المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الحادي عشر: أنساب العرب ‌ ‌مدخل … الفصل الحادي عشر: أنساب العرب للنسب عند - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ٢

[جواد علي]

الفصل: ‌ ‌الفصل الحادي عشر: أنساب العرب ‌ ‌مدخل … الفصل الحادي عشر: أنساب العرب للنسب عند

‌الفصل الحادي عشر: أنساب العرب

‌مدخل

الفصل الحادي عشر: أنساب العرب

للنسب عند العرب شأن كبير، ولا يزال العربي يقيم له وزنًا، ولا سيما عربي البادية، فعلى نسب المرء في البادية تقوم حقوق الإنسان، بل حياته في الغالب. فنسب الإنسان، هو الذي يحميه، وهو الذي يحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.

وقد يبدو ذلك للمدني الأعجمي أمرًا غريبًا شاذًّا غير مألوف، ولكن هذا المدني نفسه يعمل بالنسب ويأخذ به، وإن كان في حدود ضيقة. فجنسيته هي نسبه، تحميه وتحفظ حقوقه، وليس نسب الأعرابي غير هذه الجنسية، يحتمي به؛ لأنه يصونه ويحفظ حقوقه ويدافع عنه. وهو مضطر إلى حفظه، وإلى عد آبائه وأجداده وذكر عشيرته وقبيلته؛ لأنه بذلك يسلم، ويحافظ على حياته، فإن أراد شخص الاعتداء عليه، عرف أن وراءه قومًا، يدافعون عنه ويأخذون بحقه من المعتدي عليه، وهو لذلك مضطر إلى حفظ نسبه والمحافظة عليه.

وأما كون الحضر أقل عناية بأنسابهم من أهل الوبر؛ فلأن الحاجة إلى النسب عندهم أقل من حاجة أهل الوبر إليها، فالأمن مستقر، ولدى الحضر في الغالب حكومات تأخذ بحق المعتدي عليهم من المعتدين. ثم إن مجال الاختلاط والامتزاج عندهم أكثر وأوسع من أهل البوادي وسكان الأرياف، وكلما كانت الحواضر قريبة من السواحل ومن بلاد الأعاجم، كان الاختلاط أوسع وأكثر، ولهذا

ص: 117

ضعفت فيها وشائج الدم والنسب، وكثر فيها التزاوج والتصاهر بين العرب والعجم، فصعب على الناس فيها المحافظة على أنسابهم، وقلت الفائدة من النسب عندهم؛ ولهذا لم يعتنوا به عناية الأعراب بالأنساب.

فالانتماء إلى عشيرة أو قبيلة أو حلف، هو حماية للمرء، وجنسية في عرف هذا اليوم؛ ولهذا صار إخلاص الأعرابي لقبيلته أمرا لازما له محتما عليه، وعليه أن يدافع عن قبيلته دفاع الحضري عن وطنه. فالقبيلة هي قومية الأعرابي، وحياته منوطة بحياة تلك القبيلة؛ ولهذا كانت قومية أهل الوبر قومية ضيقة، لا تتعدى حدودها حدود القبيلة وحدود مصالحها وما يتفق أهل الحل والعقد فيها عليه. ومن هنا صارت القبائل كتلًا سياسية، كل كتلة وحدة مستقلة لا تربط بينها إلا روابط المصلحة والفائدة والقوة والضعف والنسب.

والعادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه، وتدعي أنها من صلبه، وأن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به وتتفاخر، فهو بطلها ورمزها، وعلامتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الأخرى. وليس ذلك بدعًا في العرب، بل إنا لنجد الأمم والشعوب الأخرى تنتمي إلى أجداد وآباء. فـ"هيلين""Hellen" هو جد أهل "دورس""Dorus"، ومنه أخذ "الهيليون" اسمهم هذا. وكان للرومان وللفرس وللهنود وللأوروبيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند العرب والإسرائيليين وبقية الساميين1.

وفي التوراة ولا سيما "أسفار التكوين" منه، أبرز أمثلة على النسب، نجد فيها أنساب الأنبياء والشعوب، وأنساب بني إسرائيل، يسبق النسب في العادة جملة:"وهذه مواليد""وإله تولدت" ثم يرد بعدها النسب2، أي: أسماء من يراد ذكر نسبهم. قد يذكر نسب الأب والزوجة والولد، وقد لا تذكر الزوجة، بل يكتفى بالأب وبأولاده، وقد لا يذكر الولد. والذي يقرأ هذه الأسماء يقرؤها وكأنها أسماء أشخاص حقا، ولكننا إذا قرأناها قراءة نقد، نرى أن بعضها أسماء مواضع ومواقع، أو أسماء قبائل وعشائر، أو أسماء طواطم،

1 Hastings، P. 285

2 راجع السفر العاشر من التكوين، الآية الأولى، Hastings، P. 285

ص: 118

أي: أسماء حيوانات تسمت بها القبائل، مثل "ذئب" و"كلب" و"أسد" و"ضبة" وأمثال ذلك، وكلها كناية عن قبائل وشعوب عاشت قبل الشروع في تدوين هذه الأنساب أو في أيام التدوين.

ويظهر من كيفية عرض هذه الأنساب وجمعها وتبويبها أن في العبرانيين جماعة من النسابين اختصت بجمع الأنساب وحفظها، ومنهم من كان يعتني بجمع أنساب الغرباء عن بني إسرائيل، وربما كان كتبة الأسفار من هؤلاء. فلما شرع كتبة أسفار التكوين بقصة الخلق وبكيفية توزع شعوب العالم وظهور الإنسان على سطح الأرض، كان لا بد من ذكر الشعوب وأنسابها على أسلوب كتابة التأريخ في ذلك العهد، فاستعين بما تجمع عند نسابي العبرانيين من علم بالنسب، وأدرج في هذه الأسفار.

وقد وردت في التوراة في أسفار التكوين وفي "أخبار الأيام الأول" أسماء قبائل عربية رجعتها إلى مجموعات، مثل مجموعة "يقطن""يقطان"، ومجموعة الإشماعيليين، أي: الإسماعيليين، نسل إسماعيل، غير أنها لم تشر كعادتها بالنسبة إلى كل أنساب البشر، إلى المورد الذي أخذت منه تلك الأنساب؛ لذلك لا ندري إذا كانت التوراة قد اقتبست ما ذكرته عن أنساب الأمم من الأمم التي تحدثت عن نسبها، بأن أوردت تلك الأنساب على نحو ما كان شائعًا متعارفًا عند الأمم المذكورة بالنسبة لنسبها، أو أنها روتها على حسب ما كان متعارفا عنه قدماء العبرانيين في أجداد البشر وفي أنسابهم، فدونتها على هذا النحو الشائع بين العبرانيين إذ ذاك.

أما النصوص الجاهلية، فإنها لم تتحدث ويا للأسف، عن مجموعات قبائل على النحو المتعارف عليه عند علماء النسب. ولكنها جاءت بأسماء قبائل عديدة كثيرة، لم يعرف من أمرها أهل الأخبار والنسب شيئًا. فنحن نقف على أسمائها لأول مرة، بفضل تلك الكتابات.

وقد أفادتنا الكتابات الجاهلية فائدة كبيرة من ناحية دراسة أسماء القبائل الواردة في كتب النسب والموارد الإسلامية الأخرى، إذ مكنتنا من الوقوف على الصلات بينها، وعلى معرفة ما سمي منها بالأب أو الابن أو الأم، كما عرفتنا على مواطن عديدة من مواطن الخطأ التي وقع فيها النسابون وأصحاب الأخبار، وعلى كثير من الوضع الذي وضع في النسب أو في القصص المروي عن القبائل جهلًا

ص: 119

أو عمدًا أو ظهورًا بمظهر العلم والإحاطة بأنساب العرب وأخبارهم، الجاهليين منهم والإسلاميين.

ولم أجد في الشعر الجاهلي هذه القحطانية والعدنانية التي يراها أهل النسب والأخبار، وأقصى ما وجدته فيه قصيدة للأخنس بن شهاب بن شريق التغلبي حوت أسماء قبائل وأسماء مواطنها ومواضعها، هي:"معد" و"لكيز" و"بكر" و"تميم" و"كلب" و"غسان" و"بهراء" و"إياد" و"لخم"1. وهي قبائل بعضها عدنانية وبعضها قحطانية في اصطلاح أهل النسب، إلا أنني لم أجد فيها أسماء آباء هذه القبائل ولا أجدادها، ولم أستطع أن أفهم منها أن هذه القبيلة، هي قبيلة عدنانية، وأن تلك قبيلة قحطانية، فقد جاءت الأسماء متداخلة وكل ما وجدته فيها مما يخص النسب، هذا البيت:

فوارسها من تغلب ابنة وائل

حماة كماة ليس فيها أشائب

ولم يرتفع الأخنس بنسب تغلب إلى ما وراء وائل من آباء وأجداد.

