الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُتَوثَّقاً لَهُ، فَبَايعُوا رسولَ الله [صلى الله عليه وسلم] على أنْ يَمنعوا مِنْهُ مَا يَمنعون مِنْهُ نساءَهم وأبناءهم وأنفسهم. فَقيل: أوّل مَنْ بايعَ البَراء بن مَعْرور، وَقيل: الْهَيْثَم بن التَّيْهان، وَقيل: أسعد بن زُرارة، وَكَانَ عِدَّتهم ثَلَاثَة وَسبعين رجلا وَامْرَأَتَيْنِ.
وَقَالَ لَهُم رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] : " إنّ مُوسَى أَخذ من بني إِسْرَائِيل اثْنَي عشَرَ نَقِيبًا، فَلَا يَجِدنَّ أحدٌ مِنْكُم فِي نَفسه أنْ يُؤخَذ غيرُه، فإنّما يختارُ لي جِبْرِيل. . " فَلَمَّا تخيَّرهم قَالَ للنقباء: " أَنْتُم كُفَلاء على غَيْركُمْ، كَكَفالة الحواريِّين لعيسى بن مَرْيم، وَأَنا كفيلٌ على قومِي؟ " قَالُوا: نعم. وَانْصَرفُوا إِلَى رِحالهم، وَقد طابت نفس رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] إِذْ جعل اللهُ لَهُ مَنَعةً وقوماً أهلَ / 12 و. حَربٍ وعُدَّةٍ ونَجدةٍ
هِجرةُ الْمُسلمين ثمَّ هِجرةُ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] إِلَى الْمَدِينَة
لمّا رَجَعَ الْأَنْصَار إِلَى الْمَدِينَة جعل البلاءُ يشتدّ على الْمُسلمين من الْمُشْركين لِما يَعلمون من الْخُرُوج، فضيَّقوا عَلَيْهِم، ونالوا مِنْهُم مَا لم يَكُونُوا ينالون من الشَّتم والأَذى، فشَكَا ذَلِك أصحابُ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] إِلَيْهِ، واستأذَنوه فِي الهِجرة إِلَى الْمَدِينَة، فأَذِن لَهُم، فَخَرجُوا أرْسالاً مختفين، وَقدمُوا على
الْأَنْصَار فِي دُورهمْ فآووهم ونصروهم، وواسوهم.
قَالَ ابْن حزم: فَقيل: أولُ مَنْ خرج أَبُو سَلَمة بن عبد الْأسد المَخزوميّ، وَقيل: إِنَّه هَاجر قبلَ بيعَة الْعقبَة بسَنة، وَحَال بَنو المُغيرة بينَه وَبَين إمرأته، ابنةِ عمِّهم، وَهِي أُمُّ سَلَمة أمّ الْمُؤمنِينَ، فأُمسكت بمكةَ نَحْو سنة، ثمَّ أُذِن لَهَا فِي اللَّحاقِ بزوجها فلحقت بِهِ.
وَقَالَ غير ابْن حزم: أوّل مَنْ هَاجر مُصعب بن عُميرْ. وَكَانَ سَالم مَولى أبي حُذَيفة يَؤمُّ الْمُهَاجِرين بقُباء قبل أنْ يَقدم رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] . وَلم يَبقَ بمكَّة إلاّ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وَأَبُو بكرٍ وعليُّ، أَو مفتونٌ مَحبوسٌ، أَو مريضٌ، أَو ضعيفٌ عَن الْخُرُوج. وَرَأى الْمُشْركُونَ ذَلِك فخافوا خروجَ رسولِ الله [صلى الله عليه وسلم] فَاجْتمعُوا فِي دَار النَّدوَة، وَلم يتخلَّف أحدٌ من أهل الرَّأْي والحِجَا مِنْهُم، لِيتشاوروا فِي أمرِ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] .
