الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ يَعْنِي الْقُبُورَ فَقَالَتْ: لَا وَاَللَّهِ سَمِعْتُك تَنْهَى عَنْهَا فَقَالَ: لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكَدَاءَ وَذَكَرَ وَعِيدًا شَدِيدًا» ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام:«لَعَنْ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ، وَالسُّرُجَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دؤاد فِي سُنَنِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه نِسَاءً فِي جِنَازَةٍ فَطَرَدَهُنَّ وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَرْجِعُ إنْ لَمْ تَرْجِعْنَ، وَحَصَبَهُنَّ بِالْحِجَارَةِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ فِي حُضُورِ الْجِنَازَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
قَوْلٌ بِالْمَنْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي بِالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ، وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَجَالَّةِ، وَالشَّابَّةِ فَيَجُوزُ لِلْمُتَجَالَّةِ وَيُمْنَعُ لِلشَّابَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَكُنَّ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ فِي الِاتِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا خُرُوجَهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ لِلْخُرُوجِ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِنَّ الذَّمِيمَةِ فِي هَذَا
[بِنَاء الدُّور فِي الْقُبُور]
وَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ لِبَعْضِهِمْ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الدُّورِ فِي الْقُبُورِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّارِعَ عليه الصلاة والسلام شَرَعَ دَفْنَ الْأَمْوَاتِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْإِيمَانَ بُنِيَ عَلَى النَّظَافَةِ، فَإِذَا دُفِنَ الْمُؤْمِنُ فِي الصَّحْرَاءِ، فَالصَّحْرَاءُ عَطْشَانَةٌ فَأَيُّ فَضْلَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَيِّتِ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى الْمُؤْمِنُ نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ.
فَلَمَّا أَنْ رَأَى الشَّيْطَانُ هَذِهِ السُّنَّةَ الْمُبَارَكَةُ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ سَوَّلَ لَهُمْ ضِدَّهَا، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَيِّتٌ خَرَجُوا بِأَهْلِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ إلَى قَبْرِهِ فَيَسْكُنُونَ فِي دَارٍ إلَى جَانِبِهِ وَلَا بُدَّ لِلدَّارِ مِنْ بَيْتِ الْخَلَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمِيَاهِ، فَإِذَا أَقَامُوا هُنَاكَ نَزَلَتْ تِلْكَ الْفَضَلَاتُ وَهِيَ سَرِيعَةُ السَّرَيَانِ فِي الْأَرْضِ فَتَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ فَتُنَجِّسُهُ، وَيَنْمَاعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ بِالْفَضَلَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ، وَالنَّجَاسَاتُ الَّتِي انْجَذَبَتْ إلَيْهِ عَكْسُ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَهُمْ يُقِيمُونَ عَلَى مَيِّتِهِمْ
هُنَاكَ بِقَدْرِ عِزَّتِهِ عِنْدَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُقِيمُ الشَّهْرَ، وَالشَّهْرَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَمَا جَرَّتْ إلَيْهِ، فَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ الْمَبِيتِ فِي الْقُبُورِ لِمَا يُخْشَى مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِ الْمَوْتَى، وَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عز وجل ذَلِكَ عَنَّا رَحْمَةً بِنَا فَمَنْ يَبِتْ هُنَاكَ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ إلَى زَوَالِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى شَيْئًا يَذْهَبُ بِهِ عَقْلُهُ.
