المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة ‌ ‌مدخل … الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة وللإخباريين واللغويين - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ٥

[جواد علي]

الفصل: ‌ ‌الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة ‌ ‌مدخل … الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة وللإخباريين واللغويين

‌الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة

‌مدخل

الفصل السابع والثلاثون: مملكة الحيرة

وللإخباريين واللغويين وعلماء تقويم البلدان، آراء في أصل اسم "الحيرة"، وبينهم في ذلك جدل على التسمية طويل عريض، كما هو شأنهم في أكثر أسماء المدن القديمة التي بعد عهدها عنهم فحاروا فيها. وإيرادها هنا يخرجنا عن صلب الموضوع، وهي أقوال لا تستند إلى نصوص جاهلية، ولا إلى سند جاهلي محفوظ، ومن أحب الوقوف عليها، وتعرف مذاهب القوم فيها، فعليه بمراجعة تلك المظان1، كما أن لبعض المحدثين آراء في هذا الباب2.

ومعظم المستشرقين، يرون أنها كلمة من كلمات بني إرم، وأنها "حرتا""Harta""Hirta""He'rta""حيرتا""حيرتو" السريانية الأصل، ومعناها المخيم والمعسكر وأنها تقابل في العبرانية كلمة "حاصير""Haser"3، وأن "حيرتا""حيرتو"

1 ابن الفقيه "181"، البلدان "2/ 375"، أبو تمام، الحماسة "811" البيت "2"، "والحيرة

قرب الكوفة، والنسبة حيري وحاري"، القاموس "2/ 16"، البكري، معجم "2/ 478 وما بعدها". "طبعة السقا"، المشرق، السنة 1908، "77"، "والحيرة، بالكسر: بلد بجنب الكوفة ينزلها نصارى العباد، والنسبة إليها حيري وحاري"، اللسان: مادة "حير".

2 يوسف رزق الله غنيمة، الحيرة، المدينة والمملكة العربية، بغداد، سنة 1936م. "ص 11".

3 Ency، II، P. 314، Rothstein، Die Dynastie Der Lakhmiden، S. 12.

وسيكون رمزه: Rothstein

Frankel، Aram. Fremdworter In Arabish. XV، XVIII، Noldeke، Sasa، S. 25.

ص: 155

في التواريخ السريانية تقابل "العسكر" عند الإسلاميين1. وهي في معنى "الحضر" و"حاضر" و"الحاضرة" كذلك، ولهذا زعم بعض المستشرقين أن "الحضر" اسم المكان المعروف في العراق أخذ من هذا الأصل العربي، أي من "الحضر"2.

وقد عرفت "الحيرة" في مؤلفات بعض المؤرخين السريان، فعرفت بـ "الحيرة مدينة العرب""حيرتا دي طياية"، كما عرفت بأسماء بعض ملوكها مثل "النعمان"، فورد "حيرتو د نعمان دبيث بورسويي"، أي:"حيرة النعمان التي في بلاد الفرس"4.

ويلاحد أن تعبير "حيرة النعمان""حيرتا دي نعمان"، تعبير شائع معروف في العربية كذلك، ولابد أن يكون لاشتهار "الحيرة" باسم "النعمان" سبب حمل الناس على نسبة هذه المدينة إليه.

ويرى بعض علماء التلمود أن مدينة "حواطره""حوطرا" التي ورد في التلمود أن بانيها هو "برعدي""بن عدي"، هي الحيرة5. وقد حدث تحريف في الاسم، بدليل أن التلمود يذكر أنها لا تبعد كثيرًا عن "نهر دعه" "Nehardea"، وأن مؤسسها هو "برعدي"، ويقصد به "عمرو بن عدي"6.

ويظن أن موضع "حرتت دارجيز""حارتا دار جيز""حرته دار جيز"، الوارد في التلمود، هو "الحميرة"7. وقد ورد أن "ارحيز" وهو ساحر، هو الذي بنى تلك المدينة، ويرى بعض الباحثين احتمال وجود صلة بين هذا الساحر وبين قصة "سنمار" باني "الخورنق"8. وعرفت في التلمود بـ "حيرتا

1 Musil، Palmyrena، P. 289، Hoffmann، In ZDMG، 32، 1878 753، F. Altheim، Geschichte Der Hunnen، I، 1959، S. 130. Die Araber، I، S. 275، Hoffmann، In ZDMG، 32، 1878، 753، F. Altheim، Geschichte Der Hunnen، I، 1959،S. 130.

2 Die Aravber، I، S.، 275، Hoffmann، In ZDMG.، 32، 1878، 753، F. Altheim، Geschichte der Hunnen، I، 1959، 130، Anm. 34، Brockelmann، Lexi.

Syriacum، 2، 1928، 228a، Die Araber، II، S. 225.

3 الديورة في مملكتي الفرس والعرب "ص 32، 47".

4 Rothstein. S. 13، John Of Ephesus، 352، 10، 13، John Of Ephesus، 3، 216، Die Araber، I، S. 275، II، S. 225. S. Funk. Die Juden In Babylonien، II، S. 154، Sabbat I، 14.

5 S. Funk، Die Juden، II، S. 154.

6 Sanhedrin 5b، S. 154.

7 Sanhedrin 5b Sabbat 19b، Erubin 63a.

8 Die Juden. II. S. 155، J. Obermeyer، Babylonien، S. 234.

ص: 156

دي طيبه" أيضًا، أي "معسكر العرب" و"حيرة العرب"1.

وقد ذكر اسم الحيرة في تأريخ "يوحنا الأفسوسي""Joghn Of Ephesus" من مؤرخي القرن السادي الميلاد "توفي سنة 585م"، فقال:"حيرتود نعمان دبيت بور سوبي"، أي "حيرة النعمان التي في بلاد العرب الفرس"2، كما ذكرها "يشوع العمودي""Josua Stylites"3. وورد اسمها في المجمع الكنسي الذي انعقد في عام "410 م"، وكان عليها إذ ذاك أسقف اسمه "هوشع" "Hosha" اشترك فيه ووقع على القرارات باسم "هوشع" اسقف "حيرته" "حيرتا"4.

وقد أشرت في أثناء حديثي عن مملكة "تدمر" إلى ورود اسم مدينتين هما "حيرتا""الحيرة" و"عاناتا""عانة" في كتابة يرجع تأريخها إلى شهر أيلول من سنة "132" للميلاد5. وقلت باحتمال أن تكون "حيرتا" هذه هي الحيرة التي نبحث فيها الآن. فإذا كان ذلك صحيحًا، كانت هذه الكتابة أقدم كتابة وصلت إلينا حتى الآن ورد فيها هذا الاسم6.

ومدينة "Eertha" التي أشار إليها "كلوكس""Glaucus" و" اصطيفان البيزنطي""Stephen Of Byzantium"7، وذكر أنها مدينة "فرثية""Parthian" تقع على الفرات، هي هذه الحيرة على ما يظن8.

وورد في بعض مؤلفات السريان مع "الحيرة" اسم موضع آخر قريب منها هي "عاقولا"9، وقد ذهب "ابن العبري" إلى أنه "الكوفة"10،

1J. Obermeyer، S. 234.