والحق: إن من يقرأ هذه القصيدة دون أن يقرأ اسم صاحبها، يرى أنها من قصائد الشعراء المتكلفين الذين ظهروا في أيام الدولة العباسية، ولن يخطر بباله أبدًا أنها من نظم شاعر جاهلي. وأنا أريد أن أتجاسر فأقول: إني أشك في صحة نظم ذلك الشاعر لهذه القصيدة، وأسلوب نظمها يأبى أن يرجعها إلى ذلك العهد.

وقد خصص "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" فصلًا بـ"أخبار الأخباريين والنسابين وأصحاب الأحداث"، ذكر فيه أسماء بعض من عرف واشتهر بحفظه للأنساب، ولا سيما من ألف فيهم تأليفًا في النسب. وقد طبعت بعض مؤلفات المذكورين، وهي متداولة بين الناس. والذين ذكرهم "ابن النديم" هم من اشتهر وعرف وذاع خبره في العراق وفي البيئة التي اتصل بها "ابن النديم"، وهم من أهل الحواضر في الغالب، إلا أن بين أهل البوادي والأماكن القصية النائية المنعزلة جماعة كانت قد تخصصت بالنسب، انحصرت شهرتها في البيئة التي

1 المفضليات "ص95 وما بعدها"، طبعة السندوبي، القاهرة 1926م.

ص: 120

عاشت فيها. ولهذا لم يصل خبرهم إليه وإلينا، وكثير منهم لم يؤلف في النسب تأليفا، وإنما حفظه حفظًا، شأنهم في ذلك شأن النسابين الجاهليين، أو الذين أدركوا الإسلام.

ونجد في كتب الأدب والتواريخ قصصًا عن بعض النسابين في الجاهلية وفي الإسلام، يثير الدهشة من قدرة وشدة الحافظة عند أولئك النسابين في حفظ الأنساب، وقد عرف أحدهم بـ"النَّسَّابة"، فقيل:"فلان النسابة" أو "النسابة". وقد كان لهم شأن خطير بين قومهم؛ لأنهم المرجع في الأحساب والأنساب، وإليهم المفزع عند حصول اختلاف في الأمور المتعلقة بها. ويذكر أن الخليفة "عمر" أمر بتسجيل الأنساب وتبويبها وتثبيتها في ديوان، وذلك عند فرضه العطاء، "فبدأ بالترتيب في أصل النسب، ثم ما تفرع عنه، فالعرب: عدنان وقحطان، فقدم عدنان على قحطان؛ لأن النبوة فيهم وعدنان تجمع ربيعة ومضر، فقدم مضر على ربيعة لأن النبوة فيهم، ومضر تجمع قريشا وغير قريش، فقدم قريشا لأن النبوة فيها، وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم، فقدم بني هاشم لأن النبوة فيهم، فيكون بنو هاشم قطب الترتيب، ثم بمن يليهم من أقرب الأنساب إليهم حتى استوعب قريشًا، ثم بمن يليهم في النسب حتى استوعب جميع عدنان1. وقد كان هذا التسجيل سنة خمس عشرة للهجرة في رواية، أو سنة عشرين في رواية أخرى2.

وذكر أن الخليفة قال: "أيما حي من العرب كانوا في حي من العرب أسلموا معهم فهم معهم، إلا أن يعترضوا، فعليهم البينة، كالذي فعله مع "بجيلة" رهط جرير بن عبد الله بن جابر، وكانوا قد تفرقوا، واغتربوا بسبب حروب وقعت بينهم والتحقوا بقبائل أخرى. وروي أن عوف بن لؤي بن غالب ألحق نسبه بـ"غَطَفان"، والتحق نسب بنيه "بني مُرَّة" بغطفان، ويقال: إن الخليفة قال: لو كنت مستلحقًا حيًّا من العرب، لاستلحقت بني مرة؛ لما كنا نعرف فيهم من الشرف البين، مع ما كنا نعرف من موقع عوف بن لؤي بتلك البلاد. ثم قال لبعض أشرافهم: إن شئتم أن ترجعوا لنسبكم من

1 البلاذري، فتوح "3/ 549"، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة "3/ 113"، بلوغ الأرب "3/ 190".

2 الكامل، لابن الأثير "2/ 212"، اليعقوبي "2/ 130"، الطبري "4/ 162".

ص: 121

قريش، فافعلوا. ولكنهم كرهوا أن يتركوا نسبهم في قومهم، ولهم فيهم من الشرف والفضل ما ليس لغيرهم"1.

وقد ضاعت أصول الجرائد التي دونت عليها الأنساب في ذلك الديوان، ولم يبقَ منها شيء. ويظهر أن أهل الأخبار لم ينقلوا صورها، وإنما أخذوا الأسس التي قام عليها التسجيل على نحو ما ذكرت، وبالجملة: فإن في إشارتهم إلى تلك الأسس والقواعد التي سار عليها الخليفة في اتخاذ القربى بالرسول والوضع القائم للقبائل، فائدة كبيرة لدراسة أسس تثبيت الأنساب عند العرب في صدر الإسلام.

ويذكر أن الذي قام بوضع مخطط الأنساب وبتسجيل القبائل والعشائر وفق الخطة التي أشرت إليها، هو "عقيل بن أبي طالب"، وهو من الثقات في معرفة الأنساب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وأن الذي أشار عليه بتدوين النسب في الدواوين هو "الوليد بن هشام بن المغيرة" لما رآه من عمل الروم في تسجيل العطاء في بلاد الشام2.

ولم يقتصر التسجيل المذكور على تسجيل نسب القبائل وحدها، بل شمل ذلك نسب أهل القرى أيضًا، كنسب أهل مكة والمدينة والطائف وغيرها؛ وذلك لأن سكانها وإن كانوا من أصحاب المدر، وقد أقاموا واستقروا في بيوت ثابتة، إلا أنهم كانوا كالأعراب من حيث الانتساب إلى الآباء والأجداد. وقد رأينا أن عمر كان قد بدأ بقوم الرسول، وقومه حضر من أهل مكة، إلا أنهم كانوا لا يختلفون عن أهل الوبر في التعلق بالأنساب وفي حفظها؛ لأن حياتهم الاجتماعية وإن كانت في قرية، إلا أن غريزة المحافظة على النفس والدفاع عن الحقوق حملتهم مثل الأعراب على التمسك بالعصبية، بعصبية النسب؛ ليتمكنوا من المحافظة على الأمن والسلامة والمال، لعدم وجود حكومة قوية تقوم إذ ذاك بتأمين هذه الواجبات. ثم إن هذه الأماكن محاطة بالأعراب، وبين أهل مكة من كان شبه حضري، وبيئة مثل هذه لا بد لها من الاحتماء بعصبية النسب، وبالتزاوج مع الأعراب؛ لتكوين رابطة دموية، تؤدي إلى عصبية تضطر الطرفين إلى الدفاع عن مصالحهما المشتركة وتكوين كتلة واحدة تستجيب للنخوة ولنداء

1 شرح المفضليات "ص101، 116".

2 البلاذري "3/ 549"، الطبري "3/ 200"، ابن أبي الحديد، شرح "3/ 113".

ص: 122

الاستغاثة في ساعة الحاجة والضرورة؛ ولهذا كان للتزاوج عند العرب أهمية كبيرة في السياسة. ومن هنا نظر سادات القوم والملوك إلى التزوج من بنات سادات القبائل الكبيرة نظرة سياسية في الدرجة الأولى؛ وذلك لشد عضدهم ولتثبيت ملكهم ولضبط القبائل، وبضبطها يستتبُّ الأمن وينتصر على الأعداء. وقد كان لزواج معاوية في الإسلام من "كلب" أثر كبير في السياسة الأموية، وفي تثبيت ملكه وملك ابنه يزيد وملك مروان الذي انتصر بهم في معركة "مرج راهط" على القيسيين.

وعلى الرغم من التسجيل المذكور الذي كان للعطاء، أي: لأغراض حكومية رسمية، فإن أنساب القبائل لم تثبت ولم تستقرَّ إلا بعد ذلك بأمدٍ. وآية ذلك ما نجده من خروج قبائل في العصر الأموي من نسب قديم، ودخولها في نسب آخر جديد. وقد كان شروع النسابين في تسجيل علمهم وتدوينه، مما ساعد كثيرًا ولا شك في تثبيت هذه الأنساب وإقرارها، ولا سيما أنساب القبائل المشهورة المعروفة، وقد وصلت بعض كتب الأنساب، وطبع قسم منها.

وقد وضع بعض المؤلفين، مثل الواقدي أبي عبد الله محمد بن عمر المتوفى سنة "207هـ" مؤلفًا في "وضع عمر الدواوين، وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها"1، إلا أنها ضاعت، فحرمنا الاستفادة منها، ولو بقيت مثل هذه المؤلفات إذن لكان لنا علم قيم، ورأي في كيفية تصنيف القبائل في تلك الأيام.