ويُسمَّى الْيَوْم الَّذِي اجْتَمعُوا فِيهِ يَوْم (الزَّحمة) وحضرهم إِبْلِيس - لَعنة الله عَلَيْهِ - فِي صُورَة شيخٍ كبيرٍ من أهل نَجدٍ، فتذاكروا / 12 ظ. أمرَ رَسُول الله
[صلى الله عليه وسلم] فَأَشَارَ بعضُهم بحبسه وَأَشَارَ بعضُهم بنفْيه فردَّ ذَلِك إِبْلِيس وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا برأيٍّ. فَقَالَ أَبُو جهل: أرى أنْ نأخذَ من كل قبيلةٍ من قُرَيْش غُلَاما نَهْداً جَلداً، ثمّ نُعطيه سَيْفا صارِماً، فيضربونَه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فيتفرَّق دَمُه فِي الْقَبَائِل، فَلَا يَدري بَنو عبد منَاف بعد ذَلِك مَا يَصنعون. فَقَالَ إِبْلِيس: الله دَرُّ الْفَتى، هَذَا الرأيُّ وإلاّ فَلَا. فتفرّقوا على ذَلِك، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ.
فَأتى جبريلُ النبيَّ [صلى الله عليه وسلم] فأَعلمه بذلك، وأَمره أنْ لَا ينامَ فِي مضجعِه تِلْكَ اللَّيْلَة، وأمرَ رسولُ الله [صلى الله عليه وسلم] عَليّاً أنْ يبيتَ فِي مَضجعه تِلْكَ الليلةَ، فَبَاتَ فِيهِ عليٌّ، وتغشّى بُرْداً أحمرَ حَضْرميّاً، كَانَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] يَنام فِيهِ. وَاجْتمعَ النفرُ من قريشٍ يتطلّعون من صِير الْبَاب، ويَرصُدونه يُريدون بياته، ويأتمرون أيّهم يحمل عَلَيْهِ. فَخرج رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وهم جُلوسٌ على الْبَاب، فَأخذ حَفْنةً من ترابٍ، فَجعل يَذرّه على رؤوسهم، وَيَتْلُو {يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم} حَتَّى بلغ {وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ} وَمضى رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فَأَتَاهُم آتٍ ممّن لم يكن مَعَهم. فَقَالَ: مَا تَنتظرونَ هَا هُنا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا. قَالَ خِبتُم وخسِرْتُم. قدْ - وللهِ - مرَّ بكم، مَا تركَ مِنْكُم رجلا إِلَى وضعَ على رأسِه تُراباً، وانطلقَ لحاجتِه. أَفلا ترونَ مَا بكمْ؟ قَالُوا: وَالله مَا أبصرناهُ، وَقَامُوا يَنْفُضون الترابَ عَن رؤوسِهم، ثمَّ جعلُوا ينظرُونَ فيَروْنَ عليّاً على الفراشِ مُلتحِفاً بِبُرْدِ رسولِ الله [صلى الله عليه وسلم] فَيَقُولُونَ: واللهِ إنّ هَذَا لمحمدٌ نَائِما، عَلَيْهِ بُردُهُ فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى أَصْبحُوا. فقامَ عليٌّ / 13 و. عَن الفراشِ فَقَالُوا: واللهِ
لقد صَدَقَنا الَّذِي كَانَ حَدَّثنا. وسألوا عليّاً عَن رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] قَالَ: لَا عِلمَ لي بِهِ.
وَكَانَ مِمَّا أَنزل الله - تَعَالَى - فِي ذَلِك {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين} وَصَارَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] إِلَى منزل أبي بكرٍ رضي الله عنه ظُهرَاً، فَقَالَ:" أَخرِجْ مَنْ عندكَ " فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا هما ابنتايَ. فَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] :" إنَ الله قد أَذنَ لي فِي الْهِجْرَة " فَقَالَ أَبُو بكر: الصَّحَابةَ يَا رَسُول الله. فَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] : " نعم " قَالَ أَبُو بكر: فخذْ بأَبي أنتَ وأُمِّي إِحْدَى راحلَتيّ هَاتين. فَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] : بالثَّمن. وَكَانَ أَبُو بكر اشتراهما بثمانِ مائَة [دِرْهَم] من نَعَمِ بني قُشَير. فَأعْطى النبيَّ [صلى الله عليه وسلم] إِحْدَاهمَا بالثَّمنِ، وَهِي القَصْواء.