2 John Of Ephesus، 352، 10، 13.

3 Rothstein، S. 13.

4 Musil، Palmyrena، P. 20. ZDMG، 43، S. 388.

5 راجع تأريخ العرب قبل الإسلام "3/ 81"، لجواد علي، "4/ 6".

6 Littmann، 6، CIS، II، III، P. 156، 3073.

7 Glaucus، Fragmenta، P. 409، Muller، Stephen Of Byzantium، Ethnica، P. 276، Meineke، Paulys –Wissowa Elfer Halbbend، 1907، S. 552.

8 Musil، Euphrates، P. 102.

9 الديورة في مملكتي الفرس والعرب "ص 59".

10 Bar Hebraeus، PP. 94، 101.

ص: 157

وأشار "ياقوت" إلى "عاقولاء" غير أنه لم يحدد موقع هذا المكان1.

وقد اشتهرت الحيرة في الأدب العربي بحسن هوائها وطيبه، حتى قيل "يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة"2، وقيل عنها أنها "منزل بريء مريء صحيح من الأدواء والأسقام"3. وهي على "سيف البادية"4 ليست بعيدة عن الماء، وقد ورد ذكرها كثيرًا في شعر الشعراء الجاهليين والإسلاميين، وهي لا تبعد كثيرًا عن "النجف" و" الكوفة"5.

وقد ذكر "حمزة الأصفهاني" أنه بسبب حسن هواء الحيرة وصحته لم يمت بالحيرة من الملوك أحد، إلا قابوس بن المنذر، أما بقية الملوك، فقد ماتوا في غزواتهم ومتصيدهم وتغربهم، وأنه بسبب ذلك قالت العرب:"لبيتة ليلة بالحيرة أنفع من تناول شربة"6.

وقد نعتت في المؤلفات الإسلامية بنعوت منها: "الحيرة الروحاء"7 و" الحيرة البيضاء"8، أخذوا ذلك من شعر الشعراء، وزعم بعض أهل الأخبار: أن وصفهم إياها بالبياض، فإنما أرادوا أحسن العمارة.

ويظهر من وصف أهل الأخبار للحيرة أنها لم تكن بعيدة عن الماء وأن نهرًا كان يصل بينها وبين الفرات، بل يظهر أن هذا النهر كان متشعبًا فيها، بحيث كون جملة أنهار فيها. أما نواحيها، فكانت قد بنيت على بحر النجف وعلى شاطئ الفرات، وربما كانت مزارع الحيرة وأملاك أثريائها قائمة على جرف

1 البلدان "6/ 98".

2 الاصطخري، المسالك "82".

3 الطبري "1/ 850".

4 الاصطخري "82"، ابن حوقل "163"، البلدان "2/ 375".

5 اليعقوبي، البلدان "ص 309"، و"طبعة دي غويه"، رحلة ابن جبير "ص 210"، "دي غويه"، الاصطخري "163"، "دي غويه".

6 حمزة "75".

7 قال عاصم بن عمرو:

صبحنا الحيرة الروحاء خيلًا

ورجلًا فوق أنباح الكلاب

البلدان "3/ 376".

8 قال الشريف الرضي:

بالحيرة البيضاء حيث تقابلت

شمم العباد عريضة الأعطان

ديوان الشريف الرضي "2/ 885 وما بعدها"، البلدان "3/ 377".

ص: 158

البحر وشاطئ النهر1 ومن أنهار الحيرة نهر كافر2. ويرى بعض أهل الأخبار أنه هو نهر الحيرة3.

وقد أدى ميلاد الكوفة في الإسلام إلى أفول نجم الحيرة، إذ انتقل الناس من المدينة القديمة إلى المدينة الإسلامية الجديدة، واستعملوا حجارة الحيرة وقصورها في بناء الكوفة، وهذا مما ساعد على اندثار تأريخ تلك المدينة الجاهلية ولا شك، غير أنها ظلت أمدًا طويلًا تقاوم في الإسلام الهرم إلى أن جاء أجلها فدخلت في عداد المدن المندثرة.

وقد عرف ملوك الحيرة عند أهل الأخبار بـ "آل لخم" وبـ "آل نصر"، كما عرفوا بـ "النعامنة" وبـ "المناذرة"، وذلك لشيوع اسم النعمان واسم المنذر فيما بينهم4. وعرفوا أيضًا بـ "آل محرق"، وفيهم يقول الشاعر الأسود بن يعفر:

ماذا أؤمل بعد آل محرق

تركوا منازلهم وبعد إياد

أرض الخورنق والسدير وبارق

والقصر ذي الشرفات من سنداد5

وفي طليعة أهل الأخبار الذين عنوا بجمع أخبار الحيرة الأخباري الشهير، بل رأس أهل الأخبار في أمور الجاهلية:"هشام بن الكلبي". فله كتاب في "الحيرة" سماه "ابن النديم""كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات ونسب العباديين"، وكتاب ثان سماه "ابن النديم" كتاب المنذر ملك العرب"، وكتاب ثالث اسمه "كتاب عدي بن زيد العبادي"6. وهي مؤلفات لم تصل إلينا –ويا للأسف! – نرجو أن تكون في عالم الوجود، ليتمكن من يأتي بعدنا من الظفر بشيء جديد فيها، قد يفيد عشاق تأريخ الحيرة ويزيد في معارفهم.

1 تقويم البلدان، لأبي الفداء "299".

2 شرح القصائد السبع الطوال الحاهليات، للأنباري "124".

3 "قال أبو عمرو: كافر نهر بالحيرة"، الأغاني "21/ 125"، "فقذف المتلمس صحيفته في نهر الحيرة"، الأغاني "21/ 126 وما بعدها"، ابن حبيب، أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام "نوادر المخطوطات"، "ص 213".

4 التنبيه "ص 158".

5 المعارف "ص 282".

6 الفهرست "146 وما بعدها"، "أخبار هشام الكلبي".

ص: 159

وقد زارها نفر من السياح وكتبوا عنها، كما نبشت بعض البعثات الآثارية آثارها، وعالجت مديرية الآثار القديمة في العراق بعض نواح من تأريخها، وقد توصل الحفارون إلى العثور على نقوش من الجبس مما تكسى به الجدر للزينة، وعلى جرار متعددة وآثار من هذا القبيل صغيرة بعضها من العهد الجاهلي وبعضها من العهد الإسلامي1. غير أنهم لم يعثروا حتى الآن على كتابات جاهلية تتحدث عن تأريخ تلك المدينة القديمة السيئة الحظ.

وتأريخ هذه المدينة قبل الميلاد غامض لا نكاد نعرف من أمره شيئًا، فلم يرد خبرها في نص تأريخي مدون أو كتابة مدونة قبل الميلاد، وأقدم ذكر لها هو ما أشرت إليه، غير أن ذلك لا يتخذ دليلًا على أنها لم تكن مولودة قبل هذا العهد، إذ يجوز أنها كانت قبل هذا العهد قرية صغيرة، أو مدينة تسمى باسم غير هذا الاسم، ولعل المستقبل سيكشف عن تأريخها القديم بالسماح لبطن الأرض بإخراج ما في جوفها من أسرار عن ذلك التأريخ.