وقد كان بعض النسابين قد تخصص بنسب جماعة من العرب، جماعة قومه ومن يرتبط بهم في الغالب، مثل "الزبير بن بكَّار" صاحب كتاب "نسب قريش وأخبارها"2، ومثل "عقيل بن أبي طالب"، وكان قد تخصص بنسب قريش، ومثل "أبي الكناس الكندي"، وكان أعلم الناس بنسب كندة، ومثل "النجار بن أوس العَدْواني"، وكان من أحفظ الناس لنسب "معد بن عدنان"، ومثل "عدي بن رثاث الإيادي"، وكان عالما بإياد، ومثل "خراش بن إسماعيل العِجْلي"، وكان عالما بنسب ربيعة3. وعن هؤلاء وأمثالهم

1 الفهرست "ص150".

2 الفهرست "ص166".

3 الفهرست "ص146".

ص: 123

أخذ أهل الأنساب علمهم بالأنساب، ووضعوا كتبًا في نسب القبائل، أو في أنساب العرب، أو في أنساب جماعة منهم.

ولتسجيل "عمر" للأنساب شأن كبير بالنسبة إلى الباحثين في تطور النسب عند العرب؛ لأنه ثبت بذلك الأسس ووضع القواعد للنسابين في الإسلام وقلل من الاضطراب الذي كان يقع في النسب؛ بسبب الاختلاط، وعليه سار المسلمون في تقسيم العرب إلى أصلين. ولا بد أن يكون لهذا التقسيم أصل قديم، يرجع إلى ما قبل عمر، أقره الخليفة، وجعله أساسا له في التقسيم الذي بقي مرعيا متعارفا عليه بين النسابين إلى اليوم. ويمكن أن نقارن هذا العمل، أي تسجيل النسب وتثبيته في سجلات، بالعمل الذي قام به "عزرا" في تثبيت أنساب اليهود وتدوينها، وفي تدوين أنساب الغرباء، لتستقر بذلك الأنساب فسار من جاء بعده من النسابين في تعيين النسب على أساس ذلك التدوين1.

وفي القرآن الكريم آيات تشير إلى عناية القوم بأحسابهم وأنسابهم، ولكنه لم يتعرض لبيان وجهة نظرهم بالنسبة إليها، ولا يشعر في موضع ما منه بوجود تلك الفكرة التي ألح على وجودها أهل الأخبار، وهي انقسام العرب إلى ثلاث طبقات أو طبقتين، ووجود نسبين أو جملة أنساب للعرب، ولم يرد فيه اسم "عدنان" ولا "قحطان"، ولا أي من هذه الأشياء التي يتمسك بها أهل الرواية والأخبار، ويقصونها لنا على أنها من الحقائق الثابتة في أنساب العرب، وعلى أن العرب كانوا حقا من جدين هما: عدنان وقحطان.

بل كان ما ورد في القرآن يشعر أن العرب كانوا ينظرون إلى أنفسهم أنهم من جد أعلى واحد، هو:"إبراهيم"، وأن "إبراهيم" أبو العرب: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ

} 2، فلم يفرق بين عرب قحطانيين وعرب عدنانيين. ورُوي: أن الرسول قال: "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام"3.

1 Hastings، P. 286

2 سورة الحج، رقم 22، الآية 78.

3 ابن سعد، الطبقات "جـ1، ق1، ص25".

ص: 124

بل حتى الشعر الجاهلي، لا نجد فيه إشارة واحدة تفيد اعتقاد الجاهليين بوجود أصلين أو ثلاثة أصول أو أكثر لهم. وكل ما ورد فيه هو فخر بقحطان وفخر بعدنان أو معد أو غير ذلك من الأسماء التي تعد من أسماء الأجداد التي ينتهي إليها "الشعب" أو "الجذم". وأما التفصيلات الأخرى والأسماء الواردة في كتب النسب أو الأخبار والتواريخ، فهي من روايات الإسلاميين. ثم إن من الشعر الجاهلي ما لا يصح أن يكون جاهليًّا، ومنه ما قيل قبيل الإسلام، ولا يصح كل الشعر الجاهلي أن يكون شاهدًا على آراء أهل الجاهلية البعيدين عن الإسلام.

كذلك لا نجد في شعر الجاهلية سلسلة نسب قحطان أو عدنان، ولا نجد في الأخبار ما يفيد وقوف أهل الجاهلية عليها. وهي سلسلة أخذت أسماؤها من التوراة، وبعضها أسماء محرفة موضوعة على شاكلة الأسماء التوراتية. أما في الحديث النبوي، فقد ورد أن الرسول انتسب إلى "أدد"، وهو والد "عدنان"، ثم قال:"كذب النسابون"1. وفي كل ذلك دلالة على أن أسماء آباء قحطان وعدنان، إنما دونت وتثبتت في الإسلام. أما قبل الإسلام، فلعل بعضهم وفي أيام الرسول، كان قد تلقن من اليهود نسب قحطان، وأن بعض اليهود لقن العرب نسبًا لعدنان، فلما لاكت الألسنة تلك الأنساب، وسمعها الرسول قال:"كذب النسابون".

أما أسماء أبناء قحطان وعدنان فما دون ذلك، فإنها أسماء عربية في الغالب، وينقطع منها أثر التوراة وأثر الأسماء التوراتية، مما يدل على أن النسابين العرب كانوا على علم وبصيرة بتلك الأسماء، وأنها كانت معروفة عندهم. وهي أسماء لا ترد في التوراة ولا خير لها عند أهل الكتاب.

وقد ذهب "دوزي" إلى وجود فروق أساسية بين القحطانيين والعدنانيين، حتى ذهب إلى وجود اختلاف بين نفسية كل جماعة من الجماعتين2. وأنا لا أريد أن أنكر عليه وجود العداء الذي كان قد استحكم بين القبائل التي تنتسب إلى معد أو إلى قحطان، ولا أريد أن أنكر عليه تهجم شعراء اليمن على قبائل معد،

1 نسب عدنان "ص1".

2 dozy، gesch. D. mauren in spanien، bd. I، s. 73، goldziher، muh. Stud

Bd. I، s. 89، nallino، reccolte، vol. 3، p. 73

ص: 125

أو عدنان، ولا تهجم شعراء عدنان على قبائل اليمن المنتمية إلى قحطان، ولا أريد أن أنكر افتخار اليمانيين بانتسابهم إلى اليمن، ولا افتخار العدنانيين بانتسابهم إلى عدنان أو مضر أو معد أو غير ذلك من أسماء الشعوب والأجذام، لا أريد أن أنكر شعر "امرئ القيس" في افتخاره بنسبه في اليمن1، ولا أن أنكر شعر غيره من الشعراء اليمانيين أو الشعراء العدنانيين في الافتخار باليمن أو بمضر أو بمعد، ولكنني لا أريد أن أنكر في الوقت نفسه افتخار القبائل القحطانية بعضها على بعض، وافتخار القبائل العدنانية بعضها على بعض، وهجاء القبائل القحطانية بعضها لبعض، وهجاء القبائل العدنانية بعضها لبعضها هجاء لا يقل عن هجاء اليمن لمعد أو هجاء معد لليمن. فهل يصح أن يتخذ هذا الهجاء سببًا لوضع نظرية في اختلاف أجناس هذه القبائل؟ وهل يصح أن نجعل هذا الهجاء حجة على تباين أصل القحطانيين، وعلى تباين أصل العدنانيين؟ إن جاز ذلك، وجب علينا إذًا إعادة النظر في كل ما هو مكتوب عن أصول القبائل، وفي كل ما هو مدون في كتب النسب والأخبار.

هذا "سلامة بن جندل السعدي"، وهو من مضر، يحمل في شعره على معد، ويهجوها هجاءً مرًّا2، وهذا "قيس بن الخطيم" لسان الأوس يحمل على الخزرج، ويردد ذكريات الأيام التي كانت بين الأوس والخزرج بمثل الشدة التي تجدها في شعر الهجاء الذي قاله العدنانيون في القحطانيين، والقحطانيون في العدنانيين. إنه ذكر تلك الأيام لا لمجرد الفخر والتباهي، بل ليثير في نفوس الأوس الأحقاد القديمة، وليزيد في تلك النيران نيرانًا. لقد ذكرهم بـ"يوم الربيع"3، وذكرهم بـ "يوم السرارة"4، وذكرهم بـ "يوم مضرس

1"إنا معشر يمن"، Muh. Stud. Bd. I، S. 89.2

همت معد بنا همًّا فنهنهها

عنا طعان وضرب غير تذبيب

بالمشرفي ومصقول أسنتها

صم العوامل صدقات الأنابيب

المفضليات "ص237".

وقال الجميع الأسدي:

سائل معدًّا من الفوارس لا

أوفوا بجيرانهم ولا غنموا

المفضليات "ص45".

3 شعر قيس "ص7".

4 شعر قيس "ص20".