ثمَّ خرج هُوَ وَأَبُو بكرٍ، فمضيا إِلَى غارِ ثَوْرٍ فدخلاه. فَأمر اللهُ شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي فمِ الْغَار، فسترتْ وجهَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وأمرَ اللهُ العنكبوتَ فنسجتْ على فمِ الْغَار، وأمرَ حَمامتين وحشيَّتين فوقفتا بفمِ الغارِ، وأَقبل فِتيانُ قريشٍ فَرَأَوْا ذَلِك فانصرفوا، ومكثَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وَأَبُو بكر فِي الغَار ثلاثَ ليالٍ يَبيتُ عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر الصدِّيق يتسَمّع الْأَخْبَار بِالنَّهَارِ، ويُخبرهما بِمَا سَمِعَ. وَذكر ابْن حزم: أنّ أسماءَ كَانَت تأتيهما بِالطَّعَامِ، وَكَانَت لأبي بكر مِنْحةُ غنم يرعاها عامرُ بن فُهيْرة. وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون. فَإِذا كَانَ السّحَر
سَرَح مَعَ / 13 ظ. النَّاس. قَالَت عائشةُ: وجهّزنَاهما أحبَّ الجِهاز، وصَنعْنا لَهُم سُفْرة فِي جِرَاب، فقَطعتْ أسماءُ بنت أبي بكر قِطعةً من نطاقها فأوكَت بِهِ الجرابَ، وقَطعتْ أُخْرَى فصيَّرته عِصاماً لفم القِرْبة، فبذلك سُمِّيت بِذَات النِّطَاقين.
واستأجرَ أَبُو بكر هادياً خِرِّيتاً من بني الدِّيِل، يُقَال لَهُ: عبد الله بن أُريقِط، على دِين الكُفر، ولكنّهما أَمِناه.
وَقَالَ ابْن حزم: إنّ النَّبِي وَأَبا بكر خرجا من بابٍ وَاسع فِي جَانب الْغَار، فتَحه اللهُ لَهما فِي الْوَقْت فِي صَخرة صَمَّاءَ لَا تؤثّر فِيهَا المعاولُ، فأَمالَها اللهُ عز وجل بقُدرته. وأتاهما عبد الله بن أُريْقط براحلتيهما صُبح اللَّيْلَة الثالثةِ، وأَتتهما أسماءُ بالسُّفْرة، وعلَّقتها، فركبا الرَّاحلتين، وَأَرْدَفَ أَبُو بكر مَوْلَاهُ عامرَ بن فُهَيْرة، وَمَعَهُمْ دليلُهم عبد الله بن الأُرَيِقط.
