الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس والثلاثون: الصفويون
وإلى هذا العهد تجب إضافة قوم من العرب أطلق المستشرقون عليهم لفظة "الصفويين"، نسبة إلى أرض "الصفاة"1. وهم أعراب ورعاة كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر طلبًا للماء والكلأ. وقد دونوا خواطرهم أحيانًا على الأحجار، وتركوها في مواضعها، ومنها استطعنا الإلمام بعض الشيء بأحوالهم وأخبارهم. وقوم تنتشر الكتابة بينهم على هذا النحو، لا يمكن أن نتصورهم أعرابًا على النحو المفهوم من الأعرابية، بل لا بد أن نتصور أنهم كانوا على شيء من الثقافة والإدراك.
وإذا سألتني علن سبب اختيار المستشرقين لهذه التسمية وإطلاقها على أصحاب هذه الكتابات، فإني أقول لك: إنهم أخذوها من اسم أرض بركانية عرفت بالصفا وبالصفاة، تغطي قشرتها الخارجية حتى اليوم صخور سود تقول لك أنها خرجت إلى هذا المكان من باطن الأرض، وأن براكين ثائرة مزمجرة غاضبة كانت قد قذفت بها إلى ظهر الأرض فاستقرت في أمكنتها هذه، ومن يدري؟ فلعلها أصابت أقوامًا كانت تعيش في هذه المواضع أو مارة بها فأهلكتها. وهي تسمية
1 E. Littmann، Thamud Und Safa، In Abhandlung Fur Die Kunde Des Morgenianbses، 1940، 25، I، M. Hofner، Die Befuinen In Denvorisamischen Arabischen Inschrriften In L'antica Societa Beduina Studi Semitici 2، 195
قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام. بدليل أنها وردت في نص يوناني على هذه الصورة: "Safathene"1. وورود اسم إله عرف بـ "زيوس الصفوي" "Zeus Safathenos"، أي نسبة إلى هذه الأرض2.
أما "الصفوية"، فتسمية ليست بتسمية عربية قديمة، وليست علمًا على قوم معينين أو على قبيلة معينة، وإنما هي تسمية حديثة أطلقها المستشرقون على قبائل عديدة كانت تنتقل من مكان إلى مكان طلبًا للماء وللكلأ، لرعي ماشيتها التي تكون ثروتها ورأس مالها، تراها يومًا في أرض النبط، ويومًا آخر في بلاد الشأم حيث كان الومان ثم البيزنطيون يسيطرون. فنحن في هذا الموضع لسنا أمام مملكة أو حكومة مدينة، بل أمام قبائل عديدة حرفتها الرعي والغزو وكفى.
ومن نسميهم بالصفويين إذن ليسوا بقبيلة واحدة ولا بجنس معين، وإنما هم قبائل متنقلة، كانت تنتقل في هذه الأرضين الواسعة، في أزمنة مختلفة متباينة. ويعود الفضل إلى الكتابات التي عثر الباحثون عليها في إعطائنا فكرة عن تلك القبائل المتنقلة، وفي حصولنا على أسماء بعض تلك القبائل التي كان ينتسب إليها أصحاب تلك الكتابات.
وقد جمعت الكتابات الصفوية من أرضين واسعة، تمتد من "حماه" في سورية إلى نهر الفرات في العراق في الشرق، وإلى فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية فأعالي الحجاز، وكلها كتابات شخصية في موضوعات متعددة، ليس بينها وثائق تتعرض للمسائل العامة مثل القوانين والحروب بين الدول بتفصيل وتبسط، ذلك؛ لأن الكتابات الصفوية هي كما قلت كتابات أفراد كتبوها تعبيرًا عن أمور شخصية لا غير، ومثل هذه الكتابات لا تتعرض لما يبحث عنه المؤرخ إلا بقدر، وهو قدر لا يقدم في الغالب اللمؤرخ ما يبحث عنه، ولهذا انحصرت فوائدها في مسائل
1 العرب في سوريا قبل الإسلام "ص 27".
2 العرب في سوريا قبل الإسلام "ص 162".