ص: 126

ومعبس"1، وهو يوم دارت فيه الأيام دورتها على الأوس، فقُتل منهم عدد كبير، وانهزم أكثرهم إلى بيوتهم وآطابهم، حتى خرج الناس من طوائفهم إلى مكة يستعينون على الخزرج، وذكرهم بأيامهم الأخرى2. كل ذلك بلهجة عنيفة شديدة، ليس فيها لين ولا رفق، إنه ينظر إلى الخزرج نظرة عداء وحقد، نظرة تشعر منها أن الأوس جنس وأن الخزرج من جنس بعيد آخر. لقد ذكر قريشًا بخير، وذكر أنها ستحمل عنهم حرب الخزرج، وذكر أنهم لو التحقوا بأبرهة اليماني أو بنعمان أو عمرو3، لنالوا من هؤلاء كل تقدير، ولجعلوا لهم جاهًا أي جاه.

ذكر أبرهة حاكم اليمن، وذكر غسان ولخمًا، وذكر أهم من ذلك كله قريشًا على أنها ستحمل الحرب وستقابل الخزرج عما قريب. وقريش من عدنان، والأوس والخزرج من قحطان، ولم نجد في شعره ما يذكر برابطة النسب بين الخزرج والأوس، ولم يرد في شعره اسم قحطان أو عدنان. والقصيدة التي ذكر فيها هذا اليوم هي من أقدم قصائد هذا الشاعر الذي اضطرت قبيلته "الظفر"، ومعها "عبد الأشهل" إلى مغادرة يثرب والتفتيش عن حليف يساعدها في العودة إلى ديارها، فذكر قيس قريشًا، وكأنه يذكر قبيلة قريبة من قبيلته4، مع أنها من نسب آخر في رأي النسابين.

وفي كتب الأدب والدواوين شعر كثير ينسب إلى شعراء جاهليين وشعراء مخضرمين وشعراء إسلاميين، فيه هجاء عنيف من شاعر قحطاني لقبائل قحطانية، ومن شاعر عدناني لقبيلة عدنانية، وفيه مدح وفيه إغراق من شاعر قحطاني لقبائل عدنانية، وهجوم عنيف على القحطانيين، وهكذا. ولو أردنا شرح ذلك وسرد الأمثلة، لأخذ ذلك منا وقتا طويلا يخرجنا عن صلب الموضوع، وينقلنا على أمور أخرى لا صلة لها بهذا البحث.

ثم إن علينا أن نسحب حسابا لأمر هذا الشعر المروي في المدح والفخر وفي

1 شعر قيس "ص32"، ديوان حسان بن ثابت "تحقيق هرشفلد""ص83 فما بعدها".

2 شعر قيس "ص32".

3 شعر قيس "ص67""القسم الألماني".

4 شعر قيس "ص67""القسم الألماني".

ص: 127

الذم والهجاء، وهو عندي أوسع باب من أبواب الشعر يحتمل النقد، وإثارة الشكوك حوله. وقد خبرنا من الكتب أن القبائل كانت تستأجر الشعراء لقول المدح أو الذم، وأنها كانت تعد الشاعر منحة من منح الله على القبيلة؛ لأنه لسانها الناطق والذائد عنها بشعره، يدافع عن قبيلته، ويهاجم أعداءها، ويتهمهم بكل ما يصل إليه فنه من الهجاء ورمي التهم، كائنين ما كانوا قحطانيين أو عدنانيين. وقد اقتضت طبيعة الخصومة التي زادت حدتها في الإسلام بين يمن ومضر وضع شيء كثير من هذا الشعر، شعر المنافرة والمفاخرة بين عدنان وقحطان، وهذا أمر وقع، مفروغ منه، لا شك في صحته وثبوته، اقتضته ظروف السياسة، فيجب الانتباه له حين التحدث عن نزاع قحطان وعدنان1.

وترينا الأخبار أن ما نسميه بنزاع قحطاني وعدناني لم يكن شديدًا في الجاهلية بين القبائل التي كانت تقيم في الأنحاء الشمالية من جزيرة العرب، أي: بين تلك القبائل التي أرجع النسابون نسبها بحق أو بغير حق إلى عدنان أو قحطان، بمثل تلك الشدة التي تظهر في النزاع الذي تحدثوا عنه بين القبائل التي كانت تعيش في اليمن أو في الحجاز. وهذا أمر ذو بال، يجب أن يحسب له كل حساب عند الحديث عن نزاع عدنان وقحطان2.

وترينا الأخبار كذلك أن الخصومات التي وقعت بين القبائل العدنانية نفسها، أو بين القبائل القحطانية نفسها، لم تكن أقل عنفًا وضراوةً من ذلك النزاع الذي وقع بين من نسميهم بالقحطانيين ومن نسميهم بالعدنانيين. لقد اتخذ شكلا عنيفا، شكلا يجعلك تشعر أن تلك القبائل كانت تشعر أنها قبائل متباعدة لا يجمعها شمل، ولا يربط بينها نسب، ولا تجمعها جامعة دماء على النحو الذي يرويه ويذكره أهل الأنساب والأخبار.

والغريب أنك في كل ذلك النزاع المر العنيف، لا تسمع فيه انتساب كل العرب إلى عدنان أو قحطان، وإنما تسمع فيه فخرًا بأسماء القبائل أو بأسماء الأحلاف الداخلة في عدنان أو في قحطان، تسمع فيه اسم "معد" أو اسم "يمن" أو "نزار" أو "مضر" أو غير ذلك، ولا تسمع فيه اسم الجدين

1 muh. Stud. I، s. 91

2 muh. Stud. I، s. 91

ص: 128

الأكبرين المذكورين، فماذا يعني هذا؟ وعلام يدل؟.

ويمن عند أهل الأنساب والأخبار وفي العرف، كناية عن "قحطان"، و"قحطان" عندهم أيضا وفي العرف كناية عن "يمن" وعن الشعوب التي يرجع نسبها إلى "يمن". أما "معد" و"مضر" و"نزار"، فكناية عن "عدنان" أو عن أحلاف من أحلاف عدنان.

وأنت إذا ما أردت أن ترسم حدودًا فاصلة بين "قحطان" و"عدنان"، أي بين "يمن" و"معد"، فإنك تستطيع أن ترسمها بسهولة إذا ما اعتبرت "قحطان" كناية عن اليمن، وأن "عدنان" كناية عن "قريش" والقبائل التي ترجع نسبها إلى نسب قريش، وحدود أرض قريش وحدود أرض اليمن معروفة واضحة. أما إذا أردت أن ترسم حدودا فاصلة، وأن تضع معالمَ واضحة بينة بين القبائل القحطانية والقبائل العدنانية، استنادًا إلى روايات أهل الأنساب والأخبار وإلى الشجرات التي رسموها لأنساب العرب طرًّا، فإنك ستخفق حتمًا، وسيخيب عملك من غير شك؛ ذلك لأن أهل الأنساب لم يسيروا في تقسيمهم العرب على وفق قواعد ثابتة وأسس واضحة مرسومة، مثل اختلاف في ملامح جسمانية، أو تمايز في أمور عقلية أو نفسية أو لغوية، أو اختلاف في مواقع جغرافية، بل ساروا وفقًا للعرف والشائع، فسجلوا الأنساب على وفق الشائع بين الناس عن النسب في ذلك العهد.

وأنت إذا أردت تطبيق ما عندك من علم في "الأثنولوجيا" وفي "الأنتروبولوجي" وفي العلوم المشابهة الأخرى، على التقسيم الثنائي للعرب، فتستجد نفسك حائرًا تائهًا لا مجال لقواعد علمك في هذا المكان. فبين القبائل التي تنتمي إلى "قحطان" مثلًا تباين كبير في الملامح وفي العقلية وفي اللغة، ويجعل من غير الممكن تصور وجود وحدة دموية تجمع شمل هذه القبائل، وجدّ واحد انحدر من صلبه هؤلاء، وبين القبائل العدنانية اختلاف كذلك في الملامح وفي اللغة، يضطرك إلى القول بفساد نظرية النسابين في أصل هذه القبائل؛ ولا بد عندئذٍ من اعتبار هذا النسب رمزًا أخذ من صراع قديم، أو من أحلاف قديمة، فصير جدين لجماعتين.

وكيف تتمكن من إقناع الباحث الحديث في العلوم المذكورة بوجود وحدة في الملامح الجسمية وفي الصفات العقلية، ووحدة في اللسان بين القبائل القحطانية الجنوبية الضاربة في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، وبين القبائل القحطانية

ص: 129

الشمالية، مثل غسان ولخم وكلب وكندة وغيرها، على حين يرى بين الجماعتين فروقًا واضحة بينة في كل شيء، حتى إنه يستطيع أن يشير إلى القحطاني الجنوبي حالًا عند رؤيته له، على حين لا يستطيع أن يميز القحطاني الشمالي من العدناني، ولا أن يعرفه إلا بالاستفسار منه؟. الصحيح أننا إذا أخذنا بالملامح وبالأمور الأخرى المذكورة، خلصنا إلى نتيجة تقول لنا: إن الفروق بين القحطانيين والعدنانيين هي أقل جدًّا من الفروق التي نراها بين القحطانيين الشماليين والقحطانيين الجنوبيين. وهي نتيجة ليست في مصلحة أهل الأنساب بالطبع، تبين لنا أن قضية قحطان وعدنان قضية اعتبارية لا غير.