أما الأخباريون، فيرجعون عهدها إلى أيام "بختنصر". هم يقولون: إن "برخيا" لما قدم من "نجران" وأخبر "بختنصر" بما أوحى الله إليه، وقص عليه ما أمره به من غزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، وأن يطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم، وأعلمه كفرهم به، واتخاذهم آلهة دون الله، وتكذيبهم الرسل والأنبياء، وثب "بختنصر" على من كان في بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدمون عليه بالتجارات والبياعات، ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها، فجمع من ظفر به منهم، فبنى لهم حيرا على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه، ووكل بهم حرسًا وحفظة، ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهبوا لذلك، وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب فخرجت إليه طوائف منهم سالمين مستأمنين. فاستشار "بختنصر" فيهم "برخيا"، فقال: إن خروجهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عما كانوا عليه، فأقبل منهم، فأحسن إليهم، فأنزلهم "بختنصر" السواد على شاطئ الفرات، فابتنوا موضع عسكرهم بعد،

1 D. Talbot Rice، The Oxford Excavation At Hira، In Ars. Islamica، Vol، I، Part، I، MCM، XXXIV، P. 51.

Ann Arbar University Press، Journal Of The Royal Central Aaian Society، Vol، XIX، April، 1932، P. 254، Vol، Sept، 1932، P. 276.

ص: 160

فسموه "الأنبار"، ثم سار "بختنصر" لمقاتلة العرب، فنظم "بختنصر" ما بين "أيلة" و"الأيلة" خيلًا ورجلًا. ثم دخلوا على العرب. وسار "بختنصر" بجيشه حتى التقى بموضع "ذات عرق" بعدنان فهزمه، وسار إلى بلاد العرب حتى قدم إلى "حضور" وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار "عربة"، فخندق الفريقان، ثم تصالح "بختنصر" و"عدنان"، بعد أن أكلت السيوف العرب. وعاد "بختنصر" بمن أخذ معه من سبايا العرب فأسكنهم "الأنبار"، وذهب قوم ممن أفلت قبل الهزيمة إلى "ريسوب" وعليهم "عك"، وذهب الباقون إلى "وبار". ولما رجع "بختنصر"، مات "عدنان"، وبقيت بلاد العرب خرابًا حياة "بختنصر"، فلما مات "بختنصر" خرج "معد بن عدنان" ومعه الأنبياء أنبياء بني إسرائيل حتى أتى "مكة" فحج وحج الأنبياء معه، ثم خرج حتى أتى "ريسوب" فاستخرج أهلها، وقتل أكثر "جرهم"، ثم تزوج ابنة معانة، فولدت له نزار بن معد1.

فمؤسس الحيرة على رواية هؤلاء الأخباريين هو "بختنصر". وهو مؤسس "الأنبار" في نظرهم أيضًا. وقد كان ذلك في أيام عدنان.

وقد سبق لي أن تعرضت لهذه الرواية ولجذورها وأصولها في مواضع من الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.

وفي بعض روايات الأخباريين أن "الأردوان" ملك النبط، وكان معاصرًا لـ "أردشير"، هو الذي بنى الحيرة. كما أن "بابا" خصم "الأردوان" هو الذي أنزل من أعانه من الأعراب "الأنبار". فالحيرة والأنبار إذن هما من عمل ملكين متخاصمين من ملوك النبط تخاصمًا في أيام أردشير. ولأهل اليمن، ويمثلهم "الهمداني"، رواية أخرى في بناء "الحيرة"، فهم يرجعون بناءها إلى "تبع"2.

ويحدثنا "ابن الكلبي" بأن تبعًا المعروف بالرائد –وهو تبان أسعد أبو كرب ابن ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ- لما سار في أيام "بشتاسب

1 الطبري "1/ 291 وما بعدها".

2 البلدان "3/ 377".

ص: 161

وأردشير بهمن بن اسفندريار بن يشتاسب" متوجهًا من اليمن في الطريق الذي سلكه "الرائش" قبله، خرج على جبلي طيء، ثم سار يريد الأنبار، فلما انتهى إلى موضع الحيرة ليلًا، تحير، فأقام مكانه، وسمي ذلك الموضع الحيرة. ثم سار وخلف به قومًا من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به. ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيء وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد، ثم توجه إلى الأنبار1.

وروى الطبري رواية أخرى تشبه هذه الرواية، ولكنها رواية مختصرة لم تذكر اسم تبع، وقد أخذ الطبري روايته هذه عن شيخه عبد الله بن أحمد المروزي2.

هذه هي أقوال الأخباريين في كيفية مجيء العرب إلى العراق وفي سكانهم الحيرة والأنبار وما بين المكانين من أرضين. وهي أقوال فيها شيء من الحق، ولكن فيها شيء كثير من الخطأ والضلال. فنحن لا نريد أن ننكر هجرة القبائل العربية من الجزيرة إلى العراق، فهذا أمر ليس على نكرانه من سبيل، ولكننا لا نستطيع أن نوافقهم على أقوالهم في مبدأ تلك الهجرة وفي تواريخها، وفي كيفيتها فتلك أمور لا يعرفها الأخباريون. كما أننا لا نستطيع أن نوافقهم في زعمهم على من قاد تلك الهجرة والهجرات التي تلتها من رجال، فنحن نعلم حق العلم أن من تحدثوا عنهم وجعلوهم في الدهر الداهر وفي العرب العاربة أو في أيام ملوك الطوائف هم في الأكثر أناس عاشوا بعد الميلاد، وبينهم رجال لا تبعد أيامهم كثيرًا عن الإسلام، وبينهم أناس اخترعتهم مخيلة الأخباريين.

وتأريخ الحيرة مع سعته وكثرة ما يرويه الأخباريون منه، لا يخلو من اضطراب ومن تناقض يدفعنا أحيانًا إلى العجب من قول "ابن "الكلبي" مثلًا:"إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتأريخ سنيهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها"3. وهو كما نعرف سند الأخباريين ومرجعهم الأول في تأريخ الحيرة. فرجل يدعي هذه الدعوى ويستقي أخباره من مواردها الأصلية. لا يجوز صدور روايات منه يناقض بعضها بعضًا، وأخبار لا تؤيد هذا الزعم. فللرجل روايات عن حادث

1 الطبري "2/ 3".

2 الطبري "2/ 3".

3 الطبري "2/ 37".

