الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هَذَا وَيَتْرُكَ النَّذْرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَنْذِرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا فَذَلِكَ حَسَنٌ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِعْلُ الْوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ الْعَائِقِ إذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ وَقِسْمٌ أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ النَّفْلِ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.
لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُهَا ثُمَّ يُضِيفُ إلَى ذَلِكَ نِيَّةَ امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ إخْبَارًا عَنْ رَبِّهِ عز وجل حَيْثُ يَقُولُ «مَنْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَرْكَعْ فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَدْعُنِي فَقَدْ جَفَانِي وَمَنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ وَدَعَانِي فَلَمْ أُجِبْهُ فَقَدْ جَفَوْته وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ وَلَسْت بِرَبٍّ جَافٍ» .
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا» فَيَحْصُلُ لَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّيَّاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعُ نِيَّاتٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
[فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ]
ِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْوِي بِخُرُوجِهِ الْمَشْيَ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ أَجْرُ الْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام: «لَا يُرِيدُ غَيْرَ الصَّلَاةِ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَالْأُخْرَى تُمْحَى عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ، فَإِذَا كَانَ سَالِمًا مِنْ السَّيِّئَاتِ كَانَتْ الِاثْنَتَانِ بِالْحَسَنَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَ الْوُضُوءِ لَيْسَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ
خُرُوجِ الْخَطَايَا حَسَنَاتٌ وَرَفْعُ دَرَجَاتٍ مَعَ أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ سَالِمًا مِنْ الذُّنُوبِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ، حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ثُمَّ يُضِيفُ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى أَدَاءِ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى نِيَّةَ زِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارَ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَإِزَالَةَ الْأَذَى مِنْهُ وَالِاعْتِكَافَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَوْ الْجِوَارَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً وَأُمُورًا مَعْلُومَةً عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ وَأَخْذَ الزِّينَةِ لِلْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] .
وَتَعَلُّمَ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ وَتَعْلِيمَهُ الْجَاهِلَ وَالْبَحْثَ فِيهِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَزِيَارَةَ الْإِخْوَانِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَزِيَارَةَ الصُّلَحَاءِ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الِاجْتِمَاعِ بِهِمْ فِيهِ وَاقْتِبَاسَ بَرَكَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ فِيهِ وَعِيَادَةَ الْمَرِيضِ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ «مَنْ خَرَجَ يَعُودُ مَرِيضًا خَرَجَ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّتْ الرَّحْمَةُ فِيهِ» أَوْ كَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام وَتَعْزِيَةَ الْمُصَابِينَ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ الْمُصَابِ» .
فَيَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ رَأَى شَيْئًا يَعْتَبِرُ فِيهِ وَيَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَنْوِي رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَيَنْوِي ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّوقِ وَامْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي السَّعْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةَ عَلَى مُحْتَاجٍ إذَا وَجَدَهُ بِاَلَّذِي يُمْكِنُهُ وَإِعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ وَقَضَاءَ حَاجَةِ مُضْطَرٍّ إنْ وَجَدَهُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ مَعَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ وَيَخْرُجَ مَعَهُ عِدَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ شَاةً أَوْ غَيْرَهَا تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ بِنَفْسِهَا فَتَكُونُ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ فَيُغِيثُ صَاحِبَهَا وَيَجْبُرُهَا عَلَيْهِ بِالتَّذْكِيَةِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي النَّفَقَةِ قَدْ يُصَادِفُ مُضْطَرًّا لَهَا فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَإِلَّا إذَا خَرَجَ عَرِيًّا عَمَّا ذُكِرَ، وَقَدْ نَوَى إعَانَةَ ذِي الْحَاجَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَى يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا
كُلُّ مَنْ يَدَّعِي بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَذَّبَتْهُ شَوَاهِدُ الِامْتِحَانِ وَيَنْوِي إرْشَادَ الضَّالِّ وَأَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِشَرْطِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَنْ يَحْضُرَهَا إنْ وَجَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ، وَأَنْ يُخْمِدَ بِدْعَةً وَيُظْهِرَ سُنَّةً مَهْمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَلْقَى الْمُسْلِمِينَ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ: عليه الصلاة والسلام «لِقَاءُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِبَشَاشَةِ الْوَجْهِ صَدَقَةٌ» وَأَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ بِتَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ الشِّمَالِ.