بل خذ القحطانيين الجنوبيين، وهم لبُّ القحطانية ومادُّتها، تَرَ أن القحطاني الساكن على السواحل الجنوبية يختلف في سحنته عن القحطاني الساكن في المرتفعات والهضاب والجبال، وأن الساكن على السواحل المقابلة للسواحل الإفريقية يختلف في ملامحه الجسمية عن الساكن على السواحل المقابلة للهند، وأن ساكن حضرموت أو عمان أو مسقط يختلفون في الملامح والسحن عن إخوانهم القحطانيين الساكنين في اليمن وفي نجران وفي الأقسام الجنوبية من المملكة العربية السعودية. فهل يكون هذا الاختلاف دليلًا على قحطانية بالمعنى الذي يزعمه أهل الأنساب؟.

ولقد ذهب بعض الباحثين في علم الأجناس البشرية "الأنتروبولوجي""AnThropology" إلى أن العرب الجنوبيين هم من أصل حامي، وأن وطنهم الأصلي هو إفريقيا1. وقد ذهب بعض آخر إلى وجود شبه كبير في الملامح وفي الخصائص البشرية بين العرب الجنوبيين والقبائل الإفريقية الساكنة على الساحل الإفريقي من البحر الأحمر والصومال، إلا أنه نسب ذلك إلى أن تلك القبائل كانت عربية في الأصل، هاجرت من جزيرة العرب عن طريق باب المندب إلى إفريقيا، فسكنت هناك؛ ومن ثم وقع هذا التشابه بين تلك القبائل والعرب الجنوبيين2.

1 r. poech، berichte des forschungsinstitutes fuer osten und orient، ii، wien، 1918، 19، ff. v. gluffrida-ruggerl، affinita antropologiche fra etloplcl e arabl meridionali، annuarlo del r. instituto orlentale di napoil، 1919-20، a. grohmann، arabien، s.9

2 les antiquités du yamen، muséon، 61، 1948، 225. ff

ص: 130

ورأى آخرون أن العربية الجنوبية هي مزيج من الأجناس البشرية واضح المعالم، وذلك منذ أقدم أيامها. فنرى فيها قبائل تشبه جماعة "الفيديد""Weddid" الهندية، وهي من السلالات الهندية القديمة، يسكن بعضها في أرض "سيبان" و"معارة" من حضرموت، ونرى فيها عناصر مما يطلق عليها اسم "الجنس الشرقي""Orientalide Rasse"، وهو الجنس الذي يكثر وجوده بين العرب الشماليين، وعناصر أخرى تمثل إنسان حوض البحر المتوسط "Mediterranen Rasse" أو الأجناس الأوروبية، حيث وجد بعض السياح بين بعض قبائل اليمن جماعة من الناس لها عيون زُرْق وشعر أشقر وبشرة بيضاء أو تميل إلى البياض وملامح أوروبية بينة، وتتراوح نسبة هؤلاء بين 8 إلى 12 بالمائة1.

ووجد الباحثون بين قبائل العربية الجنوبية، جماعات لها ملامح آشورية وجماعات ذات ملامح تشبه ملامح سكان آسية الصغرى، وجماعات ذات ملامح إفريقية. وقد وجد الدكتور "سليمان أحمد حزين" أن بين أهل شمال اليمن وبين أهل جنوب اليمن إلى المحيط اختلافات بارزة في الملامح وفي المظاهر الجسمية يخرجنا البحث عنها هنا من حدود التأريخ العام2، ووجد غيره مثل ذلك، كما وجد هذا الاختلاط بارزًا في بقايا الهياكل البشرية القديمة التي عثر عليها في العاديات.

وما هذه المظاهر والملامح التي رأيناها من الجماجم وبقية الهياكل البشرية ومن أشكال التماثيل والصور، ومن دراسات الباحثين "الأنتروبولوجيين" للقبائل الحاضرة، إلا حكاية واضحة صريحة عن عملية امتزاج أجناس بشرية متعددة في العربية الجنوبية، بسبب الهجرات والحروب والاتصال البحري والتجارة وعوامل أخرى، ونجد مثل ذلك بالطبع بين من نسميهم بالعرب الشماليين. وسوف نرى أن الدول القديمة كانت تنقل البشر نقلًا من مناطق إلى مناطق فتزرعم فيها، وأن أكثر أفراد الجيوش التي كانت ترسل لمحاربة القبائل أو للتوسع في الجزيرة كانت تبقى وتستقر في المواضع التي ترسل إليها، فتتطبع بطباع من نزلت بينهم، وتكون في النهاية منهم، أضف إلى ذلك الرقيق.

1 A. Grohmann، arabien، s. II

2 بعثة جامعة فؤاد الأول سنة "1936م".

ص: 131

وقد ذكر أن جماعة من "بني الحارث بن كعب" وفدت على الرسول، فنظر إليهم، فقال:"من هؤلاء الذين كأنهم من الهند؟ "، وقد كان "قيس بن عمرو" الشاعر المعروف بـ"النجاشي" من هؤلاء1. وسواء أكان ما نسب إلى الرسول من قوله المذكور صحيحا أم موضوعًا، فإن الأخبار تذكر أن بشرة "بني الحارث بن كعب" كانت تميل إلى السمرة الشديدة، بل إلى السواد الذي يشبه سواد بشرة الإفريقيين، أفلا يجوز أن يكون أصلهم من إفريقيا، وقد عرفت جماعة كبيرة من أهل مكة بالأحابيش؛ لأن أصلهم من رقيق الحبشة والسواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب؟.

فدعوى وجود جنس "أنتروبولوجي" واحد أو جنسين منفصلين، لكل منهما خصائص جسمية وملامح "فسيولوجية" معينة للعرب، وبالمعنى العلمي المفهوم اليوم عند علماء الأجناس، هي دعوى غير مقبولة؛ لأن البحوث العلمية والمختبرية لا تؤيدها ولا تثبتها، ولأن البحوث التأريخية الحديثة تعارضها أيضا، وكل ما نقوله هو أن ما نسميه اليوم بالجنس هو جنسية ثقافية فكرية، لا جنسية دموية تقوم على وحدة الملامح والمظهر والدم.

فما يذكره أهل الأنساب عن النسبين، وما يتصوره بعض الناس من صفاء الجنس العربي صفاء تاما ونقائه من كل دم غريب، دعوى لا يمكن الاطمئنان إليها في هذا اليوم. لن يضير العرب قول مثل هذا، فصفاء الأجناس البشرية صفاء تاما، من القضايا التي عجز حتى القائلون بنظرية العنصريات مثل النازيين عن إثباتها في هذا اليوم، وسيظهر ضعفها في المستقبل ظهورًا أوضح مما هو عليه الآن.

لقد كان "نولدكه" أول من شك في المستشرقين في هذا النسب العام الذي وضعه أصحاب الأنساب للعرب، وكان أول من نبه على أثر اليمانيين في وضعه وفي محاولتهم إرجاعه إلى عهود قديمة قبل الإسلام2. وذهب "هاليفي" إلى أبعد من ذلك، فرأى أن كل ما قيل في هجرة القبائل اليمانية إلى الشمال هو أسطورة،

1 البيان "1/ 239"، الإصابة "858"، الخزانة "1/ 113".

2 muh. Stud. Bd. I، s. 92، noeldeke، in zdmg. Xl

ص: 132

وأن ما يزعم من انتساب تلك القبائل إلى اليمن هو حديث خرافة لا يركن إليه1.

ونحا مستشرقون آخرون هذا المنحى، فرأوا أن للنسابين يدًا في ترتيب هذه الشجرة العظيمة للأنساب، أو الشجرتين، بتعبير أصح: شجرة نسب أبناء قحطان، وشجرة نسب أبناء عدنان؛ ولذلك فهم لا يطمئنون إليها، ولا يصدقون بكثير من هذه الأنساب المروية وبالأخبار والروايات الواردة في هجرة القبائل القحطانية نحو الشمال2.

إذن، فقحطان ليس بجد لكل القبائل القحطانية المعروفة، وعدنان لم يكن جدًّا لجميع القبائل العدنانية، وإنما هما كنايتان عن مجموعة قبائل، تدعى عند العرب بـ"الحلف"، وقد أخذ أهل النسب قحطانهم من التوراة، وهو هناك كناية عن مجموعة قبائل مواطنها في العربية الجنوبية. أما "عدنان" فلم يرد اسمه في التوراة، ولا نعرف من أمره شيئًا في الزمن الحاضر، والظاهر أنه كناية عن حلف، ويظهر أنه ظهر للوجود قبيل للإسلام. وعدم وقوفنا على أخباره، لا يسوِّغ لنا نكران وجوده، فلعل الأيام تكشف لنا عن كتابات نرى فيها اسمه، كما حدث بالنسبة إلى أسماء أخرى شك في أصلها بعض المستشرقين، ثم تبين أنها كانت معروفة، بدليل ورودها في بعض كتابات الجاهليين.