ص: 162

واحد تثبت، إن صح أنها له، أن الرجل لم يكن صاحب رأي ولا اجتهاد فيما يرويه، وأنه يروي كل ما يقال له دون نقد أو تمحيص. فهو يروي خبرًا عن حادث في شكل، ثم يرويه في شكل آخر يختلف عما رواه كل الاختلاف أو بعض الاختلاف، ثم هو يزيد وينقص في أسماء الملوك وفي مدد حكمهم، ويذكر إجمالًا، ثم يناقض ما قاله تفصيلًا. غير أن علينا –ونحن أحياء نكتب عن شخص مضى على وفاته أكثر من ألف عام- أن نكون حذرين في القول. فنحن لا نستند في حكمنا هذا إلى مؤلف كامل الرواية لذلك الرجل، إنما نستند إلى كتب اقتطعت من مؤلفات ابن الكلبي وروت عنها. فما يدرينا لعل الخطأ في هذه الكتب، والاضطراب فيها، أو أن أصل الاضطراب في الموارد التي نقل ابن الكلبي منها. فما رواه ابن الكلبي إذن هو حكاية لما وجده هو أو أخذه من أفواه الرواة، فلا لوم عليه في هذا الشأن ولا تثريب. ولسنا في هذا المكان قضاة نحاول توجيه اللوم لأحد، أو نسحب اللوم من أحد، فهذا ليس من شأننا في هذا الموضع ولا من اختصاصنا، إنما نريد أن نشير إلى هذا التناقض العجيب الغريب الذي نراه فيما وصل إلينا من روايات تتعلق بحادث واحد، والذي نراه بين تواريخ الأخباريين عن ملوك الحيرة مثلًا، فما ذكره "الطبري" من أسماء ملوك لخم ومدد حكمهم، يختلف بعض الاختلاف عما ورد في تأريخ "حمزة" مثلًا أو في "مروج الذهب" للمسعودي، أو في المؤلفات الأخرى التي سترد أسماؤها في ثنايا البحث، مع أنها تشير أحيانًا إلى المورد الذي استقت منه، كابن الكلبي مثلًا. وهذا هو الذي يحملنا على العجب من وقوع هذا الاختلاف.

فهل نقل هؤلاء من كتاب واحد من كتب "ابن الكلبي" مثلًا، أو أنهم نقلوا من مؤلفات متعددة لابن الكلبي، فحدث من أجل ذلك هذا الاختلاف على أنه، مع افتراض هذه الحالة، لا يحوز وقوع مثل هذا الاختلاف، إذ لا يعقل أن يكتب مؤلف واحد فاهم للمادة هاضم لها، له نقد وتفكير تأريخي، خبرًا في كتاب يختلف اختلافًا بينًا عما كتبه في كتاب له آخر، إلا أن يكون قد عثر على موارد جديدة وروايات حصل عليها بعد تأليف الكتب السابقة. ومهما يكن من شيء فإن أمر مناقضة الأخباريين أنفسهم في رواية الأخبار، وفي عدم تنسيقها، من الأمور التي لا ينفرد بها أخباري واحد، وتجد في تأريخ الطبري أمثلة من هذا القبيل حيث يناقض خبره في موضع خبره المروي في موضع آخر

ص: 163

دون أن يشير إليه أو يشير إلى وقوعه من الأخباريين. وقد فطن "ابن الأثير" إلى ذلك فأشار إلى أنه ناقل، وذاكر ما وجده وما قاله مختلف الأخباريين ليقف عليه القارئ. ثم لم يغفل، فذكر ما هو مرجح لديه، أو ما هو مرجح لدى أكثرية الأخباريين.

ومن مواضع الاختلاف بين الأخباريين، اختلافهم في تسلسل من حكم "الحيرة" من ملوك، وفي مدد حكمهم. ومن عادتهم ذكر مدة حكم الملك إجمالًا، كأن يقولوا:"حكم مدة كذا من السنين"، ثم يذكرون ذلك تفصيلًا محسوبًا بالنسبة إلى مدة حكم من عاصر ذلك الملك من ملوك الفرس، كأن يقولوا:"منها كذا في حكم الملك الفلاني، وكذا في حكم الملك الفلاني"، وهكذا إن كان الملك قد أدرك جملة ملوك من ملوك الفرس، وأنت إذا فحصت ما ذكروه إجمالًا، ثم ما ذكروه تفصيلًا وجمعته بعضه مع بعض تجد اختلافًا بين حاصل الجمع والعدد المذكور إجمالًا في بعض الأحايين. وقد أوجد اختلاف الأخباريين في تسلسل الملوك وفي مدد الحكم صعوبات جمة للباحثين في هذا التأريخ في تثبيت تواريخ الملوك، وفي تعيين أيامهم على وجه مضبوط ما برحت قائمة في هذا المدون عن تأريخ آل لخم وتأريخ آل غسان.

وقد درج بعض المؤرخين مثل الطبري وأبي حنيفة الدينوري وابن الأثير على إدماج تأريخ الحيرة في تأريخ الفرس في الجملة، فهم وأمثالهم يذكرون في كلامهم على ملك من ملوك الساسانيين صلات ذلك الملك بعرب الحيرة، ويشيرون إلى ملكها الذي كان يحكم في أيامه، وإلى عدد من عاصر من ملوك الفرس، ولذلك تجزأ تأريخ الحيرة وتناثر في صفحات فصول هؤلاء المؤرخين عن تأريخ الساسانيين.

ودرح فريق آخر كاليعقوبي وحمزة والمسعودي على تدوين تأريخ الحيرة في باب مستقل بني على حسب تسلسل حكم الملوك كما استقر ذلك في ذهن الكاتب، مع ذكر بعض الأمور المتعلقة بالملك من سني حكم، أو من معاصرة لملوك الساسانيين أو من بناء أو ما شابه ذلك. وتجد في مؤلفات هؤلاء الأخباريين أمورًا لم يتطرق إليها أصاحب الطريقة الأخرى في بعض الأحيان. وتفيدنا مؤلفات هؤلاء من هذه الناحية في زيادة علمنا بتأريخ الحيرة المستقى من المورد الأول.

ويؤسفنا جدًّا أن لا نملك حتى الآن دراسة علمية دقيقة للتأريخ وللمؤرخين الإسلاميين وللموارد التأريخية وكيفية أخذ بعضها من بعض، وهي دراسة لا بد

ص: 164

منها، إذ بغيرها لا نتمكن من كتابة تأريخ بالمعنى العلمي للعرب قبل الإسلام. وهي تيسر لنا فهم اتجاهات المؤرخين، وتصنيف الموارد على أساس الأسبقية، وبذلك تتيسر مهمة المؤرخ بعض التيسر، وتمهد له الجادة بعض التمهيد.

ومن المؤسف حقًّا أن الأخباريين كانوا يتصرفون بالنصوص وبالمقتبسات التي يعتمدون عليها، ويجرون فيها بعض التغيير، وربما أغفلوا أسماء أصولها، فتظهر كأنها منهم على حين أنها نقل وأخذ، ولو أشاروا إلى المقتطفات والمقتبسات في الموضع المناسب، لكان في إشارتهم هذه خدمة كبرى لمن جاء بعدهم، وهداية إلى الموارد الأصلية التي يجب أن يرجع إليها ويعتمد عليها.