وَكَانَت هِجرته [صلى الله عليه وسلم] يَوْم الإِثنين فِي شهر ربيعٍ الأول. وَقيل: فِي صَفَر. وسِنُّه [صلى الله عليه وسلم] ثَلَاث وَخَمْسُونَ على الصَّحِيح، وَقيل: خمس وَخَمْسُونَ، وَقيل: خَمْسُونَ. وَعرض للنبيّ [صلى الله عليه وسلم] سُرَاقَةُ بن مَالك بن جُعْشُم، وَهُوَ على فَرس، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فساخت قَوَائِم فرسه. فَقَالَ: يَا محمّد، ادعُ الله لي أنْ يُطلقَ فَرسي وأرجع عَنْك، وأرُدَّ مَنْ ورائي. فَفعل. فأُطلق، وَرجع، فَوجدَ النَّاس يَلْتَمِسُونَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فَقَالَ: ارْجعُوا فقد استبرأتُ لكم مَا هَا هُنا، وَقد عَلِمتم بَصَري بالأَثَر. فَرَجَعُوا عَنهُ. ومرَّ النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] بخيْمَتي أمِّ مَعْبَدٍ عَاتِكَة بنت
خَالِد، أُخْت خُنيس بن خَالِد الصحابيّ. وَكَانَ منزلهَا القُدَيد، فَنظر النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] إِلَى شاةٍ فِي كِسر الْخَيْمَة، فَقَالَ:" مَا هَذِه الشَّاة يَا أُمَّ مَعْبَد؟ " قَالَت: شَاة / 14 و. خلفهَا الْجهد عَن الْغنم. قَالَ: بهَا من لبن؟ قَالَت: هِيَ أَجهَدُ من ذَلِك. قَالَ: " أتأذنينَ لي أنْ أَحلبَها؟ " قَالَت: نَعمْ بأَبي وأُمي، إِن رأيتَ بهَا حَلَباً فاحلِبها. فمسحَ بيدِه الطاهرة ضَرْعَها، وسمّى الله تَعَالَى، وَقَالَ: اللهمَّ بارِكْ لَهَا فِي شاتِها " فتفاجَّتْ عَلَيْهِ، ودَرَّت واجترَّت، فَدَعَا بإناءٍ لَهَا يَريضُ الرَّهطَ. فحلبَ فيهِ ثجّاً حَتَّى علاهُ البهاءُ، فَسَقَاهَا فَشَرِبت حَتَّى رَويَتْ، وَسَقَى أَصحابَه حَتَّى رَوُوا. وشربَ آخِرَهم. وَقَالَ: " ساقي القومِ آخرُهم " ثمَّ حلبَ فِي الإِناء ثَانِيًا حتّى ملأَه، ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا. وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وأصبحَ صوتٌ بمكّةَ عَالِيا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، يسمعُونَ الصوتَ وَلَا يرَوْنَ مَنْ يَقُوله، وَهُوَ يَقُول:
(جَزَى اللهُ ربُّ النَّاس خير جَزائهِ
…
رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيمتَيْ أُّمِّ مَعبدِ)
(هُما نزلا بالهَدْيِ واهتديا بهِ
…
فقد فازَ مَنْ أَمسى رَفيقَ محمَّدِ)
(فيا لِقُصَيٍّ مَا زَوَى اللهُ عنكمُ
…
بهِ مِنْ فَعالٍ لَا تَجارَى وسُؤْدَد)
(لِيهن بني كعبٍ مكانُ فتاتِهم
…
ومقعدُها للْمُؤْمِنين بَمرْصَد)
(سَلُوا أُختكمْ عنْ شاتِها وإِنائها
…
فإنكمُ إنْ تسْأَلوا الشَّاةَ تَشْهدِ)
(دَعاها بشَاةٍ حائلٍ فتحلَّبتْ
…
عَلَيْهِ صَريحاً ضَرَّهُ الشاةِ مُزْبِدِ)
(فغادَرَه رَهْناً لَدَيْهَا لحالِبٍ
…
يُردّدها فِي مَصْدرٍ ثُمَّ مَوْرِد)
وانْتهى النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف بِقُبَاء. فَجَلَسَ فيهم، وَقَامَ أَبُو بكر يُذكِّر الناسَ، وَجَاء الْمُسلمُونَ يُسلِّمون على رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] . وَنزل رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] على كُلْثُوم بن الهِدْم، وَقيل: سعْد بن خَيْثَمة. وَقَالَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي: إنّ الثبْت أَنه نزل على كُلْثُوم بن الهِدْم. قَالَ: ولكنّه كَانَ يتحدًّث / 14 ظ. مَعَ أَصْحَابه فِي منزل سعْد بن خَيْثَمة، فَلذَلِك قيل: نزل على سعْد بن خَيْثَمة.