G. Ryckmans، Inscriptions Safaitiques. Extrait Du Museon، Tome، 1-2، Louvain. 1951، Handbuch. S. 46 Dirlef Nieisen. Uber Die Nordarabischen Gotter In Mittei Der Vorderas Gesellsch، Bd 21، 1916، E. Littmann، Safaitic Inscriptions، Leden، 1943، Annual Deprtment Of Antiquities Of Jordan، Vol، I، 1951، P. 17.
وكذلك الأعداد التالية لهذه المجلة التي تصدرها مديرية الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية.
أخرى، في مثل الدراسات اللغوية والدينية وتطور الخطوط ودراسة أسماء الأشخاص والقبائل وما شاكل ذلك.
وانتشار هذه الكتابات وتناثرها في أرضين صحراوية، أمر يلفت النظر ويدعو إلى العجب من أمر الأعراب في ذلك العهد الذين كانوا يقرأون ويكتبون مع أنهم أبناء بادية، وقد عاشوا قبل الإسلام بزمان طويل، ثم إن خطها يلفت إليه النظر أيضًا، فهو خط عربي، ولد من الأم التي نسلت الخط العربي الجنوبي، وهو قريب من الخط الثمودي والخط اللحياني، ويعني هذا أن العرب كانوا يكتبون قبل الميلاد بخط أود أن أسميه بالقلم العربي الأول، أو القلم العربي القديم منه تفرعت الأقلام العربية المتنوعة فيما بعد، فوجد ما نسميه بالقلم المسند وبالأقلام العربية الشمالية، وذلك لظروف كثيرة لا مجال للكلام عليها في هذا المكان، وهو يدل على أن الصفويين وأمثالهم من الأعراب لم يتأثروا بالثقافة الإرمية مع قربهم منها واتصالهم بها، وطغيانها على الثقافات الأخرى في العراق وفي بلاد الشام، فبقوا مخلصين لقلمهم القديم، فكتبوا به، ولم يستعملوا قلم بني إرم كما فعل "أهل المدر" المقيمين في مدن العراق والشأم وقراهما. وكتبوا بلهجاتهم أيضًا ولم يكتبوا بلغة بني إرم كما فعل غيرهم من العرب الحضر.
وقد رأى "دوسو""Dussaud" أن الصفويين كانوا يحاكون الجنود الرومان واليونان في تسجيلهم خواطرهم وذكرياتهم على الحجارة، فقد وجد الباحثون أحجارًا دون عليها أولئك الجنود في أثناء أدائهم واجباتهم العسكرية في بلاد الشأم وعلى الطريق الرومانية ذكرياتهم وخواطرهم ونزولهم في تلك الأمكنة. ولكن وجود كتابات صفوية عديدة من القرن الأول قبل الميلاد يثبت أن الصفويين كانوا يدونون خواطرهم بهذا الأسلوب، وذلك قبل شروع أولئك الجنود الرومان واليونان في تدوين خواطرهم على هذا الأسلوب، وأنهم كانوا يدونون خواطرهم هذه على الأحجار وبهذا الشكل؛ لأن هذه الحجارة كانت هي ورق كتابة أهل البادية، فكتبوا عليها كما يكتب أهل الحضر على الرق والخشب والورق وغيرها من وسائل الكتابة1.
ويرجع علماء الصفويات عمر أقدم الكتابات الصفوية إلى القرن الأول قبل الميلاد.
1 Winnett، P. I.
أما آخر ما عثر عليه من كتابات، فيرجع إلى القرن الثالث بعد الميلاد، على رأيهم أيضًا1. فما عثر عليه من الكتابات الصفوية، هو من عهد تبلغ مدته زهاء أربعة قرون.