ومن حسن الحظ أن بين أيدينا جملة مؤلفات لاتينية ويونانية، وردت في ثناياها إشارات إلى "عرب الروم" و" عرب الفرس"، أي عرب الشأم من "آل جفنة" وعرب الحيرة من "آل لخم". وقد عاصر بعض أصحاب هذه المؤلفات أولئك القوم، واشتركوا هم أنفسهم في الحملات لكونهم مؤرخين رسميين يسيرون مع القيصر أو القواد لتدوين الحوادث والمشاهدات. وقد أفادتنا إشاراتهم هذه فوائد كبيرة، وعليها كان جل اعتماد الباحثين في إيجاد مواضع ارتكاز يطمئن إليها في تعيين تواريخ "آل جفنة" أو "آل لخم"، وبها تمكنا من تصحيح أكثر أغلاط الأخباريين. ولقدمها –بالنسبة إلى مؤلفات الإسلاميين- ولكون معظمها من عهد ما قبل الإسلام، وكان لها حق التقديم بالطبع في نظر المؤرخ الحديث، ولكن هذا لا يدفع عنها مع ذلك مواطن النقد والشبهات.

وللمؤلفات السريانية فضل يجب ألا ينسى أيضًا في تدوين هذا التأريخ، ولكنها ليست على الإجمال كالمؤلفات اليونانية واللاتينية في الدقة وفي النقد. ولما كان الكثير منها تواريخ كنسية، تعرضت لتأريخ الحيرة أو عرب الشأم أو العرب الآخرين بقدر ما لهؤلاء من صلة بالكنيسة وبالنصرانية، وهي على الجملة تمزج الأخبار بالمعجزات وبخوارق العادات وبرواية كرامات الآباء في هداية الملوك الوثنيين وسادات القبائل، وهي لا تخلو أيضًا من العصبية التي اتسم بها ذلك الزمن في النزاع المذهبي الذي منيت به النصرانية وفي محاولة الغض من الطرف النصراني الثاني، كالذي نجده بين المؤلفات النسطورية واليعقوبية والملكية وأمثالها، فلكل منها رواية بأسلوبها الخاص، لذلك وجب علينا الانتباه لهذه الناحية حين الرجوع إليها، وتخليص رواياتها من شوائب العصبية للمذهب، ونقدها لاستخلاص

ص: 165

العنصر التأريخي منها في تدوين تأريخ صحيح لعرب العراق أو عرب بلاد الشأم أو عرب جزيرة العرب.

وأهل الحيرة عرب، يقسمهم الأخباريون إلى طبقات ثلاث: تنوخ، والعباد، والأحلاف1. هؤلاء في نظرهم من قبائل متعددة، فيها من قحطان وفيها من عدنان. وقد ذكروا أن في لهجة أهل الحيرة هجنة، رجعوا سببها إلى اختلاط هؤلاء العرب بمن كان يفد عليهم من النبط ممن كانوا يثيرون الأحداث فيلتجئون إلى هذا المكان2. ولذلك شابت لهجتهم رطانة نبطية. وقد كتبوا بقلم "بني إرم"، شأنهم في ذلك شأن تدمر وأهل "بطرا" إذ استعملوا قلمًا نبطيًّا متأخرًا في الكتابات.

أما تنوخ، فهم قبائل سكنوا بيوت الشعر والمظال والوبر غربي الفرات بين الحيرة والأنبار فما فوقها في اصطلاح أهل الأخبار3. ويظهر من وصفهم لتنوخ أنهم قصدوا بهم من كان يشتغل بالزراعة ومن كان يعيش عيشة أهل البادية من سكان هذه المنطقة: منطقة ما بين الحيرة والأنبار. ولم يقصدوا قبيلة معينة4.

وللأخباريين رأي خاص في تفسير أصل كلمة "تنوخ" خلاصته: أنه لما مات "بختنصر"، انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب إلى أهل الأنبار، وبقيت الحيرة خرابًا، فغبروا بذلك زمانًا طويلًا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان. فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب، وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم، فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم، فتشتتوا. وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر "عمران ابن عمرو" من بقايا "بني عامر"، وهو:"ماء السماء بن حارثة"، وهو:"الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"، و" مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله

1 حمزة "66".

Die Araber، I، S. 268، Noldeke، Geschichte Der Perser. 1879، S. 24.

2 البلدان "3/ 380"، Rothstein، S. 18.

3 حمزة "66"، و"تنوخ: حي من اليمن"، اللسان "نوخ".

4 Rothstein، S. 28، Noldede، Sassa، S. 24، Anm. 3.

ص: 166

ابن أسد بن وبرة" في جماعة من قومهم، و"الحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان" في "قنص" كلها. ولحق بهم "غطفان بن عمرو ابن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أنصى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معد ابن عدنان"، و"زهر بن الحارث بن الشلل بن زهير بن إياد"، و"صنح ابن الحارث بن أفصى بن دعمى بن إياد". فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التنوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا يدًا على الناس، وضمهم اسم تنوخ.

وتنخ على تنوخ بطون من "نمارة بن لخم"، ودعا "مالك بن زهير""جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي" إلى التنوخ معه، وزوجه أخته "لميس" ابنة "زهير"، فتنخ "جذيمة بن سالك" وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد، فصار "مالك" و"عمرو" ابنا "فهم" والأزد حلفاء دون سائر تنوخ. وكلمة تنوخ كلها واحدة. أما اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم، فكان على حد قول "ابن الكلبي" في أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر وفرق البدان بينهم عند قتله "دارا" ملك فارس إلى أن ظهر "أردشير بن بابك" ملك فارس على ملوك الطوائف، وقهرهم، ودان له الناس.

وفي هذا العهد عهد ملوك الطوائف، تطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا فيه، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمعوا على السير إلى العراق. وكان أول من طلع منها "الحيقار بن الحيق" في جماعة قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين "بني إرم"، وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل، يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، فاستفادوا من ذلك وانتشروا في السواد، وسكن قسم منهم بين عرب الأنبار، وسكن قسم آخر منهم بين عرب الحيرة. ثم طلع "مالك" و" عمرو" ابنا "فهم بن تيم الله"، و"مالك بن زهير بن فهم بن تيم الله"، و" غطفان ابن عمر بن الطمثان"، زهر بن الحارث"، و"صنح بن صنح" فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار على ملك الأرمانين، فطلع "نمارة بن قيس بن نمارة" و"النجدة"، وهم قبيلة من العماليق، يدعون إلى "كندة" و"ملكان بن كندة" و"مالك" و"عمرو" ابني "فهم"

ص: 167

ومن حالفهم، وتنخ معهم على "نفر" على ملك الأردوانيين، فأنزلهم الحير، أي الحيرة، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة "نفر" على ذلك لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم الأعاجم حتى قدمها تبع، وهو:"أسعد أبو كرب بن ملكيكرب" في جيوشه فاستولى عليها، ونزل الحيرة فيمن معه1.

وروى "ابن الكلبي" أن كثيرًا من تنوخ نزلوا الأنبار والحيرة وما بين الحيرة وطف الفرات وغربيه إلى ناحية الأنبار وما والاها. نزلوا في المظال والأخبية لا يسكنون بيوت المدر، ولا يزاوجون أهلها. وكانوا يسمون "عرب الضاحية". فكان أول من ملك منهم في زمان الطوائف "مالك بن فهم"، وكان منزله مما يلي الأنبار، ثم مات مالك بن فهم، فملك من بعده أخوه "عمرو بن فهم"، ثم هلك عمرو بن فهم، فملك من بعده "جذيمة الأبرش ابن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي"2.