وَنَهَى عليه الصلاة والسلام عَنْ أَنْ يُتْبَعَ الْمَيِّتُ بِنَارٍ حِين تَشْيِيعِهِ إلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَفَاؤُلٌ رَدِيءٌ وَهَؤُلَاءِ يُوقِدُونَ الشُّمُوعَ وَغَيْرِهَا عِنْدَهُ مَعَ مَا يُوقِدُونَهُ مِنْ الْأَحْطَابِ لِطَعَامِهِمْ اللَّهُمَّ عَافِنَا مِنْ قَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ إنَّهُ بَنَى دَارًا حَوْلَ الْقُبُورِ فَسَكَنَ هُنَاكَ فَأَصْبَحَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا شَيْبَةٍ وَجَمَالٍ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَهُوَ يَقُولُ نَحْنُ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ سُكَّانٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنْتُمْ تَدُقُّونَ عَلَى رُؤْسِنَا بِالْهَاوُنِ بِاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَقَدْ شَوَّشْتُمْ عَلَيْنَا قَالَ فَأَخْلَيْت ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَأَمَرْت بِهَدْمِهِ عَنْ آخِرِهِ فَالْبِنَاءُ فِي الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ رحمه الله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ تَارِيخَ مِصْرَ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه لَمَّا أَنْ فَتْحَ مِصْرَ وَأَخَذَ الْبِلَادَ مِنْ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ أَعْطَاهُ الْمُقَوْقِسُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ الْقَرَافَةِ مَالًا جَزِيلًا فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ أَعْطَاهُ فِي أَرْضٍ مِنْ الْأَمْوَالِ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ وَرَأَيْت أَنَّ هَذَا الْمَالَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْخُذُ هُوَ أَرْضًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا لَكِنِّي وَقَفْت فِي ذَلِكَ لِأَمْرِك فَانْظُرْ مَا تَرَى فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: أَمَّا بَعْدُ فَاسْأَلْهُ لِمَاذَا بَذَلَ هَذَا الْمَالَ فِيهَا، وَهِيَ لَا تَنْفَعُ لِشَيْءٍ فَسَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رضي الله عنه عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: إنَّا نَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ
أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّى لَا أَعْرِفُ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ إلَّا لِأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ، فَإِذَا جَعَلَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مُنِعَ الْبِنَاءُ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَأَسْكُنُ إلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى هَدْمِ كُلِّ مَا فِي الْقَرَافَةِ مِنْ الْبِنَاءِ كَيْفَ كَانَ فَوَافَقَهُ الْوَزِيرُ فِي ذَلِكَ وَفَنَّدَهُ وَاحْتَالَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: إنَّ فِيهَا مَوَاضِعَ لِلْأُمَرَاءِ وَأَخَافُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ بِسَبَبٍ ذَلِكَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْمَلَ فَتَاوَى فِي ذَلِكَ فَيَسْتَفْتِي فِيهَا الْفُقَهَاءَ: هَلْ يَجُوزُ هَدْمُهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا بِالْجَوَازِ فَعَلَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى فَتَاوِيهِمْ فَلَا يَقَعُ تَشْوِيشٌ عَلَى أَحَدٍ.
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ قَالَ: فَأَخَذَ الْفَتَاوَى وَأَعْطَاهَا إلَيَّ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْشِيَ بِهَا عَلَى مَنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَمَشَيْت بِهَا عَلَيْهِمْ مِثْلُ الظَّهِيرِ التَّزْمَنْتِيِّ وَابْنِ الْجُمَّيْزِيِّ وَنَظَائِرِهِمَا فِي الْوَقْتِ، فَالْكُلُّ كَتَبُوا خُطُوطَهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَ أَصْحَابَهَا رَمْيَ تُرَابِهَا فِي الْكِيمَانِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
قَالَ فَأَعْطَيْت الْفَتَاوَى لِلْوَزِيرِ فَمَا أَعْرِفُ مَا صَنَعَ فِيهَا وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ وَسَافَرَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ إلَى الشَّامِ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرْجِعْ وَمَاتَ بِهِ، فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِيهَا فَعَلَى هَذَا، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ خَالَفَهُمْ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ بَشِيرٍ: وَلَيْسَتْ الْقُبُورُ مَوْضِعَ زِينَةٍ وَلَا مُبَاهَاةٍ؛ وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ بِنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُبَاهَاةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ وَوَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ أَنَّهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ: لَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَلَا كَرَامَةَ، وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَفَّذَ وَصِيَّتَهُ، وَنَهَى عَنْهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعُلِمَ فَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ، بَلْ هَذَا الْغَصْبُ أَشَدُّ مِنْ