدةً فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينوِ شيئًا فهي كذبة لا شيء فيها. قاله سفيان
(2)
، وحكاه النخعي عن أصحابه
(3)
.
وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك، فيتبع نيته.
المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فهي يمينٌ يكفِّرها، وهو قول الأوزاعي
(4)
.
وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، وإذا أطلق
(5)
ولم ينو الطلاق كان يمينًا.
(1)
قول الحسن رواه عبد الرزاق (11373) وكذلك قول طاوس (11367)، وأما قول الزهري فحكاه ابن حزم في «المحلى» (10/ 125). وانظر قول الشافعي في «الأم» (8/ 373).
(2)
انظر: «مصنف عبد الرزاق» (11390).
(3)
قول النخعي رواه عبد الرزاق (11370).
(4)
حكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (2/ 413).
(5)
د: «فإذا طلق» .
المذهب الثامن: مثل هذا أيضًا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم.
المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، صح ذلك
(1)
عن ابن عباس أيضًا وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبِّه وعثمان البَتّي
(2)
، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد.
وحجة هذا القول أن الله سبحانه جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه
(3)
ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرَّمة يجعله مظاهِرًا فإذا صرَّح بتحريمها كان أولى بالظهار.
وهذا أقيسُ الأقوال وأفقهها، ويؤيّده أن الله لم يجعل للمكلّف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه سبحانه، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتّب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله؛ فإذا قال «أنتِ عليّ كظهر أمي» أو قال «أنتِ عليّ حرام» فقد قال المنكر من القول والزور وكذَبَ، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظَ الكفارتينِ، وهي كفارة الظهار.
[23/ب] المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهو إحدى الروايتين
(1)
«ذلك» ليست في ز.
(2)
قول ابن عباس عند عبد الرزاق (11385)، وكذلك قول أبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه (11387)، وأما قول عثمان البتي فحكاه الطحاوي في «مختصر اختلاف العلماء» (2/ 413) وابن حزم في «المحلى» (10/ 125).
(3)
د: «عليها» .
عن عمر بن الخطاب
(1)
، وقول حماد بن أبي سليمان
(2)
شيخ أبي حنيفة.
وحجة هذا القول أن مطلق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدُق بأقله، والواحدة متيقنة؛ فحُمِل اللفظ عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدة.
المذهب الحادي عشر: أنه يُنوَّى
(3)
ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمينٌ مكفّرة، وهو قول الشافعي.
وحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجرّدًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين.
المذهب الثاني عشر: أنه يُنوَّى أيضًا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينوِ طلاقًا فهو مُولٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة؛ لاقتضاء التحريم للبينونة وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة فاعتُبِرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى: إن نوى الكذب دُيِّنَ ولم يُقبَل في الحكم، بل يكون مُوليًا، ولا يكون ظهارًا عنده نواه أو لم ينوِه،
(1)
رواه عبد الرزاق (11391)، وفي إسناده انقطاع؛ لأن إبراهيم النخعي لم يدرك عمر رضي الله عنه.
(2)
حكاه ابن حزم في «المحلى» (10/ 125).
(3)
أي: يُوكل إلى نيته ويُحاسَب بمقتضاها.
ولو صرَّح به فقال «أعني به الظهار» لم يكن مظاهرًا.
المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفِّره ما يكفِّر اليمين على كل حال، صح ذلك أيضًا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم
(1)
.
وحجة هذا القول ظاهر القرآن؛ فإن الله سبحانه ذكر فرضَ تحلَّةِ الأيمان عَقيبَ تحريم الحلال، فلا بدّ أن يتناوله يقينًا؛ فلا يجوز جعلُ تحلَّة الأيمان لغير المذكور قبلها ويُخرج المذكور عن حكم التحلّة التي قُصِد ذكرها لأجله.
المذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلَّظة يتعين فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضًا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين
(2)
.
وحجة هذا القول أنه لما كان يمينًا مغلَّظة غلِّظت كفارتها بتحتُّمِ العتق، ووجه تغليظها تضمُّنها تحريمَ ما أحلّ الله وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره مُعتدٍ في إقسامه؛ فغلِّظت كفارته بتحتُّم العتق كما غلِّظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين أو إطعامِ ستين مسكينًا.
المذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها
(1)
انظر: «المحلى» (10/ 126).
(2)
المصدر نفسه (10/ 125).
فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فهو ثلاث، وإن نوى [24/أ] أقلَّ منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يُرتَّب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث.