وقد أخذ الطبري ما ذكره عن "تنوخ" من روايات ترجع إلى "ابن الكلبي" وإلى "ابن إسحاق"، وتختلف روايات "ابن إسحاق" التي أخذها "الطبري" عن شيخه "ابن حميد" عن "سلمة" عن "ابن إسحاق" بعض الاختلاف عن روايات "ابن الكلبي".

ولدينا رواية تذكر أن "بني زهير بن عمرو بن فهم"، ومنهم "مالك ابن فهم" الذي تنخت عليه تنوخ. هو ومالك بن فهم بن غنم الأزدي، تنخوا بعين هجر، وتحالفوا هناك، فاجتمعت إليهم قبائل من العرب، فنزلوا الحيرة، فوثب "سليمه بن مالك بن فهم" على أبيه، فرماه فقتله،

فقال أبوه:

أعلمه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رماني

فتفرقت بنو مالك، وكانوا عشرة، ولحقوا بعمان، وملك جذيمة بن مالك عشرين ومئة سنة. وذلك في أيام ملوك الطوائف. وهو أول من اتخذ دارًا3.

1 الطبري "2/ 27 وما بعدها"، الكامل، لابن الأثير "1/ 195 وما بعدها"، البلدان "3/ 377 وما بعدها".

2 الطبري "3/ 28 وما بعدها".

3 الاشتقاق "2/ 317 وما بعدها".

ص: 168

أما ما زعمه أهل الأخبار في معنى تنوخ، فقد أشرت مرارًا إلى جنوح الأخباريين إلى أمثال هذه التفاسير، حين ترسو سفينة علمهم على شاطئ الجهل بالأشياء. وما تنوخ في نظري إلا "Tanueitae""Thanuitae" القبيلة

التي ذكرها "بطلميوس" في جملة القبائل التي كانت في أيامه1. وهي وإن كانت في جغرافيته في مواضع بعيدة عن الحيرة غير أن ذلك لا يمنع من انتقال بطون منها إلى الحيرة وبادية الشأم وإقامتها فيها، وهو حادث مألوف ليس بغريب، أو أنها كانت في هذه المواضع في أيام "بطلميوس" كما كانت بطون منها تقيم في المواضع التي ذكرها أو أنه أخطأ في تعيين مواضعها الصحيحة فظن أنها حيث وضعها من الأماكن، وهو أمر ليس وقوعه من الكتاب في الزمن الحاضر بغريب، فكيف بالنسبة إلى تلك الأيام.

فتنوخ إذن على الوصف المتقدم، هم أعراب الحيرة، لا حضرها وأهل مدرها، وكانوا يعيشون في أطرافها وحولها، في بيوت الشعر والمظال، على نقيض "العباديين". وقد تبين من بعض الموارد أن بطونًا من تنوخ نزلت أرضين تابعة للروم2.

وأما العباد، فهم الذين سكنوا رقعة الحيرة فابتنوا بها، فهم حضر مستقرون3. ويقول معظم الأخباريين أنهم كانوا على دين المسيح. ويقول بعضهم: إنهم قبائل شتى من بطون العرب، اجتمعوا على النصرانية، والنسبة إليهم عبادي4. وذهب بعض إلى أنهم بطن في جزيلة من لخم5. وخالف فريق فذهبوا إلى أنهم كانوا من قبائل شتى انفردوا من الناس في قصور ابتنوها لنفوسهم ظاهر الحيرة6. وأنهم دانوا لأردشير7.

ونسبهم بعض أهل الأخبار إلى "بني عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة

1 Sprenger، Alte Geography، 341، Glaser، Skizze، II 283، Blay، In ZDMG 22، 1868، S. 660، Forster، II، P. 247.

2 Die Araber، II، S. 251.

3 حمزة "66"، Die Araber، I، S. 269.

4 الاشتقاق "1/ 7""طبعة وستنفلد". Rothstein، S. 19.

5 العقد الفريد "2/ 253".

6 ابن القفطي: الحكماء "199"، غنيمة "16".

7 الطبري "2/ 43".

ص: 169

ابن أسد بن ربيعة"، وذكروا أنهم من نسل أربعة، هم: عبد المسيح، وعبد كلال، وعبد الله، وعبد ياليل1. وأشار "السهيلي" إلى ورود اسمهم في الحديث، فقال: "وفي الحديث المسند: أبعد الناس عن الإسلام، الروم، والعباد، وأحسبهم هؤلاء؛ لأنهم تنصروا. وبهم من ربيع، ثم من بني عبد القيس"2.

وللأخباريين أقوال في أصل كلمة "العباد"، فمنهم من يقول أنهم إنما سموا بذلك؛ لأن وفدًا وفد على كسرى كانت أسماؤهم تبتدئ بكلمة عبد، فقال كسرى: أنتم عباد كلكم فسموا العباد3. ومنهم من يقول: لا، إنما قيل لهم العباد؛ لأنهم كانوا يعبدون الله، فسموا بهذا الاسم4. ومنهم من يرى أنهم سموا بذلك؛ لأنهم لما قاتلهم سابور الأكبر، اتخذوا شعارًا لهم، هو يا آل عباد، فسموا العباد5. إلى غير ذلك من أمثال هذه التعليلات.

وأظن أن خير ما نفعله في هذا الباب لمعرفة من كانت تنطبق عليهم هذه التسمية، هو أن ندرس أسماء مشاهير من نسبوا إلى العباديين من أسر ورجال، مثل: أسرة عدي بن زيد العمادي، وبني مرينا، وبقيلة، وأمثالهم ممن حشروا في العباديين. فقد شملت التسمية هؤلاء وهم من قبائل مختلفة. كان آل عدي ابن زيد مثلًا من تميم، وكان بنو مرينا من لخم، وكانت بقيلة من الأزد6. فهم إذن من قبائل مختلفة، ومع ذلك عرفوا بالعباديين، وذلك يدل على أن هذا الاسم لم يكن يعني قبيلة، أو بطنًا، وإنما يعني جماعة من قبائل شتى جمعت بينها وحدة الدين، ووحدة الموطن. لذلك لم يطلق إلى على النصارى العرب من أهل الحيرة. أما غيرهم من نصارى العرب، فلم يشملهم اسم العباديين7.

1 الروض الأنف "1/ 53".

2 الروض الأنف "1/ 53".

3 اللسان "3/ 272"، "عبد"، ابن قتيبة المعارف "649"، ابن العبري، تأريخ مختصر الدول "250".

4 تاج العروس "2/ 410 وما بعدها"، "عبد" ابن القفطي، "173 وما بعدها"، اللسان "3/ 272"، الروض الأنف "1/ 53".

5 الأغاني "11/ 156".