وقد أرخت بعض هذه الكتابات بحوادث محلية عرفت عند أصحابها، إلا أنها مجهولة لدينا، لذلك لم نستطع الاستفادة منها في تكوين رأي في زمن كتابتها. فقد أرخ بعضها بسنة وفاة قريب لصاحب الكتابة، أو بوقت نزوله في المكان الذي كتب به الكتابة، أبو بوقت هربه من الرومان أو بعد كذا من الأيام أو من السنين من رؤية قريب له أو وفاته، ومثل هذه الحوادث، لا تفيد المتأخرين شيئًا، ولا تساعدهم في تثبيت زمن تدوينها بوجه صحيح مضبوط. وأرخ بعضها بحوادث أعم، إلا أنها ذكرت بأسلوب فوت علينا معرفة زمان وقوع الحادث بوجه مضبوط، فقد أرخت كتابة منها بـ "سنت نزز اليهد"، أي "سنة الخصام مع اليهود"2. وهي سنة كان يعرفها صاحب الكتابة وأصحابه. أما نحن فلا نعلم من أمرها شيئًا، فقد خاصم العرب اليهود كثيرًا في تأريخهم. فأية خصومة من تلك الخصومات قصد صاحب الكتابة، فإذا كان قد قصد ثورة العرب أهل اللجاة "Trachonitis" على "هيرود الكبير" الملك المكابي، فهذه الثورة يجب أن تكون قد وقعت فيما بين السنة "23ق. م." والسنة "14ق. م."3. أما إذا كان صاحب النص قد قصد خصامًا آخر، فإننا لا نستطيع التكهن عنه من نصه هذا، لما قلناه من تعدد الخصومات بين العرب واليهود.
وأرخت كتابة أخرى بزمن تمرد صاحب الكتابة على الروم، وذلك سنة مجيء "الميديين" الفرس إلى "بصرى"، "ومرد على رم سنت أتى همذى بصرى"4 وقصد بـ "همذى""الماذويين"، أي الميديين من الفرس، ولما كانت الأخبار لم تشر إلى اكتساح الفرس لـ "بصرى" قبل سنة "614 م"، ظن من عالج هذه الكتابة أن أصحابها قصد استيلاء الفرس عليها في ذلك الزمن، أي في السنين الأولى من سني مبعث الرسول، حيث غلبت الفرس على الروم، كما أشار إلى
1 Winnett، P. I،
2 Winnett، P. 95.
3 Winnett، P. 95، Josephus، Antiq، XVI، IX.
4 F. V. Winnett، Safaitic. P. 19. 323. M43، Harding 37. T31
ذلك القرآن الكريم. غير أن هذا الفريق عاد فأبدل رأيه؛ لأنه وجد أن هذا الرأي لا ينسجم مع نوع الكتابة والأبحاث الآثارية التي دلت على أن الكتابة يجب أن تكون أقدم عهدًا من سنة "614م"، ورأى لذلك أن استيلاء الفرس على "بصرى" يجب أن يكون قبل ذلك بكثير، وقد يكون وقع في القرن الأول قبل الميلاد، غير أننا لا نملك نصوصًا تأريخية تشير إلى وصول الفرس إلى هذا المكان، واستيلائهم عليه في ذلك الزمن. وهكذا نجد أن تلك الكتابة المؤرخة قد أوجدت لنا مشكلة، لم نتمكن من حلها بسبب الغموض الوارد فيها عن سنة استيلاء الفرس على بصرى1.
وطالما قرأنا في الكتابات أن أصحابها "نجوا من الروم" أو فروا من الروم، أو تمردوا على الروم وأمثال ذلك من تعابير، وقد قصدوا بالروم بلاد الشأم التي كانت في أيدي الرومان، ثم انتقلت إلى الروم، وهم اليونان البيزنطيون. ولما كانت بلاد الشأم تحت حكم المذكورين، عبروا عنها بـ "رم""روم" أي "الروم""وبلاد الروم".
لقد كان الصفويون بحكم نزولهم في أطراف بلاد الشأم على اتصال بالروم بل اضطروا إلى الخضوع لحكمهم والاعتراف بسيادتهم عليهم. والتوغل شمالًا وجنوبًا في بلاد الشأم بحثًا عن الماء والكلأ وعن القوت، كما اضطروا إلى مراجعة قرى بلاد الشأم ومدنها للامتيار ولبيع ما عندهم من فائض من منتوج أيديهم ومن حاصل حيواناتهم. وهذا مما يدفعهم إلى التخاصم أحيانًا مع موظفي الأمن الروم وحراس الحدود ورجال الجباية و"الكمارك"، في شأن أمور الأمن، أو أخذ حقوق الحكومة منهم، فيقبض الروم على من يقاوم منهم، أو يتهرب من الأداء، أو يقتل، أو يقوم بأعمال مخالفة، فيلقونه في السجن أو يقتلونه، ولهذا نجد بعض الكتابات وقد سجلت حين هرب صاحبها من سجن الروم. وعاد إلى حريته. وهربه من الروم واستنشاقه نسيم الحرية، معناه اللجوء إلى البادية والاحتماء بها حيث يصعب على الجنود الروم الوصول إليها للقبض عليهم والاقتصاص منهم. والبادية حصن أمين للأعراب.
1 Winnett، P. 3، 19، BASOAR، Num: 122، P. 50، Die Araber I، S. 75، CIS 5، 4448، J. Pirenne I، 212.
ويظهر من هذه النصوص أن شأن الصفويين بالروم لم يكن يختلف عن شأن سائر العرب بهم وبأمثالهم من الدول الأجنبية مثل الفرس، فهم مضطرون بحكم وضعهم إلى التسليم لسلطان الدول الأجنبية ما داموا ضعفاء لا يستطيعون مقاومة الأعاجم، فإذا تغيرت الأحوال، وظهرت مواضع ضعف في الأجنبي، اهتبل الأعراب الفرص، فانقلبوا عليه حتى يرضيهم أو يظهر قوته، وهكذا كان الصفويون ينتهزون الفرص، فمتى وجدوا ثغرة في سلطان الروم وموضع ضعف في حراسة حدودهم، هاجموهم منها حتى ينالوا ما يبتغون من مغنم، وقد ينقلب الحادث عليهم بالطبع، لسوء تقدير في الموقف، وهذا ما يحدث في كل غزو أو حرب، وهو شيء طبيعي فقد ينتصر المحارب فيربح، وقد يندحر فيخسر كل شيء.
ويلاحظ من الكتابات الصفوية أن أصحابها كانوا ينزعون نزعة شديدة إلى تخليد أنفسهم وإبقاء آثارهم وذكرياتهم بكل الطرق الممكنة، فأرخوا بكل حادث كان معروفًا عندهم، حتى بحادث ولادة ماشيتهم، أو مقتل أحدهم، أو فرض غرامة مالية على أحدهم، أو سفر أحد منهم وبأمثال ذلك من حوادث صغيرة تافهة، ولكنها مع ذلك وعلى الرغم مما يبدو عليها من سذاجة تدل على وجود نزعة قوية لديهم لتأريخ كل ما يقع عندهم وتدوينه، ليطلع عليه غيرهم ممن يمر بالأماكن التي نزلوا بها1. هذا وما زال الأعراب وأهل القرى عندنا يسجلون حوادثهم على النحو المذكور من تسجيل التواريخ.
وللطابع الشخصي الذي تحمله الكتابات الصفوية، لم نتمكن من الاستفادة منها من الوجهة السياسية والعسكرية، فلم نعثر فيها على اسم ملك، لا عربي ولا أجنبي، ولم نعثر فيها على موضوع سياسي يشير إلى الحالة السياسية التي كانت في العراق أو في بلاد الشأم أو في جزيرة العرب في تلك الأيام، ولم نتمكن أيضًا من الخروج منها بأية فكرة عن نوع الحكم الذي كان يعيش فيه الصفويون: أكانوا في حكم ملوك، على شاكلة عرب الغساسنة؟ أم كانوا قبائل متنقلة خاضعة لسلطان الروم، حين تكون في بلاد الشأم، وحرة طليقة حين ترد البادية؟
وقد وردت في الكتابات الصفوية أسماء قبائل، منها:"بدن" و"بعر"
1 راجع النصوص الصفوية.
و"تر"، و"هجدل""هكدل"، و"جر""كر" و"حزن" و"حضى"، و"حولت""حوالة"، و"دمصى" و"سلم"، و" صبح"، و"ضف"، و"عبد"، و"عوذ"، و"غر"، و"فرث"، "وقمر"، و"يحرب"، و"همضر"، و"املكت"1.
ومن القبائل الصفوية: "اشلل"، و" بكس"، و"جعبر"، "جوا"، و"حمد"، و"حرم"، و"حظى""حضى"، و"حمي"، و"زد""زيد"، و"زهر"، و"عذل"، و"عمرت""عمرة"، و"فضج"، و" مسكت""ماسكة"، و"معصى""معيص"، و"نمرت""نمرة""نمارة""نميرة"، و"هذر""هذير""هذار"2، و"نسمن" أي "نسمان"3، و"حمد""حماد""حميد"4.
وترد لفظة "ال" قبل اسم القبيلة في كثيرة من الكتابات الصفوية، وتؤدي فيها معنى "آل" عندنا، مثل:"ال تم"، أي "آل تيم"5، و"ال عوذ" بمعنى "آل عوذ"6 و"ال ادم""آل آدم"7، و"ال حد""آل حد"8. وهي بمعنى أن المذكور أو المذكورين من القبيلة المسماة، أو من العشيرة المذكورة، أو من البيت المسمى.
وورود "ال" بهذا المعنى في النصوص الصفوية يدل على أن لغة هذه القبائل وهي قبائل عربية شمالية تشارك لغة القرآن الكريم في هذه الخاصية.
وقبيلة "عوذ" ورد اسمها في عدد من الكتابات الصفوية. وقد ورد في إحداها أن حربًا كانت قد نشبت بينها وبين قبيلة أخرى، اسمها "وعل" أو "ويل" أو "وائل"9. وقد يكون لاسم هذه القبيلة صلة باسم الإله "جد عوذ".
1 Winnett. P. 4.
2 Jordan، II، PP. 14.
3 Littmann، Safa، S. 53، 55.
4 Safa، S، 62.
5 Annual Report Of The Department Of Antiquities Of Jordan Vol، I، P. 26.
6 Jordan، I، P. 27.
7 G. Ryekmans، Inscriptions Safaitiques Au Britisch Museum Et Au Musee De Damas، Louvain، 1951، P. 88.
8 Jordan، I، P. 24.
9 Jordan، I، P.
وقد عثر على اسم قبيلة "نعمن"، أي "نعمان" في بعض الكتابات الصفوية التي عثر عليها في "وادي حوران" بالعراق. ويرد "نعمان" اسمًا لأشخاص، ومنهم بعض ملوك الحيرة1.
وقد ورد اسم قبيلة في إحدى الكتابات التي عثر عليها في العراق، وهي قبيلة "ال صح"، أي "آل صح"، أو "آل صائح"، أو "آل صيح"، أو "الصائح"2، وما زال اسم "الصائح" معروفًا في العراق، وهو اسم عشيرة فقد يكون له صلة بهذه التسمية القديمة. وقد أفادتنا هذه الكتابات من الناحية الجغرافية، إذ قدمت إلينا أسماء مواضع عديدة لا يزال بعضها يسمى بالأسماء الواردة في تلك الكتابات، وقد يمكن في المستقبل دراسة الأسماء الأخرى لتثبيت مواضعها وتعيينها على مصورات الأرض "الخارطات".
ومن المواضع التي ورد اسمها في الكتابات الصفوية، موضع "رحبت"، وهو "الرحبة". وقد ورد في نص سجله رجل اسمه "حنن بن هعتق"، "حنان ابن العاتق"، أو "حنين بن العاتق"، أو "خنن بن العاتق"، وذكر أنه "بن ال – رحبت"، أي "من الرحبة"، أو "من آل زحبة"، وأنه كتب كتابته هذه في السنة التي دار فيها قتال مع قبيلة "ال حمد""الحمد" أو "آل حمد"3. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "الرحبة" هو اسم موضع، كما أن "الحمد" هو اسم موضع كذلك، وأن الذين نزلوا في هذين المكانين وفي أمكنة أخرى نسبوا أنفسهم إليها فقالوا: "آل رحبة" و"آل حمد"، وذلك على نحو ما نجده في عربيتنا من ذكر "آل" في الانتساب، وأن هذا معناه أن أولئك الأعراب الذين نزلوا في الموضعين انتسبوا إلى المكانين، فاستعملوا لذلك لفظة "ال"، أي "آل"، قبل الموضع، فظهر الاسم "ال رجبت" "ال رجبة" وكأنه اسم قبيلة4.
1 مجلة سومر، المجلد العشرون، 1964، الجزء الأول والثاني "ص 27" من القسم الانكليزي.
2 مجلة سومر، المجلد العشرون، السنة 1964، الجزء الأول والثاني "ص 18، 27" من القسم الانكليزي.
3 العرب في سوريا قبل الإسلام "ص 105".
4 العرب في سوريا "ص 105 وما بعدها".
ولهذا المظهر من التسميات والانتساب شأن كبير في موضوع دراسة أنساب القبائل، إذ فيه برهان ودليل على أن الإقامة في موضع تكون سببًا للانتساب إليه، ثم لتحويل ذلك النسب إلى اسم جد، وأن ما يرويه أهل الأخبار في هذا الباب مثل انتساب الغساسنة على "غسان"، وأن "غسان" اسم موضع ماء نزلوا عليه، فدعوا به، يجب أن ينظر إليه نظرة اعتبار، لا رفض وازدراء. وفي أسماء القبائل العربية المدونة في كتاب الأنساب والأدب، أو الواردة في الكتابات الجاهلية أمثلة عديدة من هذا القبيل.
ومن الأماكن التي ورد ذكرها في النصوص الصفوية: "بصرى" وقد ذكرت على هذه الصورة "بصر"، و"هنمرت"، "النمرت"، أي "النمارة"، و"هشبكي" أي "الشبكي"1، و"حجر"2.
و"حجر" موضع قد يراد به "الحجر" المعروف في عربيتنا، وهو "Hegra" و"Hegrae" عند اليونان واللاتين، و"حجرا" و"حجرو" عند النبط3.
وورد اسم مدينة "تيما" أي "تيماء" في الكتابات الصفوية كذلك، كالذي ورد في نص دونه رجل اسمه "خل – ال بن شبب" أي "خليل – ايل ابن شبيب"، وقد تذكر فيه رجلًا اسمه "أبرش"، وهو من أهل "تيماء"4.
ولم يكن الصفويون كما يبدوا بوضوح من كتاباتهم ومن صور الحيوانات التي نقشوها على الأحجار أعرابًا ممعنين في الأعرابية على نحو عرب البوادي البعيدين في البادية، حيث يقضون حياتهم فيها، فلا يختلطون بالحضر، ولا يمتزجون بالحضارة، وإنما كانوا أشباه أعراب وأشباه حضر، وربما كان تعبير "رعاة" خير تعبير يمكن إطلاقه عليهم ليميزهم عن غيرهم. فقد كان الصفويون أصحاب ماشية، لهم إبل، يعيشون عليها، ويتاجرن بها، ولهم خيل يركبونها، والخيل كما هو معروف لا تستطيع الحياة في البوادي القاحلة العميقة والرمال القليلة المياه،
1 العرب في سوريا "106".
2 Jordan، II، P. 42.
3 Jordan، I، P. 48.
4 Enno Littmann، Zur Entzifferung Der Safa – Inschriften، Leipzig، 1901، S. 51.
ولهم المعز والغنم والحمير والبقر، وهي من الحيوانات التي تحتاج إلى رعي ومراعي1. ولذلك يجب أن يكون أصحابها من طبقة الرعاة. وقد كانت حياتهم حياة رعي، نجدهم في الشتاء في مكان، ثم نجدهم في الصيف في مواضع أخرى قريبة من الجبال حيث يكون الجو لطيفًا والمياه كثيرة، ليكون في استطاعتهم الابتعاد من حر الحرار ومن سموم الأرض القاحلة في الصيف، ولتستمتع ماشيتهم بجو لطيف فيه ما يغريها من خضرة نضرة ومن ماء عذب زلال.
إن في بعض هذه الكتابات تعبيرًا عميقًا عن ذكاء فطري يعبر عن طراز حياة الصفويين، فكتابة مثل:"ورعى همعز وولد شهى"، ومعناها:"ورعت المعز وولدت الشياه"، أو "ورعى بقر هنخل"، أي "ورعت البقر في هذا الوادي"، أو "وقف على قبر فلان وحزن"، هي تعابير، وإن بدت ساذجة مقتضبة لا يكتبها حضري، غير أنها تمثل في الواقع ذكاءً فطريًّا عميقًا، ونوعًا من التعبير عن حس أهل البادية أو أهل الرعي، وهو حس مرهف فيه بساطة وفيه اقتضاب نبتا من وحي الصحراء البسيطة الممتدة إلى ما وراء البصر على نمط واحد، وشكل لا تغيير فيه ولا تبديل. وكتابات يكتبها أناس يحيون بعيدين عن حضارة المدن، ويعيشون بين أشعة الشمس وضوء القمر في بيوت وبر أو شعر معز ولا تقي ولا تنفع إلا بمقدار، لا يمكن أن تكون إلا على هذا النحو من البساطة، ولكنها بساطة ذكي يحاول بذكائه التعبير عن حياته تلك.
ونجد هذا الذكاء الفطري في الصور المرسومة للحيوانات، فقد أراد مصوروها أن يعبروا عن غرائزهم الفنية بصورة محسوسة ترى، فرسموا صور حيوانات ألفوها ورأوها، بصورة بدائية، ولكنها معبرة أخاذة، ورسموا بعض المناظر المؤثرة في حياتهم مثل الخروج للصيد ومعارك الصيد، فنرى على بعض الأحجار فارسًا وقد حمل رمحًا طويلًا، ونرى مشاة وقد حملوا أقواسًا وتروسًا صغيرة مستديرة لوقاية أجسامهم من السهام أو من الحيوان، ونرى رجالًا يطاردون غزالًا أو ضأنًا، ونرى أناسًا فرسانًا ومشاةً يطاردون أسدًا2، ونرى غير ذلك من صور بدائية من هذا القبيل، مهما قيل فيها، فإنها صور رائعة لا يمكن أن يحفرها
1 العرب في سوريا "107".
2 العرب في سوريا قبل الميلاد "ص 107 وما بعدها".
فنان بأحسن من هذا الحفر، وهو في مثل هذا المحيط، وليست لديه من آلات الحفر غير هذه الآلات.
والصور المنقوشة على الأحجار التي ترينا الصفوي وقد ركب حصانه معتقلًا رمحًا طويلًا، هي صورة المحارب الفارس عند الصفويين، وهي في الواقع صورة الفرسان الأعراب، سلاحهم الرئيسي الرماح، يطعنون بها خصمهم. وما زال البدو في بعض البوادي من جزيرة العرب يحملون ذلك السلاح التقليدي القديم، يحاربون به خصومهم في المعارك القبلية البدائية، وأما المحارب الماشي، فإنه يحارب بالقوس وبيده الترس كما يظهر من بعض الصور، وهو لا بد أن يكون قد استعان بأسلحة أخرى بالطبع، مثل السيوف والفؤوس والحجارة وكل ما تقع يده عليه مما يصلح أن يكون مادة للقتال والعراك1.
إن الصور التي تمثل الناس، وهم يطارون الغزلان أو بقر الوحش أو الأسد أو الحمار الوحشي، هي صور مفيدة جدًّا تتحدث عن وجود تلك الحيوانات في تلك الأماكن وفي تلك الأوقات، وعن طرقهم في صيدها. وقد كانت لحوم بعض تلك الحيوانات طعامًا شهيًّا لمن يصطادها ولآلهم وجماعتهم، كما أن لوجود صورة الحصان شأنًا في إظهار أن الصفويين وغيرهم كانوا يعرفون الخيل في تلك الأزمنة، وأن الحصان العربي كان موجودًا يومئذ2.
وفي جملة ما عثر عليه من أسماء آلهة الصفويين اسم إليه عرف بـ "إله هجبل""إلاه هاجبل""إله الجبل"، وهي تسمية تدل على أن عبدته كانوا من سكان جبل أو أرض مرتفعة، ولهذا نعتوا إلههم بـ "إله الجبل" أو أن عبدته هؤلاء قد أخذوه من أناس كانوا قد خلقوا إلههم من ارتفاع أرضهم، وصار إلهًا من آلهة الصفويين. وهو يقابل الإله المسمى بـ "الاجبل""Elagabal" وهو كناية عن الشمس، وكان يعبد في "حمص""Emesa" فإن لفظة "Elagabal" تعني "إله الجبل". وقد رمز إليه بـ "حجر أسود" وعباد الحجر الأسود كانت معروفة عند الجاهليين. وقد كان أهل مكة يقدسون الحجر الأسود في مكة ويتقربون إليه3.
1 العرب في سوريا "107 وما بعدها".
2 العرب في سوريا "ص 108".
3 F. Altheim، Aus Spatantike Und Christentum، 1951، 28، Die Araber، I، S. 362.
153
ولا ندري من حل في محل الصفويين فأخذ مواطنهم، ولم اختفت كتاباتهم بعد عهدهم هذا؟ هل كان الذين أخذوا مكانهم أميين لا يقرأون ولا يكتبون فكانت أيامهم صمًّا بكمًا؟ الذين أخذوا مكانهم هم أعراب مثلهم، كانوا أقوى منهم، لذلك تغلبوا عليهم على وفق سنة البادية. هذا جواب لا شك فيه. ولكننا لا نستطيع تحديد هوية أولئك الأعراب وتعيين أسماء قبائلهم، كما أننا لا نستطيع التحدث عن سبب سكوتهم وعدم ترك آثار كتابية لهم تتحدث عن أيامهم وعن قبورهم وأصدقائهم وما شاكل ذلك من أمور إلى زمن مجيء الإسلام، إن الغساسنة، هم آخر من نعرف أنهم كانوا في هذه الأرضين، وفيما جاورها وكذلك قبائل عربية أخرى مثل لخم وكلب، ولكننا لا نعرف أنهم تركوا كتابات تتحدث عنهم.
وبين أسماء الأشخاص المدونة في النصوص الصفوية أسماء تشبه أسماء أهل مكة والعرب الشماليين شبهًا كبيرًا، ويحملنا هذا على تصور أن ثقافة الصفويين عربية شمالية. ونجد هذا التشابه في أمور ثقافية أخرى، سأتحدث عنها في الأماكن المناسبة.
ومن الأسماء الواردة في النصوص الصفوية: "قصيو"، أي "قصي". وقد ورد اسم "قصيو بن كلبو"، أي "قصي بن كلاب" في أحد النصوص، وكان من رجال الدين. وورد "قصيو بن روحو" أي "قصي بن روح". و"قصيو بن اذينت"، أي "قصي بن أذينة"1.
ويرى بعض المستشرقين أن الصفويين هم مثل سائر القبائل العربية الشمالية هاجروا من جزيرة العرب إلى الشمال، فسكنوا في منطقة "الصفاة"، غير أنهم لم يكونوا قد اندمجوا في أثناء تدوينهم كتاباتهم بالثقافة السامية الشمالية كما اندمج غيرهم مثل النبط، بل كانوا لا يزالون محافظين على صلاتهم بالجزيرة ولا سيما بالعربية الجنوبية منها موطنهم القديم، وتعبر عن هذه الصلة بعض الخصائص اللغوية التي ترجع على رأيهم إلى أصل عربي جنوبي، غير أنهم تأثروا بالطبع بمن اختلطوا بهم وبمن تجاوروا معهم من الساميين الشماليين أو العرب الشماليين، ويظهر أثر هذا الاختلاط على رأيهم أيضًا في الأسماء والكلمات والتعابير الخاصة التي نقرأها في هذه النصوص2.
1 رنيه ديسو، العرب في سوريا، "ص 116".
2 Handbuch، S. 48 Ff، Rene Dussaud، Les Arabes En Syrie Avant L'Islam، E. Littmann. Gotting. Gelberte Angeiger، 1908، S. 144.
قلت: إن كلمة "الصفويون" لا تعني شعبًا معينًا أو قبيلة معينة، وإنما هي اصطلاح أوجده "هاليفي" ليطلق على الكتابات التي عثر عليها في مواضع متعددة من "اللجاة" و"حوران" ومواضع أخرى، لذلك يجب ألا يفهم أننا نقصد أناسًا تركوا لنا كتابات متاشبهة كتبت بقلم واحد، ليظهر أنهم كانوا بين البداوة والحضارة فلاحين ورعاة لهم قرى ومزارع، وربما كانت لهم تجارات أيضًا، غير أننا لا نعرف من أمرهم شيئًا كثيرًا. فقد يكونون إذن من قبيلة واحدة، وقد يكونون جملة قبائل، وقد تكون لهم "أمارة" لا نعرف من أمرها شيئًا، وربما لا يكون لهم ذلك. وربما كانوا أتباعًا للسلطة القائمة في بلاد الشأم تتحكم فيهم بنفسها أو بواسطة أمراء أو سادات قبائل.
وقد يكون الصفويون أناسًا وصلت أسماؤهم إلينا، وكتب المؤرخون عنهم، ولكننا لا نعرف أنهم هم الذين نبحث عنهم؛ لأننا أمام اصطلاح جديد مبهم، ظهر كما قلنا في القرن التاسع عشر، ليست له حدود واضحة ولا معالم مرسومة، فلا ندري نحن في الواقع ما نريد، قد يكون هؤلاء أسلاف غساسنة الشأم، وقد يكونون غيرهم.