وتأخّر عليّ رضي الله عنه بمكّةَ ثلاثةَ أيامٍ حَتَّى أدّى ودائع كَانَت عِنْد رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] للنَّاس. ثمَّ لَحق بالنبيِّ [صلى الله عليه وسلم] بقُبَاء. وَأقَام رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فِي بني عَمْرو بن عَوْف أَربع عشرَة لَيْلَة. وَقيل: أَرْبعا. وَخرج يومَ الجُمعة. فجمَّع فِي بني سَالم بمَن كَانَ مَعَه من الْمُسلمين، وهم مائَة. هَكَذَا ذكر الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي رحمه الله وَلَا يصحّ خروجُه يَوْم الْجُمُعَة على القَوْل بِأَنَّهُ أَقَامَ ببني عَمْرو بن عَوْف أَربع عشرَة مَعَ جزمه بِأَنَّهُ قدم يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيعٍ الأول. ويُتصوَّر ذَلِك على قَول بَعضهم: أَنه خرج من الْغَار لَيْلَة الِاثْنَيْنِ أوّلَ شهر ربيعٍ الأول، وَقدم الْمَدِينَة يومَ الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة مَضَت مِنْهُ. وَلِهَذَا - وَالله أعلم - عدل ابْن حزم عَن تعْيين مُدَّة الْمقَام، وَذكر أَنه أَقَامَ بِقُبَاء أيّاماً، وأَسَّس مسجدَها. لِأَنَّهُ جَزَم بأنَّه قِدم يَوْم الِاثْنَيْنِ، ثَانِي عشر من ربيعٍ الأول، وَالله أعلم. وَقيل: قدِم المدينةَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمانٍ خلت من ربيعٍ الأول. وَقيل: يَوْم الِاثْنَيْنِ مُستهلَّه. وَقيل غير ذَلِك.
وَجعل النَّاس يُكلِّمون رسولَ الله [صلى الله عليه وسلم] فِي النُّزُول عَلَيْهِم عِنْد رحيلهِ بَعْدَمَا جَمَّع فِي بني سَالم، وَيَأْخُذُونَ بِخطَام ناقتِه. فَيَقُول:" خَلُّوا سبيلَها فَإِنَّهَا مأمورةٌ " فبَرَكت عِنْد مَوضِع مَسْجِد رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وَهُوَ يومئذٍ يُصلِّي فِيهِ رجالٌ من الْمُسلمين؛ وَهُوَ مِرْبد لسَهْلٍ وسُهَيلٍ غلامين من بني مَالك بن النجَّار.
وَبَقِي النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] على ظهر النَّاقة لم ينزل / 15 و، فَقَامَتْ ومشَت غيرَ بعيدٍ، وَرَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] لَا يَثْنيها، ثمَّ التفتَتْ خلفَها، فرجعتْ إِلَى مَكَانهَا الَّذِي بَرَكت فِيهِ، فبَركت ثَانِيَة واستقرَّتْ.
وَقد قيل: إنَّ جَبَّار بن صَخْر من بني سَلِمة - من صالحي الْمُسلمين - جَعَل يَنخَسُ ناقةَ النبيّ [صلى الله عليه وسلم] لِتقوم، مُنَافَسَة لبني النجَّار أنْ ينزلَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] عِندهم فَلم تَقُم، ونزلَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] عَنْهَا، فَحمل أَبُو أَيُّوب رَحْلَ النبيّ [صلى الله عليه وسلم] فَأدْخلهُ دارهَ. وكلَّمَ الناسُ رسولَ الله [صلى الله عليه وسلم] ثَانِيًا فِي النُّزُول عَلَيْهِم. فَقَالَ:" المرءُ مَعَ رَحْلِه " وَنزل دارَ أبي أَيّوب، وَجَاء أسْعد بن زُرَارة فَأخذ بزِمَام راحلتِه، فَكَانَت عِنْده.