ولا أعتقد أن التوراة ابتدعت فكرة "يقطان" ونسل يقطان؛ إذ لا يعقل تصور ذلك، والذي أراه أنها حكت نسبًا كان يجمع شمل القبائل العربية المذكورة عند العرب، وصل خبره إلى العبرانيين فسجله كتبة التوراة في الأسفار، مع أنساب الشعوب. كما أنها أخذت من العرب أيضا نسب "الإشماعيليين" على نحو ما كان معروفًا يومئذ، وكذلك نسب أبناء "قطورة". فتكون التوراة قد ذكرت أنساب ثلاث مجموعات أو أحلاف عربية كبيرة، كانت قائمة في ذلك الزمن.

وقد يكون من الخير الإتيان بأمثلة من أيام الإسلام، تساعدنا في شرح موضوع النسب عند الجاهليين وتفسيره. فإن الزمن وإن تغير وتبدل في الإسلام

1 muh. Stud. Bd. I، s. 92، halévy، in journal asiatique، 1882، ii، 490، and compte rendu de vi، international orlentalisten congress، leiden، 1884، p. 102

2 nicholson، a literary history of the arabs p. xx، l. della vida، pre-islamic arabia، in arab heritage، 50، robertson smith، kinschip، p. 6

ص: 133

وتباعد عن الجاهلية، إلا أن الأفكار القبلية بقيت هي هي عند تلك القبائل بالنسبة إلى النسب وتكوين الأحلاف. فقبيل ظهور الإسلام كان بين "يثرب" و"مكة" نزاع شديد، ولما هاجر الرسول إلى "يثرب" عرف أتباعه الذين تبعوه بالمهاجرين، وقد دامت الهجرة إلى عام الفتح:"فتح مكة"1. وأما أهل المدينة الذين آووا الرسول ونصروه، فقد عرفوا بالأنصار لانتصارهم للرسول ولتقديم مساعداتهم له وللمسلمين. وللقضاء على الخصومة، آخى الرسول بين الأنصار والمهاجرين، غير أن العداء عاد فتجدد بين الأنصار والمهاجرين بعد وفاة الرسول، ويظهر أثره في شعر حسان بن ثابت والنعمان بن بشير2 والطرماح بن حكيم، وهم شعراء يثرب وألسنتها، وفي الأشعار الأخرى التي جمعت في دواوين الأنصار3.

وقد صير النزاع المذكور لفظة "الأنصار" علما خاصا على أهل المدينة، حتى كادت تكون نسبًا، واصطبغت الدعوة بصبغة يمانية؛ فنجد في شعر الأنصار فخرا باليمن، واعتزازا بأصلهم اليماني، ومجاهرة بأنهم يمانيون صرحاء وبأنهم من أقرباء الغساسنة ومن ذوي رحمهم. كما أنهم استعملوا لفظة الأنصار مقابل قريش4 ومعد5 ومضر6 ونزار7، وأطلقوا على لسانهم حسان بن ثابت شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى8.

1 "فلما فتحت مكة، صارت دار سلام كالمدينة، وانقطعت الهجرة. وفي الحديث: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" "، اللسان "7/ 111"، المؤتلف "ص126".

2 الأغاني "13/ 142"، "14/ 114 فما بعدها".

3 "كاد نهيك بن إساف يهاجي أبا الخضراء الأشهلي في الجاهلية، وأشعارهم موجودة في أشعار الأنصار"، الأغاني "20/ 117".

4

ذهبت قريش بالمكارم والعلا

واللؤم تحت عمائم الأنصار

الأغاني "13/ 142".

5

وقال الله قد يسرت جندا

هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا في كل يوم من معد

قتال أو سباب أو هجاء

فنحكم بالقوافي من هجانا

ونضرب حين تختلط الدماء

ديوان حسان "ص1""تحقيق هرشفلد"، شرح ديوان حسان، للبرقوقي "ص6"، "سباب أو قتال".

6

ونحن جندك يوم النعف من أحد

إذ حزبت بطرًا أشياعها مضر

ديوان حسان "ص57"، شرح ديوان حسان "ص200""للبرقوقي".

7 muh. Stud. Bd. I، s. 94، zdmg. Xviii، s. 239

8 مجالس ثعلب، القسم الثاني، تحقيق عبد السلام محمد هارون، سنة 1949 "ص429".

ص: 134

ونجد في أيام معاوية وفي أيام ابنه يزيد قصصًا عن هذا النزاع اليثربي المكي، النزاع الذي سمي بنزاع الأنصار مع المهاجرين، أو نزاع الأنصار مع قريش، ويلاحظ أن هذا القصص لم يستعمل لفظة "مهاجرين" في مقابل "الأنصار" إلا نادرًا، إنما استعمل الألفاظ المذكورة. وقد عرفت وفودهم فيه بـ"وفود الأنصار" أو "الأنصار"1، فصارت تلك اللفظة وكأنها نسب أو علم من أعلام القبائل، حتى تضايق من ذلك رجال قريش. قيل: بينما كان "عمرو بن العاص" عند "معاوية" يومًا، إذ دخل عليه حاجبه يقول:"الأنصار بالباب"، فتضايق من ذلك عمرو، وقال:"ما هذا اللقب الذي قد جعلوه نسبًا؟ ارددهم إلى نسبهم". فقال له معاوية: إن علينا في ذلك شناعة. قال: وما في ذلك؟ إنما هي كلمة مكان كلمة، ولا مرد لها. فقال معاوية لحاجبه: اخرج، فنادِ: مَنْ كان بالباب من ولد عمرو بن عامر، فليدخل. فخرج، فنادى بذلك، فدخل من كان هناك منهم سوى الأنصار، فقال له: اخرج، فنادِ: من هنا من الأوس والخزرج، فليدخل. فخرج فنادى ذلك، فوثب النعمان بن بشير، فأنشأ يقول:

يا سعد، لا تعد الدعاء، فما لنا

نسب نجيب به سوى الأنصار

نسب تخيره الإله لقومنا

أثقل به نسبًا إلى الكفار

إن الذين ثووا ببدر منكم

يوم القَلِيب هُمُ وقود النار

وقام مغضبًا. فبعث معاوية، فرده، وترضاه وقضى حوائجه وحوائج من كان معه من الأنصار2. وكان النعمان بن بشير حامل لواء الأنصار قد غضب في مجلس من مجالسه مع معاوية، ولاحظ معاوية عليه الغضب فضاحكه طويلًا، ثم قال له: "إن قومًا أولهم غسان، وآخرهم الأنصار، لكرام"3. وكان أهل يثرب يلحقون نسبهم بنسب غسان، ويرجعون نسبهم ونسب غسان إلى الأزد، ونسب الأزد إلى اليمن.

1 "وفد الأنصار" الأغاني "13/ 142".

2 الأغاني "14/ 120، 122".

3 الأغاني "14/ 119".

ص: 135

لقد كان من المعقول استعمال لفظة "المهاجرين" في مقابل "الأنصار"، إلا أن الجانبين لم يستعملاهما إلا قليلًا، وإنما استعملا لفظتي قريش ومعد، كما استعملا "قريشًا" في مقابل "يمن". وقد افتخرت قريش بمعد وبالنبوة؛ فأجابهم الأنصار بأن أم الرسول من بني النجار أخوال النبي، وهم من المدينة، وبأنهم كانوا أول من آمن به ونصره، وبأن المتنبيين كانوا من قبائل معد1.

ولو كتب لمصطلح "الأنصار" بالبقاء، ولو كان عهد التدوين بعيدًا عنه، لصار ولا شك نسبًا من الأنساب، ولصارت اللفظة اسم أب لقبيلة، كما صارت الألفاظ المذكورة التي خلدت لأنها الألفاظ الجاهلية، فلما صار التدوين كان الناس يتداولونها على أنها أنساب وأسماء.

واستعملت لفظة "اليمانية" في مقابل "النزارية" في العصر الأموي، ويظهر أنها تغلبت على لفظة "الأنصار" وقضت عليها، وهي تعني: القبائل التي ترجع أنسابها إلى اليمن. أما "النزارية" فقد عنت كل القبائل العدنانية2.

وقد كان بين الحزبين نزاع شديد، ولكل شيعة نسابون ومدافعون ومهاجمون. وقد أثر هذا النزاع تأثيرًا خطيرًا في وضع الأنساب3.

ويرجع بعض الباحثين انقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين إلى هذا النزاع: نزاع "يثرب" ومكة قبل الإسلام، ويرجعه آخرون إلى التنازع الطبيعي الذي هو بين البداوة والحضار. فقد كان أهل يثرب أي: اليمن -كما يقولون- أصحاب حضارة وملك، أما أهل مكة ومن والاهم، فقد كانوا أعرابا أو شبه أعراب؛ ومن هنا اختلفت طبيعة أهل يثرب عن طبيعة أهل مكة، ووقع النزاع والتنافس بين الجماعتين، وتحول إلى نسبين. وزعموا أن هذا النزاع هو نزاع الحضارة مع البداوة، نزاع أهل المدر مع أهل الوبر، نزاع "بني مدراء"4، أو "أهل القارية" كما يقال لهم أيضا؛ لأنهم "قارون" أي سكان القرية والقرى مع أهل البادية أي: البادون نَزَلة البادية. قالوا: ومن هنا قيل: الحضر خلاف

1 Muh. Stud. Bd. I، S. 96

2 التنبيه "ص69".

3 التنبيه "ص72".

4 اللسان "7/ 133"، الأغاني "12/ 145".

ص: 136

البدو، والحاضر خلاف البادي، و"أهل الحاضرة" و"أهل البادية" و"الحاضرة"، خلاف البادية وهي المدن والقرى والريف1، وهو تقسيم يرونه، قديمًا، يرجع إلى الجاهلية. روي أن الرسول قال، حين وفد عليه قيس بن عاصم:"هذا سيد أهل الوبر"2. ونجد مثل ذلك في النصوص اليمانية الجاهلية، إذ أشارت إلى الأعراب كطبقة خاصة قائمة بنفسها، تمتاز عن الحضر المستقرين.

ومن ثَمَّ كانت غالبية القبائل العدنانية التي يذكر أهل الأخبار أسماءها قبائل أعرابية، أي: قبائل بدوية، أو قبائل غلبت البداوة عليها، وغالبية القحطانية قبائل مستقرة أو قبائل شبه حاضرة تنخت في أماكن ثابتة ومالت إلى حياة الحضارة. ولما كان الحضر أرقى فكريًّا من أهل الوبر، صارت إليهم السيادة في الغالب، فتحكموا في القبائل العدنانية، وملكوا القبائل المعدية. فحكم المناذرة والغساسنة وآل كندة وغيرهم ممن يرجع نسبه النسابون إلى قحطان قبائل عدنانية، ولم يحكم العدنانيون القحطانيين قبل الإسلام.

هذا هو رأي من يرى أن القحطانية والعدنانية كناية عن الحضارة والبداوة، وتعبير عن أهل المدر وأهل الحضر. يستدلون على رأيهم هذا بما قلته من غلبة الحياة الحضرية والاستقرار على القبائل التي يرجع النسابون نسبها إلى قحطان، وغلبة البداوة أو شبه البداوة على القبائل العدنانية.

وللحكم على هذه النظرية، يجب تكوين جدول بأسماء القبائل الجاهلية العدنانية منها والقحطانية، ودراسة أحوالها الاجتماعية والمواضع التي عاشت فيها في مختلف الأزمنة، وعند ذلك نستطيع الحكم على ما فيها من قوة أو ضعف، فإن في القحطانيين قبائل متبدية، وفي العدنانيين قبائل مستوطنة وأصحاب قرى؛ ولهذا لن تصدق تلك النظرية إلا بمثل هذه الدراسة.

ولفهم النزاع القحطاني العدناني، أو نزاع يثرب ومكة، لا بد من البحث عن موارد جاهلية وإسلامية نستعين بها على فهم طبيعة هذه النزاع. أما الموارد

1 اللسان "20/ 38"، فجر الإسلام "1/ 7".

Sprenger، das laben، bd.، 3، s. cxxviii

2 معجم الشعراء "ص324".

ص: 137

الجاهلية، أي: الكتابات، فليس فيها حتى الساعة شيء ما يحدثنا عن هذا النزاع، وأما الموارد الإسلامية، فإن شعر حسان بن ثابت، أو الشعر المنسوب إلى هذا الشاعر بتعبير أصدق وأصح، هو المرجع الأول الذي يحدثنا عن طبيعة هذا النزاع أو التحاسد الذي كان بين مكة ويثرب قبل ظهور الإسلام وعند ظهوره، إذ كان حسان نفسه من المناضلين فيه الحاملين للواء يثرب في نزاعها مع مكة. ونرى القحطانيين يروون شعره ويذكرونه في افتخارهم على العدنانيين، وقد حمل شعره جل مواضع فخر قحطان على عدنان، ومفاخر أهل يثرب على أهل مكة، حتى لنستطيع أن نقول: إنه أحد بناة النزاع القحطاني العدناني، باعتبار أنه أقدم مشارك فيه يصل خبره إلينا، وأن أكثر ما تذكره القحطانية من دعاوى مركزة في شعر هذا الشاعر مذكورة فيه.

وقد وصل جل شعر حسان إلينا، وطبع في ديوان. راجعناه وراجعنا ما يحمل من شعر، فلم نجد فيه ذكرًا لعدنان، وإنما نجد فيه اسمي "قحطان" و"معد"1. ولم يرد فيه اسم الأول إلا مرة واحدة في قوله:

فلو سُئِلَتْ عنه معد بأسرها

وقحطان أو باقي بقية جرهما2

وأما اسم الثاني، أي "معد"، فقد ورد في مواضع بلغت سبعة في الديوان3.

غير أننا نرى في الجزء الأول من "الإكليل" أبيات شعر نسبها "الهمداني" لحسان، ورد فيها ذكر لقحطان، وفخر به، وانتسب إليه:

لقد كان قحطان العلا القرم جدنا

له منصب في يافع الملك يشهر

ينال نجوم السعد إن مَدَّ كفه

تُفَلُّ أكف عند ذاك وتَقصر

ورثنا سناء منه برزًا ومحتدًا

مُنيف الذرا فخر الأرومة يذكر4

1 طبعة "هرشفلد" سنة 1910 بمدينة "لايدن"، رواية السيرافي، شرح ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، للبرقوقي، القاهرة، 1929.

2 ديوان حسان "ص44"، البرقوقي "ص398".

3 ديوان حسان "ص1، 5، 6، 25، 44، 47، 89".

4 الإكليل "1/ 118".

ص: 138

ونرى أبياتًا أخرى من هذا النوع من الفخر، في مكان آخر من هذا الكتاب، نسبها أيضًا لهذا الشاعر، هي هذه:

فنحن بنو قحطان والملك والعلا

ومِنَّا نبي الله هود الأخاير

وإدريس ما إن كان في الناس مثله

ولا مثل ذي القرنين أبناء عابر

وصالح والمرحوم يونس بعد ما

ألات به حوت بأخلب زاخر

شعيب وإلياس وذو الكفل كلهم

يمانون قد فازوا بطِيب السَّرائر1

ونرى أبياتًا أخرى نسبها "الهمداني" إلى "حسان" أيضًا، فيها فخر بقحطان وبقوم الشاعر، رواها على هذا النحو:

فمن يَكُ عنا معشر الأزد سائلًا

فإنا بنو الغوث بن نبت بن مالك

ابن زيد2 بن كهلان نما سبأ له

إلى يشجب فوق النجوم الشوابك

ويعرب ينميه لقحطان ينتمي

لهود نبي الله فوق الحبائك

يمانون عاديون لم يلتبس بنا

مناسب شابت من أُلَى وأولئك3

والأبيات المذكورة لا يمكن أن تكون من نظم حسان، فأسلوبها غير أسلوبه في شعره، وفي بعضها ركة وضعف، ولفظة "المرحوم" من الاصطلاحات الحادثة المتأخرة4، كما أن التفاخر بالأنبياء المذكورين لم يكن معروفًا على عهده.

وأما الشعر المبتدئ بهذا البيت:

فمن يك عنا معشر الأزد سائلًا

فإنا بنو الغوث بن نبت بن مالك

ففيه إضافات لا نجدها في الديوان.

وفي المضاف إليه تباين ظاهر مع أسلوب حسان في شعره، وركة بينة، وطابع الصنعة ظاهر عليه. وقد ورد في ديوانه على هذا النحو:

1 الإكليل "1/ 96".

2 الإكليل "1/ 106" هكذا: "ابن زيد".

3 الإكليل "1/ 106".

4 الفضل لأستاذي الأثري في تنبيهي إلى هذه الملاحظة.

ص: 139

فإن تك1 عنا معشر الأسد2 سائلًا

فنحن بنو الغوث بن زيد بن مالك

لزيد بن كهلان الذي نال عزُّه

قديمًا ذراريَّ النجوم الشَّوابك

إذا القوم عدُّوا مجدهم وفعالهم

وأيامهم عند التقاء المناسك

وجدت لنا فضلًا يقر لنا به

إذا ما فخرنا كل باقٍ وهالك3

فأنت ترى أن الأبيات في الديوان خالية من نسب "سبأ" و"يشجب" و"يعرب" و"قحطان" و"هود" وغير ذلك، وأن أسلوب صياغة هذا النظم لا يمكن أن يكون من أسلوب شاعر جاهلي أو شاعر مخضرم، بل لا بد أن يكون من نظم المتأخرين، أضافه بعض المتعصبين لليمن إلى شعر حسان، ونظمه على وزن البيت الأول وطريقته؛ ليكون أوقع في النفس، ودليلًا على قدم ذلك النزاع.

ولا أعتقد أن هنالك حاجة تدعوني إلى إلفات نظر القارئ إلى أن الأبيات المتقدمة الواردة في ديوانه، هي الأبيات المتقدمة عليها نفسها، أي: الأبيات التي أخذتها من كتاب الإكليل للهمداني رُويت بشكل آخر، بشكل يرينا أن الرواة مهما حاولوا إظهار أنهم على حرص تام في المحافظة على أصالة الشعر والمحافظة على الأصل، فإنه لا يتمكنون من ذلك.

ونسب بعض الرواة إليه هذه الأبيات:

تعلمتم من منظق الشيخ يعرب

أبينا، فصرتم معربين ذَوِي نفر

وكنتم قديمًا ما بكم غير عجمة

كلام، وكنتم كالبهائم في القفر4

وهي أبيات لم ترد في ديوانه، تشعر أن "يعرب"، وهو جد القحطانيين، هو أول من أعرب في لسانه، وأول من نطق بالعربية، فهو أول متكلم بها، وأول من أوجدها وكوَّنها، وأن العدنانيين تعلموها من أبنائه بعد أن كان لسانهم لسانا أعجميا. وأما من ناحية صحة نسبتها إلى شاعر الإسلام وشاعر

1 وفي الديوان: "من تك"، "ص40"، البرقوقي "ص295".

2 "الأسد"، الأصح في نظري:"الأزد"، كما في الأبيات المتقدمة.

3 ديوان حسان "ص40"، البرقوقي "ص295".

4 الإكليل "1/ 116".

ص: 140

الأنصار، فإن في أسلوب نظمها وفي صياغة البيت الأول وجملة "منطق الشيخ يعرب"، ما فيه الكفاية لإظهار أنها مصنوعة، حُملت عليه حملًا، ولا يمكن أن يكون هذا النظم من نظم أول الإسلام، حتى وإن كان من شاعر من شعراء أهل المدر في ذلك العهد.

وزعم أن حسان ذكر القيل "ذا ثات"، وهو من أقيال حمير، فقال هذا البيت:

وفي هكر قد كان عز ومنعة

وذو ثات قَيْلٌ ما يكلم قائله1

ولم يرد هذا البيت في ديوانه. أما أسلوب نظمه، فينبئك أن قائله يجب أن يكون شخصًا آخر من المتأخرين عن حسان، ممن كانوا يضعون الشعر على ألسنة غيرهم على نحو ما وضعوا على ألسنة التبابعة وآدم والجن.

هذا ولحسان شعر لم يرد في ديوانه، بل ورد في موارد أخرى، منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود؛ لأنه منحول وقد حُمِل على حسان وأُلْصِق به، ولم يغفل العلماء عنه، بل أشاروا إليه ونبهوا أن بعض الناس قد تعمدوا وضعه وحمله عليه لمآرب. قال الأصمعي في ذلك:"تنسب إليه أشياء لا تصح عنه. وهذا فيما يظهر صحيح، وكثيرًا ما رأيت في سيرة ابن هشام أبياتًا لحسان من هذا القبيل يعقبها صاحب السيرة بقوله: وأهل العلم ينفيها عن حسان"3، وقد نسب الجمحي الوضع على حسان إلى بعض قريش للغض منه، فقال:"وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضهت قريش، واستبَّت، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة، لا تليق به". وقد كان ذلك لتعرضه بهم، ولتعصبه المفرط ليثرب، وافتخاره بهم على قريش4.

هذا ومع إفراط "حسان" في التعصب ليثرب، لا نراه يذكر قحطان إلا

1 شمس العلوم "جـ1، ق1، ص271".

2 ديوان حسان: المقدمة الإنجليزية "ص2 وما بعدها"، "وقد قال الأصمعي في ذلك: تنسب إليه أشياء لا تصح عنه. وهذا فيما يظهر صحيح، وكثيرًا ما رأيت في سيرة ابن هشام أبياتًا لحسان من هذا القبيل، يعقبها صاحب السيرة بقوله: وأهل العلم ينفيها عن حسان...."، البرقوقي "ص غ".

3 المصدر المتقدم.

4 طبقات الشعراء "ص52".

ص: 141

مرة واحدة، أما عدنان فلم يذكره في شعره قط. ولهذه الملاحظة أهمية كبيرة لتكوين رأي في فكرة "قحطان" وعدنان في ذلك العهد؛ إذ إنها تدل على أن القحطانية والعدنانية لم تكن عنده على النحو الذي صارت عليه فيما بعد، بعد اشتداد النزاع بين الأنصار وأهل مكة ومن حولها في خلافة بني أمية خصوصًا، وهم عصب العدنانيين، وأنه في كل فخره بالنسب لم يتجاوز الأزد، أبناء "الغوث بن زيد بن مالك بن زيد بن كهلان"1، وغسان، وآل نصر.

وأما بعد إسلامه، فقد حول فخره وتباهيه إلى فخر بالأنصار على قريش ومضر ومعد، أي: أهل مكة، بنصرة قومه للإسلام، وبنصر النبي حين خذلوه وقاوموه، فكانوا ملوك الناس قبل محمد، فلما أتى الإسلام، كان لهم النصر في نصرته2. ونجد هذا الفخر واضحًا قويًّا في شعره، فهو فخر أهل يثرب على أهل مكة، فخر الأنصار على مضر ومعد وقريش، فلم يصل الفخر بقومه عنده إذًا إلى حد الفخر بقحطان، أو باليمن كلها على عدنان. وأما ما ورد منه أكثر من ذلك، كما نرى في الأبيات المنسوبة إليه في الجزء الأول من الإكليل، فإنه عندي من ذلك النوع المنحول الذي أُضيف إليه؛ فالتكلف ظاهر عليه، والأسلوب مختلف عن أسلوبه، وهو من النظم المتأخر عن أيام حسان، من نظم وضَّاح يتكلف قول الشعر ولا يحسن صناعته.

خذ قصيدته التي تمثل منتهى فخره بقومه، نَرَهُ يقول:

ألم تَرَنَا أولاد عمرو بن عامر

لنا شرف يعلو على كل مرتقي؟!

رسا في قرار الأرض، ثم سَمَتْ له

فروعٌ تُسَامي كل نجم مُحلَّق

ملوك وأبناء الملوك، كأننا

سواري نجومٍ طالعات بمشرق

إلى أن يقول:

كجفنة والقمقام عمرو بن عامر

وأولاد ماء المزن وابني مُحَرّق

1

من تك عنا معشر الأزد سائلًا

فنحن بنو الغوث بن زيد بن مالك

لزيد بن كهلان الذي نال عزه

قديمًا ذراري النجوم الشوابك

ديوان حسان "ص40".

2

وكنا ملوك الناس قبل محمد

فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل

ديوان حسان "ص70، 73".

ص: 142

وحارثة الغطريف أو كابن منذر

ومثل أبي قابوس ربّ الخورنق1

فلا تجد فخره بها يتعدى حدود الفخر بالأزد والغساسنة وآل نصر، أي: ملوك الحيرة، وهو ما وجدناه في أشعاره الأخرى. وقد عاب في هذه القصيدة "قيسًا" و"خندفًا" لأنهما قاومتا الرسول وآذتاه، مما يدل على أن هذين الاسمين كانا معروفين قبل الإسلام.

هذا، وقد أضاف أهل الأخبار إلى قصيدة حسان التي مدح فيها الملك "جبلة بن الأيهم"، ومطلعها:

لمن الدار أقفرت بمغان

بين أعلى اليرموك والصمان2

هذا البيت:

أشهرنها فإن ملكك بالشا

م إلى الروم فخر كل يماني3

ولم يرد ذكر هذا البيت في الديوان. وهو بيت يتحدث كما ترى عن فخر باليمن: أصل الغساسنة، وأهل يثرب، وكل قحطان. وأغلب ظني أنه من الأبيات المدسوسة، وضعه أحد المعتصبين لليمن ودسَّه في القصيدة.

هذا وقد نسب إلى النعمان بن بشير الأنصاري شعر قيل: إنه قاله في هذا الباب، ونسب إلى الطرماح بن حكيم مثل ذلك، وهو أيضا شاعر من شعراء الأنصار4. وعلينا أن ندرس شعرهما، وشعر أمثالهما، وشعر شعراء قريش أيضًا دراسة نقد وتمحيص نميز بها بين صحيحه وفاسده؛ لنتمكن بذلك من تكوين رأي علمي صحيح في القحطانية والعدنانية وتأريخ ظهورهما. ولو تيسر لنا ديوان الأنصار أو دواوين الأنصار لزادت معارفنا، ولا شك، في هذا الباب وتمكنا من تكوين رأي في تلك العصبية القبلية بصورة أصح وأدق، ولا شك.

1 البرقوقي "ص288".

2 مروج الذهب "2/ 31""تحقيق محمد محيي الدين". ونجد هنا اختلافًا في الألفاظ وفي بعض الجمل عن نص القصيدة الوارد في الديوان، راجع "ص55" من الطبعة الأوروبية، و"ص414" من "شرح ديوان حسان بن ثابت" لعبد الرحمن البرقوقي، وقد أخذت مطلع القصيدة من رواية المسعودي.

3 مروج الذهب "2/ 31".

4

فمنا سراة الناس هود وصالح

وذو الكفل منا والملوك الأعاظم

الإكليل "1/ 94".

ص: 143