وبعدُ ففي مذهب مالك خمسة أقوال:
هذا أحدها، وهو مشهورها.
والثاني: أنه ثلاث بكل حالٍ، نوى الثلاثَ أو لم ينوِها، اختارهُ عبد الملك في «مبسوطه» .
الثالث: أنه واحدة بائنة مطلقا، حكاه ابن خُواز مَنْداد رواية عن مالك.
الرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة.
الخامس: أنه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول وبعده.
وقد عرفتَ توجيه هذه الأقوال.
فصل
وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة.
والثاني: لا يتعلق به شيء
والثالث: أنه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرَّة كناية. قالوا: لأن أصل الآية إنما وردَ في الأمة. قالوا: فلو قال «أنتِ عليَّ حرام» وقال «أردتُ به الظهار والطلاق» فقال ابن الحدّاد: يقال له عيِّنْ أحد الأمرين؛ لأن اللفظة الواحدة لا تصلُح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما. قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقًّا فأنكره فقال «الحِلُّ عليك حرام، والنية نيتي لا نيتك، ما لي عليك شيء» ، فقال:«الحِلُّ عليَّ حرام والنية في ذلك نيتك، ما لَكَ عندي شيء» = كانت النية نية الحالف لا المحلّف؛ لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع.
فصل
وأما تحرير مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه وإن لم ينوِه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا ولا طلاقًا، كما لو نوى الطلاق واليمين بقوله «أنتِ عليَّ كظهر أمي» فإن اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصلَه بقوله «أعني به الطلاق» فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال «أنتِ عليّ كظهر أمي أعني به الطلاق أو التحريم» ؛ إذ
(1)
التحريم صريح في الظهار. والثانية أنه طلاق لأنه قد صرَّح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه. فعلى هذه الرواية إن قال «أعني به طلاقًا» طلقت واحدة، وإن قال «أعني به الطلاق» فهل تطلَّق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين، مأخذُهما حمل اللام على الجنس
(1)
«إذ» ليست في ز، وهي في هامش د.
أو العموم، هذا تحرير مذهبه وتقريره.
وفي المسألة [24/ب] مذهب آخر وراء هذا كلِّه، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفَّرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام
(1)
، وعليه يدلّ النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبَّه امرأته بالمحرَّمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الأيمان كما لو حلف بالتزام الإعتاق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه. ألا ترى أنه إذا قال:«لله عليَّ أن أُعتق أو أحج أو أصوم» لزِمه، ولو قال:«إن كلّمتُ فلانًا فللّه عليَّ ذلك» على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال:«هو يهودي أو نصراني» كفَر بذلك، ولو قال:«إن فعلتُ كذا فهو يهودي أو نصراني» كان يمينًا، وطَرْدُ هذا ــ بل نظيره من كل وجه ــ أنه إذا قال:«أنتِ عليّ كظهر أمي» كان ظهارًا؛ فلو قال: «إن فعلت كذا فأنتِ عليّ كظهر أمي» كان يمينًا. وطردُ هذا أيضًا إذا قال: «أنتِ طالق» كان طلاقًا، وإن قال:«إن فعلت كذا فأنت طالق» كان يمينًا. فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان، والله الموفِّق.
فصل
ومن هذه الالتزامات التي لم يُلزِم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها: الأيمانُ التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة، وكانت البيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما
(1)
انظر «مجموع الفتاوى» (33/ 74، 75).
مسَّتْ يده الكريمة صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: بايعتُك ــ أو أبايعك ــ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، كما في «الصحيحين»
(1)
عن ابن عمر: كنا نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فيقول:«فيما استطعتَ» .
وفي «صحيح مسلم»
(2)
عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذٌ بيده تحت الشجرة، بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت.
وفي «الصحيحين»
(3)
عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أَثَرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
وفي «الصحيحين»
(4)
أيضًا عن جُنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدِّثنا ــ أصلحك الله ــ بحديث ينفع الله به سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، ولا ننازع الأمر أهله، قال:«إلا أن تروا كفرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهان» .
(1)
البخاري (7202) ومسلم (1867). واللفظ له.
(2)
رقم (1856).
(3)
البخاري (7199) ومسلم (1709/ 41)، واللفظ له.
(4)
البخاري (7055، 7056) ومسلم (1709/ 42).
