الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِيهِ إثْمٌ وَإِنْ سَامَحَهُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي عِرْضِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُصْبِحَ الرَّجُلُ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَيَدْعُوهُ إلَى الْفِطْرِ مِنْ صَنِيعٍ يَصْنَعُهُ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ: أَنَّهُ إنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ لَيُفْطِرَن فَلْيُحَنِّثْهُ وَلَا يُفْطِرُ، وَإِنْ حَلَفَ هُوَ فَلْيُكَفِّرْ وَلَا يُفْطِرُ وَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْفِطْرِ فَلْيُطِعْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ رِقَّةً مِنْهُمَا عَلَيْهِ لِاسْتِدَامَةِ صَوْمِهِ انْتَهَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةً وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ لَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَا فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيْهِ سَاعَةٌ إلَّا، وَهُوَ فِيهَا طَائِعٌ لِرَبِّهِ مُمْتَثِلٌ أَمْرَهُ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَفْعَلُ فِيهَا الْمُبَاحَ يَكُونُ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي.
أَمَّا أَهْلُ الطَّرِيقِ فَالتَّصَرُّفُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُبَاحِ لَا يُمْكِنُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمُبَاحِ فَوَجَدْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْتَقِلُ إلَى النَّدْبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَتْ الْأَفْعَالُ فِعْلَيْنِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ لَيْسَ إلَّا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ أَجْرًا فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ نَظَرْنَا إلَى الْمَنْدُوبِ هَلْ يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَى الْوَاجِبِ أَمْ لَا؟ فَوَجَدْنَاهُ يَنْتَقِلُ إلَى أَكْثَرِ الْأَعْمَالِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَبَقِيَ التَّصَرُّفُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْوَاجِبُ أَعْنِي فِي غَالِبِ الْحَالِ وَالْمَنْدُوبُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
[فَصْلٌ فِي الْهُبُوبِ مِنْ النَّوْمِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ]
ِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ انْتَبَهَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَامَ مِنْ فِرَاشِهِ يَلْبَسُ ثَوْبَهُ فَإِنَّ اللِّبْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُبَاحِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ يَلْبَسُهُ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو الثَّوْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ضَمَّ إلَى نِيَّةِ الْوَاجِبِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي إظْهَارِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ
اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ «إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» .
فَيَنْوِي بِذَلِكَ مُبَادَرَتَهُ إلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مِمَّا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ فَيَنْوِي بِلُبْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالِانْكِسَارَ وَالتَّذَلُّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ إلَيْهِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ أَيْضًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَسَاهُ اللَّهُ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْيَاقُوتِ» أَوْ كَمَا قَالَ. وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «مَنْ تَرَكَ لُبْسَ جَمَالٍ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ بِشْرٌ أَحْسِبُهُ قَالَ: تَوَاضُعًا كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ» هَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ اتِّسَاعٌ وَتَرَكَ اللِّبَاسَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ الثَّوْبِ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْوُجُوبِ لَيْسَ إلَّا لَكِنْ يَضُمُّ إلَى نِيَّةِ الْوُجُوبِ الرِّضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَتَرْكَ الِاخْتِيَارِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمَ لَهُ فِي حُكْمِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ أَجْرًا إذَا أَحْسَنَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ الرِّضَى، وَمَقَامُ الرِّضَى عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقُومُ فِيهِ إلَّا وَاحِدُ عَصْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى ثِيَابٍ كَثِيرَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا يَلْبَسُهَا لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَنْوِي بِذَلِكَ دَفْعَ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ عَنْهُ مُمْتَثِلًا فِي ذَلِكَ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِاضْطِرَارَ فِي لُبْسِهِ مَعَ اعْتِقَادِ النِّيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ الْحَرَّ أَوْ الْبَرْدَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ.
وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ حَكَى بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَاعِدًا لِأَجْلِ الدَّرْسِ، وَإِذَا بِهِ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ ثَوْبَهُ وَأَوْمَأَ لِذَلِكَ وَتَحَرَّكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَجَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: حَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ إلَى ثَوْبِي فَوَجَدْتنِي قَدْ لَبِسْته مَقْلُوبًا فَعَزَمْت عَلَى
تَعْدِيلِهِ ثُمَّ إنِّي فَكَّرْت أَنِّي كُنْت لَبِسْته حِينَ قُمْت مِنْ الْفِرَاشِ بِنِيَّةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَاسْتَغْفَرْت اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا أَرَدْت فِعْلَهُ أَوْ كَمَا قَالَ، وَهَذَا السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا جَعَلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَمْ تَخْلُصْ لَهُ النِّيَّةُ بِحَضْرَةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَلَصَتْ وَخَافَ أَنْ يَشُوبَهَا شَيْءٌ مَا لِأَجْلِ حُضُورِهِمْ فَتَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ أَوْ أَرَادَ بِتَرْكِ ذَلِكَ عَلَى حَالِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ مِمَّا أَرَادَ فِعْلَهُ تَعْلِيمَ الطَّلَبَةِ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا فَيَكُونُ لُبْسُ الثَّوْبِ مِنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى بَقَائِهَا، وَإِلَّا لَوْ حَوَّلَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَدَّلَهُ بِنِيَّةِ إكْمَالِ الزِّينَةِ وَإِظْهَارِ النِّعَمِ عَلَى تَرْتِيبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُضَادًّا لِنِيَّتِهِ الْأُولَى لَكِنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ أَخَذَتْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ فَمَهْمَا وَقَعَ لَهُمْ شَيْءٌ مَا مِنْ الشَّوَائِبِ أَوْ تَوَهَّمُوهَا بِطَرْفٍ مَا تَرَكُوا الْفِعْلَ أَلْبَتَّةَ كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَرَّ بِالْفُرَاتِ وَفِيهِ مَرْكَبٌ مَوْسُوقٌ خَمْرًا، وَكَانَ صَاحِبُ الْخَمْرِ مِنْ الظَّلَمَةِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَى الْخَلْقِ فِي وَقْتِهِ لَا يُطَاقُ لِشِدَّةِ سَطْوَتِهِ فَطَلَعَ الْمَرْكَبَ وَكَسَرَ مَا هُنَاكَ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَتَعَرَّضُ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْسِيرِ جَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَفَ عِنْدَهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَرَكَهَا يَعْنِي لَمْ يَكْسِرْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ.
فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرُوا الظَّالِمَ بِقِصَّتِهِ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَأُحْضِرَ فَقَالَ: لَهُ مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت فَقَالَ عَمِلْت مَا خَطَرَ لِي فَاعْمَلْ مَا خَطَرَ لَك فَقَالَ لَهُ الظَّالِمُ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَرَكْت الْجَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَمْ تَكْسِرْهَا وَكَسَرْت الْجَمِيعَ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ لِأَنِّي لَمَّا أَنْ رَأَيْت الْمُنْكَرَ لَمْ أَتَمَالَك إلَّا أَنْ أُغَيِّرَهُ فَفَعَلْت فَكَانَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَبِّي عز وجل ثُمَّ لَمَّا أَنْ بَقِيَتْ تِلْكَ الْجَرَّةُ خَطَرَ لِي فِي نَفْسِي أَنِّي مِمَّنْ يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ فَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَصَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ دَعْوَى فَخِفْت أَنْ يَكُونَ كَسْرُ مَا بَقِيَ فِيهِ حَظٌّ لِنَفْسِي فَتَرَكْتهَا وَانْصَرَفْت لِأَسْلَمَ مِنْ آفَاتِهَا أَوْ كَمَا قَالَ فَرَدَّ الظَّالِمُ رَأْسَهُ إلَى خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ، وَقَالَ لَهُمْ لَا يَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا مُعَامَلَةٌ يَفْعَلُ مَا يَخْتَارُ السَّلَامَةَ السَّلَامَةَ أَوْ كَمَا قَالَ: فَانْظُرْ رَحِمَك اللَّهُ شِدَّةَ مُلَاحَظَتِهِمْ لِنِيَّاتِهِمْ وَإِخْلَاصَهَا وَتَحْرِيرَهَا وَتَحْرِيمَ رَفْعِ