وَأَنْ يَتَعَوَّذَ التَّعَوُّذَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ:«اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» .
وَيَقُولُ: عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا «بِسْمِ اللَّهِ آمَنْت بِاَللَّهِ وَتَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ اعْتَزَلَهُ الشَّيْطَانُ يَقُولُ: قَدْ هُدِيَ وَوُقِيَ فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل يَجْعَلُ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ بِأَنْ يُقَدِّمَ الْيَمِينَ وَيُؤَخِّرَ الشِّمَالَ وَأَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ الْيَمِينَ سُنَّتَانِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَكَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَخْلَعَ الشِّمَالَ أَوَّلًا ثُمَّ يَجْعَلَهَا عَلَى النَّعْلِ مِنْ فَوْقِهَا ثُمَّ يَخْلَعَ بَعْدَهَا الْيَمِينَ فَيُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُدْخِلَ رِجْلَهُ الشِّمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعَ السُّنَّتَانِ خَلْعُ الشِّمَالِ أَوَّلًا وَتَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي الْمَسْجِدِ أَوَّلًا وَيَنْوِي اتِّبَاعَ السُّنَّةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَمْسَحَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ الْبَابِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَيَنْظُرَ فِي قَعْرِ نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ أَزَالَهُ وَإِلَّا دَخَلَ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: اُدْخُلْ فَقَدْ غُفِرَ لَك وَيَنْوِي انْتِظَارَ الصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِيهِ «فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» مَرَّتَيْنِ وَيَنْوِي جُلُوسَهُ فِي مُصَلَّاهُ لِمَا جَاءَ فِيهِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ:» .
وَيَنْوِي الِاقْتِدَاءَ وَالِاقْتِبَاسَ بِآثَارِ مَنْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِمْ أَعْنِي بِالنَّظَرِ إلَى تَعَبُّدِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ؛ لِأَنَّهُ «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» .
حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِهِ بَعْضُ النَّاسِ فَجَعَلَ يَدْعُو فِي السُّجُودِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ: يَا أَخِي عَسَى أَنَّك تَذْهَبُ إلَى فُلَانٍ، وَكَانَ فُلَانٌ مِنْ أَكَابِرِ وَقْتِهِ فَصَلِّ إلَى جَنْبِهِ وَاسْتَمِعْ إلَى الدُّعَاءِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لَعَلَّك تُفِيدُنِي إيَّاهُ فَمَضَى إلَيْهِ فَصَلَّى إلَى جَنْبِهِ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي هَؤُلَاءِ قُدْوَتُنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ لَمْ نَقْتَدِ بِهِمْ فَبِمَنْ نَقْتَدِي فَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ وَعَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الِاقْتِبَاسِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ.
فَيَنْوِي حِينَ خُرُوجِهِ الِالْتِفَاتَ إلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُرَاعَاتِهَا فَإِنَّهَا أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي الدِّينِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ سَالِمًا مِنْ الْبِدَعِ، وَإِلَّا فَالتَّغَفُّلُ عَنْهُ يَجِبُ إنْ كَانَ الَّذِي يَرَاهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُهُ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ تَغْيِيرِ الْبِدَعِ وَالْمَنَاكِرِ، وَذَلِكَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِهِمْ مَوْجُودٌ بِمُطَالَعَتِهِ أَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مَنْ ذَبَّ عَنْ السُّنَّةِ وَحَمَاهَا وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إزَالَةَ الْأَذَى مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَوْكٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ إذَا رَأَى مُبْتَلًى فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِي عَمَلِهِ أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاهُ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ» انْتَهَى.
لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مِنْ كَسْرِ الْخَوَاطِرِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ أَوْ التَّشْوِيشِ الْوَاقِعِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ الْأَوْرَاقِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام، وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا أُجُورٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ
- رحمه الله فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّحْبِيرِ لَهُ فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ: يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه " أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا كِتَابٌ يُلْقَى بِمَضْيَعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَائِكَةً يَحُفُّونَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَيَرْفَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَنْ رَفَعَ كِتَابًا مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي عِلِّيِّينَ وَخَفَّفَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ» .
وَيُرْوَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت مُولَعًا فِي صِبَايَ بِرَفْعِ الْقَرَاطِيسِ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى عُرِفْت بِذَلِكَ فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَحْرَاءَ إذْ وَجَدْت قِرْطَاسًا فِيهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَرَفَعْته وَلَمْ يَكُنْ بِإِزَائِي حَائِطٌ وَلَا شَيْءٌ أَرْفَعُهُ فِيهِ فَبَلَعْته فَرَأَيْت فِي النَّوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِي، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْصُورُ إنَّ اللَّهَ عز وجل سَيَرَى لَك مَا فَعَلْت.
وَيَنْوِي أَنْ يَرْفَعَ وَيُكْرِمَ وَيُعَظِّمَ مَا يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الطُّرُقِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَهَنَةً فَيُعَظِّمَهَا بِرَفْعِهِ لَهَا وَصِيَانَتِهَا.
وَيَنْوِي غَضَّ الْبَصَرِ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا وَبَيَّنُوهُ فَقَالُوا: لَيْسَ لِلرَّجُلِ إذَا خَرَجَ فِي السُّوقِ أَنْ يَنْظُرَ إلَّا لِمَوْضِعِ قَدَمِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَحْمَةٌ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْأَذَى فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ وَذِكْرُ اللَّهِ» وَيَنْوِي خَفْضَ الْجَنَاحِ، وَهُوَ التَّوَاضُعُ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَامَلَتُهُمْ بِالْحُسْنَى وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ تَحْسِينَ الْخُلُقِ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ أَغْرَاضِهِ لِأَغْرَاضِهِمْ.
وَيَنْوِي حَمْلَ الْأَذَى مِنْ إخْوَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكَ الْأَذَى لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَوُجُودَ الرَّاحَةِ لَهُمْ وَيَدْعُو النَّاسَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَيَلْقَى إخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ.
قَالَ: عليه الصلاة والسلام «سَلَامَةُ
الصَّدْرِ لَا تُبْلَغُ بِعَمَلٍ» انْتَهَى. وَيَنْوِي تَرْكَ التَّكَبُّرِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَيَنْوِي تَرْكَ الْإِعْجَابِ بِنِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ. وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَمَّنْ غَابَ مِنْ الْإِخْوَانِ لَعَلَّ عَارِضًا يَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ فَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى إعَانَتِهِ وَإِزَالَتِهِ.
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ لَعَلَّ يَسْمَعُ عَلَيْهِمْ خَيْرًا فَيُسَرُّ بِهِ فَيُشَارِكُهُمْ فِي غَزْوِهِمْ فِي الْأُجُورِ بِالسُّرُورِ الَّذِي وَجَدَهُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ مَاتَ فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ لِسُرُورِهِ يَوْمًا وَاحِدًا بِمَا ذُكِرَ، وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ مَغْفُولٌ عَنْهُ وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ وَشَأْنِهِ لَعَلَّ يَسْمَعُ خَبَرًا يَتَشَوَّشُونَ مِنْهُ فَيُسَرُّ بِهِ فَلَهُ أَجْرٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَكْسِ إنْ سَمِعَ عَنْهُمْ مَا يَسُرُّهُمْ تَشَوَّشَ هُوَ فَلَهُ الْأَجْرُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ إنْ سَمِعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا يُقْلِقُهُمْ جَزِعَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْكَثِيرُ أَجْرٌ بِلَا عَمَلٍ وَلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ.