6 Rothstein، S. 20.

7 Rothstein، S. 20.

ص: 170

ويمكن أن نقول استنادًا إلى روايات الأخباريين في تحديد مدلول الكلمة، واقتصارها على نصارى الحيرة دون غيرهم من نصارى العرب: إن هذه الكلمة أطلقت في الأصل على من تنصر من أهل الحيرة، ليميزوهم عن غيرهم من سكان المدينة من الوثنيين. ولم يكن أولئك النصارى في بادئ أمرهم بالطبع إلا فئة قليلة، ثم توسعت من بعد. فلما انتشرت النصرانية في الحيرة لازمت هذه التسمية جميع نصاراها، كائنًا من كانوا، وصارت علمًا لهم، لم تميزهم عن الوثنيين حسب، وإنما ميزتهم أيضًا عن بقية النصارى العرب من غير أهل الحيرة فلما مضى زمان طويل على هذا الاستعمال، ظن المتأخرون أنه علم، ثم حاروا في تعليله، فأوجدوا على طريقتهم تلك التعليلات.

ولعل العباد والعباديين من كلمة "عبد" في الأصل، أطلقها متنصرة الحيرة الأولى على نفسها؛ لأنها تعبدت لإله، لتميز نفسها عن الوثنيين. أو أن أولئك الوثنيين أطلقوها على أولئك المتنصرة، تمييزًا لهم عن سائر الوثنيين. وقد يكون لـ "عبد المسيح" علاقة بهذه التسمية كذلك. وهي تسمية شائعة بين النصارى شيوع "عبد الله" بين المسلمين1.

ولا أستبعد أن يكون العباد والعباديين، هم بقية "اباديدي""Abadidi" أو "إباديدي""Ibadidi"، الذين تحدثت عنهم في أثناء كلامي عن الآشوريين.

وقد كان العباديون أكثر أهل الحيرة ثقافة، حذق بعضهم الصناعات ودرس بعضهم العلوم، وفاق بعض آخر في اللغات فحذق العربية وتعلم الفارسية، وكانوا يتقنون في الغالب لغة بني إرم بحكم تنصرهم واعتبار النصارى لها لغة مقدسة؛ لأنها لغة الدين، لذلك كان لهم وجه ومقام في الحيرة، ولهذا السبب اختار الفرس تراجمتهم ومن كان يتولى المراسلة بينهم وبين العرب من هؤلاء، كالذي كان مع "زيد العبادي" والد "عدي".

وأما "الأحلاف"، فهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيها، ولم يكونوا في الأصل لا من تنوخ، ولا من العباد الذين دانوا لـ "أردشير"2.

وقد كان بين أهل الحيرة جماعة من النبط3، كما كانت بينهم جماعات من

1 Noldede، Sassa، S. 24، Rothstein، S. 21.

2 حمزة "66".

3 الأغاني "8/ 61".

ص: 171

الفرس ومن اليهود. والنبط هم من بقايا قدماء العراقيين، وقد كان بعضهم يتكلم العربية برطانة ظاهرة، فتأثر بعض عرب الحيرة بهذه الرطانة، فبدت على ألسنتهم، وذلك باختلاطهم بتلك البقية التي تكلمت بلهجة بني إرم وهي التي عرفت بلغة "النبط" عند المسلمين1.

وكانت للوثنيين من أهل الحيرة أصنام، منها: اللآت، والعزى، وسبد2، و"محرق" وبه تسمى بعض الرجال تبركًا وتقربًا إليه3.

لقد كان معظم نصارى الحيرة على مذهب النساطرة، وهو مذهب شجعه الفرس في بلادهم نكاية بالروم. غير أن هنالك جماعة كانت على مذهب اليعاقبة، كما كان بعضهم على مذاهب نصرانية أخرى لا مجال للحديث عنها في هذا المكان. وقد حاول أصحاب هذه المذاهب كسب أكبر عدد ممكن من الناس إلى مذاهبهم. وطبيعي ألا يجد مذهب الروم صدرًا رحبًا في الأرضين الخاضعة للفرس، لما في ذلك من أخطار سياسية تهدد مصالحهم.

وقد كانت الحيرة من المراكز المهمة في حركة التبشير بالنصرانية بين العرب. ومن الحيرة ذهب قسم من المبشرين إلى اليمن والأجزاء الأخرى من جزيرة العرب لنشر النسطورية والمذاهب النصرانية الأخرى هناك، وفيها انعقد مجمع "دار يشوع" في سنة "424"4، وفي هذه المدينة توفي هذا الجاثليق "دار يشوع" ودفن فيها على بعض الروايات5.

ما ذكرته عن أهل الحيرة، هو ما يخص أهل المدينة وما حولها من الحضر المستقرين. أما من كان قد خضع لملوك الحيرة، فكانوا قبائل يعيشون في أرضين واسعة، كانت تتقلص سعتها وتتوسع بحسب قدرة "ملك الحيرة" ومكانته، فقد حكم "امرؤ القيس" مثلًا "كل العرب" على حد قول النص:"نص النمارة" الذين وجد على قبره. ويقصد بذلك "كل الأعراب"، وخص منهم "أسدًا" و"نزارًا" و"مذحجًا" وغيرها، حتى بلغ حدود "نجران"،

1 "عرب استنبطنا، ونبط استعربنا"، أمالي المرتضي، "1/ 177".

2 الأغاني "2/ 104"، "طبعة دار الكتب المصرية"، "2/ 20"، "ساسي".

3 Rothstein، S. 95 Noldeke، In ZDMG، 1887، S. 712.

4 الديورة في مملكتي الفرس والعرب "10".

5 أوحين نسران، خلاصة تأريخية للكنيسة السريانية، "تعريب القس سليمان الصائغ"، والموصل 1939 "ص 26 وما بعدها".

ص: 172

كما ملك "معدًّا"1. ولكننا لا نستطيع أن نؤكد أن ملك ملوك الحيرة قد شمل القبائل المذكورة في كل الأوقات، بل في كل أيام حكم "امرئ القيس"، فقد تعودت القبائل الانتفاضة على من يفرض حكمه عليه عند أول فرصة يشعرون فيها بضعف الحاكم، أو أن الأوضاع أخذت تسير عكس ما يريد، فتنقلب عليه وتخرج على طاعته.

ونجد في رسالة "شمعون الأرشامي" الحيرة أن في جملة من كان في معسكر "المنذر" الثالث، "طيايه حنبه ومعدايه"، أي "طيء" ومعد. والأغلب أنه قصد بـ "طياية" الأعراب، فقد كانت تطلق بهذا المعنى في هذا المعهد. ولعله قصد بـ "حنبه""حنفه" قبيلة "بني حنيفة" أو قبيلة أخرى اسمها قريب من هذا الاسم.

ويلاحظ أن اسم "معد" كان معروفًا مشهورًا على أنه من القبائل العربية الكبيرة التي تشمل منازلها أرضين واسعة. وقد ميز بينها وبين "نزار" في "نصر النمارة" مما يدل على أن "نزارًا" كانت منفصلة عن "معد" ولها اسم خاص في القرن الرابع للميلاد.

أما الأنبار التي زعم الأخباريون أنها بنيت في أيام بختنصر، فقد كانت من المدن المعروفة في أيام الساسانيين، تلي شهرتها في العراق شهرة مدينة "طيسفون""Ktesiphon". وقد تبين من فحص آثارها ومعالمها الباقية أنها من المواضع التي كانت قبل عهد الدولة الساسانية، غير أننا لا نعرف من أمرها شيئًا يذكر قبل عهد هذه الدولة، والذي بعث فيها الحياة وأنشأ فيها الأبنية والعمارات، هو الملك الساساني "سابور الثاني""شابور""Shapur II""310-379 م"2، أو سابور الأول في بعض الروايات3. وقد حصنت وقويت وجعلت قلعة حربية لصد غارات الروم على حدود هذه المملكة من ناحية الفرات. وكان لها أثر مهم في الحملة التي قام بها الانبراطور "يوليانوس""Julianus" على مملكة الساسانيين في سنة 363 للميلاد، إذ دافعت عن نفسها دفاعًا شديدًا. ولما تمكن يوليانوس منها، بعد ذلك الحصار المتعب صارت ركامًا وتلالًا من الرماد، فأمر عندئذ ببناء "هيليوبوليس""Heleopolis". وقد وصف المؤرخ "أميانوس مرسليانوس""Ammianus Mercellianus" الأنبار،

1 تأريخ العرب قبل الإسلام، لمؤلف هذا الكتاب "4/ 33 وما بعدها"،

Die Araber، II، S. 313.

2 Paulys – Wissowa، 64، Halbband، 1950، 1725، Ency، I، P. 348.

3 Paulys-Wissowa، 2 Halbband، 1894، 1791، Musil، Euqhrates، P. 354.

ص: 173

وذكر قلاعها الحصينة1.

وفي جنوب هذه المدينة وعلى مسافة قليلة منها، يقع نهر عيسى الذي يصل الفرات بدجلة، وهو نهر قديم يرجع عهده إلى ما قبل الإسلام، عرف بـ "Naarsares" أو "Narsares"2 ويظن أن الملك سابور الثاني المذكور هو الذي أمر بحفره. وقد اكتسبت المدينة بهذا النهر شأنًا خاصًّا إذ صارت فرضة مهمة، ومخزنًا للأموال، ومركزًا عظيمًا في وسط العراق للتجارة ولتبادل السلع المرسلة عن طريق دجلة إلى الفرات وبالعكس. ولاسم هذه المدينة، وهي الأنبار، علاقة بهذا المعنى على ما يظن. وهو من "Ham-Bara" الإيرانية القديمة، ومعناها المخزن، ومنها "أنبار""Anbar" بالفارسية الحديثة. وقد عرف العلماء المسلمون معنى الكلمة فذكروه3. ومن هذه الكلمة أخذ البيزنطيون "Anbara" "Abbareny" "Abara"، ويقصدون بها الأنبار4.

وقد عرفت المدينة بـ "فيروز سابور""بيروز شابور""Peroz Shapur" كذلك. ومعنى هذه الكلمة "سابور المنتصر". ومنها جاء اسمها "بيريسابورا""Pirisaboora""Bersabora""Pirisaboras" المذكور في تأريخ "أميانوس مارسليانوس" و"زوزيموس". وقد ذكر هذا الاسم في المؤلفات السريانية. وكان عليها أسقف نسطوري5.

ويظن أن موضع "أنكوباريتيس""Ankobaritis" المذكور في جغرافية

1 Paulys-Wissowa، 64 Halbband، 1950، 1725، Ammianus، XXIV، 2، 9، XXIV، 2، 18، Musil، Euphrates، PP. 234، 236، 240، 354.

2 "نهر صرصر". Paulys-Wissoma، 64 Halbband، 1950، 1725.

3 "وإنما سميت الأنبار أنبار؛ لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام، وكانت تسمى الأهراء؛ لأن كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها"، الطبري "2/ 28"، البلدان "1/ 368"، اللسان "5/ 190"، "صادر"، "نبر"،

Ency، I، P. 348، Frankel، Die Aramaischen Fremdworter In Arabischen S. 136، Scheftelwitz In ZDMG، IX 699، Noldede Grammatik Der Neusyrichen Sprache، S. 403، Paulys – Wissowa، Zwiter Halbband، 1894، 1461.

4 Ency، I، P. 348.

5 Ammianus Marcellianus، XXIV، 29، 5، 3، Paulys-Wissowa، 2 Halbband. 1894، 1791.

ص: 174

"بطلميوس" يعني المنطقة التي تقع فيها الأنبار، فإذا كان هذا الظن صحيحًا، كان اسم هذه المدينة معروفًا إذن قبل أيام الساسانيين1.

ولم يذكر "ايزيدور الكركسي""Isidorus Of Charax" الذي ساح حوالي ميلاد المسيح في إنبراطورية الفرث، اسم هذه المدينة، ولا اسمًا آخر يقع في هذا المكان، لذلك يرى بعض الباحثين أن الأنبار لم تنشأ إلا بعد أيام "ايزيدور" وربما في القرن الأول للميلاد، وأنها أنشئت في بادئ الأمر لخزن المواد فيها وتموين الحاميات بما تحتاج إليه، ثم توسعت في العصر الساساني حتى أصبحت المدينة الثانية في إقليم بابل بعد طيسفون2.

وفي رواية لـ "ثيوفيلكتس""Theophylactus" أن "كسرى برويز الثاني""Khusrave Abharvez""590-628م تقريبًا"، حينما هرب من وجه "بهرام جوبين" حوالي سنة 590 للميلاد، وترك العاصمة طيسفون عبر دجلة واختراق البادية حتى جاء الأنبار، ومنها ذهب إلى عانة "Anatha"، ومنها ذهب إلى "قرقيساء" حيث اتصل بالروم3.

وقد صارت "الأنبار" من أهم المواضع العلمية ليهود العراق في عهد "هرمز الرابع""578-591م" أو "579 -590م"، فلما اضطهد هذا الملك اليهود، وأمر بإغلاق مدارسهم الدينية التي كانت من أهم مدارس اليهود في ذلك العهد في مدينتي "سورا""Sura'" و"بومبيدثا"، "فومبيديثه""Pombeditha"، انتقل أحبار المدينتين إلى مدينة "فيروز سابور""Peroz Shapur" أي الأنبار. وكانت إذ ذاك في حكم ملوك الحيرة4، وصارت منذ ذلك العهد مركزًا من مراكز الثقافة اليهودية في العراق.

وتقع "فومبديثه""Pombeditha" بجوار الأنبار، وتعني "فم البداة"، وقد كانت من أهم المستوطانت اليهودية في العراق، ومن أهم المراكز العلمية التي أخرجت طائفة من كبار أحبار اليهود، أسهموا في تدوين التلمود وفي جمع التراث اليهودي القديم. ومن علمائها "مار رابة الغاؤون" وآخرون. وقد قدم

1 Ptolemy، V، 18، 4، Paulys-Wissowa، 2 Halbband، 1894، S. 1791.

2 Paulys-Wissowa، 2 Halband، 1849، 1791.

3 Theophylactus، IV، 10، 4، Paulys-Wissowa، 2 Halbband، 1894، 1794.

4 Die Araber، I، S. 630، Th. Noldeke، Tabari، 57، Anm، 5.

ص: 175