قَالَ زيد بن ثَابت: فأوّلُ هديّة دخلتْ على رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] فِي منزل أبي أَيُّوب هديّة دخلتُ أَنا بهَا قَصْعةُ مَثْرود، فِيهَا خُبزٌ وسَمْنٌ ولَبَن. فقلتُ: أرسلتْ بِهَذِهِ القَصْعة أُمّي. فَقَالَ: " باركَ اللهُ فيكَ " ودعا أَصْحَابه فَأَكَلُوا. فَلم أَرمَّ البابَ حَتَّى جَاءَت قَصْعةُ سَعد بن عُبادة ثَريدٌ وعُرَاقٌ. وَمَا كَانَ من ليلةٍ إِلَّا وعَلى بَاب رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة، يحملون الطَّعَام، يتناوبون ذَلِك، حَتَّى تحوّلَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] من منزل أبي أَيُّوب، وَكَانَ مقامُه فِيهِ سَبْعَة أشهرِ.
وَسَأَلَ [صلى الله عليه وسلم] عَن المِرْبَد الَّذِي بَركت النَّاقة فِيهِ. فأُخبر خَبرُه. فَقيل: اشْتَرَاهُ
رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] بِعشْرَة دَنَانِير، وَفِي الصَّحِيح أنّ بني النجَّار امْتَنعُوا من بَيعه، وبَذَلوه لله عز وجل وأَمَرَ [صلى الله عليه وسلم] بِبِنَاء الْمَسْجِد فبُني باللَّبِن. وجُعلت عِضَادَتاه وسَواريه جُذُوعَ النّخل، وسَقفُه الجريد / 15 ظ. وجُعل طولُه ممّا يلِي القِبلةَ إِلَى مؤخره مائَة ذراعٍ. وَفِي الْجَانِبَيْنِ الآخرين مثل ذَلِك، فَهُوَ مربَّعٌ. وَيُقَال: كَانَ أقلَّ من الْمِائَة. وجُعل الأساسُ قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذرع على الأَرْض بالحِجارة. ثمَّ بَنوه بالِلَّبن. وبَناه رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] وأصحابُه. وَكَانَ يَنقل مَعَهم الحِجارَة وَيَقُول:
(اللهمَّ لَا عيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرة
…
فاغفرِ للأنصارِ والمُهاجرة)
وَجعل يَقُول:
(هَذَا الحِمالُ لَا حِمالُ خَيبرْ
…
هَذَا أَبَرُّ رَبَّنا وأَطْهرْ)
ثمَّ بَنى النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] مساكنَه إِلَى جَانب الْمَسْجِد باللَّبن، وسقَّفها بِجذوع النَخل والجَرِيد.
وآخى [صلى الله عليه وسلم] بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على الحقّ والمواساة فَكَانُوا يَتَوَارثون بذلكَ. حتىَّ نزل قولُه تَعَالَى: {وأُولُوا الأَرْحامِ بَعضُهُم أَولى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ} فَنُسخَ ذَلِك بعد وقْعَة بَدْر.
كَانَت هَذِه المؤاخاة بعد بِناء الْمَسْجِد. وَقيل: والمسجدُ يُبنى. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: بعدَ قدومه الْمَدِينَة بِخَمْسَة أشهر. وَقيل: ثَمَانِيَة أشهر.
وَكَانَ النبيُّ [صلى الله عليه وسلم] قبل الْهِجْرَة آخى بَين الْمُهَاجِرين. وَبلغ أصحابَ النبيِّ [صلى الله عليه وسلم] بالحَبشة مهاجَرُه إِلَى الْمَدِينَة، فَرجع مِنْهُم ثلاثةٌ وَثَلَاثُونَ رجلا، وَمن النِّسَاء ثَمَان نِسْوةٍ، فَمَاتَ مِنْهُم رجلَانِ بِمَكَّة، وحُبسَ بمكّةَ سَبْعة نَفَرٍ، وانْتهى البقيّةُ إِلَى النبيّ [صلى الله عليه وسلم] بِالْمَدِينَةِ.
وَكتب رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] إِلَى النَّجاشيّ سنة سَبعٍ من الْهِجْرَة: أنْ يبْعَث مَنْ