وَيَنْوِي السُّؤَالَ عَنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ يَسْمَعُ مَا يُسَرُّ بِهِ أَيْضًا مِثْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ فِي الْخَيْرِ وَضِدِّهِ لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ فَإِذَا حَصَلَ الْمُرَادُ سَكَتَ وَأَقْبَلَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ السُّؤَالُ ذَرِيعَةً إلَى التَّحَدُّثِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيرُ عَنْهُ لَمَّا «أُثْنِيَ عَلَى رَجُلٍ مَاتَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَعَلَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» أَوْ كَمَا قَالَ وَهَذَا الْبَابُ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَبْتَدِئُونَ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ وَبِمَسَائِل الْعِلْمِ وَالْإِقْرَاءِ ثُمَّ يُدْرِجُهُمْ إلَى الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي إنْ وَقَعَتْ السَّلَامَةُ مِنْ ذِكْرِ غَائِبٍ أَوْ جِدَالٍ يَقَعُ أَوْ مُفَاوَضَةٌ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ آدَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْكَلَامِ شُرُوطًا أَرْبَعَةً: لَا يَسْلَمُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ الزَّلَلِ إلَّا بِهَا وَلَا يَعْرَى مِنْ النَّقْصِ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهَا:
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي اجْتِلَابِ
نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَتَخَيَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مُبَاحٍ وَالْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مُبَاحٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَهُ.
أَمَّا الْمُبَاحُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: شُغْلُ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ الْكَاتِبِينَ بِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ وَحَقٌّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَسْتَحِيَ مِنْهُمَا فَلَا يُؤْذِيهِمَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .
وَالثَّانِي: رَفْعُ الْكِتَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذْرُ فَلْيَحْذَرْ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَخْشَ اللَّهَ تَعَالَى عز وجل وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَظَرَ إلَى رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الْخَنَا فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّمَا تُمْلِي كِتَابًا إلَى رَبِّك فَانْظُرْ مَا تُمْلِي.
وَالثَّالِثُ: قِرَاءَتُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَيْنَ يَدَيْ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ عَطْشَانَ عُرْيَانَ جَوْعَان.
وَالرَّابِعُ: اللَّوْمُ وَالتَّعْيِيرُ لِمَاذَا قُلْت وَانْقِطَاعُ الْحُجَّةِ وَالْحَيَاءِ مِنْ رَبِّ الْعِزَّةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إيَّاكَ وَالْفُضُولَ فَإِنَّ حِسَابَهُ يَطُولُ وَكَفَى بِهَذِهِ الْأُصُولِ وَاعِظًا لِمَنْ اتَّعَظَ انْتَهَى. لَكِنْ إنْ اشْتَغَلَ بَعْدَ السُّؤَالِ بِإِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ أَوْ بِاقْتِبَاسِهَا مِنْهُمْ أَوْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ سُرُورًا؛ لِكَوْنِهِمْ يُسَرَّوْنَ بِكَلَامِهِ مَعَهُمْ أَوْ يُسَرُّ هُوَ بِكَلَامِهِمْ مَعَهُ فَحَسَنٌ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى حَالِ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ اجْتِنَابُ الْبَطَالَةِ، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ هُوَ فِيهِ عَرِيٌّ عَنْ الطَّاعَةِ.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تُسْرِعُونَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» وَيَنْوِي امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فِي الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك.
وَيَنْوِي أَيْضًا امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ
خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ بِأَنْ يُقَدِّمَ الشِّمَالَ وَيُؤَخِّرَ الْيَمِينَ وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ حِينَ خُرُوجِهِ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ أَيْضًا فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك.
وَيَنْوِيَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ فِي أَخْذِ الْقَدَمِ بِالشِّمَالِ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَحِينَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ أَنَّ كُلَّ مُسْتَقْذَرٍ يُتَنَاوَلُ بِالشِّمَالِ، وَكُلُّ طَاهِرٍ يُتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِي التَّخَتُّمِ أَنْ يَكُونَ فِي الشِّمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَيُجْعَلُ فِي الشِّمَالِ.
فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ وَخَرَجَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ لَعَلَّهُ يَسْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فَتَرَاهُمْ إذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ يَأْخُذُ قَدَمَهُ بِالْيَمِينِ، وَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمْ مِنْ كِتَابٍ فَيَكُونُ الْكِتَابُ فِي شِمَالِهِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فِي أُمُورِهِ مَحْذُورَاتٌ.