وفي «الصحيحين»
(1)
[25/أ] عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} إلى آخر الآية [الممتحنة: 12]. قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«انطلقن فقد بايعتكن» . ولا والله ما مَسَّتْ يدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قطُّ، غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قطُّ إلا بما أمره الله، وما مسَّتْ كفُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفَّ امرأة قطُّ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن:«قد بايعتُكن كلامًا» .
فهذه هي البيعة النبوية التي قال الله عز وجل فيها: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، وقال فيها:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18].
فأحدث الحجاج في الإسلام بيعةً غير هذه تتضمن اليمينَ بالله سبحانه والطلاق والعتاق
(2)
وصدقة المال والحج؛ فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال، ونحن نذكر تحرير هذه المسألة وكشفها؛ فإن كان مراد الحالف بقوله «أيمانُ البيعة تَلزمني» البيعةَ النبوية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
البخاري (5288) ومسلم (1866/ 88).
(2)
ز: «وللعتاق» .
يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتَّبه الحجاج، وإن لم ينوِ تلك البيعة ونوى البيعة الحجَّاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه طلاقًا أو عتاقًا أو حجًّا أو صدقةً أو يمينًا بالله أو لا يذكر شيئًا من ذلك؛ فإن لم يذكر في لفظه شيئًا فلا يخلو: إما أن يكون عارفًا بمضمونها أو لا؛ وعلى التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كلَّه أو بعضَ ما فيها أو لا ينوي شيئًا من ذلك، فهذه تقاسيم هذه المسألة.
فقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها وعتاقها وحجها وصدقتها لم يلزمه شيء، نواه أو لم ينوِه، إلا أن ينوي طلاقها وعتاقها فاختلف أصحابه؛ فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق؛ فإن اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النية. وقال صاحب «التتمَّة» : لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفَّظ به؛ لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإيقاع، فأما الالتزام فلا، ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار بالكناية مع النية إقرارًا لأنه التزام. ومن ههنا قال من قال من الفقهاء كالقفال وغيره: إذا قال «الطلاق يلزمني لا أفعل» لم يقع به الطلاق وإن نواه، لأنه كناية، والكناية إنما يترتّب عليها الحكم في غير الالتزامات، ولهذا لا تنعقد اليمين بالله بالكناية مع النية.
وأما أصحاب الإمام
(1)
أحمد فقال أبو عبد الله ابن بطَّة
(2)
: كنت عند أبي القاسم الخِرَقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي فيها [25/ب] بشيء، ولا رأيت أحدًا من شيوخنا يفتي فيها بشيء. قال: وكان أبي -
(1)
«الإمام» من ز.
(2)
انظر: «المغنى» (13/ 619) و «القواعد» لابن رجب (ص 249).
- رحمه الله ــ يعني أبا علي ــ يهاب الكلام فيها. ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميعَ ما فيها من الأيمان. فقال له السائل: عرفها أم لم يعرفها؟ قال: نعم.
ووجهُ هذا القول أنه بالتزامه لموجبها صار ناويًا له مع التلفظ، وذلك مقتضى اللزوم، ومتى وُجد سبب اللزوم والوجوب ثبت موجبه وإن لم يعرفه، كما لو قال: إن شفى الله مريضي فثلث مالي صدقة، أو وصَّى به ولم يعرفه، أو قال: أنا مقرٌّ بما في هذا الكتاب، وإن لم يعرفه، أو قال: ما أعطيتَ فلانًا فأنا
(1)
ضامن له، أو ما لَكَ عليه فأنا ضامِنُه= صحَّ ولزمه وإن لم يعرفه، أو قال «ضمانُ عهدة هذا المبيع عليَّ» صح ولزمه وإن لم يعرفه.
وقال أكثر أصحابنا منهم صاحب «المغني»
(2)
وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمينُه بشيء مما فيها؛ لأنها ليست بصريحة في القسم، والكناية لا يترتّب عليها مقتضاها إلا بالنية، فمن لم يعرف شيئًا لم يصح أن ينويه. قالوا: وإن عرفها ولم ينوِ عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضًا؛ لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا بالنية، وإن عرفها ونوى اليمين بما فيها صحّ في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين بهما تنعقد بالكناية، دون غيرهما؛ لأنها لا تنعقد بالكناية.
وقالت طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين بالله تعالى، فإن الكفارة إنما وجبت فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم المعظَّم الذي تعظيمه من لوازم الإيمان، وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان.
(1)
د: «أنا» .
(2)
(13/ 620)، وانظر:«القواعد» لابن رجب (ص 249).