مِنْهَا أَنْ يَجْهَلَ السُّنَّةَ فِي هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَإِذَا جَهِلَ الطَّالِبُ السُّنَّةَ فِي مُنَاوَلَةِ كِتَابِهِ وَقَدَمِهِ فَكَيْفَ حَالُهُ فِي غَيْرِهَا؟ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ.
وَمِنْهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ عِنْدَ أَوَّلِ دُخُولِهِ بَيْتَ رَبِّهِ وَإِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَمِنْهَا ارْتِكَابُهُ الْبِدْعَةَ فَيَسْتَفْتِحُ عِبَادَتَهُ بِهَا. وَمِنْهَا اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِهِ وَقِلَّةُ تَحَفُّظِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي تَصَرُّفِهِمْ لِأَجْلِ تَصَرُّفِهِ
وَمِنْهَا مَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَهُوَ أَخْذُ كِتَابِهِ بِشِمَالِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ امْتِثَالَ السُّنَّةِ بِأَنْ لَا يَجْعَلَ نَعْلَهُ فِي قِبْلَتِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَلْفَهُ يَتَشَوَّشُ فِي صَلَاتِهِ وَقَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ جَمْعُ خَاطِرٍ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ لِلطَّهَارَاتِ فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْيَسَارِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد نَصًّا صَرِيحًا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْ هَذَا، وَهُوَ حِينَ «رَأَى عليه الصلاة والسلام النُّخَامَةَ فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ» وَرُئِيَ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ وَوَقَعَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ النُّخَامَةِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَمَا بَالُك بِالْقَدَمِ
الَّتِي قَلَّ أَنْ تَسْلَمَ فِي الطَّرِيقِ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ؟ فَجَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ فَلَا يَفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى يَمِينِ غَيْرِهِ فَيَجْعَلُهُ إذْ ذَاكَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا سَجَدَ كَانَ بَيْنَ ذَقَنِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ أَنْ يُحَرِّكَهُ فِي صَلَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُبَاشِرًا لَهُ فِيهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خِرْقَةٌ أَوْ مِحْفَظَةٌ يَجْعَلُ فِيهَا قَدَمَهُ فَهُوَ أَوْلَى.
وَيَنْوِي مَعَ ذَلِكَ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَمْكَنَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَيَنْوِي امْتِثَالَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُنَافَرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْمَنَاكِرِ لِمَا قَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ هِجْرَانُ مَنْ هُوَ مُجَاهِرٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَيَنْوِي تَرْفِيعَ بَيْتِ رَبِّهِ وَتَوْقِيرَهُ بِأَنْ لَا يَنْشُدَ فِيهِ شِعْرًا وَلَا يَنْشُدَ فِيهِ ضَالَّةً وَلَا يَرْفَعَ فِيهِ صَوْتًا وَلَا يُصَفِّقَ فِيهِ بِكَفَّيْهِ وَلَا يَضَعَ كِتَابًا مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِيَدِهِ ثَوْبٌ فَلَا يَضَعُهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوَقْعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ فَلَا يُلْقِيهَا مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونُ لِوُقُوعِهَا فِي الْمَسْجِدِ صَوْتٌ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ يَكُونُ لَهُ صَوْتٌ فَلَا يَفْعَلُهُ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي النَّهْيِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَلْبَسَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيَتَحَفَّظَ أَنْ يُلْقِيَ نَعْلَهُ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَائِمٌ فَيَكُونَ لِوُقُوعِهِ فِي الْأَرْضِ صَوْتٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّرِيقِ فَيَقَعَ لِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بَصَقَ فِي نَعْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلِقُوَّةِ الرَّمْيَةِ يَنْزِلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] وَقَالَ: عليه الصلاة والسلام «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» .
وَالْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَلَا تُبَالِي الْعَيْنُ بِهَا فَإِذَا كَانَ يُؤْجَرُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا